مَن أَنتِ؟

مَن أَنتِ؟

13 0

ثمَ دَخَلَت إِحدَى الخَادِمَاتِ بِلطفٍ، تَحمِل بَينَ يَدَيهَا زِيًا جَدِيدًا. ثَوب فَارِسَةٍ، مِنَ الجِلدِ الدَاكِنِ وَاللِينِ، تَتَدَلَى مِنه خيوطٌ مِنَ الفِضَةِ، وَمَعَه حِذَاءٌ عَالٍ، وَقِفَازَاتٌ تشبِه تِلكَ الَتِي تَرَاهَا عَلَى يَدَي إِيفَان.

قَالَتِ الخَادِمَة بِصَوتٍ نَاعِمٍ:

"سَيِدَتِي... إِنَه يَومكِ الأَوَل. أستَاذ إِيرون وَالقَائِدَة إِيلفِيَا فِي انتِظَارِكِ."

نَهَضَت إِستِرلِينَا، وَقَد بَقِيَت آثَار ذَلِكَ الكَابوسِ عَلَى وَجهِهَا. لَكِنَهَا لَم ترِد أَن تَبدوَ ضَعِيفَةً. لَم تَقل شَيئًا… فَقَط نَظَرَت إِلَى المِرآةِ. نَظَرَت إِلَى عَينَيهَا، وَتَذَكَرَت كَيفَ كَانَت تَبكِي تَحتَ وَقعِ ذَلِكَ الكَابوسِ.

"كفِي عَنِ البكَاءِ... أَنتِ لَستِ ضَعِيفَةً."

هَكَذَا هَمَسَت لِنَفسِهَا.

وَعِندَمَا وَصَلَت إِلَى السَاحَةِ، كَانَ هنَاكَ شَبَح الشَمسِ يلَامِس الأَسوَار ، وَالهَوَاء يرَافِق أَصوَاتَ السيوفِ.

هنَاكَ، وَسَطَ السَاحَةِ، وَقَفَ إِيرون، بِمَعطَفِهِ الأَسوَدِ وَصَدرِهِ المَفتوحِ عَلَى قِطعَةٍ مِنَ الدِرعِ الفِضِي، عَينَاه كَأَنَهمَا تَرَصدٌ نَاعِمٌ.

أَومَأَ لَهَا وَقَالَ بِصَوتٍ مَجلوٍ:

"صَبَاح القوَةِ... سَيِدَتِي إِستِرلِينَا. إِنَه يَومكِ الأَوَل. وَسَتَكون مَعَكِ… إِيلفِيَا."

وَفِي زَاوِيَةِ السَاحَةِ، وَقَفَتِ القَائِدَة إِيلفِيَا، بِشَعرِهَا  المجدولِ، وَعَينَيهَا المَسمومَتَينِ. كَانَت تَضَع يَدَهَا عَلَى قِبضَةِ سَيفِهَا، كَأَنَهَا تَزِن كلَ مَن فِي السَاحَةِ بِنَظرَةٍ وَاحِدَةٍ.

كَانَتِ الشَمس تَتَخَفَى خَلفَ غَيمَاتِ الرَبِيعِ البَاكِرِ، وَالرِيَاح تَتَحَرَك بِلطفٍ فِي زَوَايَا السَاحَةِ المبَلَطَةِ بِالحَجَرِ المَصقولِ. عَلَى جَانِبَي السَاحَةِ، تَوَزَعَت أَهدَاف الرَميِ بِالقِسِيِ، وَأقِيمَت أَعمِدَة التَسَلقِ، وَسجِلَت مَسَارَات الجَريِ وَالتَنَاوبِ، كل شَيءٍ يشبِه الجَاهِزِيَةَ لِمَعرَكَةٍ قَادِمَةٍ.

وَقَفَت إِستِرلِينَا فِي زَاوِيَةٍ، تَرتَدِي زِيًا فَارِسِيًا خَفِيفًا، قَمِيصًا قطنِيًا تَحتَ دِرعٍ جِلدِيٍ، وَبَنطَلونًا قَصِيرًا يَسمَح بِالحَرَكَةِ، وَفَوقَه خفَانِ مَصنوعَانِ مِنَ الجِلدِ المَقوَى. شَعرهَا مَربوطٌ بِضَفِيرَةٍ وَاحِدَةٍ تلَامِس عنقَهَا، وَعَينَاهَا تَتفَحَصَانِ السَاحَةَ بِتَوَترٍ وَحَمَاسٍ فِي آنٍ وَاحِدٍ.

تَقَدَمَت إِيلفِيَا نَحوَهَا بِخطًى متَزِنَةٍ، وَفِي يَدِهَا عَصًا طَوِيلَةٌ مِنَ الخَشَبِ المَصلوقِ، تستَخدَم فِي التَدرِيبِ عَلَى القِتَالِ دونَ إِصَابَاتٍ خَطِيرَةٍ. وَقَالَت بِنَبرَةٍ حَادَةٍ، لَكِنَهَا خَالِيَةٌ مِنَ القَسوَة:

"سَنَبدَأ بِالأَسَاسِيَاتِ. هَل تَعرِفِينَ كَيفَ تمسِكِينَ بِهَذِهِ؟"

نَظَرَت إِستِرلِينَا إِلَى العَصَا وَأَخَذَتهَا بِيَدِهَا اليمنَى، قَبضَتهَا مرتَبِكَةٌ شَيئًا، فَعَلَقَت إِيلفِيَا:

"لَا، لَيسَ هَكَذَا. يَدٌ تَكون فِي المنتَصَفِ، وَالثَانِيَة فِي القِطَاعِ السفلِيِ. المِسكَة الخَاطِئَة تسقِطكِ قَبلَ أَن يسقِطَكِ خَصمكِ."

بَعدَ ذَلِكَ بَدَأَت إِيلفِيَا بِتَدرِيبِهَا عَلَى الوَقفَةِ الصَحِيحَةِ: قَدَمَانِ متَفَرِقَتَانِ، وَالركبَتَانِ مَثنِيَتَانِ قَلِيلًا، وَالجِذع مَائِلٌ إِلَى الأَمَامِ. كَانَتِ الحَرَكَات فِي بَدَايَتِهَا مربِكَةً لِإِستِرلِينَا، لَكِنَهَا كَانَت تَتعَلَم بِسرعَةٍ. كلَمَا أَخطَأَت، كَانَت إِيلفِيَا تصَحِحهَا بِلَفظٍ قَصِيرٍ أَو بِلَمسَةٍ سَرِيعَةٍ.

بَعدَ سَاعَةٍ مِنَ التَدرِيبِ عَلَى الوَقفَاتِ وَالهجومَاتِ الأَسَاسِيَةِ، أَمَرَتهَا إِيلفِيَا بِالجَريِ حَولَ السَاحَةِ لِتَقوِيَةِ التَحَملِ، وَبِالركوضِ وَالتَقَلبِ فَوقَ العَقَبَاتِ. بَعدَهَا تَدَرَبَت عَلَى رَميِ الخَنَاجِرِ الصَغِيرَةِ،

وَكَيفِيَةِ إِصَابَةِ الهَدَفِ فِي القَلبِ أَوِ الحَلقِ، وَعَلَى التَصَدِي لِضَرَبَاتِ عَصًا بِأخرَى مِثلِهَا.

وَفِي آخِرِ اليَومِ، كَانَت إِستِرلِينَا تَتَعَرَق، وَركبَتَاهَا تَرتَجِفَانِ، وَلَكِنَهَا لَم تَسقط.

بَل رَفَعَت عَينَيهَا لِتلَاحِظَ نَظرَةَ إِيلفِيَا الَتِي اختَلَطَ فِيهَا الإِعجَاب بِالحَذَرِ، كَمَن يَنظر إِلَى جَوهَرَةٍ لَا يَعرِف إِن كَانَت حَقِيقِيَةً أَم ملَغَمَةً

كَانَت إِستِرلِينَا وَإِيلفِيَا مستَلقِيَتَينِ عَلَى ظِلِ صَخرَةٍ كَبِيرَةٍ عِندَ أَطرَافِ سَاحَةِ التَدرِيبِ، تَتَشَارَك أَنفَاسَهمَا الثَقِيلَةَ

وَضَوءَ مَا بَقِيَ مِنَ المَسَاءِ. وَعَلَى الرَغمِ مِن تَعَبِ العَضَلَاتِ وَالغبَارِ العَالِقِ عَلَى جِلدِهِنَ، إِلَا أَنَ فِي الصَمتِ بَينَهمَا طمَأنِينَةً لَا يفسِدهَا شَيء.

نَظَرَت إِستِرلِينَا إِلَى السَمَاءِ الَتِي بَدَأَت تَكتَسِي بِلَونِ الزَعفَرَانِ، وَالشَمس تنَازِع خطَ الأفقِ فِي صِرَاعٍ هَادِئٍ لِلخفوتِ. هَمَسَت، بِنَبرَةٍ خَفِيفَةٍ يَغلِفهَا إِرهَاقٌ وَفَخرٌ خَفِيٌ:

"لَم أَتَوَقَع أَنَنِي سَأَصمد لِكلِ ذَلِكَ."

ضَحِكَت إِيلفِيَا، وَفِي ضَحكَتِهَا نَغمَة مَعرِفَةٍ وَتَشجِيع، وَقَالَت وَهِيَ تغمِض عَينَيهَا لِثَوَانٍ:

"لَم أَتَوَقَع أَيضًا، لَكِنَكِ فَعَلتِ. هَذِهِ نقطَةٌ فِي صَالِحِكِ."

سَكَتَت إِستِرلِينَا، كَأَنَ كَلِمَاتِ صَدِيقَتِهَا حَفَرَت نقطَةً صَغِيرَةً فِي نَفسِهَا، نقطَةً ضَوئِيَةً تَبدَأ بِالتَوَهجِ. تَمَدَدَت أَفكَارهَا مَعَ ضَوءِ الغروبِ، ثمَ قَالَت بِبطءٍ:

"لَا أَعرِف... لَكِن أَشعر أَنَنِي أَجِيد هَذَا. وَكَأَنَ جَسَدِي يَعرِف طَرِيقَه، وَإِن كَانَ عَقلِي يَجهَل السَبَبَ."

فَتَحَت إِيلفِيَا عَينَيهَا، وَنَظَرَت نَحوَ وَجهِ إِستِرلِينَا، قَائِلَةً بِخِفَةٍ وَصِدقٍ:

"أَجسَامنَا تَتَذَكَر مَا نَسِيَه عَقلنَا... وَربَمَا، أَنتِ كنتِ أَكثَرَ مِن فَارِسَةٍ فِي حَيَاتِكِ السَابِقَةِ."

تَبَسَمَت إِستِرلِينَا، لَكِنَ تَبَسمَهَا كَانَ منزَلِقًا، كَأَنَه لَم يَثبت عَلَى وَجنَتَيهَا طَوِيلًا. نَظَرَت نَحوَ السَمَاءِ مجَدَدًا، وَسَأَلَت بِلَهجَةٍ نَاعِسَةٍ وَلَكِن فِيهَا شَيءٌ خَفِيٌ مِنَ الفِضولِ:

"قولِي... مَا اسمكِ الكَامِل؟"

صَمَتَت إِيلفِيَا لَحظَةً، كَأَنَهَا لَم تَتَوَقَعِ السؤَال، ثمَ تَفَاعَلَ فَكهَا بِحَرَكَةٍ خَفِيفَةٍ وَقَالَت:

"إِيلفِيَا... إِيلفِيَا هَاركورت."

فِي لَحظَةٍ، تَجَمَدَ الزَمَن فِي نَظَرَةِ إِستِرلِينَا، كَأَنَ الِاسمَ جَرَحَ سَطحَ الهدوءِ فِي دَاخِلِهَا بِمِخلَبٍ رَفِيقٍ وَلَكِن عَمِيق. لَم تَبد عَلَيهَا دَهشَةٌ صَرِيحَةٌ، بَل شَيءٌ آخَر... كَأَنَهَا كَانَت تَنتَظِر ذَلِكَ، دونَ أَن تَعلَمَ أَنَهَا تَنتَظِره.

"هَاركورت..." – تَغمَز بِهَا فِي دَاخِلِهَا، كَمَن يرَدِد صَدَى صَوتٍ قَدِيمٍ –

"لِمَاذَا أَشعر أَنَ هَذَا الِاسمَ... لَا يفَاجِئنِي؟ بَل يربِكنِي، كَأَنَه يخبِئ وَرَاءَه شَيئًا ضَاعَ مِنِي، وَأَنَا الَتِي لَا تَعلَم مَا الَذِي فقِدَ."

اِلتَفَتَت إِيلفِيَا نَحوَهَا، وَنَظَرَت إِلَيهَا نَظرَةً تَغمرهَا السَكِينَة، كَأَنَهَا تَرَى فِيهَا مَا لَا تَرَاه إِستِرلِينَا فِي نَفسِهَا، ثمَ اقتَرَبَت مِنهَا بِخطًى بَطِيئَةٍ، وَجَثَت جَانِبَهَا عَلَى الصَخرَةِ. مَدَت يَدَهَا وَرَبَتَت بِلطفٍ عَلَى شَعرِهَا الملتَصِقِ بِجَبِينِهَا مِن بَقَايَا العَرَقِ وَالتَمرِين، كَأَنَهَا تزِيل بِتِلكَ اللَمسَةِ أَثَرَ كَلِمَةٍ عَالِقَةٍ أَو ذِكرَى تَتَأَبَى عَلَى الرَحِيل.

وَهَمَسَت:

"أَحسَنتِ... أَكثَر مِمَا تدرِكِينَ."

ثمَ نَهَضَت دونَ عَجَلَةٍ، وَمَسَحَت الترَابَ عَن ركبَتَيهَا، وَسَارَت نَحوَ المَمَرِ الحَجَرِيِ الَذِي يَؤَدِي إِلَى الجِنَاحِ الجَانِبِيِ مِنَ القَلعَةِ، لَم تَستَدِر، وَلَم تَقل كَلِمَةً أخرَى. وَكَأَنَهَا عَلِمَت أَنَ الصَمتَ هنَا أَبلَغ.

تَبِعَتهَا عَينَا إِستِرلِينَا لِلَحَظَةٍ، ثمَ تَرَكَهَا النَظَر يَنزَلِق نَحوَ السَمَاءِ المغمورَةِ بِأرجوَانِ الغروبِ، وَعَادَ إِلَيهَا ذَاكَ الِاسم... هَاركورت. كَانَ كَحَجَرٍ أَلقَته إِيلفِيَا فِي بِئرِهَا الدَاخِلِيَةِ، وَهوَ الآنَ يَهوِي، بَطِيئًا، وَيحدِث فِي الطَرِيقِ صَدًى يفَتِت السكونَ.

أَغمَضَت عَينَيهَا، وَهوَاء المَسَاءِ يلَامِس وَجنَتَيهَا كَنَفَسِ طَيفٍ قَدِيم، وَفِي أَعمَاقِهَا كَانَ شَيءٌ يَتَحَرَك، يَستَيقِظ... لَيسَ خَوفًا، وَلَكِن حَاسَةً قَدِيمَةً... كَأَنَهَا عَلَى أَعتَابِ شَيءٍ لَا تجِيد تَسمِيَتَه،

كَانَ المَمَر المؤَدِي إِلَى القَصرِ طَوِيلًا، وَرَنِين خطوَاتِهَا عَلَى الأَحجَارِ القَدِيمَةِ كَانَ يَرتَد كَأَنَه يَعِيد لَهَا كلَ خطوَةٍ خَطَتهَا فِي هَذِهِ الأَرضِ منذ أَن وَصَلَت. غَارَقَةٌ فِي غروبٍ يَتَدَفَق عَلَى الجدرَانِ، تَتَغَيَر أَلوَانه مَعَ كلِ نَظرَةٍ، وَكَأَنَ الحَجَرَ أَصبَحَ لَوحَةً تَنفض نَفسَهَا.

مَرَت بِالبَاحَةِ الجَانِبِيَةِ، وَكَانَت رِيحٌ بَارِدَةٌ تَلمِس عنقَهَا، تَحمِل رَائِحَةَ الحَطَبِ المتَفَحِمِ وَالحَصَى الرَطبِ. تَوَقَفَت لَحظَةً، كَأَنَهَا تَفكِر فِي العَودَةِ... لَكِن إِلَى أَينَ؟ مَا مِن مَكَانٍ لِلعَودَةِ.

"ثَلَاثَة أَشهرٍ..." – هَمَسَت فِي سِرِهَا – "وَلَا زِلت غَرِيبَةً فِي كلِ شَيءٍ."

صَعِدَتِ الدَرَجَاتِ العَتِيقَةَ، وَالجدرَان تحَاوِل أَن تَبدوَ متَعَاوِنَةً، وَلَكِنَهَا بَارِدَةٌ، مغلَقَةٌ، كَأَنَهَا تَنظر إِلَيهَا وَلَا تَرَاهَا. فِي البِدَايَةِ، كَانَت تَظن أَنَ الزَمَنَ كَفِيلٌ بِأَن يفسِحَ المَجَالَ لِلأَلِفَةِ، أَن تَصِيرَ الغرفَة بَيتًا، وَالوجوه عَائِلَةً، وَاللغَة مِيَاهًا سَلِسَةً فِي فَمِهَا.

وَلَكِن... كل شَيءٍ هنَا يفَكِر بِلغَةٍ أخرَى.

فَتَحَت بَابَ غرفَتِهَا، وَاستَقبَلَهَا دِفءٌ خَفِيفٌ يَتَسَلَل مِن نَارِ المَوقِدِ الَتِي أَشعَلَتهَا إِحدَى الخَادِمَاتِ قَبلَ وصولِهَا. دَخَلَت، وَتَبِعَهَا صَمتهَا كَظِلٍ. لَم يَمضِ وَقتٌ طَوِيلٌ حَتَى انفَتَحَ البَاب مَرَةً أخرَى، وَدَخَلَت خَادِمَتَانِ بِأَثوَابٍ سَاكِنَةٍ، وَلطفٍ متَعَلِمٍ، يخفِي فَضولًا دَفِينًا.

"سَنجَهِزكِ لِلنَومِ، يَا آنِسَتِي." – قَالَت إِحدَاهنَ، بِصَوتٍ هَادِئٍ، تَجهَل فِيهِ إِستِرلِينَا مَا إِذَا كَانَ مَسنودًا بِودٍ حَقِيقِيٍ، أَم تَعوِيدٍ قَدِيمٍ عَلَى الخِدمَةِ.

جَلَسَت إِستِرلِينَا عَلَى حَافَةِ السَرِيرِ، وَأَحَدَاهنَ تَفك ضَفِيرَتَهَا، وَالثَانِيَة تَضَع إِنَاءً صَغِيرًا فِيهِ مَاءٌ مَعطَرٌ بِالبَتِيكرَا وَقَشرِ البرتقَالِ عَلَى الطَاوِلَةِ.

"ثَلَاثَة أَشهر..." – عَادَ الصَدَى يَتَرَدَد فِي رَأسِهَا، وَفِي طَيَاتِهِ سؤَالٌ مرٌ

فَتَحَت عَينَيهَا، فَوَجَدَت نَفسَهَا فِي مَمَرٍ ضَيِقٍ، جدرَانه بِيضَاء، وَلَكِنَهَا تَلمَع كَزجَاجٍ رَطبٍ. الأَرض تَحتَ قَدَمَيهَا لَيسَت أَرضًا... بَل مَاءِ صَافٍ، وَفِي عمقِهِ تَسبَح صوَرٌ غَرِيبَةٌ، مشَوَهَةٌ… وَجه طِفلٍ يَبكِي، يَدٌ تلَوِح، جَسَدٌ يَسقط بِلَا صَوت.

"أَينَ أَنَا؟" – نَطَقَت، وَلَكِن لَا صَوتَ خَرَجَ. شَفَتَاهَا تَتَحَرَكَانِ، وَلَكِنَ الصَمتَ كَانَ كَالسِمطِ عَلَى عنقِهَا.

وَبِدونِ إِذنٍ، المَمَر يَضِيق. الجدرَان تَقتَرِب، تَئِن، وَتَنفَض عَلَيهَا كَأَنَهَا تَتَنَفَس. تحَاوِل أَن تَركضَ، وَلَكِنَ قَدَمَيهَا تَغوصَانِ فِي المَاءِ الَذِي تَحَوَلَ إِلَى طِينٍ دَافِئٍ، كَأَنَه يرِيد أَن يَبتَلِعَهَا.

وَمِن جِهَةٍ مَا… بَدَأَت أَصوَات هَمَسٍ. لَسنَ أَصوَاتًا مَعروفَةً، وَلَكِنَهَا تنَادِيهَا. تَتَكَرَر، تَكبر، تَلتَف فِي فَكرِهَا كَالأَفَاعِي:

""لَقَد نَسِيتِ، وَلَكِنَنَا لَم نَنسَ."

"مَن أَنتِ؟ أَنتِ... لَا شَيءَ."

تدِير رَأسَهَا، وَتَرَى فِي المَاءِ تَحتَ قَدَمَيهَا وَجهَهَا… وَلَكِنَه بِدونِ عَينَينِ. فَقَط جَوفَانِ سَودَاوَانِ، يَنزِفَانِ سَائِلًا أَسوَدَ.

تَصرخ، تحَاوِل أَن تَهربَ… وَفَجأَةً، الجدرَان تَسقط.

كل شَيءٍ حَولَهَا يَنهَار، تَجِد نَفسَهَا فِي قَاعِ قَاعٍ لَا نِهَايَةَ لَه، وَالضَوء يَختَفِ

وَبِبطء… تَبدَأ جلودٌ سَودَاء، كَالأَيَادِي، بِالخروجِ مِن الأَرضِ، تَزحَف نَحوَهَا، وَفِي كلِ يَدٍ عَينٌ. تَنظر إِلَيهَا. تَتَفَحَصهَا. تَحكم عَلَيهَا.

تحَاوِل أَن تَتَحَرَكَ، وَلَكِنَهَا مشَلَةٌ.

يَدٌ تَلمَس جَبِينَهَا، وَتَتَحَوَل إِلَى نَارٍ تَحرِقهَا.

"اِفتَحِي البَابَ، اِفتَحِي..." – يهَمهِم صَوتٌ خَشِنٌ فِي أذنِهَا – "فِي الدَاخِلِ تَجِدِينَ الجَوَابَ… وَالعقوبَةَ."

تَفتَح عَينَيهَا، وَتَجِد نَفسَهَا فِي قَاعَةٍ كَبِيرَةٍ، كَأَنَهَا قَاعَة عَرشٍ… وَلَكِنَهَا فَارِغَةٌ.

فِي المَنصَةِ، يوجَد تَابوتٌ. وَكل شَيءٍ فِي جَوِ القَاعَةِ يشِير إِلَى أَنَ عَلَيهَا أَن تَقتَرِبَ.

تَسِير. تَرتَعِش. تفَكِر فِي التَرَاجعِ. وَلَكِن قَدَمَاهَا ترغِمَانِهَا.

تَفتَح التَابوتَ… وَفِيهِ هِيَ. جَسَدهَا، وجودهَا… وَلَكِن بِعَينَينِ فَارِغَتَينِ، وَعَلَى صَدرِهَا وَرَقَةٌ.

تَقرَأهَا:

"مَا أخِذَ مِنكِ، لَن يرَدَ."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أنتِي هِي الهَّلَاك

المؤلف syreiaelora
2025/07/23 مكتملة
قائمة الفصول (27)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة