إِكتِشَاف

إِكتِشَاف

11 0

أَفَاقَ إِيفَان مِن شرودِهِ، وَهوَ يَشعر بِثِقَلٍ فِي صَدرِهِ كَأَنَ الهَوَاءَ نَفِدَ مِنَ العَالَمِ. تَمَطَى بِنَظَرِهِ نَحوَ الأفقِ، ثمَ تَزَحزَحَ عَن مَكَانِهِ وَسَارَ خطوَاتٍ صَامِتَةٍ فِي مَمَرَاتِ القَصرِ المظلِمَةِ، حَتَى وَصَلَ إِلَى أَحَدِ الأَبرَاجِ الطَوِيلَةِ، حَيث يَقطن السَاحِر "دورِيلَان".

كَانَ البرج كَأَنَه قَطعَةٌ مِـن عَالَمٍ آخَرَ، رَوَائِحه الغَرِيبَة، وَكتبه المتَفَحِمَة، وَالأَجسَاد المعَلَقَة فِي سَوَائِلٍ زرقِيَةٍ

دَفَعَ إِيفَان البَابَ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ وَدَخَلَ، صَوت خطوَاتِهِ كَانَ يَرِن عَلَى أَرضِيَةِ الحَجَرِ البَارِدِ.

"هَـايِي، دورِيلَان." قَالَهَا بِنَبرَةٍ بَارِدَةٍ، وَهوَ يَرمِقه.

لَم يَرفَعِ السَاحِر رَأسَه، بَل نَظَرَ إِلَيهِ بِطَرَفِ عَينِهِ، وَقَالَ بِنَبرَةٍ جَافَةٍ:

"مَاذَا ترِيد الآن؟"

جَلَسَ إِيفَان عَلَى أَحَدِ الكَرَاسِي القَدِيمَةِ المتَشَقِقَةِ، وَوَضَعَ سَاقًا عَلَى سَاقٍ، وَهوَ يَقول:

"أَلَا زِلتَ تَستَطِيع التَحَكمَ بِـاستِرلِينَا كَمَا يَجِب؟"

أَطلَقَ دورِيلَان زَفِيرًا خَفِيفًا، وَأَغلَقَ الكِتَابَ الَذِي كَانَ يقَلِبه، ثمَ قَالَ وَهوَ يَتَقَدَم خطوَةً:

"لَقَد أَخبَرتكَ... أَنَنِي أَستَطِيع التَحَكمَ بِالقَرَارَاتِ وَالأَفكَارِ، وَلَيسَ بِالجَسَدِ، أَيهَا الذَكِي. وَلَكِن تِلكَ الفَتَاة... هِيَ مختَلِفَةٌ، طَاقَتهَا غَير طَبِيعِيَةٍ. أَحيَانًا... لَا أَستَطِيع أَن أسَيطِرَ عَلَيهَا كَمَا يَجِب."

ضَيَقَ إِيفَان عَينَيهِ، وَقَالَ بِنَبرَةٍ تَختَلِط فِيهَا الرِيبَة وَالغَضَب:

"أَلِهَذَا... نَطَقَتِ اليَومَ بِاسمِ فِيدور؟"

صَمَتَ دورِيلَان لَحظَةً، ثمَ ارتَفَعَ حَاجِبَاه بِشَيءٍ مِنَ الدَهشَةِ:

"أَحَقًا قَالَت ذَلِكَ؟"

تَنَهَّدَ إيفانُ، وأَوْمَأَ لَهُ بِرَأْسِهِ قَائِلًا:

"أَشُكُّ أَنَّ هُنَاكَ جَاسُوسًا أَيْضًا."

نَظَرَ إِلَيْهِ دوريلانُ بِعَدَمِ فَهْمٍ، وَقَدِ ارْتَسَمَتْ عَلَى مَلَامِحِهِ دَهْشَةٌ خَفِيفَةٌ، وَقَالَ:

"مَاذَا تَعْنِي؟"

رَفَعَ إيفانُ حَاجِبَهُ قَلِيلًا، وَرَدَّ بِنَبْرَةٍ هَادِئَةٍ وَلَكِنْ مَشُوبَةٍ بِالرِّيبَةِ:

"أَعْنِي... لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ جَاسُوسٍ، لِأَنَّنِي هَذَا الصَّبَاحَ رَأَيْتُ إِسْتِرْلِينَا تَرْتَدِي قِلَادَةً سَخِيفَةً. حَجَرُهَا الْكَرِيمُ مَوْجُودٌ فَقَطْ فِي أَرَاضِي أُوسْتَارِيَا."

نَظَرَ إِلَيْهِ دوريلانُ نَظْرَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ أَغْلَقَ أَحَدَ كُتُبِهِ بِهُدُوءٍ ظَاهِرٍ، وَقَالَ:

"أَلَا يُمْكِنُكَ أَنْ تُحَرِّكَ قَدَمَيْكَ قَلِيلًا... وَتُشَغِّلَ عَقْلَكَ لِتَبْحَثَ عَنِ الْجَاسُوسِ بَدَلًا مِنَ الِاكْتِفَاءِ بِالْكَلَامِ؟"

قَالَهَا وَهُوَ يَرْفَعُ خُصَلَاتِ شَعْرِهِ الْقِرْمِزِيِّ عَنْ جَبِينِهِ بِحَرَكَةٍ سَرِيعَةٍ.

تَضَايَقَ إيفانُ مِنْ نَبْرَةِ التَّهَكُّمِ، فَزَفَرَ بِضِيقٍ، وَرَدَّ بِحِدَّةٍ مَكْتُومَةٍ:

"مَا رَأْيُكَ أَنْ تَصْمُتَ... يَا دُورِيلَان؟"

نَظَرَ لَهُ دوريلانُ وَضَحِكَ، ثُمَّ قَالَ:

"لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَصْمُتَ... وَلَكِنْ بِجِدِّيَّةٍ، فِيمَنْ تَشُكُّ؟"

نَظَرَ إِلَيْهِ إيفانُ نَظْرَةً فِيهَا شَكٌّ كَبِيرٌ، ثُمَّ قَالَ:

"إيفْلِيَا... تِلْكَ الْفَتَاةُ الَّتِي عُيِّنَتْ لِتَدْرِيبِ الْفَتَيَاتِ، أَشُكُّ فِيهَا بِشَكْلٍ كَبِيرٍ. أَعْنِي... كَيْفَ لِٱمْرَأَةٍ أَنْ تَمْلِكَ جَسَدًا رِيَاضِيًّا وَمَهَارَاتٍ عَالِيَةٍ، مَعَ أَنَّهَا دَائِمًا تُنْكِرُ أَنَّهَا تَعَلَّمَتِ السَّيْفَ، وَتَقُولُ إِنَّهَا فَقَطْ كَانَتْ تُشَاهِدُ وَالِدَهَا أَوْ أَخَاهَا يَتَدَرَّبَانِ؟!

وَأَيْضًا... هِيَ مِنْ عَائِلَةِ هَارْكُورْت! وَتَقُولُ فَقَطْ إِنَّهَا ٱنْشَقَّتْ عَنْهُمْ، وَلَمْ تَعُدْ تَعْتَبِرُ نَفْسَهَا مِنَ الْعَائِلَةِ! أَلَا تَسْتَوْعِبُ بَعْدُ، يَا دُورِيلَان؟!"

نَظَرَ إِلَيْهِ دوريلانُ بِهُدُوءٍ، ثُمَّ قَالَ:

"هَلِ ٱسْتَوْعَبْتَ ٱلْوَضْعَ لِلتَّوِّ؟"

ٱسْتَغْرَبَ إيفانُ مِنْ كَلِمَاتِ صَدِيقِهِ، وَقَالَ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ:

"هَلْ كُنْتَ تَعْرِف؟"

تَقَدَّمَ دوريلانُ خُطْوَةً، ثُمَّ قَالَ:

"إِنَّهَا ٱلْجَاسُوسَةُ... هَذَا وَاضِحٌ لِلْأَعْمَى. لَمْ أُرِدْ إِخْبَارَكَ، لِأَنَّهُ... أُمم... لَا أَعْرِف... إِنَّهُ كَسَلٌ مِنِّي فَقَط."

غَضِبَ إيفانُ، وَلَكِنَّهُ كَانَ مُتَعَوِّدًا عَلَى حَمَاقَاتِ دُورِيلَانَ. خَرَجَ مِنَ الْبُرْجِ بِسُرْعَةٍ، وَهُوَ يَتَّجِهُ نَحْوَ الْقَصْرِ.

وَلَكِنَّهُ ٱسْتَوْعَبَ أَنَّهُ لَنْ يُصَدِّقَهُ أَحَدٌ دُونَ وُجُودِ دَلِيلٍ، لِذَا كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْتَظِرَ أَسَابِيعَ أَوْ شُهُورًا حَتَّى يَحْصُلَ عَلَى بُرْهَانٍ يُثْبِتُ أَنَّ إيفْلِيَا... تِلْكَ هِيَ الْجَاسُوسَةُ.

عَادَ إِلَى الْقَصْرِ، وَتَحْدِيدًا إِلَى سَاحَةِ التَّدْرِيبِ. وَجَدَ إيفْلِيَا وَحْدَهَا، تُفَحِّصُ السُّيُوفَ وَالدُّرُوعَ الْمَوْجُودَةَ عَلَى الرُّفُوفِ.

تَقَدَّمَ نَحْوَهَا بِسُرْعَةٍ، وَصَاحَ بِنَبْرَةٍ خَشِنَةٍ:

"أَنْتِ!"

تَوَقَّفَ أَمَامَهَا، صَوْتُهُ حَادٌّ وَمُتَّهَمٌ

"إيفْلِيَا هَارْكُورْت؟ أُوسْتَارِيَّةٌ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟"

نَظَرَتْ إِلَيْهِ إيفْلِيَا، ثُمَّ ضَحِكَتْ بِخِفَّةٍ وَعُجْبٍ:

"هَلْ تَرَانِي أُوسْتَارِيَّةً؟ كَفَى مِزَاحًا، أَنْتَ تَعْرِفُ أَنَّنِي لَا أَتَحَمَّلُ الْمِزَاحَ الثَّقِيلَ."

فَرَدَّ عَلَيْهَا، وَهُوَ يُجَهِّزُ سَيْفَهُ بِبُطْءٍ مُتَعَمَّدٍ، وَصَوْتُهُ بَارِدٌ كَالسُّمِّ:

"وَلَمْ أَطْلُبْ مِنْكِ أَنْ تَتَحَمَّلِيهِ."

أَمَالَتْ رَأْسَهَا قَلِيلًا، وَقَالَتْ بِسُخْرِيَّةٍ مُتَعَالِيَةٍ:

"هُمم... هَلْ أَطْفَالُ الْيَوْمِ أَصْبَحُوا يَتَمَرَّدُونَ؟"

نَظَرَ إِلَيْهَا إيفانُ بِعَصَبِيَّةٍ، وَالْغَضَبُ يَتَفَجَّرُ فِي عَيْنَيْهِ كَجَمْرٍ يَتَوَقَّدُ تَحْتَ الرَّمَادِ.

وَلَكِنَّ إيفْلِيَا لَمْ تَأْبَهْ... بَلْ ضَحِكَتْ، ضَحِكَةً بَارِدَةً فِيهَا ٱسْتِهْزَاءٌ وَخِفَّةٌ مُمِيْتَةٌ، ثُمَّ ٱسْتَدَارَتْ وَرَحَلَتْ عَنْهُ، خُطُوَاتُهَا تَتَجَاهَلُ وُجُودَهُ كَأَنَّهُ لَا يُمَثِّلُ شَيْئًا.

بَقِيَ إيفَانُ وَحْدَهُ، أَصَابِعُهُ تَشُدُّ عَلَى قَبْضَةِ سَيْفِهِ بِقُوَّةٍ، وَالْأَرْضُ تَكْتُمُ صَمْتَهُ.

كُلُّ خَلِيَّةٍ فِي جَسَدِهِ تَصْرُخُ... لَكِنَّهُ لَا يَزَالُ يُقَاتِلُ مَشَاعِرَهُ.

فَهِيَ جَاسُوسَةٌ، وَهُوَ يَعْرِفُ ذَلِكَ،

تَجَمَّدَ إيفانُ فِي مَكَانِهِ، وَضَحِكَتُهَا تَتَرَدَّدُ فِي أُذُنَيْهِ كَسَهْمٍ مَسْمُومٍ.

أَنْزَلَ نَظَرَهُ نَحْوَ الأَرْضِ، وَفِي صَدْرِهِ عَاصِفَةٌ مِنَ الْأَسْئِلَةِ...

"هَلْ... ٱعْتَرَفَتْ تَوًّا؟ هَلْ هِيَ جُنَّتْ؟'

شَدَّ عَلَى قَبْضَةِ سَيْفِهِ، وَهَمَسَ بِنَفْسِهِ:

"كَيْفَ تَسَلَّلَتْ؟ جَمِيعُ الْحُدُودِ مَحْرُوسَةٌ... وَالْعُبُورُ مِنْهَا أَشَدُّ صُعُوبَةً مِنَ الْمَوْتِ!"

رَفَعَ رَأْسَهُ، وَظَلَّ يَنْظُرُ نَحْوَ الْفَارِغِ الَّذِي خَلَّفَتْهُ وَرَاءَهَا، ثُمَّ قَالَ بِنَبْرَةٍ خَافِتَةٍ:

"أَكَانَ ذَلِكَ تَقْصِيرًا مِنَ الْفُرْسَانِ؟ أَمْ حَظًّا لَازَمَهَا؟ أَمْ أَنَّ فِرْقَةً كَامِلَةً تَوَاطَأَتْ مَعَهَا؟"

صَمَتَ لَحْظَةً، وَبَدَأَ شَيْءٌ مَا يَتَحَرَّكُ فِي صَدْرِهِ... شُكُوكٌ، وَخَوْفٌ، وَرُبَّمَا أَكْثَرُ.

عادَ إيفانُ لِدَاخِلِ القَصْرِ وَلَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا غَيْرَ البَقَاءِ فِي غُرْفَتِهِ وَالتَّخْطِيطِ وَالتَّخْمِينِ فِي كُلِّ مَا يَحْدُثُ حَوْلَهُ، أَمَّا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، اِنْطَلَقَتْ إيفْلِيَا نَحْوَ ذَلِكَ المَعْبَرِ السِّرِّيِّ الَّذِي تَسْتَخْدِمُهُ دَائِمًا، وَهِيَ رُبَّمَا مُتَوَتِّرَةٌ قَلِيلًا. اِجْتَازَتِ المَعْبَرَ بِسُرْعَةٍ لِدَرَجَةٍ أَحَسَّتْ أَنَّهَا رَمْشَةُ عَيْنٍ، قَادَتْ حِصَانَهَا بِسُرْعَةٍ لِقَصْرِ أُوسْتَارِيَا وَتَوَجَّهَتْ نَحْوَ المَلِكِ:

"تَحِيَّاتِي لَكَ أَيُّهَا المَلِكُ"، قَالَتْهَا وَهِيَ تَنْحَنِي، وَلَمْ تَجِدْ فِي الغُرْفَةِ غَيْرَ فِيدُور وَالمَلِكِ دِيمُوس وَبَعْضِ المُسْتَشَارِينَ.

"مَاذَا حَدَثَ يَا عَمَّتِي؟" تَكَلَّمَ فِيدُور وَخَوْفٌ مُرْتَبِكٌ فِي مَلَامِحِ عَمَّتِهِ.

"إيفَان، ذَلِكَ الأَشْقَرُ الَّذِي وَاجَهْتَهُ أَنْتَ يَا فِيدُور فِي إِحْدَى المَرَّاتِ... لَقَدِ اكْتَشَفَ أَنَّنِي جَاسُوسَةٌ."

نَظَرَ دِيمُوس لَهَا وَيَدُهُ بَدَأَتْ تَرْتَجِفُ بِدُونِ سَيْطَرَةٍ، أَمْسَكَ قَلْبَهُ مُبَاشَرَةً.

"يَا إِلَهِي، مَاذَا سَوْفَ يَحْدُثُ لِابْنَتِي..."

أَمْسَكَ فِيدُور يَدَهُ بِسُرْعَةٍ: "أَحْضِرُوا المَاء!"، قَالَهَا، وَبَيْنَمَا الخُدَّامُ اتَّجَهُوا نَحْوَ دِيمُوس لِكَي يُخَفِّفُوا عَنْهُ  حَالَتَهُ، تَفَرَّدَ فِيدُور وَإِيفْلِيَا.

"عَمَّتِي، احْكِي لِي بِالتَّفْصِيلِ مَا حَدَثَ"، قَالَهَا فِيدُور، وَبَدَأَتْ إِيفْلِيَا تَحْكِي لَهُ مُبْتَغَاهَ وَعِنْدَمَا اِنْتَهَتْ...

"لَكِنْ، مِنْ مَتَى وَهُمْ يَعْرِفُونَ؟! يَبْدُو أَنَّهُ لَيْسَ فَقَطْ إيفَانُ مَنْ يَعْرِفُ، مِنَ المُسْتَحِيلِ أَنْ يَأْتِيَ وَيَلُومَكِ هَكَذَا..."

تَنَهَّدَتْ إيفْلِيَا وَهِيَ تَنْظُرُ لِلسَّقْفِ، بَيْنَمَا فِيدُور خَمَّنَ فِي شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ يَجِبْ عَلَيْهِ التَّخْمِينُ فِيهِ.

"إيفْلِيَا... مَا رَأْيُكِ أَنْ آتِيَ مَعَكِ إِلَى فِيرْلُونَا؟" قَالَهَا، وَكَأَنَّهُ قَدْ أَلْقَى التَّحِيَّةَ عَلَيْهَا فَقَطْ.

رَفَعَتْ حاجِبَيْها بِحِدَّةٍ، وبَدَتْ وَكَأَنَّها لَمْ تَفْهَمْ. ثُمَّ قالَتْ:

"ماذا؟ هَلْ أَنْتَ غَبِيٌّ؟ ماذا يُوجَدُ في رَأْسِكَ بِالضَّبْطِ؟"

ضَحِكَ فِيدور ضَحْكَةً قَصيرَةً، مُجْهَدَةً، بِلا رُوحٍ، ثُمَّ مَسَحَ على فَكِّهِ كَما يَفْعَلُ دائِمًا حينَ يَتَوَتَّرُ، قَبْلَ أَنْ يَرُدَّ بِهُدُوءٍ غَريبٍ:

"أَنا جادٌّ... لَقَدِ اشْتَقْتُ إِلَيْها، إِلى إِسْتِرْلينا."

صَمَتَتْ عَمَّتُهُ، وبَدا عَلَيْها التَّرَدُّدُ. نَظَرَتْ إِلَيْهِ، إِلى عَيْنَيْهِ، كَأَنَّها تَبْحَثُ عَنْ شَيْءٍ خَلْفَ الكَلِماتِ. ثُمَّ قالَتْ بِنَبْرَةٍ حَذِرَةٍ:

"فِيدور... لِمَ أَنْتَ مُتَعَلِّقٌ بِها إِلى هذِهِ الحَدِّ؟ أَعْني... جَميعُنا نَتَعَلَّقُ بِأَصْدِقاءِ طُفُولَتِنا. لَكِنَّكَ أَنْتَ... أَنْتَ تُظْهِرُ شَيْئًا آخَرَ. شَيْئًا أَعْمَقَ. هَلْ تُحِبُّها؟"

سَكَتَ. لَمْ يُجِبْ. فَقَطْ نَظَرَ إِلَيْها، تِلْكَ النَّظْرَةُ الَّتي لا تَحْتاجُ إِلى تَرْجَمَةٍ.

ثُمَّ هَمَسَ، وَصَوْتُهُ بِالكادِ يُسْمَعُ:

"بَلْ أَنا... أَهِيمُ بِها. لا... لا أُحِبُّها فَقَطْ، يا عَمَّتي. أَنا مَجْنُونٌ بِها. مَجْنُونٌ بِها إِلى دَرَجَةٍ تَجْعَلُ النَّوْمَ لَعْنَةً، وتَجْعَلُ كُلَّ امْرَأَةٍ أَراها بِلا وَجْهٍ، وكُلَّ صَباحٍ أَعيِشُهُ ناقِصًا."

شَهَقَتْ إيلْفِيا خَفِيفًا، لَمْ تَكُنْ تَتَوَقَّعُ هذَا الِاعْتِرافَ، لا بِهذَا الشَّكْلِ، وَلا بِهذِهِ الحَرارَةِ المُنْفَلِتَةِ مِنْ عَقْلِ فِيدورَ البارِدِ.

------

يتبع

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أنتِي هِي الهَّلَاك

المؤلف syreiaelora
2025/07/23 مكتملة
قائمة الفصول (27)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة