بِدَايَة

بِدَايَة

10 0

فِي جُزْءٍ آخَرَ مِنْ مَمْلَكَةِ فِيرِلُونَا

اِسْتَيْقَظَتْ إِسْتِرْلِينَا بِلَا أَنْ يَقْطَعَ نَوْمَهَا أَيُّ كَابُوسٍ كَمَا يَحْدُثُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مُنْذُ أَسَابِيعَ. كَانَ الحُلْمُ الَّذِي رَأَتْهُ هَذِهِ المَرَّةَ مُخْتَلِفًا؛ فِيهِ رَأَتْ نَفْسَهَا تَقِفُ أَمَامَ رَجُلٍ، وَبِدُونِ أَنْ تَتَرَدَّدَ رَفَعَتْ سِلَاحَهَا وَطَعَنَتْهُ، ثُمَّ سَمِعَتْ صَوْتَهَا وَهِيَ تَنْطِقُ بِاِسْمِهِ: فِيدُور.

تَوَقَّفَ الحُلْمُ عِنْدَ لَحْظَةِ سُقُوطِهِ، وَلَكِنَّهَا، وَبِدُونِ أَنْ تَدْرِي لِمَاذَا، اِنْحَنَتْ نَحْوَهُ وَاعْتَذَرَتْ. لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ سَبَبَ الاِعْتِذَارِ، وَلَا أَرَادَتْ أَنْ تَفْهَمَهُ، وَكَأَنَّ عَقْلَهَا يُغْلِقُ بَابَ التَّفْكِيرِ فِي ذَلِكَ عَمْدًا.

عِنْدَمَا فَتَحَتْ عَيْنَيْهَا وَنَظَرَتْ إِلَى السَّقْفِ، أَدْرَكَتْ أَنَّ الإِحْسَاسَ الَّذِي رَافَقَهَا فِي الحُلْمِ لَمْ يَخْتَفِ. كَانَ مِثْلَ حِمْلٍ ثَقِيلٍ فِي صَدْرِهَا، وَكُلَّمَا حَاوَلَتْ أَنْ تُبْعِدَ الفِكْرَةَ، عَادَتْ لِتُذَكِّرَهَا بِمَا رَأَتْهُ.

مُنْذُ إِعْدَامِ إِيلْفِيَا، وَهِيَ تَشْعُرُ أَنَّ أَيَّامَهَا تَسِيرُ نَحْوَ الحَضِيضِ. نَفْسُهَا لَمْ تَعُدْ كَمَا كَانَتْ، وَكُلَّمَا مَرَّ يَوْمٌ جَدِيدٌ، يَتَأَكَّدُ لَهَا أَنَّهَا تَفْقِدُ قِسْمًا آخَرَ مِنْ قُدْرَتِهَا عَلَى الاحْتِمَالِ.

جَلَسَتْ إِسْتِرْلِينَا عَلَى سَرِيرِهَا بُطْئًا، وَضَعَتْ قَدَمَيْهَا عَلَى الأَرْضِ البَارِدَةِ، ثُمَّ مَسَحَتْ وَجْهَهَا بِكَفَّيْهَا. بَقِيَتْ لَحَظَاتٍ صَامِتَةً تُحَاوِلُ أَنْ تُفَكِّرَ فِي الحُلْمِ، وَلَكِنَّهَا أَدْرَكَتْ أَنَّ ذَلِكَ سَيَجْرُّهَا إِلَى أَسْئِلَةٍ لَا تُرِيدُ إِجَابَتَهَا.

اِنْهَضَتْ وَتَوَجَّهَتْ نَحْوَ النَّافِذَةِ، فَرَأَتْ السَّاحَةَ الخَارِجِيَّةَ لِلْقَصْرِ وَهِيَ خَالِيَةٌ، عَدَا بَعْضِ الحُرَّاسِ الَّذِينَ يَتَنَقَّلُونَ فِي مَمَرَّاتِهَا. كَانَ الهُدُوءُ فِي المَكَانِ يَشْعُرُهَا بِالْغُرْبَةِ، وَخُصُوصًا بَعْدَ أَسَابِيعَ مَضَتْ وَهِيَ تَسْمَعُ صَخَبَ التَّدْرِيبَاتِ وَحَرَكَةَ الجُنُودِ.

عَادَتْ لِتَجْلِسَ مُجَدَّدًا، وَأَخَذَتْ تَلْعَبُ بِخُصْلَةٍ مِنْ شَعْرِهَا دُونَ وَعْيٍ. فَكَّرَتْ فِي إِيلْفِيَا، وَكَيْفَ أَنَّ مَشْهَدَ إِعْدَامِهَا لَا يُفَارِقُ ذَاكِرَتَهَا. كُلَّمَا أَغْلَقَتْ عَيْنَيْهَا تَرَاهَا تَسْقُطُ، وَكُلَّمَا حَاوَلَتْ نِسْيَانَ ذَلِكَ، يَظْهَرُ لَهَا بِشَكْلٍ أَوْضَحَ.

بَعْدَ بَعْضِ الوَقْتِ، طَرَقَ أَحَدُ الحُرَّاسِ بَابَ غُرْفَتِهَا، وَأَخْبَرَهَا أَنَّ هُنَاكَ أَمْرًا يَجِبُ أَنْ تُقَابِلَ فِيهِ أَحَدَ القَادَةِ. لَمْ تَسْأَلْ عَنْ التَّفَاصِيلِ، بَلْ اَرْتَدَتْ مِعْطَفَهَا وَخَرَجَتْ مَعَهُ. كَانَتْ خُطُواتُهَا ثَقِيلَةً، وَكُلُّ مَا يَدُورُ فِي ذِهْنِهَا هُوَ مَاذَا سَيَكُونُ المَطْلُوبُ مِنْهَا هَذِهِ المَرَّةَ.

فَتَحَتِ استْرْلِينا الباب ببطء و القت نظرة سريعة تتفحص فيها المكان كان ايفان راكعا على قدم واحدة بجانب مورفيل بينما الخدم و الراقصات متوقفون على الجنب،قام مورفيل بتفحص جسدها من الاسفل الى الاعلى و في يده قدح قان يرتشف منه بين الحين و الاخر اشار لها بالاقترب فإقتربت قليلا و هي تحاول توقع ماذا سيقوله لها انحنت له بيط بينما صدح صوته في جدران القاعة

"استرلينا لدينا مهمة لك و الخطأ يساوي الاعدام مثلما فعلنا بعزيزتك"

نظرت له استرلينا و هي تود كل ثانية اقتلاع حنجرته من مكانها كيف يتجرأ و يتحدث هكذا عن ايلفيا؟!

اومئت له بصمت بينما هو تابع كلامه

"مملكة اوستاريا تخطط للهجوم علينا و اجل انتي ستكونين قائدة كتيبة الفرسان هذه المرة. و من الافضل ان لا تخطئي في اي خطوة هل فهمتي؟"

اومئت له بصمت مجددا كأنها تتجنب الكلام مع شخص لا يجدي الحديث معه نفعا

اشار لها بالانصراف لذا انصرفت على الفور و هي منزعجة من كل شيء قاله لها و لكنها لاحظت نظرات ايفان الغريبة لها هي لم تعد تتحدث معه منذ مدة طويلة و ان تحدث هو اليها ترد عليه ببرود او بنفور منه

حتى لم تعد تثق به مثلما عهدت من قبل كانت تمشي في اروقة القصر جاهزة للذهاب الى احد المهاجع التي تكون فيها الفارسات كي تبدل ثيابها هناك و تنطلق من الان بالرغم من ان الوقت مبكر قليلا لكن عليها الحذر من العدو في كل لحظة

ارتدت زيها الفرساني و انطلقت بإتجاه الجنوب مباشرة و تلك السهول كانت تسهل علرهم الرؤية و بالفعل لقد رأو كتيبة اخرى و لحسن الحظ تلك الكتيبة تقودها فتاة كذلك كانت هنتك مسافة كبيرة بينهما و لم ترد استرلينا بدء المعركة مباشرة بل اطلقت صافرة بواسطة لسانها و تكلمت بصوت جهور

"انتم من مملكة اوستاريا اليس كذلك؟!"

نظرت لها تلك الفتاة بعيونها الرمادية العسلية

"استر.... استرلينا..."

لم تسمع استرلينا اسمها و هو يخرج من شفتي الفتاة لذا عاودت سؤالها

"انتم من اوستاريا اليس كذلك؟! ان كنتم من مملكة اخرى انصحكم بالرجوع ادراجكم!"

نظرت كارلا لأسترلينا و الدنوع تجمعت في عينيها اذا هي بالفعل انظمت لصفوفهم لكنها لم تتوقع ان تلتقيها هكذا في هذا المكان و في هذا الموقف

لكنها استرجعت رباطة جأشها بسرعة و تكلمت بصوت اعلى منها

"نعم نحن الكتيبة رقم سبعة من جنود مملكة اوستاريا!"

قالتها و تجهز الكل بوضع الهجوم و في رمشة عين

او ربما اقل من ذلك انطلقت استرلينا بجوادها نحو الجنود القادمين من اوستاريا و ورائها الفرسان و بدأت الدماء تتناثر في تلك السهول الباردة

الكل كان يحارب الا واحدة... كارلا

ظلت على حصانها بدون حراك و لا تريد التحرك تريد العودة بالزمن و رفض العرض كي تكون هي قائدة هذه الكتيبة اللعينة

لكن لم يسعها الوقت كي تفكر الا و لم تشعر بشيء فقط ظلام... و كان اخر ما رأته كان وجه استرلينا و دموع تأبى النزول من عينيها

نظرت استرلينا لجسد الفتاة و هو ينهار من فوق الحصان و رأسها

يتدحرج قليلا و يتوقف عند نقطة معينة لا تعرف استرلينا لماذا الدموع في عينيها و لا تعرف لماذا احست بالحزن عندما رأت وجه هذه الفتاة و من هذه الفتاة اصلا كي تحزن عليها بهذا الشكل و لماذا هذه الفتاة لم تقاوم او تهاجم حتى

الكثير من الاسئلة و لكن استرلينا تعرف شي واحد ان هذه الفتاة و ايلفيا يتشابهان قليلا... في الملامح

سالت بعض الدموع على وجنتيها و مسحتها بسرعة عندما قررت الانسحاب من المعركة

"انسحبوا!"

صاحبا بينما بدأ الفرسان الاحياء بالتراجع

أَمْسَكَتْ بِزِمَامِ جَوَادِهَا وَحَرَّكَتْهُ بِسُرْعَةٍ هَائِلَةٍ، تَشُقُّ طَرِيقَهَا فِي تِلْكَ الأَرَاضِي المُتَجَمِّدَةِ، وَهِيَ تُفَكِّرُ فِي كَيْفِيَّةِ إِخْبَارِ القَصْرِ بِآخِرِ مَا حَدَثَ. لَكِنَّ عَيْنَيْهَا كَانَتْ تَذْرِفَانِ دُمُوعًا بِلَا سَبَبٍ وَاضِحٍ، بِلَا مَبْرِرٍ تَعْرِفُهُ، وَالفُرْسَانُ مِنْ وَرَائِهَا يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا فِي ذُهُولٍ، يَظُنُّونَ أَنَّهَا مُصَابَةٌ أَوْ جُرِحَتْ. 

لَكِنْ… جَسَدُهَا لَمْ يَحْتَوِ عَلَى أَيِّ خَدْشٍ، وَمَا عَدَا الجُزْءَ الخَلْفِيَّ مِنْ دِرْعِهَا الَّذِي تَلَاقَى ضَرْبَةً خَفِيفَةً، لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَا يُبَرِّرُ تِلْكَ الدُّمُوعَ. 

وَفِي وَسَطِ حَيْرَتِهِمْ، اِنْفَتَحَ فَمُهَا لِيَنْطِقَ اِسْمًا غَرِيبًا عَلَيْهَا، تَلَاهُ اِعْتِذَارٌ مَخْنُوقٌ: 

"آسِفَةٌ… كَارْلَا…" 

هِيَ لَا تَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ جَاءَتْ حُرُوفُ هَذَا الاِسْمِ، أَمَحْضُ صُدْفَةٍ أَمْ أَنَّهَا تَعْرِفُهَا مِنْ قَبْلُ وَعَقْلُهَا يَأْبَى التَّذَكُّرَ؟! لِمَاذَا تَسْتَمِرُّ فِي نُطْقِ أَسْمَاءٍ لَا تَعْرِفُ أَصْحَابَهَا، وَتَبْكِي عَلَى أُنَاسٍ لَمْ يَعْنُوا لَهَا شَيْئًا قَطُّ؟! 

زَادَتْ سُرْعَةَ جَوَادِهَا، تَتَقَدَّمُ بِضْعَ مِتْرَاتٍ عَنْ بَقِيَّةِ الكَتِيبَةِ، حَتَّى بَلَغَتْ بَوَّابَةَ القَصْرِ. هُنَاكَ، لَمَحَتْ الكَتِيبَةَ رَقْمَ (ثَلَاثَة)، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا سِوَى ثَلَاثَةِ فُرْسَانٍ، يَبْدُو أَنَّ عَدُوَّهُمْ كَانَ أَشَدَّ وَأَقْسَى.

بَدَأَتِ ٱلصُّفُوفُ ٱلتَّالِيَةُ تَدْخُلُ، وَلَمْ تَعُدْ كُلُّهَا قَادِرَةً عَلَى ٱلْمَسِيرِ: نُقِلَ ٱلْجُرْحَى عَلَى نَقَّالَاتٍ خَشَبِيَّةٍ، وَٱلْأَطِبَّاءُ يَجْرُونَ بَيْنَهُمْ مُحَاوِلِينَ وَقْفَ نَزِيفٍ هُنَا وَتَثْبِيتَ كَسْرٍ هُنَاكَ. وَمِنْ بَيْنِ ٱلْمَوَاكِبِ كَانَتْ تَمُرُّ ٱلْعَرَبَاتُ ٱلْمُغَطَّاةُ بِأَكْفَانٍ بِيضَاءَ، بَيَاضُهَا لَمْ يَسْلَمْ مِنْ بُقَعٍ قَانِيَةٍ تُفْصِحُ أَكْثَرَ مِمَّا تُخْفِي.

شَعَرَتْ ٱسْتِرْلِينَا بِبَرْدٍ يَنْسَلُّ فِي عِرْقِهَا وَيُقَيِّدُ أَنْفَاسَهَا، فَضَمَّتْ ذِرَاعَيْهَا حَوْلَ جَسَدِهَا، وَهِيَ تَتَابِعُ مَشَاهِدَ ٱلْعَوْدَةِ ٱلثَّقِيلَةِ هَذِهِ. ٱلْأَصْوَاتُ ٱلْمُخْتَلِطَةُ مِنْ خُيُولٍ تَصْهَلُ، وَأَنْفَاسٍ مُتَقَطِّعَةٍ، وَبُكَاءٍ مَكْبُوتٍ، جَعَلَتْهَا تُدْرِكُ أَنَّ ٱلْحُدُودَ لَمْ تَكُنْ سَاحَةَ نِزَاعٍ عَابِرٍ، بَلْ جَحِيمًا عَادَ بِبَعْضِهِم وَتَرَكَ بَعْضَهُمْ هُنَاكَ.

وَبَيْنَ ٱلْوُجُوهِ ٱلْمُغْبَرَّةِ وَٱلْمُتَعَبَةِ، تَلَمَّحَتْ عُيُونًا فَقَدَتْ بَرِيقَهَا، كَأَنَّ مَا رَأَتْهُ فِي ٱلْأَيَّامِ ٱلْمَاضِيَةِ قَدْ جَرَّدَهَا مِنْ كُلِّ مَا يَرْبِطُهَا بِعَالَمٍ آمِنٍ.

تَحَرَّكَتْ خُطَى إِسْتِرْلِينَا بُطْئًا عَلَى طَرِيقِ الحَصَى الَّذِي يَقُودُ إِلَى خَلْفِيَّةِ القَصْرِ، وَكَانَ البَرْدُ يَلْدَغُ وَجْهَهَا بِلَسْعَاتٍ حَادَّةٍ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَقْسَى مِمَّا سَتَرَاهُ عَيْنَاهَا.

عِنْدَمَا بَلَغَتِ السَّاحَةَ الخَلْفِيَّةَ، وَقَفَتْ فِي مَكَانِهَا كَأَنَّهَا تَجَذَّرَتْ فِي الأَرْضِ… أَمَامَهَا مَشْهَدٌ لَمْ تَرَهُ فِي أَشَدِّ كَوَابِيسِهَا قَسْوَةً:

صُفُوفٌ طَوِيلَةٌ مِنَ النَّاسِ، رِجَالٍ وَنِسَاءٍ وَحَتَّى أَطْفَالٍ صِغَارٍ، كُلُّهُمْ يَتَدَرَّبُونَ عَلَى القِتَالِ. بَعْضُهُمْ يَحْمِلُ سُيُوفًا أَكْبَرَ مِنْ أَجْسَادِهِمْ، وَآخَرُونَ يَجْرُونَ فِي الدَّائِرَةِ وَيُقَذِّفُونَ رِمَاحًا أَطْوَلَ مِنْ قَامَتِهِمْ. أَصْوَاتُ الصَّرَاخِ وَالأَوَامِرِ تَمْتَزِجُ بِصَرِيرِ المَعَادِنِ وَوَقْعِ الأَقْدَامِ عَلَى التُّرَابِ المُتَجَمِّدِ.

شَعَرَتْ بِقَلْبِهَا يَنْقَبِضُ، وَأَدْرَكَتْ أَنَّ الأَمْرَ أَكْبَرُ مِنْ مُجَرَّدِ تَدْرِيبٍ عَادِيٍّ. سَمِعَتْ أَحَادِيثَ مُتَفَرِّقَةً بَيْنَ الجُنُودِ:

"إِنَّهُ أَمْرُ المَلِكِ… سَنُهَاجِمُ أُوسْتَارْيَا قَبْلَ الغُرُوبِ."

"الجَمِيعُ سَيَخْرُجُ… لَا اِسْتِثْنَاءَ… طِفْلًا كَانَ أَوِ امْرَأَةً."

اِتَّسَعَتْ عَيْنَا إِسْتِرْلِينَا وَهِيَ تَرَى صَبِيًّا لَا يَزِيدُ عَنْ عَشَرِ سِنِينَ يَتَلَقَّى صَفْعَةً مِنْ مُدَرِّبِهِ لِأَنَّهُ تَأَخَّرَ فِي رَفْعِ سَيْفِهِ، وَامْرَأَةً مَسِنَّةً تُجْبَرُ عَلَى حَمْلِ قَوْسٍ وَسَهَامٍ وَظَهْرُهَا مُنْحَنٍ مِنْ ثِقَلِ العُمُرِ.

تَقَدَّمَتْ خُطْوَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ تَوَقَّفَتْ، وَأَحَسَّتْ بِشَيْءٍ ثَقِيلٍ يَسْقُطُ فِي صَدْرِهَا. لَمْ يَكُنْ هَذَا مَجَدَ الفُرْسَانِ الَّذِي تَعْرِفُهُ… هَذَا كَانَ اِسْتِنْزَافًا لِكُلِّ نَفَسٍ فِي المَمْلَكَةِ، حَتَّى أَضْعَفِهَا، وَإِرْسَالِهِمْ إِلَى مَوْتٍ مُحَقَّقٍ.

اِنْتَبَهَتْ لِصَوْتِ خُطُوَاتٍ قَرِيبَةٍ، فَالْتَفَتَتْ فَإِذَا بِأَحَدِ قَادَةِ الكَتَائِبِ يَقُولُ بِصَوْتٍ خَشِنٍ:

"الأَوَامِرُ صَادِرَةٌ… لَا مَجَالَ لِلنِّقَاشِ. قَبْلَ الغُرُوبِ نَتَحَرَّكُ."

لَمْ تُجِبْهُ إِسْتِرْلِينَا، بَلْ نَظَرَتْ مَرَّةً أُخْرَى إِلَى الوُجُوهِ الصَّغِيرَةِ وَالعُيُونِ الَّتِي لَا تَفْهَمُ لِمَاذَا سَتُقَاتِل، وَأَحَسَّتْ أَنَّ شَيْئًا مُظْلِمًا يَتَكَوَّنُ فِي أُفُقِ ذَلِكَ المَسَاءِ.

لَمْ يَكُنِ الغُرُوبُ قَدْ اكْتَمَلَ، حِينَ بَدَأَ الأُفُقُ يَغْتَمِرُ بِسُيُوفِ الفُرْسَانِ الأُسْتَارِيِّينَ، يَلْمَعُ فُولَاذُهَا تَحْتَ آخِرِ أَشِعَّةِ الشَّمْسِ كَأَمْوَاجٍ مِنْ نَارٍ. كَانُوا كَثِيرِينَ، كَثِيرِينَ جِدًّا، يَتَحَرَّكُونَ فِي تَنَاسُقٍ مُرْعِبٍ، وَصَوْتُ حَوَافِرِ خُيُولِهِمْ كَرَعْدٍ يَقْتَرِبُ مِنْ قَلْبِ الأَرْضِ.

فِي المُقَابِلِ… وَقَفَ سُكَّانُ فِيرْلُونَا المُرْتَعِشُونَ فِي الصُّفُوفِ الأَمَامِيَّةِ، لَا يَمْلِكُونَ سِوَى رِمَاحٍ بَائِسَةٍ وَدُرُوعٍ مُتَكَسِّرَةٍ، بَعْضُهُمْ بِأَقْدَامٍ حَافِيَةٍ، وَبَعْضُهُمْ يَجُرُّ سِلَاحًا أَثْقَلَ مِنْهُ.

خَلْفَهُمْ، يَقِفُ قِلَّةٌ مِنَ الجُنُودِ المُدَرَّعِينَ، وَأَمْرُهُمْ وَاضِحٌ: دَعُوا المَدَنِيِّينَ يَتَلَقَّوْنَ الضَّرْبَةَ الأُولَى. وَأَمَّا النِّصْفُ الآخَرُ مِنَ الجَيْشِ، فَقَدْ أُرْسِلَ بَعِيدًا، لِلهُجُومِ عَلَى أَسْوَارِ أُوسْتَارِيَا، وَتَرْكِ هَؤُلَاءِ فِي وَجْهِ الإِعْصَارِ.

تَحَدَّقَ أَحَدُ الفِتْيَانِ فِي البَعِيدِ، وَرَأَى لِوَاحَاتِ الرَّايَاتِ الأُسْتَارِيَّةِ وَهِيَ تَتَرَفْرَفُ فَوْقَ رُؤُوسِ الفُرْسَانِ، كَأَنَّهَا جِدَارٌ حَيٌّ يَسِيرُ نَحْوَهُم. عَيْنَاهُ وَسِعَتَا، وَرِجْلَاهُ ارْتَجَفَتَا، وَلَكِنَّ صَوْتَ صَارُوخِ أَمِيرِ الجُنُودِ شَقَّ الصَّفَّ:

ــ "تَقَدَّمُوا وَلَا تَتَرَاجَعُوا! الَّذِي يَتَأَخَّرُ، أَقْطَعُ رَأْسَهُ بِنَفْسِي!"

مِنْ بَعِيدٍ، تَصَاعَدَ غُبَارُ الخُيُولِ حَتَّى حَجَبَ نِصْفَ السَّمَاءِ، وَعِنْدَمَا دَوَّتِ القَرْعَةُ الأَخِيرَةُ لِلطُّبُولِ، اِنْدَفَعَ جَيْشُ أُوسْتَارِيَا كَسَيْلٍ جَارِفٍ، وَفِي صَفِّ المَدَنِيِّينَ الأَمَامِيِّينَ، كَانَتِ الوُجُوهُ تَشْهَقُ وَتُحَدِّقُ فِي قُدُومِ المَوْتِ، وَفِيهَا أَعْيُنُ أُمَّهَاتٍ وَأَطْفَالٍ وَشُيُوخٍ.

_____

يتبع

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أنتِي هِي الهَّلَاك

المؤلف syreiaelora
2025/07/23 مكتملة
قائمة الفصول (27)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة