اِسْتَمَرَّتِ المَعْرَكَةُ كَأَنَّهَا لَا تَنْوِي أَنْ تَصْمُتَ أَبَدًا… كَأَنَّهَا حَلَقَتْ فِي زَمَنٍ غَيْرِ خَاضِعٍ لِسَاعَاتِ البَشَرِ، وَانْفَلَتَتْ مِنْ قَبْضَةِ العُقُولِ، وَغَدَتْ شَيْئًا يُشْبِهُ الْجَحِيمَ الَّذِي لَا نِهَايَةَ لَهُ.
صَرَخَاتُ الجُنُودِ تَخْتَرِقُ السَّمَاء، وَالأَحْصِنَةُ تَتَكَبْكَبُ عَلَى الأَرْضِ وَهِيَ تُطْعَنُ فِي خَوَاصِرِهَا، وَالسُّيُوفُ تَتَشَابَكُ حَتَّى تَتَفَتَّتَ مِـنْ فَوْقِ ذِرَاعِ الرُّعْبِ، وَالطَّعَنَاتُ تَخْتَرِقُ الصُّدُورَ كَأَنَّهَا تَطْلُبُ فِدَاءً لِشَيْءٍ لَا يُعْرَفُ
جَيْشُ أُوسْتَارْيَا… كَانَ يَتَقَهْقَرُ كَغَزَالٍ جَرِيحٍ فِي وَسَطِ قَطِيعٍ مِنَ الذِّئَاب. الرِّمَاحُ تَتَسَاقَطُ كَالمَطَرِ، وَصَرْخَاتُ المُحْتَضِرِينَ تَزْدَادُ، وَسُيُوفُ فِيرْلُونَا كَأَنَّهَا خُلِقَتْ لِكَيْ تَنْغَرِسَ فِي أَجْسَادِهِمْ دُونَ رَحْمَةٍ.
رَفَعَ دِيمُوسُ أَزْرِيس سَيْفَهُ وَصَرَخَ:
> "لَا جَدْوَى مِنَ الصُّمُودِ! أَمُرُكُمْ… بِالانْسِحَاب!"
تَرَاجَعَ الفُرْسَانُ… مُنْهَكِينَ، مَكْسُورِينَ، وَالدِّمَاءُ تَنْهَمِرُ مِنْ جِرَاحِهِم، بَعْضُهُمْ يَحْمِلُ أَجْزَاءً مِـنْ رِفَاقِهِم، وَبَعْضُهُمْ يَجُرُّ أَقْدَامَهُ كَأَنَّهَا رُبِطَتْ بِسَلَاسِلَ المَوْتِ.
إِلَّا وَاحِدًا.
فِيدُور.
لَمْ يَنْسَحِبْ.
لَمْ يَسْمَعْ.
لَمْ يَرَ شَيْئًا.
عَيْنَاهُ… كَانَتْ كَهُوَّةٍ مَفْتُوحَةٍ عَلَى جُنُونٍ مُظْلِمٍ. وَجْهُهُ مَطْلُوخٌ بِالدِّمَاءِ، وَكَفُّهُ مَا زَالَتْ تَقْبِضُ عَلَى سَيْفِهِ كَأَنَّهَا تَمْلِكُ كُلَّ ثَأْرِ العَالَمِ.
صَرَخَ قَائِدُ الجُيُوشِ – وَالِدُ فِيدُور – عَلَيْهِ مِنْ بَعِيدٍ، وَهُوَ يَرَاهُ يَنْزِفُ:
> "فِيدُور! انْسَحِبْ! سَتُقْتَلُ هُنَا!"
لَكِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ. أَوْ لَعَلَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْمَع.
فِيدُور… وَجْهُهُ مَسْكُوبٌ بِالدِّمَاءِ، وَكُتْفُهُ مُمَزَّقٌ، وَلَكِنَّ عَيْنَيْهِ كَانَتَا تَغْلِيَانِ بِشَيْءٍ لَا يَشْبَهُ سِوَى الْجُحِيمِ.
تَقَدَّمَ نَحْو إِيفَان وَخَطَوَ خُطْوَةً تَكْسِرُ الصَّمْتَ، وَنَظَرَ فِي عَيْنَيْهِ دُونَ رَفَّةٍ، صَوْتُهُ كَسِكِّينٍ عَلَى عَظْمٍ:
> "مَا الَّذِي فَعَلْتُمُوهُ بِالضَّبْطِ... لأَمِيرَتِي؟"
ضَحِكَ إِيفَان بِسُخْرِيَةٍ سَاخِرَة، وَقَالَ وَعَيْنَاهُ تَتَفَلَّانِ كَلِمَاتِ اسْتِفْزَازٍ مُمِيتَة:
> "أَمِيرَتُكَ؟ وَهَلِ الأَمِيرَةُ… تَنْسَى جُنُودَهَا؟"
لَمْ يَرِفْ لِفِيدُور جَفْنٌ.
وَفِي صَوْتٍ خَافِتٍ… خَافِتٍ جِدًّا… وَلكِنَّهُ كَانَ أَثْقَلَ مِنْ كُلِّ سُيُوفِ السَّاحَةِ:
> "لَمْ أَقُلْ إِنَّهَا أَمِيرَةُ المَمْلَكَةِ. قُلْتُ… أَمِيرَتِي."
ضَحِكَ إِيڤَان… ضَحِكَةً جَافَّة، كَأَنَّهُ يَسْتَخْرِجُ السُّخْرِيَةَ مِنْ دَمِ فِيدُور نَفْسِهِ.
ثُمَّ أَشَارَ بِسَيْفِهِ… بِبُطْءٍ مُمِيتٍ، نَحْوَ شَخْصٍ وَاحِدٍ:
وَالِدُ فِيدُور.
وَصَوْتُهُ… بَارِدٌ كَثَلْجِ فِيرْلُونَا:
> "انْظُرْ إِلَى عَيْنَيْ وَالِدِكَ، يَا فَارِسَ الْعَبَثِ... أَلَا تَرَاهُ؟ يُرِيدُكَ أَنْ تَنْسَحِبْ."
صَمَتَ لَحْظَةً، كَأَنَّهُ يُحَضِّرُ لِكَلِمَةٍ أَكْثَرَ قَسَاوَةً.
> "وَإِنْ لَمْ تَنْسَحِبِ الآن... أَعِدُكَ – قَسَمًا بِالظُّلْمَةِ – سَأُحْضِرُ لَكَ أَمِيرَتَكَ الْغَالِيَةَ... وَسَتَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَشْهَدُ مَوْتَهَا... بِهَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ."
وَهَنَا… انْفَجَرَ شَيْءٌ مَا فِي صَدْرِ فِيدُور.
كُتْلَةُ غَضَبٍ، أَسْوَدَة، تَنْفَجِرُ فِي شَرَايِينِهِ، تَتَصَاعَدُ كَدُخَانِ جُرُوحِهِ، وَتَحْرِقُ مَا تَبَقَّى فِي صَدْرِهِ مِنْ هُدُوءٍ.
يَدَاهُ تَرْتَجِفَانِ.
سَيْفُهُ يُنَادِيهِ.
وَالدَّهْشَةُ تَحْرِقُ جُفُونَهُ.
كَيْفَ يَجْرُؤُ هَذَا… أَنْ يُهَدِّدَهُ بِهَا؟
أَنْ يُجْرِيَ اسْمَهَا عَلَى لِسَانِهِ… بِهَذِهِ النَّبْرَةِ الْقَذِرَةِ؟
> "أُقْسِمُ... لَوْ لَمْ يَكُنْ وَالِدِي يُشِيرُ إِلَيَّ... لَكَانَتْ سَاعَةَ مَوْتِكَ."
صَرَخَتِ الأَحْصِنَةُ.
وَفِي لَحْظَةٍ…
أَسْرَجَ فِيدُور جَوَادَهُ الأَسْوَدَ، وَدَفَعَهُ بِرِجْلِهِ دَفْعَةً عَنِيفَةً، وَانْطَلَقَ…
انْسَحَبَ.
لَيْسَ لِأَنَّهُ أَرَادَ… بَلْ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ الْبَقَاءَ الآن… سَيَكُونُ ثَمَنُهُ دِمَاءَ أَكْثَرَ.
وَرَاءَهُ، انْسَحَبَ جَيْشُ أُوسْتَارْيَا…
مُنْهَكًا.
مَهْزُومًا.
مُنْهَارَ الرُّوحِ.
الدِّرُوعُ مَشْقُوقَةٌ، وَالأَكْتَافُ مَجْرُوحَةٌ، وَالْوُجُوهُ لَا تَحْمِلُ سِوَى ذُلِّ السُّؤَالِ: كَيْفَ حَدَثَ هَذَا؟
وَفِيدُور...
كَانَ يَرْكَبُ فِي المُقَدِّمَةِ، عَيْنَاهُ لَا تَنْظُرُ لِلْخَلْفِ، وَلَا تَرَى مَا أَمَامَهُ، بَلْ كَانَ يُرَكِّزُ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ:
> "سَأُعِيدُهَا... وَسَأَجْعَلُهُمْ يَنْزِفُونَ كُلَّ مَا لَدَيْهِمْ، حَتَّى يَبْتَكِرُوا أَلْوَانًا جَدِيدَةً لِلدِّمَاءِ."
كَانَ صَهِيلُ الْجَوَادِ يَتَرَدَّدُ فِي أَذْنَيْ فِيدُورِ كَصَدًى لِوَاقِعٍ لَا يُرِيدُ تَصْدِيقَهُ.
قَطَرَاتُ الدَّمِ الْيَابِسَةِ عَلَى سُرْجِهِ، وَخُوْذَتُهُ الَّتِي فُتِحَتْ فِي أَعْلَاهَا شُقُوقٌ دَقِيقَةٌ مِنْ ضَرَبَاتِ الْقِتَالِ... كُلُّ شَيْءٍ عَلَيْهِ يُشِي بِمَعْرَكَةٍ كَانَتْ أَشْبَهَ بِنِهَايَةِ الزَّمَنِ.
وَلَكِنَّ الْمَعْرَكَةَ الَّتِي تَحْتَدِمُ فِي دَاخِلِهِ... كَانَتْ أَعْظَمَ وَأَشَدَّ.
كَانَ يَفْكِّرُ.
يَفْكِّرُ فِي كَيْفِيَّةِ خَسَارَةِ كُلِّ شَيْءٍ... وَكَيْفَ لَمْ تَبْقَ لَهُ سِوَى قَسَمٍ قَدِيمٍ وَنَظْرَةٍ وَاحِدَةٍ... نَظْرَةٍ وَدَّ لَوْ يُحَطِّمُ الْعَالَمَ لِيَرَاهَا تَتِمُّ مُجَدَّدًا.
ثُمَّ قَطَعَ تَيَّارَ أَفْكَارِهِ صَوْتٌ مَعْهُودٌ... مَأْلُوفٌ جِدًّا:
"أَعْرِفُ أَنَّهُ لَيْسَ الوَقْتُ الْمُنَاسِبَ لِلسُّؤَالِ... لَكِنْ..."
"مَا سَبَبُ تَعَطُّشِكَ لِلدِّمَاءِ اليَوْمَ، فِيدُور؟نَحْنُ... لَا نَقْتُلُ النِّسَاءَ المُجَنَّدَاتِ، أَلَا تَتَذَكَّرُ؟"
كَانَتْ نَبْرَةُ دِيمُوسَ مَمْزُوجَةً بَيْنَ الاسْتِغْرَابِ وَاللَّوْمِ.
لَمْ يَجِبْ فِيدُورُ مُبَاشَرَةً.
بَلْ نَظَرَ فِي عَيْنَيْهِ، وَكَأَنَّهُ يُقَلِّبُ فِيهِمَا شَيْئًا يُرِيدُ كَتْمَهُ.
ثُمَّ... تَنَهَّدَ.
> "آسِفٌ... يَا مَوْلَاي."
صَوْتُهُ كَانَ مَخْنُوقًا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ صَادِقًا فِي أَسَفِهِ.
إِنَّهُ يَعْلَمُ ذَلِكَ.
وَدِيمُوسُ عَلِمَ ذَلِكَ أَيْضًا.
زَادَ فِيدُورُ مِنْ سُرْعَةِ جَوَادِهِ.
كَأَنَّهُ يُحَاوِلُ أَنْ يَسْبِقَ أَفْكَارَهُ، أَنْ يُهَدِّئَ صَوْتَ كُلِّ مَا يُمْزِّقُ صَدْرَهُ مِنْ دَاخِلٍ.
> "السِّحْرُ...؟"
فَكَّرَ.
> "كَيْفَ يُمْكِنُ لِبَشَرٍ... أَنْ يَمْحُوا ذَاكِرَةَ شَخْصٍ كَأَنَّهَا وَرَقَةٌ فِي يَدِهِمْ؟كَيْفَ لَـهَا... أَنْ تَنْسَانِي؟كَيْفَ... تَنْسَى يَدِي الَّتِي سَنَدَتْ كَتِفَهَا فِي كُلِّ سُقُوطٍ؟كَيْفَ تَنْسَى صَوْتِي، وَهُوَ يَسْبِقُ صَوْتَ الْخَوْفِ فِي لَيْلِهَا؟كَيْفَ لِأَحَدٍ... أَنْ يَسْتَبِيحَ ذَاكِرَتَهَا؟ وَلِمَاذَا... لَمْ أَكُنْ أَنْتَ مَنْ حَمَاهَا؟فِيدُور... أَيْنَ كُنْتَ؟أَيْنَ كُنْتَ يَوْمَ كَانَتْ تَصْرُخُ؟أَيْنَ كُنْتَ وَهِيَ تَنْزِفُ؟أَيْنَ كُنْتَ... وَهُمْ يَكْتُبُونَ مَسْرَحِيَّةَ النِّسْيَانِ عَلَى جِلْدِ ذَاكِرَتِهَا؟"
شَدَّ بِكِفِّهِ عَلَى زِمَامِ الْجَوَادِ حَتَّى بَيْضَتْ أَصَابِعُهُ.
عَيْنَاهُ كَانَتَا تَحْمِلَانِ شَيْئًا مُرْعِبًا... لَا يُشْبِهُ الْكَرَاهِيَةَ، وَلَا الغَضَبَ.
بَلْ شَيْئًا أَعْمَقَ... أَقْسَى.
شَيْئًا يُسَمَّى... أَخْذُ الْحَقِّ، وَلَوْ مِنْ جَوْفِ الجَحِيمِ.
فِي قَاعَةِ الْعَرْشِ الْعَتِيقَةِ، وَتَحْتَ تِيجَانٍ مُتَدَلِّيَةٍ مِنَ الذَّهَبِ الْأَسْوَدِ، كَانَتِ الضَّوْءُ يَرْتَدُّ ضَعِيفًا عَلَى جُدْرَانٍ مُغَطَّاةٍ بِالرُّمُوزِ الْقَدِيمَةِ وَأَقْنِعَةِ الْمَلُوكِ الْمَيْتِينَ.
تَرَاكَضَتْ ضَحِكَاتُ النِّسَاءِ... أَوْ أَشْبَاحِ النِّسَاءِ... حَوْلَ العَرْشِ، يَرْقُصْنَ نِصْفَ عَارِيَاتٍ، وَعُيُونُهُنَّ كَأَنَّهَا مَسْرَحٌ لِكُلِّ أَنْوَاعِ الْخُدُوعِ وَالْخُضُوعِ.
وَعَلَى العَرْشِ... جَلَسَ هُوَ.
مُورْفِيل أَزْرِيس.
مَلِكُ فِرِيلُونَا، وَصَاحِبُ الْقَلْبِ الَّذِي اسْتَبْدَلَ النَّبْضَ بِالطَّمَعِ.
يُمْسِكُ بِحَبَّةِ تُوتٍ سَوْدَاءِ كَأَنَّهَا جَوْهَرَةٌ، يُدَخِّلُهَا فِي فَمِهِ بِلُطْفٍ، ثُمَّ يَمْضُغُهَا بِتَمَهُّلٍ كَسِحْرٍ سَادِيٍّ.
وَأَمَامَهُ... عَلَى رُكْبَتِهِ... يَرْكَعُ إِيفَان، فِي زِيِّ القَائِدِ الأَسْوَدِ، وَمَعَالِمُ وَجْهِهِ تُخْفِي كُلَّ مَا تَفْضَحُهُ عَيْنَاهُ.
صَمْتٌ.
وَضَجَّةُ قَاعَةٍ مُمْتَلِئَةٍ بِالرَّقْصِ، وَالطُّيُورِ الْمُزَيَّفَةِ، وَالذُّبَابِ الَّذِي يَحُومُ فَوْقَ الأَطْبَاقِ الذَّهَبِيَّةِ.
قَالَ مُورْفِيل وَهُوَ يَمُصُّ أُصْبُعَهُ كَأَنَّهُ يَتَلَذَّذُ بِبَقَايَا التُّوتِ:
> "هُممم... يَا إِيفَان، لَقَدْ جَعَلْتَهُمْ يَنْسَحِبُونَ كَكِلَابٍ أُحْرِقَتْ ذُيُولُهَا... وَجَعَلْتَهُمْ يَهَابُونَنَا."
ثُمَّ الْتَفَتَ نَحْوَ إِحْدَى الرَّاقِصَاتِ، وَصَفَعَهَا بِخِفَّةٍ عَلَى فَخِذِهَا، وَانْفَجَرَتْ بِالضَّحِكِ كَأَنَّهَا لَا تَعْرِفُ سِوَى الذُّلِّ.
ثُمَّ عَادَ بِنَظَرِهِ إِلَى قَائِدِهِ الرَّاكِعِ:
> "كَانَ ذَلِكَ جَمِيلًا... جِدًّا."
> "كَيْفَ يَجِبُ أَنْ أُكَافِئَكَ؟ أُرِيدُ شَيْئًا يَجْعَلُك تَشْعُرُ بِأَنَّ الْجَحِيمَ... يَبْدُو كَمَنْزِلٍ دَافِئٍ بِجَانِبِي."
تَبَسَّمَ.
ثُمَّ أَخَذَ مِقْدَارًا جَدِيدًا مِنَ التُّوتِ، وَقَالَ بِلَهْجَةٍ غَيْرِ مُبَالِيَةٍ:
> "قُلْ، يَا إِيفَان... أَتُرِيدُ سَيِّدَةً مِنْ هَؤُلَاءِ؟ أَمْ عَرْشًا صَغِيرًا تُدِيرُ فِيهِ جُيُوشَكَ؟ أَمْ تَرَى... أَنْ أُقَرِّبَك مِني أَكْثَر؟"
> "لِأَنَّكَ... أَثْبَتَّ لِي أَنَّ الدِّمَاءَ... هِيَ اللُّغَةُ الْوَحِيدَةُ الَّتِي تَفْهَمُهَا الْمَمَالِكُ."
ثُمَّ ضَحِكَ... ضَحِكَةً قَصِيرَةً، مَسْمُومَةً، وَقَالَ وَعَيْنَاهُ تَتَبَرْقَعَانِ بِالْمَكْرِ:
> "هَلْ أَقُولُ لَكَ السِّرَّ؟... أَنَا لَا أُرِيدُ السَّيْطَرَةَ... أُرِيدُ أَنْ يَتَفَحَّمَ وَجْهُ دِيمُوسْ،وَأَنْتَ؟... أَنْتَ بَطَلِي فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، يَا إِيفَان."
ضَحِكَ مُورْفِيل.
لَيْسَتْ ضِحْكَةَ سُرُورٍ، وَلَا ظَرْفٍ، وَلَا حَتَّى انْتِصَارٍ…
بَلْ ضِحْكَةَ رَجُلٍ تَعَوَّدَ أَنْ يَجْرَحَ دُونَ أَنْ يُسِيلَ دَمًا، وَيَكْسِرَ دُونَ صَوْتٍ.
أَمْسَكَ بِكَأْسِ الْفِضَّةِ، وَأَمَالَهُ قَلِيلًا، وَالنَّبِيذُ يُقَبِّلُ شَفَتَيْهِ بِلُطْفٍ قَاتِلٍ.
ثُمَّ قَالَ، بِنَبْرَةٍ يَغْلِفُهَا الدُّعَابَةُ، وَيَحْفِرُهَا الْجُرْحُ:
> "دَعْنَا نَنْتَقِلْ إِلَى الْخُطَّةِ التَّالِيَةِ، يَا إِيفَان..."
أَرْسَلَ نَظَرَهُ فِي الْفَرَاغِ، كَمَنْ يُفَكِّرُ فِي لُعْبَةٍ أَحَبَّهَا وَهُوَ طِفْل.
ثُمَّ أَضَافَ، وَفِي صَوْتِهِ نُقْطَةٌ مِنَ السُّمِّ وَنُقْطَةٌ مِنَ الْغِوَايَةِ:
> "مَا رَأْيُكَ... أَنْ نَجْعَلَ تِلْكَ الَّتِي تُدْعَى إِسْتِرْلِينَا… وَاحِدَةً مِنَ النِّسَاءِ الْمُجَنَّدَاتِ فِي مَمْلَكَتِنَا؟"
> "أَوْ... رُبَّمَا..."
تَوَقَّفَ، وَضَغَطَ عَلَى شَفَتِهِ السُّفْلَى بِأَسْنَانِهِ، ثُمَّ بَسَطَ كَفَّهُ نَحْوَ الْجَوْفِ:
> "... رَاقِصَةً."
قَهْقَهَ، وَأَسْنَانُهُ تُلْمِعُ كَمَا السُّيُوفِ، وَضَرَبَ قَدَمَهُ بِالأَرْضِ.
> "نَعَمْ، رَاقِصَةً! فِي قَاعَاتِنَا، بَيْنَ الْمُتْعَبِينَ وَالسُّكَارَى.أَلَا تَكُونُ تِلْكَ هِيَ النِّهَايَةُ الَّتِي تَلِيقُ بِـــ ابْنَةِ نُبُوءَتِهِمْ؟"
أَمَّا إِيفَان... فَبَقِيَ صَامِتًا.
عَيْنَاهُ لَمْ تَهْتَزَّا، وَجَبِينُهُ لَمْ يَرْتَجِفْ. لَكِنَّ شَيْئًا فِي قَلْبِهِ كَانَ يَتَشَقَّقُ... لَا حَنَانًا، بَلْ خُطَّةً.
فَقَطْ هَزَّ رَأْسَهُ، وَقَالَ بِصَوْتٍ خَافِتٍ، لَكِنْ يَشِي بِالْقُوَّةِ:
> "كُلُّ مَا تَأْمُرُ بِهِ، سَيِّدِي.وَسَأَتَوَلَّى الْخِدَاعَ… وَالْكَسْرَ… وَإِعَادَةَ صِيَاغَتِهَا كَمَا تَشَاءُونَ."
----------
يتبع
syreiaelora