نَفْخَةُ الإِبَادَة

نَفْخَةُ الإِبَادَة

11 0

وَقَّفَتْ خُطُوَاتُهَا فَجْأَةً.

بِدُونِ صَوْتٍ، وَلَا شَكّ، وَلَا سَبَبٍ يُذْكَر.

الرِّيحُ كَانَتْ تَهُبُّ بِلُطْفٍ مِنْ نَاحِيَةِ النَّافِذَةِ، تُحَرِّكُ طَرَفَ ثَوْبِهَا كَأَنَّهُ يُنَادِيهَا لِلرُّجُوعِ.

لَكِنَّهَا لَمْ تُجِبْ.

إِيڨَانُ كَانَ قَدْ أَكْمَلَ كَلِمَاتِهِ، وَأَدَارَ وَجْهَهُ إِلَيْهَا، يَتَحَدَّثُ بِحَمَاسٍ خَفِيّ، وَثِقَةٍ مُتَقَنَةِ الصَّنْعِ.

وَلَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ تُصْغِي.

"إِسْتِرْلِينَا..."

قَالَهَا مَرَّةً. ثُمَّ مَرَّةً أُخْرَى. ثُمَّ مَرَّةً ثَالِثَةً، وَبِهَا شَيْءٌ مِنَ الشَّكِّ.

لَمْ تَرُدّ.

عَيْنَاهَا كَانَتْ مُثَبَّتَتَيْنِ عَلَى مَكَانٍ فِي الْجِدَارِ، كَأَنَّهُ فَتْحَةٌ لِذَاكِرَةٍ مَغْلُقَةٍ.

"شَرَدْتِ؟"

سَأَلَهَا بِصَوْتٍ خَفِيضٍ، كَأَنَّهُ يُرِيدُ تَفْسِيرًا يُطَمْئِنُهُ.

أَدَارَتْ وَجْهَهَا بِلُطْفٍ.

نَظَرَتْ إِلَيْهِ، ثُمَّ نَظَرَتْ إِلَى الأَرْضِ، وَهَمَسَتْ:

"لَا شَيْءَ... دَعْنَا نُكْمِلُ."

تَقَدَّمَتْ، وَسَارَ هُوَ بِجَانِبِهَا، يَرْمُقُهَا بِنَظَرَاتٍ خَفِيَّةٍ كَأَنَّهُ يُفَكِّرُ:

هَلْ بَدَأَ شَيْءٌ مَا يَنْتَبِهُ فِي ذَاكِرَتِهَا؟

وَفِي صَمْتِهِمَا، دَوَتْ خُطُوَاتُهُمَا فِي الرِّوَاقِ الرَّخَامِيِّ كَضَرَبَاتِ قَلْبٍ مُتَوَتِّرٍ.

وَصَلَا إِلَى بَابٍ عَظِيمٍ، بَابٌ مِنَ الْخَشَبِ الْأَسْوَدِ، تَتَدَلَّى عَلَيْهِ زُخْرُفَاتٌ ذَهَبِيَّةٌ، كَأَنَّهَا عُرُوقٌ نَبَضِيَّةٌ فِي جَسَدٍ نَابِضٍ بِالسِّرِّ.

كَانَ مَفْتُوحًا عَلَى مِصْرَاعَيْهِ... وَرَاءَهُ حَدِيقَةٌ.

لَيْسَتْ كَأَيِّ حَدِيقَةٍ.

كَانَتْ مَفْرُوشَةً بِالْبَيَاضِ، وَالْوُرُودُ فِيهَا كَأَنَّهَا نَسِيَتْ لَوْنَهَا.

الثَّلْجُ غَطَّى كُلَّ شَيْءٍ، حَتَّى الرَّائِحَةَ، وَالأَصْوَاتَ

إِسْتِرْلِينَا تَوَقَّفَتْ عِنْدَ العَتَبَةِ، وَنَظَرَتْ طَوِيلًا.

فِي عَيْنَيْهَا لَمَعَ شَيْءٌ لَمْ يُفْهَمْ... شَيْءٌ بَيْنَ الدَّهْشَةِ وَالْحَذَرِ.

وَهُوَ، وَقَفَ بِجَانِبِهَا، يَتَأَمَّلُ وَجْهَهَا.

تَبَسَّمَ بِلُطْفٍ مُصْطَنَعٍ، وَقَالَ:

"كَانَتْ مَكَانَكِ الْمُفَضَّلَ... أَلَا يَبْدُو ذَلِكَ مَأْلُوفًا؟"

وَبِدُونِ أَنْ تَنْظُرَ نَحْوَهُ، هَمَسَتْ:

"كُلُّ شَيْءٍ... يَبْدُو جَمِيلًا، لَكِنَّهُ غَرِيبٌ."

كَانَتِ الرِّيحُ تَتَرَايَا بِلُطْفٍ فِي زَوَايَا الحَدِيقَةِ، تُحَرِّكُ أَطْرَافَ الثَّلْجِ الَّذِي كَسَا كُلَّ شَيْءٍ بِبَيَاضٍ يُشْبِهُ النِّسْيَانِ. كُلُّ وَرْدَةٍ تَخْتَبِئُ تَحْتَ جِلْدٍ مِنَ الصَّقِيعِ، كَأَنَّهَا تُقَاوِمُ الْبَرْدَ، كَمَا تُقَاوِمُ الذِّكْرَيَاتُ الضَّيَاعَ.

إِسْتِرْلِينَا كَانَتْ تَسِيرُ بِخُطًى بَطِيئَةٍ، وَعَيْنَاهَا تَتَفَحَّصُ كُلَّ تَفَاصِيلِ المَكَانِ، كَأَنَّهَا تُحَاوِلُ أَنْ تَسْتَدْعِي شَيْئًا مَا... صُورَةً، لَحْنًا، رَائِحَةً... أَيُّ شَيْءٍ يُخْبِرُهَا مَنْ تَكُونُ. كَانَ فِي نَظَرَاتِهَا بُرُودٌ لَطِيفٌ، لَكِنَّهُ يَخْفِي سُؤَالًا هَائِلًا.

إِلَى جَانِبِهَا كَانَ إِيڤَانُ يَسِيرُ بِهُدُوءٍ، وَعَيْنَاهُ مُثَبَّتَتَانِ عَلَى وَجْهِهَا، كَأَنَّهُ يُرَاقِبُ كُلَّ اهْتِزَازَةٍ فِي حَاجِبِهَا، كُلَّ رَمْشَةٍ، كُلَّ نَظْرَةٍ ضَائِعَةٍ. وَبِتِلكَ البَسْمَةِ اللَّطِيفَةِ الَّتِي يَجِيدُ تَشْكِيلَهَا كَقِنَاعٍ، قَالَ بِنَبْرَةٍ مَمْزُوجَةٍ بِالْوُدِّ وَالتَّعَاطُف:

"دَعِينِي أَقُصُّ عَلَيْكِ مَا جَرَى... لَعَلَّ الذِّكْرَيَاتِ تَسْتَيْقِظُ."

لَمْ تُجِبْ، فَأَكْمَلَ وَصَوْتُهُ يَتَسَرَّبُ كَالدُّخَانِ الْهَادِئِ:

"وَالِدُكِ... هُوَ جَلَالَةُ الْمَلِكِ مُورْفِيلْ أَزْرِيس. إِنَّهُ يَحْكُمُ هَذِهِ الْأَرْضَ، مَمْلَكَةَ فِرِيلُونَا. أَنْتِ وَرِيثَتُهُ... وَقُرَّةُ عَيْنِهِ."

اِهْتَزَّتْ خُطُوَاتُهَا قَلِيلًا، لَكِنَّهُ لَمْ يَقِفْ.

"فِي يَوْمٍ، هَجَمَتْ عَلَيْنَا مَمْلَكَةٌ تُسَمَّى أُوسْتَارِيَا... جَاؤُوا لَيْلًا، كَاللُّصُوصِ، وَسَرَقُوكِ مِنَّا."

تَجَهَّمَ وَجْهُهُ، وَصَوْتُهُ خَفَضَهُ كَمَنْ يُخْفِي غَضَبًا نَاشِبًا:

"خَطَفُوكِ... جَرَحُوكِ... عَذَّبُوكِ... وَمَحَوْا ذَاكِرَتَكِ بِالسِّحْرِ. لَا يَكْفِيهِمْ أَنَّهُمْ سَلَبُوا جَسَدَكِ، بَلْ أَرَادُوا مَحْوَ رُوحِكِ."

أَدَارَ وَجْهَهُ نَحْوَهَا، وَقَالَ بِنَبْرَةٍ أَقْرَبَ لِلهَمْسِ:

"وَكُنْتُ أَنَا... الَّذِي لَمْ يَقْبَلْ بِذَلِكَ. أَقْسَمْتُ أَنْ أُعِيدَكِ. وَقَدْ فَعَلْتُ. قَاتَلْتُ، وَسِرْتُ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَنَزَفْتُ... حَتَّى أَعَدْتُكِ."

صَمَتَ لَحْظَةً، وَأَخَذَ نَفَسًا طَوِيلًا، ثُمَّ تَكَلَّمَ وَفِي صَوْتِهِ لَهْجَةُ مَنْ يَخْتَتِمُ قِصَّةً مَلِيئَةً بِالْمَجْدِ:

"لَا تَخَافِي... فَأَنْتِ الْآنَ فِي وَطَنِكِ. وَفِي قَصْرِكِ. وَكُلُّ مَا حَوْلَكِ يَنْتَمِي إِلَيْكِ. وَأَنَا... أَنَا سَأَكُونُ هُنَا. سَأَسْهَرُ عَلَيْكِ حَتَّى تَتَذَكَّرِي كُلَّ شَيْءٍ. وَإِنْ لَمْ تَتَذَكَّرِي... فَسَنَصْنَعُ لَكِ ذَاكِرَةً أَجْمَل."

ثُمَّ بَسَمَ لَهَا بِلُطْفٍ مَرَّةً أُخْرَى، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْمَمَرِّ الْمُغَطَّى بِالثَّلْجِ... كَأَنَّهُ يَفْتَحُ لَهَا بَابَ قَدَرٍ جَدِيدٍ، مُمْتَلِئٍ بِالكَذِبِ الْمَغْلُوفِ بِالْحَنَانِ. كَانَ صَوْتُهُ نَاعِمًا، كَأَنَّهُ يُرَبِّتُ عَلَى جُرْحٍ قَدِيمٍ لِيَزْرَعَ فِيهِ سُمًّا.

كَانَ كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ يُقَالُ بِصُورَةٍ عَكْسِيَّةٍ. إِيفَان لَمْ يُرِدْ أَنْ تُذْكَرَ الحَقَائِقُ، بَلْ أَنْ تُقَالَ بِطَرِيقَةٍ تُشْبِهُ الأُسَاطِيرَ؛ تُضَلِّلُ وَتُغَرِّقُ فِي الْوَهْمِ، لِتُقْنِعَ قَلْبًا فَارِغًا بِأَنَّهُ انْتَمَى.

كَانَتْ خُطُوَاتُهَا تَتْبَعُ إِيڤَان عَلَى ذَلِكَ الْمَمَرِّ الثَّلْجِيِّ، لَكِنْ فِي دَاخِلِهَا كَانَ الْخَطْوُ مُرْتَبِكًا، مُمْتَلِئًا بِأَصْوَاتٍ غَامِضَةٍ تُنَادِيهَا... أَسْئِلَةٌ مُتَزَاحِمَةٌ كَالْجِرَاحِ، تُقَاتِلُ لِتَخْرُجَ، وَلَا تَجِدُ جَوَابًا يُضَمِّدُهَا.

"كَيْفَ؟ كَيْفَ خَطَفُونِي؟ وَلِمَاذَا؟ مَا الَّذِي فَعَلْتُهُ لِتَسْتَحِقَّ ذَاكَ الْعَذَابَ؟ لِمَاذَا لَا أَتَذَكَّرُ شَيْئًا؟ أَنَا حَقًّا... أَمِيرَة؟ وَهَلْ هَذَا الْمَكَانُ لِي؟ هَلْ كَانَتْ لِي حَيَاةٌ هُنَا؟ وَإِنْ كَانَتْ... فَلِمَاذَا لَا أَشْعُرُ بِهَا؟ لِمَاذَا لَا تَنْطَبِعُ فِي قَلْبِي صُوَرُهَا؟ أَهِيَ مَحْوِيَّةٌ... أَمْ كَاذِبَةٌ؟!"

هَذِهِ الْفِكَرُ أَحَاطَتْهَا كَالرِّيَاحِ الْبَارِدَةِ، تَلْفِحُهَا بِلَا رَحْمَةٍ. تَنَفَّسَتْ عُمْقًا، وَعَيْنَاهَا تُطَالِعُ الثَّلْجَ وَهُوَ يُغَطِّي أَجْزَاءَ الْحَدِيقَةِ، كَأَنَّهُ يُخْفِي الْأَسْرَارَ كَمَا يُخْفِي جُذُورَ الْوُرُودِ.

وَبَيْنَ كُلِّ هَذِهِ الْفَوْضَى... لَمْ تَجِدْ مَفَرًّا مِنَ التَّصْدِيقِ. فَهَذَا الشَّابُّ الَّذِي يَمْشِي إِلَى جَانِبِهَا، يَنْظُرُ إِلَيْهَا بِلُطْفٍ، يُنَادِيهَا بِاسْمِهَا... يُخْبِرُهَا أَنَّهُ قَاتَلَ لِتَعُودَ. وَفِي غِيَابِ كُلِّ شَيْءٍ... صَارَ صَوْتُهُ الوَحِيدُ الَّذِي تَسْتَطِيعُ أَنْ تَتَمَسَّكَ بِهِ. فَأَوْمَأَتْ، وَأَكْمَلَا السَّيْرَ بَيْنَ أَزْهَارٍ مَدْفُونَةٍ، وَصَمْتٍ يَصْدَحُ فِي مَسَامِهَا.

فَجْأَةً... تَوَقَّفَتْ.

عَيْنَاهَا لَقَطَتْ خَيَالًا يَقْتَرِبُ، شَابٌّ طَوِيلٌ بِشَعْرٍ بُنِّيٍّ، كَانَ يَجْرِي نَحْوَهُمَا، أَوْ نَحْوَ إِيڤَان تَحْدِيدًا. لَكِنَّ إِيڤَان لَمْ يُلَاحِظْهُ، وَظَلَّ يُكَمِّلُ كَلَامَهُ وَهُوَ مُنْدَمِجٌ

إِسْتِرْلِينَا نَظَرَتْ إِلَيْهِ، ثُمَّ بِبُطْءٍ مَدَّتْ يَدَهَا، وَلَمَسَتْ ذِرَاعَهُ... هَزَّتْهُ بِلُطْفٍ، ثُمَّ أَشَارَتْ نَحْوَ ذَلِكَ الشَّابِّ الَّذِي ظَهَرَ.

إِيڤَان أَدَارَ وَجْهَهُ، وَنَظَرَ نَحْوَ الْقَادِمِ... لَمْ تَقُلْ إِسْتِرْلِينَا شَيْئًا، لَكِنَّ مَلامِحَهَا كَانَتْ تَسْتَفْهِمُ، وَعَيْنَيْهَا تَسْأَلَانِ: مَنْ هُوَ هَذَا؟ وَمَا الَّذِي يُرِيدُهُ؟

بِصَوْتٍ خَافِتٍ وَلَكِنْ حَازِمٍ قَالَ: "مَاذَا هُنَاكَ، يَا يُولِيَان؟"

كَانَ يُولِيَان شَابًّا طَوِيلًا، شَعْرُهُ البُنِّيُّ مُبَعْثَرٌ قَلِيلًا بِفِعْلِ الرِّيَاحِ، وَعَيْنَاهُ تَحْمِلَانِ تَوَتُّرًا لَمْ يُجِدْ إِخْفَاءَهُ. هَمَسَ بِكَلِمَاتٍ سَرِيعَةٍ فِي أُذُنِ إِيڤَان، صَوْتُهُ مَخْنُوقٌ، كَمَنْ يَنْقُلُ نَبَأً لَا يُرِيدُ أَنْ يَسْمَعَهُ أَحَدٌ آخَر.

إِسْتِرْلِينَا لَمْ تَسْمَعْ شَيْئًا، وَلَكِنَّ عَيْنَيْهَا كَانَتْ مُثَبَّتَتَيْنِ عَلَى وَجْهِ إِيڤَان، وَشَاهَدَتْ التَّغَيُّرَ الْحَادَّ فِي مَلامِحِهِ... ذَلِكَ التَّهَجُّمُ الْمُفَاجِئُ، وَالْغَضَبُ الْمَكْبُوتُ الَّذِي ظَهَرَ.

ثُمَّ، فَجْأَةً، اسْتَدَارَ نَحْوَهَا، وَقَالَ بِنَبْرَةٍ دَافِئَةٍ وَمُتَكَلَّفَةٍ: "أُمّ... مَلِكْتِي، أَنَا أَرَى أَنَّهُ مِنَ الأَفْضَلِ أَنْ تَعُودِي إِلَى الدَّاخِلِ. الطَّقْسُ بَارِدٌ، وَصِحَّتُكِ تَهُمُّنَا جِدًّا. سَتَتَكَفَّلُ الْخَادِمَاتُ بِكُلِّ مَا تُرِيدِينَ، وَيُمْكِنُكِ أَنْ تَطْلُبِي أَيَّ شَيْءٍ."

صَمَتَ لَحْظَةً، كَأَنَّهُ يُحَاوِلُ ضَبْطَ نَفَسِهِ، ثُمَّ انْحَنَى لَهَا بِحِرْفِيَّةٍ رَاقِيَةٍ، وَقَالَ: "يَجِبُ أَنْ أَذْهَبَ الآن، أَسْتَأْذِنُكِ، يَا أَمِيرَتِي."

ثُمَّ تَقَدَّمَ خُطُوَاتٍ نَحْو يُولِيَان، وَلَكِنْ قَبْلَ أَنْ يَخْتَفِي خَلْفَ الشُّجَيْرَاتِ، أَدَارَ نَظَرَهُ مَرَّةً أُخْرَى نَحْوَهَا... وَفِي عَيْنَيْهِ شَيْءٌ يُشْبِهُ الْقَلَقَ، وَشَيْءٌ آخَرَ أَعْظَمَ مِنْهُ... الرَّغْبَةُ فِي أَنْ تَبْقَى فِي ذَاكَ الْقَصْرِ، حَبِيسَةً لِلْكَذِبَةِ الْكُبْرَى، وَأَسِيرَةً لِدُوَائِرِ الظِّلَالِ الَّتِي نَسَجَهَا بِمَكْرٍ.

إِسْتِرْلِينَا ظَلَّتْ وَاقِفَةً مَكَانَهَا، تَنْظُرُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَخْتَفِي... وَتَشْعُرُ فِي قَلْبِهَا بِبَرْدٍ آخَرَ، أَشَدَّ قَسْوَةً مِنْ بَرْدِ الْجَوِّ.

فِي قَاعَةٍ شَاسِعَةٍ تَكْتَظُّ بِالتَّمَاثِيلِ الْمُخِيفَةِ وَالأَعْمِدَةِ الْمَذَّهَبَةِ، جَلَسَ الْمَلِكُ مُورْفِيل أَزْرِيس عَلَى عَرْشِهِ الْعَالِي، يُقَلِّبُ خَاتَمَهُ الْمَصْنُوعَ مِنْ عَظْمِ أَسِيرٍ سَابِقٍ، وَعَيْنَاهُ تُشْعِلَانِ لَهِيبًا مِنَ الطَّمَعِ وَالْغِلِّ.

دَخَلَ إِيفَان، وَانْحَنَى عَلَى قَدَمٍ وَاحِدَةٍ، كَمَا جَرَتِ الْعَادَةُ.

تَكَلَّمَ مُورْفِيل، وَصَوْتُهُ يُقَطِّرُ سُمًّا، وَوَجْهُهُ مَسْكُونٌ بِالْجَشَعِ: "لَقَدْ جَهَّزُوا جَيْشَهُمْ، وَهُمْ فِي طَرِيقِهِمْ إِلَيْنَا... وَلَكِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّنِي جَهَّزْتُ جَيْشًا... بِأَضْعَافِ عَدَدِهِمْ."

تَوَقَّفَ، وَمَالَ إِلَى الْخَلْفِ عَلَى عَرْشِهِ الْمُقَوَّسِ، ثُمَّ أَطْلَقَ ضِحْكَةً خَشِنَةً، قَذِرَةً، كَأَنَّهَا تَخْدُشُ جُدْرَانَ الْقَاعَةِ.

"وَلَكِنِّي أَحْتَاجُك هُنَاكَ، يَا إِيفَان... لَا أُرِيدُ لِلْمَعْرَكَةِ أَنْ تَكُونَ عَادِلَةً. أُرِيدُهَا سَحْقًا... مَجْزَرَةً... أُرِيدُ أَنْ أُرِيَ أَخِي الْعَزِيزِ مَا يَعْنِي أَنْ تَسْلُبَنِي عَرْشِي!"

مَدَّ يَدَهُ، وَأَخْرَجَ مِنْ جَيْبِ عَبَاءَتِهِ وَرَقَةً مَطْوِيَّةً بِعِنَايَةٍ. كَانَتْ مَخْتُومَةً بِشِعَارِ التِّنِّينِ الْأَسْوَدِ.

مَدَّهَا إِلَى إِيفَان، وَقَالَ وَعَيْنَاهُ تَلْمَعَانِ كَمَنْ يَسْتَمْتِعُ بِكِذْبَةٍ مَسْمُومَة: "لَا تَفْتَحْهَا... سَلِّمْهَا إِلَى أَخِي الْعَزِيزِ، دِيمُوس أَزْرِيس... بِنَفْسِكَ."

تَسَلَّمَهَا إِيفَان، وَرَفَعَ عَيْنَيْهِ نَحْوَ مَلِكِهِ، فَرَآهُ يَلْتَهِمُ الْمَشْهَدَ بِشَرَهِ مُخِيفٍ، كَأَنَّهُ وَثَنٌ يُطَالِبُ بِالذِّبَاحِ.

فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، كَانَتِ الرِّيَاحُ تَصْفِرُ خَارِجَ النَّوَافِذِ الْكَبِيرَةِ، وَكَأَنَّهَا تُحَذِّرُ الْعَالَمَ أَنَّ جُحُورَ الظَّلَامِ قَدْ فَتَحَتْ أَبْوَابَهَا.

أَوْمَأَ إِيفَان بِرَأْسِهِ، وَخَفَتَ ضَوْءُ الشَّمْعَاتِ فِي الْقَاعَةِ، كَأَنَّهُمْ يَخْشَوْنَ اسْمَ الرِّسَالَةِ الَّتِي يَحْمِلُهَا.

قَبْلَ بِلَادِ الثَّلْجِ وَصَدَى الطُّبُولِ، وَقَبْلَ أَنْ تَصِلَ الرِّسَالَةُ الْمُغْلَقَةُ بِشِعَارِ التِّنِّينِ الأَسْوَدِ، كَانَتْ مَمْلَكَةُ أُوْسْتَارِيَا تَتَجَهَّزُ لِشَيْءٍ أَشْبَهَ بِنِهَايَةِ الْعَالَمِ.

فِي سَاحَاتِ الْقَصْرِ الْوَاسِعَةِ، تَرَاصَّتِ الْفِرْقَانُ كَمَا لَوْ أَنَّهَا طُرُقَاتٌ مُصْمَتَةٌ مِنْ فُولَاذٍ. كَانَ صَوْتُ الْمَطَارِقِ يَقْرَعُ عَلَى السُّيُوفِ، وَالْخُوَذِ تُلْمِعُ تَحْتَ سَمَاءٍ مُكَفْهَرَّةٍ

وَقَفَ الْمَلِكُ دِيمُوس أَزْرِيس إِلَى جَانِبِ قَائِدِ جُيُوشِهِ، صَدِيقِهِ الْقَدِيمِ، وَالِدِ فِيدُور، يُرَاقِبُونَ الْفُرْسَانَ وَهُمْ يَفْحَصُونَ عَتَادَهُمْ، وَيُهَنِّدُونَ سُيُوفَهُمْ، وَيُشَدِّدُونَ أَحْزِمَةَ سُرْجِ الْخُيُولِ.

وَحَيْثُمَا تَحَرَّكَ النَّظَرُ، كَانَ يُرَى فِيدُور... لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِثْلَهُمْ. لَمْ يَكُنْ يُجَهِّزُ لِحَرْبٍ، بَلْ لِنِهَايَةٍ شَامِلَةٍ. حَرَكَاتُهُ قَاطِعَةٌ، عَيْنَاهُ سَاكِنَتَانِ كَنَصْلِ سَيْفٍ. كَانَ يَشُدُّ عَلَى مِقْبَضِ سَيْفِهِ بِقُوَّةٍ، وَكَأَنَّهُ يُهَيِّئُهُ لِكُلِّ جُرْحٍ سَيُسْبِبُهُ.

تَقَدَّمَ دِيمُوس نَحْوَهُ، وَأَخَذَ يَتَأَمَّلُهُ بِشَيْءٍ مِمَّا يُشْبِهُ القَلَقَ. لَمْ يَتَحَدَّثْ مُبَاشَرَةً، بَلْ وَقَفَ خَلْفَهُ قَلِيلًا، ثُمَّ قَالَ، وَصَوْتُهُ يَحْمِلُ نِصْفَ هَزْلٍ وَنِصْفَ أَلَم:

"فِيدُور... لَا تُقْلِقْ نَفْسَكَ كَثِيرًا. إِنَّهَا ابْنَتِي، وَأَنَا أَعْرِفُهَا جَيِّدًا. رُبَّمَا... رُبَّمَا قَدْ هَرَبَتْ، فَقَطْ لِتُرِيَنِي أَنَّهَا أَقْوَى مِمَّا أَظُن."

ضَحِكَ، وَلَكِنَّ صَدَى ضِحْكِهِ بَدَا كَصَدَى جُرْحٍ فِي مَغَارَةٍ فَارِغَة.

فِيدُور لَمْ يَقُلْ شَيْئًا. لَمْ يَلْتَفِتْ حَتَّى. بَلْ أَوْمَأَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ رَكِبَ حِصَانَهُ بِصَمْتٍ، كَأَنَّهُ يُجَهِّزُ نَفْسَهُ لِقِتَالٍ لَا يَنْتَهِي، لِعُزْلَةٍ تُطْفِئُ الدَّمَ فِي الْعُرُوقِ.

وَانْطَلَقَ الْجَيْشُ.

وَفِيدُور كَانَ فِي الْمُقَدِّمَةِ.

لَا لِأَنَّ أَحَدًا أَمَرَهُ، وَلَا لِأَنَّ الْقَانُونَ يَطْلُبُ ذَلِكَ... بَلْ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَكُونَ فِي الْخَلْفِ، فِي حِينَ أَنَّهَا - اِسْتِرْلِينَا - فِي مَكَانٍ مَا، تُقَاتِلُ وَحْدَهَا، تَنْزِفُ وَحْدَهَا.

كُلُّ نَبْضَةٍ فِي دَاخِلِهِ كَانَتْ تَصْرُخُ. كُلُّ خُطْوَةٍ مِنْ حِصَانِهِ كَأَنَّهَا تَصْطَدِمُ بِالأَرْضِ كَانْفِجَارٍ صَامِتٍ. وَكُلَّمَا تَقَدَّمَ، كَانَ يَشْعُرُ بِأَنَّهُ يَقْتَرِبُ... وَلَوْ بِنِقْمَةٍ.

قَطَعُوا السُّهُولَ، وَالرِّيَاحُ تَلْكِزُ وُجُوهَهُم، وَكُلُّ عَيْنٍ تُنَاظِرُ الظِّلَالَ، تَتَرَقَّبُ شَبَحًا... أَوْ أَمَلًا، أَوْ جَحِيمًا

اِنْطَلَقَ جَيْشُ أُوسْتَارْيَا عَبْرَ السُّهُولِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى فِرِيلُونَا، وَكَانَتْ فِي عُيُونِ الرِّجَالِ نَارُ الثَّأْرِ تَلْتَهِبُ. الرِّيَاحُ تَحْمِلُ غُبَارَ خُطُوهِمْ، وَصَرِيرُ السُّيُوفِ يُشْبِهُ هَمَسَ نَذِيرِ شُؤْمٍ فِي الْهَوَاءِ. وَفَجْأَةً، تَوَقَّفَتِ الْجُيُوشُ وَفِي أَمَامِهَا... جَيْشٌ آخَرُ يَقِفُ بِهَيْبَةٍ مُرْعِبَةٍ.

لَمْ يَكُنْ فِي الأُفُقِ صَوْتُ قِتَالٍ، وَلَا قَعْقَعَةُ سِلَاحٍ، فَقَدْ وَقَفَ جَيْشُ فِرِيلُونَا بِصَمْتٍ، كَأَنَّهُ كَتَلَةٌ وَاحِدَةٌ تَنْتَظِرُ إِشَارَةَ بَدْءِ الْجَحِيمِ. كَانَ فِي مُقَدِّمَتِهِمْ شَابٌّ طَوِيلُ الْقَامَةِ، عَيْنَاهُ خَضْرَاوَانِ كَغَابَاتِ الشِّمَالِ، وَأَمَامَهُ رَجُلٌ يَرْفَعُ عَلَمًا أَخْضَرَ، فِي إِشَارَةٍ صَرِيحَةٍ لِرَغْبَةِ الْحِوَارِ.

تَجَهَّمَ وَجْهُ فِيدُور، وَقَدْ تَفَجَّرَ فِي عُرُوقِهِ الْغَضَبُ كَمَا تَتَفَجَّرُ الْبَرَاقِ فِي سَمَاءِ الْعَاصِفَةِ. تَقَدَّمَ خُطْوَةً وَصَوْتُهُ يَخْرُجُ كَصَرِيرِ الْحَدِيدِ:

"حِوَارٌ؟! مَعَ مَنْ أُحَاوِرُ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُحْرِقَ جُثَثَهُمْ؟ مَعَ مَنْ أُحَاوِرُ وَنَحْنُ نَحْمِلُ أَلَمَ سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا مِنَ الْفَقْدِ وَالْعَجْزِ؟ مَعَ مَنْ أُحَاوِرُ وَالْمَدِينَةُ كَادَتْ تُدَمَّرُ بَسَبَبِهِمْ؟"

تَقَلَّصَ فَكُّهُ وَهُوَ يَشْتَدُّ عَلَى أَسْنَانِهِ، كَأَنَّ كُلَّ عَصَبٍ فِي جَسَدِهِ يَصْرُخُ: "لَا رَحْمَةَ! لَا هُدْنَةَ! لَا حِوَار!"

وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَفَجَّرُ غَضَبًا، تَقَدَّمَ دِيمُوس خُطُوَاتٍ، وَرَفَعَ الْعَلَمَ الأَخْضَرَ بِهُدُوءٍ مَازَجَهُ حُزْنٌ عَمِيقٌ.

سَادَ صَمْتٌ لَحْظَاتٍ... صَمْتٌ فِي قَلْبِ الْعَاصِفَةِ

نَظَرَ فِيدُورُ إِلَى دِيمُوسَ، وَفِي عَيْنَيْهِ شَرَرٌ كَادَ يُحْرِقُ الْهَوَاءَ. كَأَنَّهُ يُفَكِّرُ فِي اقْتِلَاعِ يَدِ مَلِكِهِ، لَوْلَا أَنَّ ظِلَّ وَالِدِهِ الظَّاهِرَ عَلَى جَانِبِهِ كَانَ كَفِيلًا بِتَهْدِئَةِ نَفْسِهِ. أَوْمَأَ لَهُ الْقَائِدُ الْمُسِنُّ بِيَدِهِ، إِشَارَةَ حَكِيمٍ يُذَكِّرُ ابْنَهُ أَنْ يَكْبَتَ جُنُونَهُ فِي الْوَقْتِ الْغَلَطِ.

أَخَذَ فِيدُور نَفَسًا عَمِيقًا، وَشَدَّ عَلَى زِمَامِ جَوَادِهِ، وَعَيْنَاهُ مَزِيجٌ مِنْ نَارٍ وَصَمْتٍ.

فِي الجِهَةِ الْمُقَابِلَةِ، تَقَدَّمَ الشَّابُّ ذُو العَيْنَيْنِ الْخَضْرَاوَيْنِ، وَفِي عَيْنَيْهِ لَمْعَةُ سُمٍّ مَغْلُوفٍ فِي وَرَقٍ ذَهَبِيٍّ. كَانَ يَسِيرُ بِهُدُوءٍ رَصِينٍ، وَإِلَى جَانِبِهِ حَارِسٌ يَحْمِلُ رِمْحًا، وَفِي يَدِهِ الْأُخْرَى رِسَالَةٌ مَخْتُومَةٌ بِشَمْعٍ أَسْوَدَ.

تَوَقَّفَ أَمَامَ جَيْشِ أُوسْتَارْيَا، وَرَفَعَ بَصَرَهُ بِثِقَةٍ لَا تَخْتَلِجُ، ثُمَّ قَالَ بِنَبْرَةٍ صَفِيحِيَّةٍ:

"دِيمُوس أَزْرِيس، مَلِكُ مَمْلَكَةِ أُوسْتَارْيَا... هَذِهِ رِسَالَةٌ مِنْ جَلَالَةِ الْمَلِكِ مُورْفِيل. طَلَبَ مِنِّي أَنْ أُسَلِّمَهَا لَكُمْ بِالذَّاتِ."

وَبَيْنَ أَصَابِعِهِ... كَانَتِ الرِّسَالَةُ تَنْبِضُ كَمَا تَنْبِضُ نُذُرُ الْعَاصِفَةِ

أَمْسَكَ دِيمُوس أَزْرِيس بِالرِّسَالَةِ الَّتِي قَدَّمَهَا لَهُ إِيفَان، وَنَظَرَ إِلَى خَتْمِ أَخِيهِ الَّذِي يَشْتَعِلُ فِي صَدْرِهِ كَجَمْرَةٍ قَدِيمَةٍ. فَتَحَ الظَّرْفَ بِأُصْبُعَيْنِ مُرْتَجِفَتَيْنِ... كَأَنَّهُ يَفْتَحُ مَقْبَرَةً.

"مَرْحَبًا... يَا أَخِي الْعَزِيز،

أَوْ رُبَّمَا أَصْبَحَ يَجِبُ أَنْ أُسَمِّيكَ: سَارِقَ العَرْشِ... أَوْ وَالِدَ النُّبُوءَةِ. كِلْتَا التَّسْمِيَتَيْنِ تُلَائِمَانِكَ."

"أَعْلَمُ لِمَاذَا أَتَيْتَ، وَمَنْ تَبْحَثُ عَنْهَا... إِبْنَتُكَ. لَكِنْ يُؤْسِفُنِي إِخْبَارُكَ أَنَّهَا... لَمْ تَعُدْ تَعْرِفُكَ."

"لَقَدِ اسْتَعَنْتُ بِـ السَّاحِرِ دُورِيلَان، أَمْهَرِ مَنْ وَطِئَتْهُمُ الْأَرْضُ فِي فَنِّ التَّشْوِيشِ وَالسَّحْبِ. سَحَبْنَا كُلَّ مَا كَانَتْ تَحْمِلُهُ فِي ذَاكِرَتِهَا... حَتَّى اسْمَك."

"إِبْنَتُكَ الْيَوْمَ، لَا تَعْرِفُ مَنْ تَكُونُ، وَلَا مَنْ أَنْتَ، وَلَنْ تَعْرِفَ أَبَدًا. وَإِنْ رَأَتْكَ، فَلَنْ تَكُونَ سِوَى رَجُلٍ غَرِيبٍ يُشْبِهُ الْكُرُوحَ."

"أَنَا الَّذِي أَرَاهَا الآن... وَسَأَكُونُ لَهَا كُلَّ شَيْءٍ."

"وَلكَ خِيَارَانِ، أَيُّهَا الأَخُ الْحَنُونُ:

إِمَّا أَنْ تَنْسَاهَا، وَتَتَرَكَهَا لِي، وَتَسْحَبَ جَيْشَكَ،

أَوْ... تَقْدِمَ نَحْوَ نِهَايَتِكَ."

"لِأَنَّنِي لَسْتُ مَنْ يَتَرَاجَعُ، وَلَا أَنْسَى، وَلَا أَغْفِرُ.

وَإِذَا دَخَلْتَ أَرَاضِي... سَتَشْهَدُ لَيْلَةً جَدِيدَةً... أَشَدُّ حُرْقَةً مِنْ لَيْلَةِ الشَّمْسِ الأُولَى."

"اِحْتَفِظْ بِالرِّسَالَةِ، يَا أَخِي... لِتَقْرَأَهَا كُلَّمَا شَعَرْتَ بِأَنَّ لَك قَلْبًا."

- مُورْفِيل أَزْرِيس

تَجَمَّدَ دِيمُوس فِي مَكَانِهِ، وَبَيْنَ أَصَابِعِهِ الرِّسَالَةُ تَرْتَعِشُ

فِيدُور كَانَ يُرَاقِبُ، وَنَارٌ قَدِيمَةٌ تَتَصَاعَدُ فِي صَدْرِهِ... خَافِتَةً أَوَّلَ الْأَمْرِ، ثُمَّ تَفَجَّرَتْ.

اِنْتَزَعَ الرِّسَالَةَ مِنْ يَدِ مَلِكِهِ، كَأَنَّهُ يَسْتَخْلِصُ قَلْبًا مُمَزَّقًا مِنْ صَدْرِه.

وَقَرَأَهَا... كَالْمَجْنُونِ.

عَيْنَاهُ تَتَقَلَّبَانِ، وَأَنْفَاسُهُ تَخْتَنِقُ... وَكُلَّمَا تَقَدَّمَ فِي السُّطُورِ، تَغَيَّرَ وَجْهُهُ، كَأَنَّ جَسَدَهُ يَتَحَوَّلُ إِلَى جَسَدِ وَحْشٍ بَشَرِيٍّ يُقَاتِلُ ظِلَّهُ.

سَاحِر؟

مَحْوُ ذَاكِرَة؟

إِسْتِرْلِينَا... نَسِيَتْهُ؟!

كُلُّ شَيْءٍ تَهَاوَى فِي رَأْسِهِ كَجَبَلٍ يَنْهَارُ فِي ثَوَانٍ.

"أَلَمْ تَعُدْ تَعْرِفُنِي؟

أَلَمْ تَعُدْ تُدْرِكُ مَنْ أَكُون؟

كَيْفَ... كَيْفَ مَحَوْكِ مِنِّي؟

كَيْفَ مَزَّقُوا كُلَّ تِلْكَ اللَّيَالِي؟

كَيْفَ سَحَبُوا كُلَّ مَا بَيْنَنَا... وَتَرَكُونِي أَتَخَبَّطُ فِي الذِّكْرَى؟"

كَانَ صَوْتُهُ خَافِتًا، يَتَكَلَّمُ فِي نَفْسِهِ، لَكِنَّهُ صَرِيخٌ دَاخِلِيٌّ يَحْرِقُهُ.

كُلُّ لَفْظَةٍ فِي الرِّسَالَةِ كَأَنَّهَا سِكِّينٌ فِي حَلْقِهِ.

وَبِصَوْتٍ خَافِتٍ، كَأَنَّهُ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ، نَطَقَ:

"أَتَعْنِي... أَنَّهَا تَنْظُرُ فِي وَجْهِي... وَتَرَانِي غَرِيبًا؟"

اِقْتَرَبَ خُطْوَةً... وَتَسَارَعَ نَبْضُهُ حَتَّى كَادَ يَصِمُّ أُذُنَيْهِ.

"تَكَلَّمْنَا... ضَحِكْنَا... كَيْفَ مَحَوْهُ؟

كَيْفَ سَحَقُوا وُجُودِي فِي ذَاكِرَتِهَا؟

مَنْ أَكُونُ لَوْ نَسِيَتْنِي؟

وَلِمَاذَا... أَشْعُرُ أَنِّي سَأَفْقِدُ نَفْسِي إِنْ لَمْ أُعِدْهَا؟"

أَنْفَاسُهُ تَتَصَاعَدُ... وَعَيْنَاهُ تُطْفِئَانِ النُّورَ

ثُمَّ... تَكَلَّمَ بِلُغَةٍ أَشْبَهَ بِالْقَسَمِ:

"وَالْإِلَهِ الَّذِي أَدَارَ وَجْهَهُ عَنَّا... لَأَجْعَلَنَّ كُلَّ نَفَسٍ فِي أَعْدَائِنَا يَصْبِحُ لَعْنَةً.

لَوْ صَنَعُوا مِنْهَا وَرَقَةً جَدِيدَةً، سَأَحْرِقُ الْكِتَابَ كُلَّهُ.

لَوْ جَعَلُوهَا تَكْرَهُنِي... سَأُحِبُّهَا بِنَفْسِ الْقُوَّةِ حَتَّى تَنْهَارَ.

لَوْ كَانَتْ جَارِحَةً... سَأَكُونُ النَّدْبَةَ الَّتِي تُذَكِّرُهَا بِمَنْ أَحْبَّهَا... أَوِ الَّذِي سَجَنَهَا بِحُبِّهِ.

سَأَجْعَلُهُمْ يَدْفَعُونَ ثَمَنَ كُلِّ لَحْظَةٍ سَلَبُوهَا مِنِّي.

سَأَكْسِرُ حَتَّى قَلْبِي... إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الطَّرِيقُ لِكَيْ أَجِدَهَا."

ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ... وَبِصَوْتٍ خَافِتٍ، لَكِنَّهُ كَانَ يَهُزُّ الْحِجَارَةَ:

"مَلِكِي... إِذَا لَمْ نَتَحَرَّكِ اللَّيْلَةَ... سَأَذْهَبُ وَحْدِي.

سَأَتَسَلَّلُ فِي الظَّلَامِ... وَسَأُذَبِّحُ كُلَّ مَنْ يَقِفُ بَيْنِي وَبَيْنَهَا.

إِذَا كَانَ عَلَيَّ أَنْ أُقَاتِلَ جَيْشًا وَحِيدًا... فَإِنَّنِي سَأَفْعَلُ ذَلِكَ... بِنَفْسِ الْيَدِ الَّتِي لَمْ تَمْسَكْ يَدَهَا مُنْذُ سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا."

وَصَمَتَ.

وَفِي عَيْنَيْهِ... كَانَتِ الْحَرْبُ قَدْ بَدَأَتْ.

كَانَ دِيمُوس سَيَرْفَعُ يَدَهُ لِيَمْنَعَ فِيدُور، وَلَكِنَّهُ كَانَ قَدْ أَطْلَقَ جَسَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُطْلِقَ فِكْرَهُ.

تَقَدَّمَ فِيدُور بِخُطًى كَانَتْ تُشْبِهُ الزَّئِيرَ الْمَكْبُوتَ، وَفِي عَيْنَيْهِ لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ رَأْفَةٌ وَلَا حَتَّى غَضَبٌ... بَلْ نِيَّةُ قَتْلٍ خَالِصَة.

وَبِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ، خَاطِفَةٍ كَالرِّيحِ، فَصَلَ رَأْسَ الْحَارِسِ الْوَاقِفِ جَانِبَ إِيفَان، وَتَدَحْرَجَ الرَّأْسُ عَلَى الثَّلْجِ وَالدَّمُ يَسِيلُ مِنْهُ، كَأَنَّهُ أَوَّلُ جُمْلَةٍ فِي رِوَايَةِ الدِّمَاءِ.

صَرَخَ إِيفَان:

" وَقْتُكُمْ! إِطْعَنُوهُمْ! دَافِعُوا عَنْ عِزَّةِ فِيرْلُونَا!"

وَفِي لَحْظَةٍ، اشْتَعَلَتِ الْحَرْبُ.

انْدَفَعَ جَيْشَا الْمَمْلَكَتَيْنِ كَالسَّيْلِ، وَصَدَحَتْ صَرَخَاتُ الْفُرْسَانِ، وَالْحَصَنَةُ تَخْبُّ فِي الأَرْضِ كَأَنَّهَا تَهْزُّ الْجِبَالَ.

سُيُوفٌ تَتَلَامَعُ. دِرُوعٌ تَتَصَادَمُ. وَدِمَاءٌ تَتَفَجَّرُ عَلَى الْجَلِيدِ كَأَنَّهَا تَكْتُبُ قَصِيدَةَ فَنَاءٍ.

فِي وَسَطِ الْفَوْضَى، كَانَ فِيدُور يَتَقَدَّمُ كَأَنَّهُ لَا يَرَى سِوَى وَجْهٍ وَاحِدٍ... كَأَنَّهُ يُقَاتِلُ الْعَالَمَ لِيَجِدَهَا.

وَفِي كُلِّ ضَرْبَةٍ يُوَجِّهُهَا، كَانَ يُهَمْهِمُ فِي نَفْسِهِ:

"لِأَجْلِهَا... لِأَجْلِهَا وَحَسْبُ."

تَرَاجَعَ إِيڤَانُ خُطْوَةً، رَفَعَ أُصْبُعَيْهِ إِلَى فَمِهِ، وَأَطْلَقَ صَفِيرًا حَادًّا، مُتَمَوِّجًا، شَقَّ سَمَاءَ السُّهُولِ كَخَنْجَرٍ مِنْ نَار. صَمْتٌ لَحْظِيٌّ تَبِعَ ذَلِكَ، ثُمَّ كَأَنَّهُ أَطْلَقَ جَحِيمًا مِنَ الْقُيُودِ. تَقَدَّمَ جَيْشُ فِرِيلُونَا، وَكَرْبَجَتْ الأَرْضُ تَحْتَ حَوَافِرِ خُيُولِهِمْ، وَانْفَجَرَتِ الطُّبُولُ، وَانْفَتَحَتِ السُّيُوفُ كَأَفْوَاهِ الذِّئَابِ.

فِي الْجِهَةِ الأُخْرَى، تَشَدَّدَ جَيْشُ أُوْسْتَارِيَا، وَصَرَخَ فِيدُور: "اثْبُتُوا! لَا تَدَعُوا الْجُبْنَ يَتَسَلَّلُ مِنْ خُلَالِ دِرُوعِكُمْ!". وَقَفَ فِي الْمُقَدِّمَةِ كَأَنَّهُ جَبَلٌ مِنْ غَضَبٍ.

ثَانِيَةٌ، ثَانِيَتَان... ثُمَّ الْتَحَمَ الْجَيْشَانِ.

صَوْتُ السُّيُوفِ وَالأَجْسَادِ يُحْتَضَرُ مَعًا، وَالدِّمَاءُ تَتَفَجَّرُ مِنَ الرِّقَابِ وَتَتَرَشَّ عَلَى الثَّلْجِ كَزِينَةٍ جَاحِظَةٍ. أَصْوَاتُ الْأَجْسَادِ وَهِيَ تَتَكَسَّرُ، وَصُرَاخُ الْجَرْحَى، وَصَدَى النَّحْرِ كَانَتْ تُشَكِّلُ مَوْسِيقَى جَحِيمٍ لاَ تَسْتَطِيعُ الْآذَانُ أَنْ تَحْتَمِلَهَا.

فِيدُور كَانَ يُقَاتِلُ كَمَنْ لَا يَرَى أَمَامَهُ إِلَّا صُورَةَ إِسْتِرْلِينَا... يَضْرِبُ، يَشُقُّ، يَجْزُّ، وَلَا يَتَوَقَّفُ. وَكَأَنَّ قَلْبَهُ نَزَفَ قَبْلَ يَدِهِ. يَصْرُخُ، يَتَأَوَّهُ، وَالْكَرْهُ فِي صَدْرِهِ أَشَدُّ مِنْ حَدِّ سَيْفِهِ.

فِي جِهَةٍ أُخْرَى، سَقَطَ الْفَارِسُ بَعْدَ الْآخَرِ، وَالْخُيُولُ تَئِنُّ، وَالرِّمَاحُ تَنْغَرِسُ فِي الصُّدُورِ. أَحَدُ جُنُودِ أُوْسْتَارِيَا صَرَخَ: "إِنَّهُم يَفُوقُونَنَا عَدَدًا!يَجِب اَن نَتَرَاجَع!"

عَلَى جَانِبِ التَّلِّ، كَانَ دِيمُوس يُشَاهِدُ. وَجْهُهُ قَاسٍ كَالصَّخْرِ، لَكِنَّ عَيْنَيْهِ فِيهِمَا ذُعْرٌ مَكْبُوتٌ. وَقَالَ لِقَائِدِ الْفُرْسَانِ: "هَذِهِ لَيْسَتْ مَعْرَكَةً... هَذَا نَحْرٌ جَمَاعِيٌّ."

صَرَخَ فِيدُور وَالدِّمَاءُ تَتَطَايَرُ عَلَى وَجْهِهِ: "سَأَجْعَلُ مِنْ كُلِّ مَنْ مَسَّهَا أَسْمَادًا لِلرِّيحِ! لَا أُرِيدُ جُنْدِيًّا يَخْرُجُ حَيًّا مِنْ جَيْشِهِمْ! أَفْهَمْتُمْ؟!"

الطَّعَنَاتُ، الصَّرَخَاتُ، الْجُثَثُ الْمَبْقُورَةُ، وَالأَرْضُ الَّتِي لَمْ تَعُدْ بِيْضَاءَ... كُلُّ شَيْءٍ أَصْبَحَ يُغَنِّي نَغْمَةَ الدَّمِ.

--------

يتبع

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أنتِي هِي الهَّلَاك

المؤلف syreiaelora
2025/07/23 مكتملة
قائمة الفصول (27)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة