صوتِ خُطًى خافتةٍ تتردَّدُ فوقَ أرضيَّةِ الرخامِ المصقولِ. لم يكن هذا الصوتُ غريبًا على قلبي؛ بل كانَ يُوقظُ شيئًا شقيًّا، صغيرًا، لا ينمو أبدًا رغمَ كلِّ شيءٍ. ركضتُ عبرَ الممرَّاتِ، كما اعتدتُ أن أفعلَ، وشيءٌ من لهفةِ الطفولةِ يسكنُ أطرافي.
كان قصرُنا في تلكَ السَّاعاتِ الباكرةِ لا يُشبهُ نفسَهُ في الظهيرةِ، حين يزدحمُ بالحاشيةِ والخَدَمِ، ويُخنَقُ بأثقالِ البروتوكولاتِ الملكيَّةِ.
اجتزتُ بهدوءٍ الرِّواقَ الطَّويلَ الذي تتدلَّى من سقفِه ثريَّاتٌ كريستاليَّةٌ ترنُّ كلما هبَّ النسيمُ من النوافذِ المفتوحةِ. وخلفَ بابَينِ خشبيَّينِ ضخمينِ، كانت المكتبةُ... الملاذُ، والغابةُ التي يسكنُها فيدور.
دفعتُ أحدَ البابينِ برفقٍ. صريرُهُ الباهتُ يُشبهُ أنينَ بابٍ سرّيٍّ لا يُودُّ أن يُفتحَ، كأنَّ المكانَ نفسَهُ يحميني منه أو منه عنِّي. كان هناكَ، كما توقَّعتُ، جالسًا في زاويتِه المعتادةِ تحتَ نافذةٍ مستديرةٍ يتسلَّلُ منها نورٌ مشمس خافتٌ. صفحاتُ الكتابِ الذي يحملهُ تعكسُ الظِّلالَ على وجهِه، كأنَّ الحِبرَ قد تسرَّبَ منهُ إلى جلدِه.
تقدَّمتُ على أطرافِ قدمَيَّ. خصلاتُ شعري التي لم أربطْها بعدُ تتمايلُ حولَ وجهي، وصوتُ أنفاسي يكادُ يُسمَعُ وسطَ السُّكونِ. وعندما صرتُ خلفهُ تمامًا، قلتُ بصوتٍ هامسٍ ومرِحٍ:
ـ هل قرأتَ كُتب العالمَ كلَّهُ بعد؟
رفعَ عينيهِ من الصَّفحةِ ببطءٍ، التفتَ إليَّ، وأجابَ دون أن يبتسمَ:
ـ لم يتبقَّ سوى كِتابٍ واحدٍ: "إزعاجاتُ إسترلينا اليوميَّةُ".
ضحكتُ. تقدَّمتُ خطوةً وألقيتُ بجسدي على المقعدِ المجاورِ لهُ دونَ استئذانٍ، ثم أسندتُ رأسي على ذراعي والتفتُّ نحوَهُ.
ـ اليومَ لن أسمحَ لك أن تختبئَ هنا.
تنهدَ، أغلقَ الكتابَ بإبهامهِ ليحتفظَ بموضعِ القراءةِ، وقالَ:
ـ ماذا الآن؟
ـ المدينة... ألا تسمع؟ إنَّها تنبضُ بشيءٍ مختلفٍ. اليومَ عيدُ "الشَّمس الأولى"، والنَّاسُ يحتفلونَ. لن نبقى هنا بينَ الكتبِ.
ـ الناسُ يحتفلونَ كلَّ عامٍ. ما المختلفُ اليوم؟
اقتربتُ منهُ أكثرَ. نظرتُ إلى وجهِه، إلى تلكَ النظرةِ العميقةِ في عينَيهِ الرماديَّتينِ، ثم قلتُ:
ـ المختلفُ... أنني لا أريدُ أن أحتفلَ وحدي.
ساد بينَنا صمتٌ خفيفٌ. فيدور لا يتهرَّبُ من الكلماتِ، لكنَّهُ يزنُها كأنَّها أثقالٌ تُرفَعُ لا تُقالُ. مرَّرَ يدَهُ في شعرِه الداكنِ، ثم قالَ:
ـ دقيقةٌ واحدةٌ... سأبدِّلُ مَلْبسِي
...
حينَ خرجنا من القصرِ، كانت المدينةُ قد ارتدت ألوانًا لم أرَها من قبلُ. الأقمشةُ المعلَّقةُ بين الأبنيةِ، الطُّبولُ التي تُقرَعُ من بعيدٍ، روائحُ الحلوى والتَّوابلِ المتداخلةِ في زوايا الأزقَّةِ. كأنَّ الحياةَ نفسَها قرَّرت أن تستيقظَ باكرًا.
تقدَّمتُ أوَّلًا، وكنتُ ألتفتُ كلَّ حينٍ لأتأكَّدَ أنَّه لا يزالُ خلفي. لم يكن يتذمَّرُ، لكنَّني كنتُ أقرأُ في خطواتِه أنَّه لا يزالُ يُفضِّلُ الكتبَ. ومعَ ذلكَ، كانَ يأتي معي.
وقفنا أمام بائعٍ يبيعُ أساورَ من الجلدِ الملوَّنِ. أمسكتُ بواحدةٍ ورديَّةِ اللونِ وقلتُ:
ـ هذه تناسبك.
ـ لا أرتدي الزينةَ. قالها ونظر إليَّ بإِستِنْكَار
ـ بل لأنَّك تحتاجُ لشيءٍ يُذكِّركَ أنَّك كنتَ هنا معي.
اشترى السِّوارَ، ولم يُعلِّقْ.
...
في الظُّهرِ جلسنا على درجاتِ نافورةِ المدينةِ الكبرى. الأطفالُ يركضونَ حولَنا، والنَّاسُ يُغنُّون، والعجائزُ يروونَ حكاياتٍ قديمةٍ لا يملُّون منها.
قال فجأةً:
ـ إسترلينا... لماذا تحبِّينَ الضَّجيج؟
نظرتُ إليهِ، ثمَّ إلى الأطفالِ، ثمَّ إلى يديَّ الفارغتينِ، وقلتُ:
ـ لأنَّهُ يُخفي شيئًا آخرَ في داخلي لا أُريدُ سماعَهُ.
سكتَ، ولم يسألْ. وهذا ما أُحبُّه فيهِ. أنَّه لا يُلحُّ حينَ لا أُريدُ.
إستَمرت طُقوس اليَومِ الاَول من ايَام عيِد"الشَّمس الاوُلى"
طُقُوس جمِيلة ترى فِيها اَطفاَلا يَشترون ما لَذّ و طَاب، يَفرَحُون، يسْمَعون الحِكايات عن عِيد "الشمْسِ الاولَى" كانت أوسْتارّيا بِلاد الاَحلام
الكُّل فِيها سَّعيد... الكُّل يَعيش بسَّلام
الُحب كَان شِعارًا في كُلِ زاوية، شَعْبٌ طَيّب لا يعْرِفُ كَلِمَة الحُزن
لَكِن أسترلينا
الأميرَة الوَحِيدة للمَمْلكة، و الوريث الوَحيِد للعَرش في اوُستَاريا
كَانْت تُحِس كُل لحظة، كُّل ثاَنِية تَمِر على كَيانِها تُحس ان هُناك يَوْمًا موعودًا
يَوُمًا تَنْقَلِب فيه المَوازِين، و لَكِن من يدْرِي؟
لَرُبما هُو مُجَردُ إِحْساس... و رُبَمَا لــَا!
____
عُدنا مَشيًا على أقدامِنا إلى القَصر، بينما كنتُ أُزعِجُهُ بحديثي الذي لا يَنتهي. لن أُخفي الحقيقة... أنا ثَرثارةٌ حقًّا، خاصَّةً معه، هو بالتَّحديد. لقد نَشأنا معًا منذُ الطُّفولة؛ فهو ابنُ صديقِ والدي، ووالدُهُ قائدُ جُيوشِ مملكتِنا، ولذلك أنا أعرِفُهُ منذُ نُعومةِأظافِري تابعت ثرثرتي بكلِّ حماسة، لا أهتم إن كان يُصغي أم لا، حتى وصلنا إلى أبوابِ القصر. عندها، التفتَ إليَّ، ونَظرَ لي بِابتِسامةٍ صامِتةٍ... تلكَ التي تُربِكني دون أن أعرِفَ لماذا.
اِبتَسَمَ فِيدور ونَظَرَ إليها وقالَ، بنَبرَتِه الوَاقِعةِ المألوفَة:
"اِعتَني بِنَفسِكِ يا إِسترلينا... وأَتَمَنّى أَلَّا تَفقِدي أَحَدَ خُيوطِ عَقلِكِ حينَ لا تَجِدينَ مَن تُثَرثِرينَ إليه."
تَجمَّدَتْ في مَكانِها لِثَوانٍ، عَيناها مُتَسِعتانِ منَ الدَّهشة، إلَّا أنَّهُ أَكمَلَ، بِذاتِ الاِبتِسامةِ التي أَلِفَتْها منه:
"لَكن... إن أَرَدتِ الثرثرةَ مُجَدَّدًا، فَتَحدَّثي إليَّ. ثَرثَرتُكِ تُزعِجُني... بِطَريقَةٍ جَميلة."
ذَهَبَ فِيدور، لا يَلتَفِتُ، بعدَ أنْ بَعثرَ شَعري بِيَدِه كما يَفعلُ في كُلِّ مرَّة، وترَكَنِي أُتابِعُهُ بِنَظراتٍ لا أَعلَمُ لِماذا أَحتَفِظُ بِها.
صَعِدتُ إلى غُرفَتي الَّتي تَقعُ في الطَّابِقِ الثَّالِثِ من القَصر، وما إنْ دَخَلتُ حتَّى أَسرَعَت الخادِماتُ نَحوِي. بَدأنَ يُجَهِّزنَني للنَّوم، وكُنتُ – كَما العادَة – مِثلَ دُميَةٍ صَغيرَة؛ يُحرِّكنَني كَيفَ شِئنَ، يُخْتِرنَ لِي ما أَلبَس، يُصفِّفنَ شَعري، ويُلبِسنَنِي مَلابِسي دونَ أن أُبدي رَأيي.
لَقَد مَلِلتُ هذِهِ الرَّفاهِيَة… لكنها، بِطَريقَةٍ غَريبَة، تُشعِرُنِي بِشُعورٍ مُختَلِف… جَميلٍ، ومُريحٍ… وربَّما مُربِكٍ قليلًا.
اِنسَلَختُ عن ضَوءِ الغُرفَةِ، وَغَطَطتُ في النَّومِ سَريعًا، دونَ أن أَشعُرَ بِشَيء. لَقَد كُنتُ أُفَكِّرُ في الغَدِ… في اليَومِ الثَّاني منِ الاِحتِفالِ بعيدِ الشَّمسِ الأُولَى.
اِسْتَيْقَظْتُ على لَمْسَةٍ دافِئَةٍ تُداعِبُ خَدِّي. صَوْتُ الخادِمَةِ المُرافِقَةِ لِي كانَ ناعِمًا، يَهْمِسُ قُرْبَ أُذُنِي:
"أَميرَتي، إنَّهُ الصَّباح... حانَ وَقتُ الاِسْتِعداد."
تَمَطَّيْتُ ببطءٍ تَحتَ الغِطاء، كَأنَّ جَسدي يُقاوِمُ اليَومَ الجَديد، كَأنَّني أُفَضِّلُ البَقاءَ في ظِلِّ أَحْلامِ لَيلَةِ أَمْس، خاصَّةً وهِيَ لا تَزالُ تَعبَقُ بِهِمْسِ الضَّحِكِ، وَنَظْرَةِ فِيدور، وَكَلِماتِهِ الَّتي أَوقَفَتْنِي في مَكانِي.
جَلَسْتُ على طَرَفِ الفِراش، وَتَقَدَّمَت الخادِماتُ نَحْوي كَمَوجَةٍ صامِتَة. بِحَركاتٍ ناعِمَة، نَزَعْنَ لِي ثِيابَ النَّومِ، وَبَدَأنَ يَجْلِسْنَ شَعري، يَضْفِرْنَهُ بِطَريقَةٍ مُعَقَّدَةٍ لا أَفْهَمُها، يُرَكِّبْنَ زُخْرُفًا ذَهَبِيًّا دَقيقًا عِندَ مُنْتَصَفِ الرَّأس، كَأنَّ رَأسي لَوحَةٌ تَزْدانُ لِحَفلٍ مَلَكِيٍّ لا أَعرِفُ إن كُنتُ أُرِيدُ حُضورَهُ.
اِخْتَرْنَ لِي فُسْتانًا ناعِمَ القُماش، مشمِشي اللَّون، تَتَدَلَّى حَواشِيهِ كَسُحُبٍ تَحتَ الشَّمس، وَعَلَّقْنَ في أُذُنَيَّ قُرْطَيْنِ بِلَوْنِ اللُّؤلُؤ، وَتَأَكَّدْنَ مِن أَنْ لا شَيْءَ في مَظهَري يُخالِفُ طَقوسَ هذا اليَوم.
لَفَحتْ وَجْهِي نَسْمَةٌ خَفِيفَة، حينَ فَتَحْنَ سَتائِرَ النَّوافِذ، وَأَطلَلْتُ نَظْرَتي خارِجًا... الشَّمسُ كانت عالِيَةً في السَّماءِ، ضَوْؤُها دافِئٌ يُلامِسُ قِمَمَ الأَبراجِ الحَجَرِيَّة، وَفي الأُفُقِ... ساحةُ الفُرْسانِ، تَغْصُّ بِصَخَبِ التَّمارينِ، وَصَليلِ السُّيُوفِ.
وَهُناك، في الطَّرَفِ القَريبِ من السَّاحَة... كانَ فِيدور.
يَقِفُ في مُنتَصَفِ الفُرْسان، صامِدًا كَعادَتِه، يَتَلَقَّى التَّعليماتِ مِن قادَةِ الجُند، يُصْغِي، يُهاجِم، يَتَراجَع، يُناوِر... كُلُّ شيءٍ فيهِ يُشْبِهُهُ: الدِّقَّة، التَّركيز، وَتِلكَ الجَديَّةِ التِي لا يُفارِقُها حَتَّى في اللَّعب.
كَيفَ يُمكِنُ لِشَخصٍ أَن يَكونَ قاسِيًا في المَعرَكَةِ، وَهادِئًا مَعِي هَذا القَدر؟ كَيْفَ يَحمِلُ سَيْفًا بِذاتِ اليَدِ الَّتي تُبَعْثِر شَعرِي دَائِمًا
تَقَدمْتُ لِسَاحة التَّدريب و ارى وَالدِي
((دِيمُوس ازريس))
هُو حَاكِم هذه البِلَاد
كَان بِرُفقة أَب فِيدور
((كاسْيُوس هارْكُورت))
كان وجهاهما حادّين كأنهما يناقشان أمرًا لوحدهما. تقدمتُ أمام إحدى الأشجار مستترةً، أُخفي أنفاسي كي أسمع ما يقولان. تمنيتُ لو أنني لم أسمع، فقد كانت كلمتا "الحرب" تترددان بينهما بصوتٍ ثقيل يُثقل الجوّ.
قال ديموس، الحاكم، صوته عميق وثابت:
"كاسيوس، لا يمكننا المماطلة أكثر. الحشود على الحدود تتجمع، والخصوم يخططون بكل وضوح. إما أن نكون نحن المبادرين، أو نُحاصر ونُدمّر."
رد كاسيوس، قائد الجيوش، بنظرة لا تعرف الخوف:
"يا سيدي، إن خوض حرب في هذه المرحلة قد يُنهك قواتنا ويُضعف الاقتصاد. يجب أن ننتظر، نُجري تحالفات أخرى، ونجهز جيشنا بشكل كامل قبل أن نُطلق العنان."
أجاب ديموس بغضبٍ مكبوت:
"الانتظار قد يكون موتاً بطيئاً. عدوّنا لا يمنحنا وقتاً. إما نتحرك الآن أو نُفقد كل شيء. هل رأيت كيف تهيأت القبائل المجاورة؟ لا يمكننا السماح لهم بالسيطرة على أوستاريا."
تنهد كاسيوس، وأصبع يربت على مقبض سيفه:
"أنا معك، يا ديموس. ولكن لن أخاطر بحياة رجالي دون خطة محكمة. الحرب ليست مجرد معركة، بل معركة العقل أولاً."
تبادل الاثنان نظراتٍ حادة، كأنهما يوزنان بين مصير الأرض وأرواح الرجال.
قال ديموس أخيراً بنبرة حاسمة:
"إذاً، جهّز جيشنا للغد. أريدك مستعداً، القتال على أعتاب أوستاريا لا مفر منه."
وقفتُ هناك، قلبي ينبض بعنف، كأن كل كلمةٍ ثقيلةٍ في الهواء تُثقل روحي الصغيرة. شعرتُ بثقل الخوف يتسرب إلى عروقي، وأيّامي الطفولية التي كنت أظنها خالية من هذه الأهوال تبددت أمام هذه الحقيقة الصارخة: الحرب قادمة، وأصوات الطبول لن تصمت بعد الآن.
هَرَبْتُ... جَرَيْتُ بأقصى سُرعتي نَحْوَ ساحةِ الفُرسانِ، أُدوِّرُ عَيْنَيَّ كُلَّها في الأرجاءِ، أَبْحَثُ عن فِيدور. كان قلبي يَخْفِقُ كطبولٍ تُقْرَعُ في داخلي، والخوف يَشُدُّ أنفاسي كأنّه يُحاول منعي من الصراخ.
كُلُّ الفُرسانِ الذين مَرَرْتُ بهم انْحَنَوْا لي باحترامٍ، تَلَقَّيْتُ التّحيّاتِ بابتساماتٍ باهتة، بل ربّما لم أُبَالِ بها أبدًا. لم يكن في ذهني إلا وجهٌ واحد، لم أشأ أن أراه بين الدّم والدّخان يومًا
أين هو؟
تابَعْتُ البحثَ، أمُرُّ بين الدُّروعِ والرّماحِ والخُوذ، أُدقِّقُ في الوُجوهِ الصّارمة، أفتِّشُ عن تلكَ العينَيْنِ الرّمادِيّتَيْنِ الّتي تَسْكُنُ ذاكرتي
تَصاعدَتْ أنفاسي وارتجفَتْ خطواتي، كأن الأرضَ لا تُريد أن تُسعفني. كُنتُ أركضُ في دهليزٍ من القلق، في متاهةٍ لا مخرجَ لها سوى وجهٍ أعرفه أكثر من وجهي.
وفجأةً...
كأنّ العالَمَ تَباطأ، كأنّ الضّجيجَ خَفَت، كأنّ قلبي توقّف.
رأيتُه.
كان واقفًا على بُعدِ أمتار، يُمسك بسيفٍ خشبيّ، يتبادل الضّرباتِ مع فارسٍ آخر. لكنّ ملامحه كانت واضحة، عينا فِيدور الرّمادِيّتان التفتتا ناحيتي، كأنّهما شعرتا بي قبل أن أصل.
تجمّدتُ في مكاني.
هو فقط ابتسم، ابتسامةً صغيرة، ورفع حاجبه ببطء وكأنّه يسأل:
"ماذا فعلتِ هذه المرّة؟"
تقدّمتُ نحوه، والفرسان يبتعدون تلقائيًّا حين رأوني.
همَسْتُ، وصوتي متكسّرٌ تحت وطأةِ الخوف:
"أحتاج أن أتحدّث معك... الآن."
تغيّر وجهه، قرأ في عينيّ ما لم أَقُلْه، فَسلّم سيفه لأحد الفُرسان دون أن يتكلّم، ثم اقترب وسار بجانبي دون أن يسأل.
وحين ابتعدنا عن الساحةِ، تَوقّف، نظر إليّ، وصوته هادئٌ كعادته، يحملُ نُضجًا لا يليق بعُمره:
"أخبِريني، ما الذي رأيتِه؟"
رمشتُ مرّتين، وكتمتُ رغبتي في البكاء.
"والدي... ووالدك... يتحدّثان عن الحرب يا فِيدور. لم يكونا يتجادلان فقط، كانا يخطّطان. قال والدي إنّ القتال على أبواب أوستاريا."
ظلّ فِيدور ينظر إليّ، وعيناه لا تُفصحان عن شيء. لكنه حين تكلّم، كان صوته مختلفًا، كأنّه كبرَ في لحظة:
"إذًا، الأمور بدأت تتحرّك أخيرًا..."
"كنتَ تَعلَم؟"
قلتُها وأنا أُحاول ألّا أبدو خائفةً، لكنّ صوتي فضحني.
أومأ ببطء، لا اعترافًا، بل تردُّدًا:
"كنتُ أسمعُ أشياء، نظراتٍ، جُملًا مبتورة... والدي لا يُخبِّئ الكثير، فقط يُجَمِّلُه."
اقتربتُ أكثر، لا إراديًّا، كأنّي أَختبئُ من شيءٍ لا أراه.
"هل سيُقاتل؟ والدك؟"
"هو القائد العامّ، استرلينا. وواجبُه يبدأ حين تنتهي الكلمات."
أردتُ أن أُصرخ، لكنِّي لم أفعل. فقط قلتُ:
"وأنت؟"
ابتسم بسخريةٍ هادئة، وقال:
"أنا ابنُه."
نظرتُ إليه طويلًا، ثم قلت:
"لا تذهب."
قال بصوتٍ ساكنٍ، بلا وعدٍ ولا خُذلان:
"حين تأتي الحرب، لا تسأل الجنودُ إن كانوا يريدون الذهاب."
تَراجعتُ خُطوتينِ، لا أُصَدِّقُ ما قالَهُ لي...
صَمَتُّ، لكنَّ كُلَّ ما استطعتُ سَماعَهُ كانَ صدى خُطاهُ وهو يبتعدُ عنِّي، يَعودُ إلى التَّدريبِ وكأنَّ شيئًا لم يكن.
تَرَكَني هناك، أُصارِعُ مشاعري، وحدي، في زاويةٍ من صباحٍ مُزدَحِمٍ بالصَّهيلِ والرِّماح، وقلبي يَعلَقُ في ما بينَ كَلمةٍ لم أُدرك معناها، ونَظرةٍ لم أَفهمها.
تَسَمَّرتُ في مكاني، أحاولُ فهمَ ما لَم يُقال... الكلماتُ لم تَكُن قاسيةً، لا، لكنَّ وقعَها كان كالنّصلِ الغامضِ الذي لا يُجرَحُ به الجسدُ بل النّفس.
رفعتُ بصري إلى السّماء، كانتْ قد تحولت الى ورقَةٍ مُلبَّدةً بسُحبٍ رماديَّةٍ شفّافة، كأنَّها مرآةٌ لِما يَدورُ بداخلي.
خطواتي كانت بطيئةً وأنا أبتعدُ عن ساحةِ التدريب، لا أعلمُ إلى أين أذهب، لكنّ ساقيَّ قادتاني حيثُ الحديقة الجانبيَّة للقصر. لم تَكن فارغةً تمامًا، خَدَمٌ يحملونَ الزهور، جُندٌ يُنسِّقون الأعلام، وصوتُ أبواقٍ بعيدةٍ يُعلن اقتراب المساء، واقتراب طقس "احتراق القشّ" السنويّ.
هو الطقسُ الّذي نُقيمه في الليلةِ الثانية من عيد "الشَّمس الأولى"، كرمزٍ لِحرق الماضي واستقبالِ النّور.
بينما أنا أُراقبهم بصمت، شقَّ جلالُ الملكِ ديموس الساحةَ بظهورهِ المُهيب. كان يُرافقه عددٌ من المستشارين، وجنوده بملابسهم الرسميَّة المُذهَّبة.
وقفَ في قلبِ الساحة المرتفعة، فأقبلَ الجميعُ نحوه بالانحناء. حتى الخدمُ تجمّدوا في أماكنهم.
تقدّمتُ بهدوءٍ لأرى بوضوح، لم أكن بعيدةً كثيرًا، سمعتُه يقول بصوتٍ قويٍّ وهادئ:
"الليلة... لن تكونَ ككلِّ ليلةٍ مضَت. سيَشعلُ الشّعبُ القشَّ، لكن نحنُ من سنَشعلُ فجرًا جديدًا."
كان كلامُه مُبهَمًا لمن لا يفهمه... لكن أنا؟ أنا كنتُ هناك ليلَةَ الأمس، أَعرفُ ما يقصده، أَعرفُ ما يخطط له.
أحسستُ بضيقٍ في صدري، ورغبةٍ في الهرب، لكنّ قدميَّ كانتا راسيتينِ على الأرضِ كأنَّني أُجذَرُ فيها.
"مولاتي، هل أتيتِ الانضمام إلى الملك؟"
سألتني إحدى خادماتي بلُطف، وقد لحقت بي بعد أن لاحظت غيابي.
أومأتُ بصوتٍ خافت:
"لا... فقط أُريدُ أن أُراقبَ عن بُعد."
لم تُناقشني. تركتني أقفُ تحت ظلِّ شجرةٍ بعيدةٍ تُشرفُ على كلِّ ما يجري، بينما صوتُ الحاضرينَ يعلو، وصدى كلماتِ الملكِ يُشعل فضولَ الجميع.
ومع كلِّ كلمةٍ، كان في داخلي شيءٌ ما يتصدَّع.
كأنَّ المدينةَ تبتسمُ للجميع... ما عدائي
________
يُتبَع...
syreiaelora