حَبِيبَتُكَ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ أَمِيرَتَكَ

حَبِيبَتُكَ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ أَمِيرَتَكَ

12 0

دَخَلَ فيدورُ إلى القصرِ وَهُوَ يَهْرُوْلُ، خُطاهُ مُتَخَبِّطَةٌ تَضْرِبُ الأرضَ كَمَنْ يُطارِدُهُ شَبَحٌ مُرْعِب. تَسَلَّلَ العَرَقُ مِنْ جَبِيْنِهِ حَتَّى نَهاياتِ لَحْيَتِهِ، وَصَدْرُهُ يَعْتَصِرُ الأَنْفَاسَ كما لو كانَ يَجْرِي في سَباقٍ يَحْمِلُ فيهِ حَيَاةَ أُناسٍ على كَتِفَيْهِ.

عَرَفَ أنَّ مَجْلِسَ المُسْتَشارين ما زالَ مُنعَقِدًا، فَلَمْ يُبَالِ بِأَذْنٍ وَلا بِنِظامٍ. دَفَعَ البَابَ العَظيمَ بِقُوَّةٍ، فَصَدَرَ عَنْهُ صَوْتٌ جَهُورٌ رَنَّ في القاعةِ كَصَيْحَةِ ناقُوسٍ يُعْلِنُ شُؤْمًا مُقْبِلًا.

تَوَقَّفَ الكُلُّ عن الكلام. تَجَمَّدَتِ الأبْصارُ على فيدور، وَهُوَ يَتَقَدَّمُ بِخُطًى مُتَسارِعَةٍ نَحْوَ المَلِكِ ديموس، وَوالِدِهِ كاسيوس، الّذَيْنِ كانا يَجْلِسانِ إلى الرَّأْسِ مِنَ الطّاوِلَةِ المُطَوَّلَةِ، وَحولَهما المُستشارون بِهَيَئاتِهِم الرّصينَةِ، ووجوهِهِم المُكْفَهِرَّةِ.

رَكَعَ فِيدُورُ على رُكْبَتَيْهِ دُونَ تَفْكِيرٍ، كَمَنْ يَسْتَسْلِمُ لِوَاقِعٍ أَفْلَتَ مِنْ يَدَيْهِ.

"سَيِّدِي... أَبِي... لَقَدْ..."

كانَ يَتَحَدَّثُ وَهُوَ يَلْتَقِطُ أَنْفَاسَهُ، كُلُّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنهُ كَأَنَّها تَصْعَدُ مِنْ جُرْحٍ عَميق، وَالخَوْفُ يَسْكُنُ صَوْتَهُ، لا خَوْفًا على نَفْسِه، بَلْ على مَنْ تَرَكَها خَلْفَهُ.

تَقَدَّمَ كاسيوس بُسْرْعَةٍ، وَصَوْتُهُ يَخْرُجُ كَالسَّيْفِ المَسْلُولِ:

"مَاذَا بِكَ؟ تَكَلَّمْ!"

كانَ صَوْتُهُ قاطِعًا، لا يَحْتَمِلُ تَراخِيًا وَلا تَأَخُّرًا.

فَتَكَلَّمَ فيدور، كَمَنْ يَرْمِي قَلْبَهُ على الأرض:

"سَيِّدِي... تَسَلَّلْتُ إِلَى فِيرْلُونَا فِي اللَّيْل... عِنْدَ بُزُوغِ الفَجْرِ... كُنْتُ أُرِيدُ رُؤْيَةَ الأَمِيرَةِ إِسْتِرْلِينَا... وَقَدْ رَأَيْتُهَا... صَحِيح، وَلَكِن..."

تَلَعْثَمَ صَوْتُهُ، وَبَدَتِ الحَيْرَةُ تَلْتَهِمُ لِسَانَهُ.

"اكتَشَفُوا أَمْرِي... أَنَا وَإِيفْلْيَا... أَصَابُوهَا فِي كَتِفِهَا... وَلَا أَدْرِي مَاذَا حَدَثَ بَعْدَ ذَاكَ..."

صَفْعَةٌ دَوَّتْ فِي القَاعَةِ كَالرَّعْدِ.

كَانَتْ يَدُ كاسيوس تَسْقُطُ بِقُوَّةٍ عَلَى وَجْهِ ابْنِهِ، تَفَجَّرَتْ مِنْهَا نَارُ الغَضَبِ المُكْتَمِنَةِ.

"أَأَنْتَ أَحْمَق؟! أَتَتَسَلَّلُ لِأَرَاضِي العَدُوِّ بِخِفَّةٍ وَدُونَ إِخْبَارِنَا؟! وَتَجُرُّ مَعَكَ عَمَّتَكَ؟! أَتُدْرِكُ مَا الَّذِي قَدْ يَحْدُثُ لِإِسْتِرْلِينَا؟! لِإِيفْلْيَا؟! لِكُلِّ أُوسْتَارِيَا؟!"

كَانَ سَيَرْفَعُ يَدَهُ لِيُسَدِّدَ صَفْعَةً أُخْرَى، وَلَكِنَّ المَلِك دِيمُوس أَمْسَكَ مِعْصَمَهُ فَجْأَةً، وَقَالَ بِصَوْتٍ خَافِتٍ لَكِنَّهُ آمِرٌ:

"كَاسِيُوس... إهْدَأْ."

ثُمَّ انْحَنَى المَلِك نَحْوَ فِيدُور، حَتَّى أَصْبَحَ وَجْهُهُ أَمَامَ وَجْهِهِ، وَصَوْتُهُ يَخْتَنِقُ وَيَدُهُ تَرْتَجِفُ وَهُوَ يَسْأَلُ:

"فِيدُور... هَلْ هِيَ بِخَيْرٍ؟... أَعْنِي... عِنْدَمَا رَأَيْتَهَا؟"

سَكَتَ فِيدُورُ لَحْظَةً، ثُمَّ هَمَسَ:

"إِنَّهَا بِخَيْرٍ... وَلكِن... شَعْرُهَا أَصْبَحَ أَبْيَض... كُلُّهُ. وَلكِنَّهُ... لَمْ يَزِدْهَا إِلَّا جَمَالًا، يَا سَيِّدِي..."

سَادَ صَمْتٌ مَهيبٌ، وَفَتَحَ المَلِكُ عَيْنَيْهِ عَلَى اتِّسَاعِهِمَا، وَنَظَرَ إِلَيْهِ...

تَلَفَّتَ المُسْتَشارُونَ بَيْنَهُم بَعْضَ الشَّيْء، وَبَعْضُهُمْ خَنَقَ ضِحْكَةً، وَبَعْضُهُمْ كَتَمَ تَأَوُّهًا، كَأَنَّهُمْ يُحَاوِلُونَ أنْ يُخْفُوا مَا أَثَارَتْهُ كَلِمَاتُ فِيدُور الغَرِيبَةُ، فِي وَقْتٍ يُفْتَرَضُ أَنْ يَسُودَهُ القَلَقُ، لا الذُّهُولُ وَالإِعْجَاب.

أَخْفَضَ فيدور رَأْسَهُ بِخَجَلٍ صَامِتٍ، وَعَيْنَاهُ تَتَجَنَّبَانِ نَظَرَاتِ الحُضُور، فَأَشَارَ الْمَلِكُ دِيمُوس إِلَيْهِ بِحَرَكَةٍ خَفِيفَةٍ مِنْ يَدِهِ لِيَجْلِسَ، فَانْحَنَى فِيدُور جَالِسًا فِي مَكَانِهِ دُونَ أَنْ يَتَفَوَّهَ بِكَلِمَةٍ

بِصَوْتٍ ثَابِتٍ، تَحَدَّثَ كَاسْيُوس هَارْكُوت، وَالِدُ فِيدُور، وَعَيْنَاهُ تَتَحَرَّكَانِ بَيْنَ الوُجُوهِ الجَامِدَةِ حَوْلَ طَاوِلَةِ المَجْلِسِ:

"عَلَيْنَا أَنْ نُقْدِمَ عَلَى هَجَمَاتٍ مَنْظَّمَة تُسْقِطُ هَذِهِ المَمْلَكَةَ قَبْلَ أَنْ تَتَجَذَّرَ. إِنَّهَا لَيْسَتْ سِوَى مَمْلَكَةٍ هِجِينَة، تَأَسَّسَتْ قَبْلَ عِدَّةِ سَنَوَاتٍ، فِي ظِلِّ فَوْضَى سِيَاسِيَّةٍ خَانِقَةٍ. أَمَّا أُوسْتَارِيَا... فَهِيَ تَاجُ التَّارِيخِ، مَمْلَكَةٌ بَاسِلَةٌ تَعُودُ لِقُرُونٍ خَلَتْ. وَلَا بُدَّ أَنْ نَتَغَلَّبَ عَلَيْهِمْ، عَاجِلًا أَوْ آجِلًا."

هَزَّ المَلِكُ دِيمُوس رَأْسَهُ، ثُمَّ أَتْبَعَ كَلَامَ كَاسْيُوس بِصَوْتٍ عَمِيقٍ:

"لِذَلِكَ، وَفْقًا لِكُلِّ المُعْطَيَاتِ... سَنُقْدِمُ عَلَى إِعْلَانِ الحَرْبِ."

سَادَ صَمْتٌ مَفَاجِئٌ فِي القَاعَةِ، وَتَبَادَلَ المُسْتَشَارُونَ النَّظَرَاتِ. لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّهْلِ هَضْمُ القَرَارِ، فَمَمْلَكَةُ فِيرْلُونَا، وَإِنْ كَانَتْ نَاشِئَةً، إِلَّا أَنَّهَا تَتَلَقَّى دَعْمًا سَرِّيًّا وَظَاهِرًا مِنْ قِبَلِ عِدَّةِ دُوَلٍ جَارَةٍ. بَلْ، وَكَمَا يُشَاعُ، فَإِنَّ كُلَّ مَنْ يُكِنُّ العَدَاوَةَ لِأُوسْتَارِيَا، يَضَعُ يَدَهُ فِي يَدِ فِيرْلُونَا.

تَقَدَّمَ أَحَدُ المُسْتَشَارِينَ، وَقَدْ بَدَتْ عَلَيْهِ مَلَامِحُ التَّرَدُّدِ، وَقَالَ:

"لَكِنْ، يَا سَيِّدِي... إِنْ قُمْنَا بِإِعْلَانِ الحَرْبِ، أَلَا يَعْنِي ذَلِكَ أَنَّنَا سَنَقْتُلُ حَتَّى المُسْتَوْطِنِينَ؟ أَهَالِي فِيرْلُونَا لَا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ جُنْدِيٍّ وَمَدَنِيّ، سَيَضُمُّونَ كُلَّ ذَكَرٍ إِلَى صُفُوفِ جَيْشِهِمْ، وَسَيُقَحِمُونَ النِّسَاءَ وَالأَطْفَالَ إِنِ اضْطُرُّوا."

صَمَتَ الحُضُورُ لِبُرْهَةٍ، ثُمَّ تَكَلَّمَ دِيمُوس بِهُدُوءٍ يَخْتَبِئُ فِيهِ غَيْظٌ عَارِمٌ:

"أَجَلْ... هَذِهِ مُشْكِلَةٌ أُخْرَى. لَكِنْ، إِذَا هَاجَمَنَا أَحَدٌ، فَسَنَرُدُّ بِكُلِّ قُوَّةٍ. الأَطْفَالُ سَيَهْرُبُونَ، وَالنِّسَاءُ، لَعَلَّهُنَّ يَتَرَاجَعْنَ فِي آخِرِ اللَّحَظَاتِ... أَمَّا مَنْ يَرْفَعُ السِّلَاحَ فِي وَجْهِنَا، فَسَيَذُوقُ نَارَ أُوسْتَارِيَا."

ثُمَّ أَخْرَجَ كَاسْيُوس خَرِيطَةً جِلْدِيَّةً وَسَطَ الطَّاوِلَةِ، وَبَسَطَهَا بِحَذَرٍ، فَانْكَشَفَتْ خَرِيطَةُ فِيرْلُونَا أَمَامَ أَعْيُنِ الجَمِيع.

أَشَارَ كَاسْيُوس بِإِصْبَعِهِ إِلَى مَنَاطِقَ مُتَفَرِّقَةٍ عَلَى الخَرِيطَةِ، وَقَالَ:

"أَرَاضِيهِمْ سَهْلِيَّةٌ إِلَى حَدٍّ مَا، لَا جِبَالَ تَحْمِيهَا، وَهَذَا يَعْمَلُ فِي صَالِحِنَا. لَكِنَّ المُشْكِلَةَ الأَكْبَرَ... هِيَ البُرُودَةُ القَارِسَةُ. فِي وَقْتٍ كَانَتْ فِيهِ هَذِهِ الأَرَاضِي جُزْءًا مِنْ أُوسْتَارِيَا، كَانَتْ تُعْتَبَرُ أَكْثَرَ المَنَاطِقِ قَسْوَةً فِي الطَّقْسِ. وَلِسَبَبٍ لَا نَعْلَمُهُ، كَانَتِ الرِّيَاحُ تَهُبُّ عَلَيْهَا مِنْ الشِّمَالِ دُونَ تَوَقُّفٍ."

تَنَفَّسَ عَمِيقًا، ثُمَّ أَضَافَ:

"سَيَتَعَيَّنُ عَلَيْنَا تَجْهِيزُ الفُرْسَانِ بِمَلَابِسَ دَافِئَةٍ وَخَفِيفَةٍ فِي آنٍ وَاحِدٍ. لَا يُمْكِنُ لِجُنْدِيٍّ أَنْ يُقَاتِلَ وَعَضَلَاتُهُ تَرْتَجِفُ. سَنُرَكِّزُ عَلَى فِرَقِ المُشَاةِ السَّرِيعَةِ، وَنُخَصِّصُ قُوَّاتٍ لِلتَّوَغُّلِ مِنَ الجَنُوبِ حَيْثُ الكُثْبَانُ وَالمَمَرَّاتُ المَائِيَّةُ."

نَظَرَ دِيمُوسُ إِلَى الْخَرِيطَةِ الْمُمْتَدَّةِ أَمَامَهُ عَلَى الطَّاوِلَةِ الْحَجَرِيَّةِ، كَانَتِ الْخُطُوطُ تُحِيطُ بِالْمَمَالِكِ

قَالَ بِصَوْتٍ ثَقِيلٍ مَشُوبٍ بِالْقَلَقِ الْمَدْفُونِ:

"عَلَيْنَا أَنْ نُرْسِلَ عِدَّةَ فِرَقٍ مِنَ الْجَنُوبِ وَالْـشَّرْقِ أَوَّلًا... لِيَقُومُوا بِتَنْظِيمِ هَجَمَاتٍ اسْتِبَاقِيَّةٍ قَبْلَ بَدْءِ الْـحَرْبِ."

أَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الطَّوِيلَةِ عَلَى الْمَسَارَاتِ الْمَرْسُومَةِ بِالْـحِبْرِ الْأَسْوَدِ، ثُمَّ الْتَفَتَ نَحْوَ كَاسِيُوسَ:

"سَتَكُونُ هَذِهِ الْمَهَمَّةُ تَحْتَ قِيَادَتِكَ يَا كَاسِيُوسُ."

أَوْمَأَ كَاسِيُوسُ بِرَأْسِهِ بِثِقَةٍ، وَعَيْنَاهُ تُتَابِعَانِ الْخَرِيطَةَ كَأَنَّهُمَا تُرَاجِعَانِ صَفَحَاتِ قِصَّةٍ قَدِيمَةٍ يُوشِكُ عَلَى إِعَادَةِ كِتَابَتِهَا بِالدَّمِ.

تَابَعَ دِيمُوسُ، وَهُوَ يُقَلِّبُ بِبُطْءٍ حَجَرًا صَغِيرًا كَانَ يُمَثِّلُ مَمْلَكَةَ فِرِيلُونَا:

"وَبَعْدَ مُدَّةٍ... سَيَتَعَيَّنُ عَلَيْكَ يَا فِيدُورُ أَنْ تَأْخُذَ مَعَكَ جُزْءًا أَكْبَرَ مِنْ جَيْشِنَا... وَتَشُنَّ بِهِ الْـهَجَمَاتِ الْـحَاسِمَةَ."

رَفَعَ نَظَرَهُ إِلَى الْـحَاضِرِينَ جَمِيعًا، صَوْتُهُ غَدَا أَكْثَرَ قَسْوَةً وَصَلَابَةً:

"لَكِنْ مِنَ الْأَفْضَلِ أَنْ نُرَكِّزَ... هَدَفُنَا الْأَوَّلُ هُوَ اسْتِرْجَاعُ الْأَمِيرَةِ. إِنَّهَا الْوَرِيثَةُ الْوَحِيدَةُ لِلْعَرْشِ، وَ... كَذَلِكَ، هَدَفُنَا الْأَكْبَرُ هُوَ تَحْطِيمُ مَمْلَكَةِ فِرِيلُونَا."

صَمَتَ لَحْظَةً، ثُمَّ أَرْدَفَ بِبُطْءٍ وَوُضُوحٍ:

"يَجِبُ أَنْ نَمْحِيَ هَذَا الِاسْمَ مِنَ الْوُجُودِ."

سَادَ صَمْتٌ ثَقِيلٌ بَيْنَ الْـحَاضِرِينَ، كَأَنَّهُمْ سَمِعُوا نَاقُوسًا يُقْرَعُ فِي آخِرِ الْقَصْرِ، بُشْرًى بِمَجَازِرَ آتِيَةٍ.

رَمَقَهُ كَاسِيُوسُ بِنَظْرَةٍ طَوِيلَةٍ، وَكَأَنَّهُ يُحَاوِلُ قِرَاءَةَ مَا خَلْفَ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ الْجَادَّةِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ دِيمُوسُ بِنَفْسِ الْـجِدِّيَّةِ الْـمُتَرَاصَّةِ فِي مَلَامِحِ وَجْهِهِ الْـمَشْقُوقِ بِالتَّجَاعِيدِ وَالْـخُطُوطِ الْقَدِيمَةِ.

أَعْلَنَ، بِصَوْتٍ حَاسِمٍ:

"حَسَنًا... الْآنَ اِنْتَهَى الِاجْتِمَاعُ. أَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ أُسْبُوعٌ وَاحِدٌ كَافِيًا لِلتَّجْهِيزِ."

أَخْفَضَ الْـجَمِيعُ رُؤُوسَهُمْ فِي اِنْـحِنَاءَةٍ سَرِيعَةٍ، ثُمَّ بَدَؤُوا بِالْـخُرُوجِ وَاحِدًا تِلْوَ الآخَرِ، خُطُوَاتُهُمْ تُحْدِثُ صَدًى خَافِتًا عَلَى الْأَرْضِيَّةِ الرُّخَامِيَّةِ لِلْقَصْرِ.

وَقَبْلَ أَنْ يُغَادِرَ فِيدُورُ، سَمِعَ صَوْتَ الْمَلِكِ دِيمُوسَ يُنَادِيهِ، هَامِسًا، لَكِنَّهُ يَحْمِلُ فِي نَبْرَتِهِ شَيْئًا غَيْرَ مُعْتَادٍ:

"فِيدُورْ... تَعَالَ."

اِسْتَدَارَ فِيدُورُ سَرِيعًا، حَاجِبَاهُ مُنْعَقِدَانِ بِدَهْشَةٍ خَفِيفَةٍ:

"نَعَمْ، يَا سَيِّدِي؟"

صَمَتَ الْـمَلِكُ لِثَانِيَةٍ، ثُمَّ ضَحِكَ ضَحْكَةً صَغِيرَةً مُتْعَبَةً، خَرَجَتْ مِنْ صَدْرِهِ كَأَنَّهَا تَسْخَرُ مِنْ جَسَدِهِ الْـمُنْهَكِ:

"كَيْفَ حَالُ صِهْرِي الْوَسِيمِ إِذَنْ؟"

خَجِلَ فِيدُورُ فَوْرًا، فَقَالَ بِصَوْتٍ مُتَرَدِّدٍ: "سَيِّدِي... أَنَا لَا أَسْتَحِقُّ هَذَا اللَّقَبَ..."، وَيَدَاهُ تَرْتَجِفَانِ فِعْلًا مِنْ شِدَّةِ الْخَجَلِ، فَضَحِكَ دِيمُوسُ قَائِلًا: "هَلْ تَظُنُّ أَنَّنِي لَمْ أُلَاحِظْ حُبَّكُمَا مُنْذُ الصِّغَرِ؟"

تَوَتَّرَ فِيدُورُ بِسُرْعَةٍ، وَاحْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ: "لَا أَعْرِفُ إِنْ كَانَ هَذَا مَوْضُوعًا يَجِبُ أَنْ أُنَاقِشَك فِيهِ، يَا سَيِّدِي، وَنَحْنُ عَلَى أَبْوَابِ الْحَرْبِ..."

فَضَحِكَ دِيمُوسُ مَرَّةً أُخْرَى، وَقَالَ: "صَحِيحٌ، نَحْنُ عَلَى أَبْوَابِ الْحَرْبِ... وَهَذَا بِالذَّاتِ أَفْضَلُ وَقْتٍ لِلْحَدِيثِ."

تَقَدَّمَ مِنْهُ خُطْوَةً، وَنَظَرَ فِي عَيْنَيْهِ قَائِلًا بِصَوْتٍ هَادِئٍ يَخْتَلِطُ فِيهِ الْوُدُّ بِالْوَجَعِ: "اِعْتَنِ بِاِبْنَتِي جَيِّدًا، يَا فِيدُور... أَنْتَ هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي تَسْتَحِقُّهُ إِسْتِرْلِينَا... وَأُرِيدُكَ أَنْ تَبْقَى مَعَهَا دَائِمًا."

أَطْرَقَ رَأْسَهُ لِثَوَانٍ، ثُمَّ أَضَافَ: "حَيَاتِي أَوْشَكَتْ عَلَى الْاِنْتِهَاءِ، وَرُبَّمَا أَمُوتُ فِي هَذِهِ الْحَرْبِ... وَلَكِنَّنِي سَأَمُوتُ مُطْمَئِنًّا، لِأَنَّ اِبْنَتِي الْوَحِيدَةَ فِي أَيَادٍ قَوِيَّةٍ يُعْتَمَدُ عَلَيْهَا."

فَانْحَنَى فِيدُورُ لَهُ مُجَدَّدًا، وَقَالَ بِخَفَرٍ: "أَشْكُرُك... يَا مَلِكِي."

فَبَسَطَ دِيمُوسُ يَدَهُ، وَرَبَتَ عَلَى كَتِفِهِ بِعَاطِفَةٍ أَبَوِيَّةٍ نَادِرَةٍ، وَقَالَ بِجِدِّيَّةٍ: "هِيَ حَبِيبَتُكَ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ أَمِيرَتَكَ... هَذِهِ وَصِيَّتِي لَكَ، يَا فِيدُور."

اِنْحَنَىٰ فِيدُورُ مَرَّةً أُخْرَىٰ لِدِيمُوسَ، وَخَرَجَ مِنَ القَاعَةِ وَهُوَ يَطِيرُ مِنَ السَّعَادَةِ. كَانَتْ خَطَوَاتُهُ سَرِيعَةً تَتَخَطَّىٰ سُجَّادَ القَصْرِ الأَحْمَرِ بِخِفَّةٍ نَادِرَةٍ، وَعَيْنَاهُ تَلْمَعَانِ كَأَنَّهُمَا عَكَسَتَا الضَّوْءَ بِنَفْسِهِ. نَسِيَ كُلَّ أُصُولِ اللِّيَاقَةِ وَالأَدَبِ، وَاتَّجَهَ مُنْطَلِقًا نَحْوَ جَنَاحِ أُخْتِهِ.

دَفَعَ البَابَ دَفْعًا خَفِيفًا، وَقَالَ بِنَبْرَةٍ مُنْفَعِلَةٍ وَهُوَ يَلْهَثُ:

"كَارْلَا!"

كَانَتْ تَجْلِسُ أَمَامَ مِرْآتِهَا تُرَتِّبُ أَقْرَاطَهَا وَتَفْتِلُ خُصْلَةً مِنْ شَعْرِهَا بِيَدٍ، فَالْتَفَتَتْ إِلَيْهِ وَالحِيرَةُ تَمْلَأُ عَيْنَيْهَا حَتَى رَمَى عَلَيّهَا وِسَادَة

"تَخَيَّلِي!"

فَصَرَخَتْ وَهِيَ تُبْعِدُ الوِسَادَةَ:

"مَاذَا أَتَخَيَّلُ؟ قُلْ مَا عِنْدَكَ!"

جَلَسَ عَلَىٰ سَرِيرِهَا دُونَ أَنْ يَسْتَأْذِنَ، وَأَخَذَ يَتَأَرْجَحُ قَلِيلًا كَمَا كَانَ يَفْعَلُ وَهُمَا صَغِيرَانِ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْنِ تَلْمَعَانِ وَقَالَ فِي خَفْضٍ مَزْجُوجٍ بِالانْفِجَارِ:

"تَخَيَّلِي... تَخَيَّلِي أَنَّ المَلِكَ دِيمُوس... نَادَانِي بِكَلِمَةِ صِهْرِي!"

أَغْمَضَتْ كَارْلَا عَيْنَيْهَا، وَقَالَتْ بِصَوْتٍ جَافٍّ وَهِيَ تُدِيرُ ظَهْرَهَا لَهُ:

"لَا... لَمْ أَسْتَطِعِ التَّخَيُّلَ."

فَضَحِكَ فِيدُورُ وَأَلْقَىٰ نَفْسَهُ عَلَىٰ السَّرِيرِ بِكُلِّ حَمَاسِهِ، ثُمَّ أَخَذَ يُقَلِّبُ يَدَيْهِ فِي الهَوَاءِ وَيُكَرِّرُ:

"صِهْرِي! قَالَهَا لِي وَنَظَرَ فِي عَيْنَيَّ! قَالَ لِي أَنَّهُ رَآىٰ حُبِّي لَهَا مُنْذُ أَنْ كُنَّا أَطْفَالًا!"

فَالْتَفَتَتْ إِلَيْهِ وَرَفَعَتْ حَاجِبَيْهَا، وَقَالَتْ بِسُخْرِيَّةٍ:

"وَهَلْ هَذَا يُعْتَبَرُ إنْجَازًا؟ كَانَ وَاضِحًا حَتَّى لِلْعُمْيَانِ."

فَاحْمَرَّ وَجْهُ فِيدُورُ، ثُمَّ قَالَ وَهُوَ يَتَمَايَلُ مِنَ الْخَجَلِ:

"لَكِنْهُ... لَكِنْهُ أَوْصَانِي بِهَا، قَالَ إِنَّهَا لَيْسَتْ فَقَط أَمِيرَتِي، بَلْ... حَبِيبَتِي."

تَنَهَّدَتْ كارلا بِصَمْتٍ، ثُمَّ ارْتَسَمَتْ عَلَى شَفَتَيْهَا ابْتِسَامَةٌ دَافِئَةٌ وَهِيَ تَقُولُ بِصَوْتٍ هَادِئٍ فِيهِ مَزِيجٌ مِنَ الْمَزَاحِ وَالْجِدّ:

"حَسَنًا إِذًا… مُبَارَكٌ لَكَ يَا أَخِي، وَلَكِنْ… أَبْذِلْ جُهْدَكَ فِي اسْتِرْجَاعِ عَرُوْسِكَ، يَا أَيُّهَا الْعَاشِقُ."

ثُمَّ مَا لَبِثَتْ أَنْ دَارَتْ نَحْوَ أَكْوَامِ الْمَتَاعِ، تُرَتِّبُهَا بِهُدُوءٍ، بَيْنَمَا هُوَ انْحَنَى عَلَيْهَا وَطَبَعَ قُبْلَةً عَلَى جَبِينِهَا.

خَرَجَ فِيدُورُ مِنَ الْغُرْفَةِ وَهُوَ يَكَادُ يَطِيرُ مِنَ السَّعَادَةِ، كَأَنَّ وَجْهَهُ قَدْ أَشْرَقَ بِنُورٍ لَمْ يُرَ فِيهِ مُنْذُ أَيَّامٍ. وَلَكِنْ، مَا أَنْ أَغْلَقَ الْبَابَ خَلْفَهُ، حَتَّى حَلَّتْ عَلَى وَجْهِهِ مَلَامِحُ الْجِدِّيَّةِ، وَتَغَيَّرَتْ نَظْرَتُهُ كَأَنَّهُ يَرَى الْقَادِمَ مِنْ خَلْفِ حُجُبِ الْمَصِيرِ.

تَوَجَّهَ إِلَى غُرْفَتِهِ بِخُطًى سَكِينَةٍ وَأَعْدَّ نَفْسَهُ لِلنَّوْمِ، فَغَدًا تَبْدَأُ مَرَاسِمُ الِاسْتِعْدَادِ، وَهُوَ عُضْوٌ مُهِمٌّ فِيهَا، لَا مَجَالَ لِلتَّقَاعُسِ، وَلَا لِلتَّرَدُّدِ.

وَفِي اللَّيْلِ… كَمَا فِي كُلِّ لَيْلَةٍ، غَفَا عَلَى أَثَرِ ذِكْرَاهَا.

وَفِي مَنَامِهِ، كَانَتْ هِيَ هُنَاكَ… تَجْلِسُ تَحْتَ شَجَرَةِ الْقَيْقَبِ الْحَمْرَاءِ، تَنْتَظِرُهُ، تَبْتَسِمُ لَهُ، وَتُحَاوِلُ أَنْ تُزْعِجَهُ كَمَا تَفْعَلُ دَائِمًا.

وَلَكِنَّ الْحُلْمَ، كَعَادَتِهِ، تَشَوَّهَ… وَتَحَوَّلَ إِلَى كَابُوسٍ.

وَهٰذِهِ الْمَرَّةَ، كَانَ أَشَدَّ رُعْبًا.

رَآهَا… نَعَمْ، رَآهَا وَهِيَ مُنْهَارَةٌ عَلَى الْأَرْضِ، وَسَيْفٌ غَرِيبٌ يَخْتَرِقُ صَدْرَهَا، بِالتَّحْدِيدِ عِنْدَ قَلْبِهَا.

كَانَتْ تَهْمِسُ بِشَيْءٍ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ.

اقْتَرَبَ مِنْهَا بِسُرْعَةٍ، وَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَقَلْبُهُ يَدُقُّ كَالطَّبْلِ.

كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ كَابُوسٌ، وَلَكِنْ لَحْظَةً وَاحِدَةً، شَكَّ أَنَّهُ كَذٰلِكَ، فَكُلُّ شَيْءٍ كَانَ وَاقِعِيًّا، مُخِيفًا، أَكْثَرَ مِمَّا يَحْتَمِلُهُ قَلْبٌ بَشَرِيٌّ.

اقْتَرَبَ مِنْ فَمِهَا، يُحَاوِلُ سَمَاعَ كَلِمَاتِهَا الْخَافِتَةِ، فَإِذْ بِهَا تَهْمِسُ:

"عَهْدٌ… دَمٌ… عَهْدٌ… دَمٌ…"

لَمْ يَفْهَمْ. لَمْ يَسْتَوْعِبْ. كَيْفَ يَكُونُ دَمُهَا كُلُّهُ عَلَيْهِ، وَهِيَ فِي ذِرَاعَيْهِ؟

وَبِهَا… بِهَا تُمْسِكُ يَدَهُ فَجْأَةً!

صَرَخَ، وَسَحَبَ يَدَهُ بِسُرْعَةٍ.

وَتِلْكَ الَّتِي كَانَتْ جُثَّةً… تَحَرَّكَتْ.

وَقَبْلَ أَنْ يَفْهَمَ، اسْتَيْقَظَ!

جَلَسَ عَلَى فِرَاشِهِ، وَهُوَ يَتَنَفَّسُ بِصُعُوبَةٍ، وَصَدْرُهُ يَرْتَفِعُ وَيَنْخَفِضُ كَأَنَّهُ يُغَاصِرُ نَجَاةً مِنَ الْغَرَقِ.

بَعْدَ دَقَائِقَ، هَدَأَ نَفَسُهُ.

قَامَ، وَدَخَلَ إِلَى الْحَمَّامِ، يَرْجُو أَنْ يَغْسِلَ مَا لَا يُغْسَلُ مِنَ الرُّؤَى.

وَبَعْدَ اسْتِحْمَامٍ طَوِيلٍ، ارْتَدَى زِيَّهُ الْفِرْسَانِيَّ، وَخَرَجَ.

تَوَجَّهَ نَحْوَ السَّاحَةِ الْجَنُوبِيَّةِ لِلْقَصْرِ، وَوَقَفَ فِي مَكَانِهِ ضِمْنَ صُفُوفِ الْجَيْشِ الْمُنْتَظِرَةِ.

وَبَعْدَ قَلِيلٍ، تَقَدَّمَ الْمَلِكُ دِيمُوسُ، وَبِجَانِبِهِ كَاسِيُوسُ.

وَمَا إِنْ سَمِعَ الْجَيْشُ صَوْتَ خُطُوَاتِهِمَا حَتَّى انْحَنَوْا جَمِيعًا فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ، كَأَنَّهُمْ جِسْمٌ وَاحِدٌ.

فَقَالَ دِيمُوسُ بِصَوْتٍ صَارِمٍ:

"اِسْتَرْخُوا."

فَعَادُوا لِوَقْفَتِهِمْ، كُلٌّ فِي مَكَانِهِ، وَأَنْظَارُهُمْ عَلَيْهِ.

ثُمَّ تَقَدَّمَ خُطْوَةً، وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِكَلِمَاتٍ مِلْؤُهَا الْغَضَبُ وَالْعَارُ:

"يَا فُرْسَانَ أُوسْتَارِيَا الشُّجْعَانَ!

أَمِيرَتُكُمْ خُطِفَتْ، وَنَحْنُ… لَمْ نُحَرِّكْ شَعْرَةً!

وَحِينَ تَحَرَّكْنَا، كَانَ جَزَاؤُنَا… هَزِيمَةً نَكْرَاءَ!

أَيُّ مَمْلَكَةٍ نَحْنُ بِالضَّبْطِ؟

أَيُّ مَمْلَكَةٍ تُخْطَفُ أَمِيرَتُهَا وَتَبْقَى مَكْتُوفَةَ الْأَيْدِي؟

عَلَيْنَا اسْتِرْجَاعُ الْأَمِيرَةِ… مَهْمَا كَلَّفَ الثَّمَنَ!

وَلَوْ كَانَتْ هٰذِهِ الْحَرْبُ تَعْنِي الْفَنَاءَ!

فَهِيَ فِي النِّهَايَةِ… هِيَ النُّبُوءَةُ!"

فَانْحَنَى الْفُرْسَانُ مَرَّةً أُخْرَى بِصَوْتٍ وَاحِدٍ:

"نَفْدِي الْوَطَنَ، وَالْأَمِيرَةَ، وَالْمَلِكَ، بِالْحَيَاةِ وَالدَّمِ، يَا سَيِّدِي!"

-------

يتبع

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أنتِي هِي الهَّلَاك

المؤلف syreiaelora
2025/07/23 مكتملة
قائمة الفصول (27)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة