طَرَدَ مورفِيل كلَ مَن كَانوا فِي القَاعَةِ، وَانتَصَبَ عَلَى عَرشِهِ كَمَن يَستَعِد لِكِشفِ سِرٍ عَظِيمٍ. وَأَشَارَ بِيَدِهِ نَحوَ إِيفَان:
"اجلِس أَمَامِي، يَا إِيفَان. قَد آنَ الأَوَان لِكَي تَعرِفَ مَا جَهِلتَه طَوَالَ هَذِهِ السِنِينَ."
جَلَسَ إِيفَان بِصَمتٍ، وَمَظهَره يَشِي بِالاِستِغرَابِ، وَعَينَاه مثَبَتَتَانِ عَلَى مَلِكِهِ.
تَنَفَسَ مورفِيل بِعمقٍ، وَأَرخَى جَفنَيهِ لِبرهَةٍ، ثمَ قَالَ بِنَبرَةٍ خَافِتَةٍ وَمَشبوعَةٍ بِالغموضِ:
"النبوءَة... أسطورَةٌ لا يَعرِفهَا كَثِيرونَ، وَلَكِنَهَا أَكثَر وجودًا مِنَ الحَقَائِقِ. فِي كلِ قَرنٍ وَنِصفٍ، يَختَار إِلٰه الدَمَارِ طِفلًا مِمَن يَسرونَ بَينَ مَلِكٍ وَمَلِكَةٍ، لِيَكونَ أَدَاتَه فِي نَشرِ الفَسَادِ عَلَى وَجهِ الأَرضِ."
تَجَعَدَ جَبِين إِيفَان، وَقَالَ بِنَبرَةٍ فِيهَا شَكٌ:
"وَلَكِنَكَ قلتَ... فَتًى. وَالَتِي أَحضَرنَاهَا إِلَيكَ... فَتَاة! كَيفَ تَكون نبوءَةً؟"
اِبتَسَمَ مورفِيل بِغموضٍ، ثمَ هَزَ رَأسَه، وَقَالَ:
"فِي كلِ نبوءَةٍ سَابِقَةٍ، كَانَ المختَار فَتًى. لَكِنَ هَذِهِ المَرَةَ مختَلِفَة. هنَاكَ شَيءٌ مَا... قوًى تَتَجَمَع فِي هَذِهِ الفَتَاةِ. أَتَعلَم مَا الَذِي يرعِبنِي؟ لَيسَ أَنَهَا نبوءَةٌ، بَل أَنَهَا قَد تَكون أَكثَرَ مِن ذَلِكَ."
تَمَعَنَ إِيفَان بِوَجهِ مورفِيل وَهوَ يَلتَقِط أَفكَارَه مِن زَاوِيَةٍ مظلِمَةٍ فِي عَقلِهِ.
فَقَالَ بِلَهجَةٍ جَادَة:
"أَتَعني أَنَهَا لَيسَت مجَرَدَ أَدَاةٍ... بَل قوَةٌ بِنَفسِهَا؟"
اِنحَنَى مورفِيل إِلَى الأَمَامِ، وَأَجَابَ وَعَينَاه تَلمَعَانِ:
"أَجَل. إِنَهَا مفتَاح الدَمَارِ. فِي لَيلَةٍ يَكون قَمَرهَا دَامِيًا، تَكسِر الدِمَاء سيوفَ الملوكِ، وَلَا تَشرق الشَمس حَتَى يَسقطَ عَرشٌ فِي الهَاوِيَةِ. وَسَتَكون هِيَ الشَرَارَةَ الَتِي تشعِل ذَلِكَ الحَرِيقَ."
اِبتَلَعَ إِيفَان رِيقَه، ثمَ هَمَسَ:
"وَمَا خطَتكَ، سَيِدِي؟ مَاذَا ترِيد أَن تَفعَلَ بِهَا؟"
اِنتَصَبَ مورفِيل، وَدَارَ حَولَ القَاعَةِ كَمَن يفَكِر بِصَوتٍ مرتَفِعٍ:
"أرِيد أَن أَكسِرَهَا... وَأَبنِيهَا عَلَى طَرِيقَتِي. سَأَجعَلهَا تَرَانَا آلِهَتَهَا، وَتَرَى أَعدَاءَنَا شَيَاطِينَهَا. لَن تَعرِفَ نَفسَهَا إِلَا كَمَا نَصنَعهَا. هَذِهِ المَرَة، النبوءَة سَتَخدِمنَا. سَتَكون نَصلًا فِي يَدِي."
تَنَهَدَ إِيفَان، وَقَالَ:
"سَأَفعَل مَا تَأمر بِهِ، سَيِدِي. لَكِنَنِي أَخشَى أَن تَكونَ قوَتهَا أَكبَرَ مِمَا نَتَوَقَع."
اِبتَسَمَ مورفِيل، ثمَ قَالَ وَبِصَوتٍ كَمَن يغَنِي لَحنًا مَسمومًا:"وَمَن قَالَ إِنَنِي أرِيد أَن أَتَحَكَمَ بِهَا؟ أَنَا... أرِيد أَن أطلِقَهَا عَلَى العَالَمِ."خَرَجَ إِيفَان مِن قَاعَةِ العَرشِ وَالخيوط المظلِمَة لِلتَفكِيرِ تَلتَف حَولَ عَقلِهِ كَالثعبَانِ الخَانِقِ. كَانَت خطَاه ثَقِيلَةً، وَصَوتهَا عَلَى أَرضِيَةِ الرخَامِ البَارِدَةِ يحدِث صَدًى يشبِه قطَعَ الزجَاجِ تَتَفَتَت تَحتَ القَدَمِ
فِي الطَرِيقِ نَظَرَ إِلَى الرَاقِصَاتِ وَالخدَامِ يَعودونَ إِلَى القَاعَةِ، كَأَنَ مَا جَرَى مِن كَلَامٍ عَن نبوءَةٍ وَدِمَارٍ لَم يَكن سِوَى هَمسَةٍ فِي الرِيَاحِ.
لَكِنَ فِي صَدرِ إِيفَان، كَانَ صَوت مورفِيل يَدق كَطَبولِ الحَربِ… "فَتَاةٌ لَيسَت كَسَائِرِ النبوءَاتِ… ربَمَا هِيَ أَكثَر مِن نبوءَةٍ".
وَفِي كلِ خَطوَةٍ، كَانَتِ الأَسئِلَة تَنهَشه مِنَ الدَاخِلِ:
> "لِمَاذَا أَنَا لَا أَتَذَكَر سَبعَ سَنَوَاتٍ مِن حَيَاتِي؟ مَن أَبِي؟ مَن أمِي؟ لِمَاذَا أَنَا هنَا فِي هَذَا القَصرِ؟ وَلِمَاذَا… أَشعر أَنَنِي أَعرِفهَا، وَلَكِنَنِي لَا أَعرِفهَا؟"
لَم يطِلِ التَفكِيرَ… وَصَلَ إِلَى غرفَتِهِ. وَدَخَلَهَا كَمَن يَدخل قَبرًا، لَا مَلَاذًا. غرفَةٌ ظَلَ يَسكنهَا طولَ عمرِهِ… أَو عَلَى الأَقَلِ الطول الَذِي يَتَذَكَره.
خَلَعَ قِفَازَيهِ بِغَضَبٍ، وَأَلقَاهمَا عَلَى المَقعَدِ المقَابِلِ لِلسَرِيرِ. ثمَ لَم يغَيِر مَلَابِسَه، وَسَقَطَ عَلَى فِرَاشِهِ كَمَن سحِبَت منه روحه.
فِي غرفَةِ إِستِرلِينَا
كنَ الخَادِمَاتِ قَد أَنهَينَ تَجهِيزَهَا لِلنَومِ، وَتَرَكوهَا فِي ثَوبِهَا الأَبيَضِ الحَرِيرِيِ. كَانَت تَجلِس عَلَى السَرِيرِ، وَعَينَاهَا عَلَى كَدَمَاتِهَا… عَلَى ذَاكَ الأَلَمِ الَذِي لَا يَفهَمه جَسَدهَا، وَلَا ذَاكِرَتهَا.
تَذَكَرَت كَلَامَ إِيفَان:
"تِلكَ المَملَكَة… أوستَاريَا… هِيَ مَن فَعَلَ بِكِ كلَ هَذَا. لَكِن لَا تَقلَقِي، أَنتِ الآنَ فِي أَمَانٍ."
وَلَم تَكن تَعرِف لِمَاذَا… لَكِنَهَا صَدَقَته. أَو عَلَى الأَقَلِ، لَم تَجِد مَا يكَذِبه.
لَم تَتَمَكَن مِنِ النَومِ، فَذَهَبَت إِلَى الشرفَةِ، وَالبَرد يَعض جِلدَهَا. وَقَفَت هنَاكَ، تَنظر إِلَى الجَبَلِ المتَجَمِدِ، وَالرِيَاحِ تفَجِر الثَلجَ فِي الهَوَاءِ كَغبَارِ المَوتِ.
وَبَينَمَا هِيَ تَتَأَمَل، أَحَسَت بِالنعَاسِ يَجرهَا. عَادَت إِلَى فِرَاشِهَا، وَنَامَت… لَكِنَه لَم يَكن نَومًا سَالِمًا. فِي وَسَطِ الظَلَامِ، وَفِي غرفَةٍ غَرِيبَةٍ لَا تشبِه غرفَتَهَا،
استَيقَظَت. كَانَ البَاب مَفتوحًا… وَالشَيء الَذِي دَخَلَ مِنه، لَم يَكن بَشَرًا. كَانَ وجودًا مَسخِيًا… عيونه جَاحِظَةٌ، وَأَسنَانه تَتَكَدَس فِي فَمٍ عَفِنٍ. تَقَدَمَ نَحوَهَا، وَهِيَ تَتَكَوَر عَلَى نَفسِهَا فِي السَرِيرِ،
وَتَصرخ صَرخَةً هَزَتِ القَصرَ كلَه…
…وَفَتَحَت عَينَيهَا.
إِيفَان كَانَ يهَزهَا وَينَادِيهَا:
"إِستِرلِينَا! استَيقِظِي! إِنَه كَابوس!"
وَلَكِنَهَا… لَم تَرَه. كَانَ وَجهه نَفسَ الوَجهِ المَسخِي فِي الحلمِ. وَدونَ أَن تفَكِرَ… صَفَعَته.
صَفعَةٌ عَنِيفَةٌ. كَادَت تسقِطه إِلَى الخَلفِ. وَصَمَتَتِ الغرفَة.
نَظَرَ إِلَيهَا، وَهوَ يَتَلَمَس
وَلَكِنَهَا… لَم تَرَه. كَانَ وَجهه نَفسَ الوَجهِ المَسخِي فِي الحلمِ. وَدونَ أَن تفَكِرَ… صَفَعَته.
صَفعَةٌ عَنِيفَةٌ. كَادَت تسقِطه إِلَى الخَلفِ. وَصَمَتَتِ الغرفَة.
نَظَرَ إِلَيهَا، وَهوَ يَتَلَمَس وَجنَتَه، وَفِي عَينَيهِ دَهشَةٌ خَالِصَة. وَفِي عَينَيهَا… دموعٌ.نَظَرَت إِستِرلِينَا بِسرعَةٍ إِلَيهِ، وَبِشَفَتَينِ تَرتَجِفَانِ هَمَسَت، وَهِيَ تَستَوعِب أَنَهَا قَدِ استَيقَظَت مِنَ الكَوَابِيسِ الَتِي كَانَت تحَاصِرهَا:
"آسِفَةٌ... لَقَد كنت فَقَط... أَنَا..."
كَانَ وَجهه - إِيفَان - فِي تِلكَ اللَحظَةِ يشبِه الظِلَ الَذِي سَبَقَ العَاصِفَةَ. مَسحَةٌ قَاتِمَةٌ عَلَى مَلامِحِهِ، وَعَينَاه تَملَآنِ الغرورَ وَالتَهَدِيدَ، حَتَى كَأَنَه سَيَفتَك بِهَا. لَكِنَه تَوَقَفَ، تَنَفَسَ بِهدوءٍ متَكَلَفٍ، ثمَ ارتَسَمَتِ ابتِسَامَةٌ خَفِيفَةٌ عَلَى زَاوِيَةِ شَفَتَيهِ:
"لَا بَأسَ... لَا مشكِلَةَ، يَا أَمِيرَتِي. لَقَد سَمِعت صرَاخَكِ عِندَمَا دَخَلت. لَا بَأسَ... إِنَه مجَرَد كَابوسٍ، لَا أَكثَر."
تَنَفَسَت إِستِرلِينَا بِارتِيَاحٍ، كَأَنَ الجَدارَ الَذِي سَقَطَ عَلَى صَدرِهَا قَد تَبَخَرَ فِي اللَحظَةِ نَفسِهَا.
أَومَأَت لَه بِهدوءٍ، وَتَرَكَ الغرفَةَ لِيَتركَهَا فِي رِعَايَةِ الخَادِمَاتِ الَتِي بَادَرنَ بِتَجهِيزِ حَوَائِجِهَا وَتَحمِيمِهَا، وَتَبدِيلِ مَلَابِسِهَا بِثَوبٍ نَومٍ جَدِيدٍ.
مَرَ أسبوعَانِ، وَلَم يَكن فِيهِمَا شَيءٌ جَدِيرٌ بِالذِكرِ فِي حَيَاةِ إِستِرلِينَا. كَانَت تَستَيقِظ كلَ صَبَاحٍ عَلَى نَغمَاتِ الطيورِ الَتِي تَقِف عَلَى حَافَاتِ النَوَافِذِ،
وَتَمشِي فِي أَروِقَةِ القَصرِ الطَوِيلَةِ كَمَن يَبحَث عَن ذَاكِرَةٍ سرِقَت، دونَ أَن تَجِدَ سَبَبًا وَاحِدًا لِتَستَرجِعَهَا.
لَم تَكن لَهَا أَي عِلَاقَةٍ قَوِيَةٍ بِأَحَدٍ، سِوَى إِيفَان. وَقَد كَانَ أَقرَبَ شَخصٍ إِلَيهَا فِي هَذَا العَالَمِ الَذِي يشبِه المَجهولَ. كَانَ يكَلِمهَا كَثِيرًا، يحَاوِل أَن يمَثِلَ دَورَ الصَدِيقِ، أَو ربَمَا المخَلِصِ، وَهِيَ كَانَت تَستَمِع إِلَيهِ كَمَن يمسِك بِقَشَةٍ فِي بَحرِ الذهولِ.
فِي تِلكَ الأَيَامِ البَارِدَةِ، لَم تفَكِر فِي الخروجِ مِنَ القَصرِ
. كَانَت نسوج الثَلجِ تَسقط بِكَثَافَةٍ وَتغَطِي كلَ زَاوِيَةٍ فِي مَملَكَةِ فِيرلونَا، حَتَى لَم يَعد فِي الإِمكَانِ السَير عَلَى الأَرضِ دونَ أَن يَغرِقَ القَدَم فِي لجَةِ بَردٍ صَامِتٍ.
فَضَلَتِ المَشيَ فِي حَدَائِقِ القَصرِ الكَبِيرَةِ،
حَيث كَانَتِ الأَشجَار الجَرِيدَة تَحتَ الضَبَابِ تشبِه الأَشبَاحَ. تَسِير فِي الصَمتِ كَمَن يَتَعَلَم كَيفَ يصَغِر العَالَمَ إِلَى نَبضَاتِ قَلبٍ وَاحِدٍ. وَمَعَ ذَلِكَ... لَم تَشعر بِالرَاحَةِ. كَانَت كلَمَا لَمَسَتِ الثَلجَ، تَتَذَكَر جروحَهَا.
كل كَدمَةٍ عَلَى جَسَدِهَا... كَانَت تَشهَد عَلَى مَاضٍ لَا تَتَذَكَره، وَلَكِنَه مَزروعٌ فِيهَا كَمِرَارَةٍ قَدِيمَةٍ.
وَبَينَ كلِ هَذِهِ الأَيَامِ، ظَلَ إِيفَان يمَثِل الدَورَ بِكلِ إِتقَانٍ. يَتَصَنَع القربَ، وَيقَدِم لَهَا أَحَادِيثَ دَافِئَةٍ، وَيَحكِي لَهَا حِكَاياتٍ عَنِ المَلِكِ وَالمَملَكَةِ وَالشَعبِ... كلهَا مَحشوَةٌ بِالأَكَاذِيبِ، وَهِيَ لَا تَدرِي، تصَدِقه كَمَن يصَدِق يَدًا تخرِجه مِن بَحرٍ غَرِقَ فِيهِ.
مَرَت الأَيَام عَلَى إِستِرلِينَا كَمَا تَمر الظِلَال عَلَى الجدرَانِ... هَادِئَةٌ وَصَامِتَةٌ، لَكِنَهَا تَخبِئ فِي جوفِهَا مَا هوَ أَكثَر مِن كلِ هَذَا الصَمتِ.
وَكَانَت ترَاوِدهَا أَحلَامٌ غَرِيبَةٌ، مَشَاهِد مبَعثَرَةٌ مِن أَمَاكِنَ لَا تَعرِفهَا، وَوجوهٌ تشبِه وجوهًا لَكِنَهَا لَا تَعرِفهَا... وَكلَمَا استَيقَظَت، تَشعر كَأَنَ قِطعَةً مِنهَا فِي مَكَانٍ آخَرَ، وَكل مَا فِي الدنيَا كَذِبَةٌ مَصنوعَةٌ بِعِنَايَةٍ.
فِي أَحَدِ أَيَامِ بَدَايَةِ الرَبِيعِ، كَانَ الهَوَاء لا يَزَال يَحمِل بَقَايَا بَردِ الشِتَاءِ، وَالأَرض تَرتَجِف خفيَةً تَحتَ وَقعِ تَحَولِهَا.لَم تَتَفَتَحِ الزهور بَعد، بَل كَانَت بَرَاعِمهَا الضَئِيلَة تقَاوِم الثَلجَ الَذِي يَنسَحِب بَطِيئًا، كَجَيشٍ مَهزومٍ خَسِرَ مَعرَكَةَ الفصولِ.
إِستِرلِينَا، بِعَادَتِهَا اليَومِيَةِ الَتِي لَم تَكن تَعلَم لِمَاذَا تَفعَلهَا، خَرَجَت تجَالِس نَفسَهَا فِي طرقَاتِ القَصرِ، وَتَتَجِه نَحوَ سَاحَةِ تَدرِيبِ الفرسَانِ.
كَانَت هنَاكَ، تشَاهِد مِن بَعِيدٍ، وَجهَ إِيفَان… وَجهًا أَلِفَته دونَ أَن تَدرِي، صَارَ يمَثِل شَيئًا أَقرَبَ إِلَى النَبضِ الوَحِيدِ الَذِي تَثِق فِيهِ.
لَكِنَ شَيئًا مَا جَعَلَهَا تَتَوَقَف.
عَينَاهَا وَقَعَت هَذِهِ المَرَةَ عَلَى النِسَاءِ.
نِسَاءٌ يدَرَبنَ، يَركضنَ، يمسِكنَ بِالسيوفِ، وَتَتَلَاعَب النَار فِي أَعينِهِنَ كَمَا يَفعَلهَا الرِجَال.
رَفَعَت إِستِرلِينَا حَاجِبَيهَا بِصَمتٍ، وَتَقَدَمَت خطوَاتٍ خَفِيفَةً أَكثَرَ.
كَيفَ... كَيفَ يَكون ذَلِكَ؟ أَلَم تَكنِ الحروب لِلرِجَالِ فَقَط؟ أَم أَنَ ذَاكِرَتَهَا الَتِي تَسكن هَاوِيَةً غَامِضَةً، تَحجب عَنهَا حَقَائِقَ أَبسَطَ مِن أَن تنسَى؟
وَفِي خَاطِرِهَا، كَانَ هنَاكَ شَيءٌ آخَر… هَمسَةٌ خَفِيَةٌ، كَصَدًى يَتَرَدَد فِي عمقِ نَفسِهَا، كَأَنَ مَن فِي دَاخِلِهَا يخَاطِبهَا:
"لَم يَكن هنَاكَ مَكَانٌ لَكِ فِي هَذِهِ السَاحَةِ… وَلَكِن عَلَيكِ أَن تَدخلِيهَا."
وَمَعَ ذَلِكَ، لَم تَكن تَعلَم مِن أَينَ أَتَت هَذِهِ الكَلِمَات.
كَأَنَ ذَاكِرَتَهَا تَنقب بِأَظَافِرِهَا تَحتَ جِلدِهَا، تحَاوِل الخروجَ، لَكِن هنَاكَ شَيئًا... قوَةٌ خَفِيَةٌ... تقَيِدهَا، تشَوِشهَا، تبقِيهَا حَبِيسَةً فِي قَارورَةٍ زجَاجِيَةٍ محكَمَةٍ.
هَل تَكون ذِكرَيَاتهَا تَخضَع لِاختِبَارٍ؟ أَم أَنَهَا تسَحَب مِنهَا ببطء؟
كَأَنَهَا تفقِد شَيئًا كلَ يَومٍ دونَ أَن تَدرِي؟
وَفِي وَسَطِ هَذِهِ الخَوَاطِرِ، رَأَت إِيفَانَ يقبِل عَلَيهَا، وَهوَ يَبتَسِم.
مَعَ كلِ خطوَةٍ لَه
--------
يتبع
syreiaelora