جَحْيمِي

جَحْيمِي

11 0

ثمَ قَالَ بِنَبرَةٍ أَمَرَ:

"تَقَرَب مِنهَا، اكسِب ثِقَتَهَا، اجعَلهَا تَفتَح قَلبَهَا لَكَ. وَعِندَمَا تَحِين السَاعَة، سَنَستَخدِمهَا لِتَكونَ سَهمًا نَصوبه إِلَى صَدرِ أوستَاريَا."

أَحنَى إِيفَان رَأسَه مجَدَدًا:

"أَمركَ، سَيِدِي."

فَصَاحَ مورفيل ، وَصَوته يَتَرَدَد فِي أَعمَاقِ القَاعَةِ الحَجَرِيَةِ:

"هَذِهِ اللعبَة لَم تَنتَهِ... بَل لَم تَبدَأ بَعد."

كَانَ البَرد يَسرِي فِي السَهلِ المنبَسِطِ كَمَاءِ نَهرٍ خَفِيٍ، وَإِن كَانَتِ الشَمس ظَاهِرَةً فِي الأفقِ، فَإِنَ دِفءَهَا كَانَ يشبِه لَمسَةَ حَنِينٍ بَعِيدَةٍ، لَا تَملِك أَن تطَمئِنَ الجَسَدَ.

إِستِرلِينَا كَانَت تَجلِس وَحدَهَا، عَلَى مَقعَدٍ صَخرِيٍ منخَفِضٍ، تَطِل مِنه عَلَى السهولِ الممتَدَةِ، حَيث تَتَرَاجَف سيول العشبِ مَعَ الرِيَاحِ، وَتَبدو كَمَوجَاتٍ بَحرِيَةٍ صَامِتَةٍ.

كَانَ فستَانهَا الأَزرَق يَنسَاب حَولَ ركبَتَيهَا، نَاعِمًا وَثَقِيلًا، يضَافِر لَونَه مَعَ اللؤلؤَةِ الزَرقَاءِ الَتِي تَتَدَلَى فِي عنقِهَا. لَا تَدرِي لِمَاذَا، وَلَكِنَهَا شَعَرَت أَنَ هَذِهِ القِلَادَةَ تنَاسِبهَا، كَأَنَهَا صنِعَت مِنهَا، لَهَا، فِي زَمَنٍ آخَرَ.

فِي حِجرِهَا كِتَابٌ، عَن النَبَاتَاتِ وَأَسرَارِهَا. هِيَ لَا تحِب الكتبَ كَثِيرًا، تَجِدهَا غَامِضَةً، مَلِيئَةً بِكَلِمَاتٍ تشبِه اللغَزَ، لَكِنَهَا، اليَومَ، أَرَادَت أَن تجَرِبَ. أَرَادَت أَن تَملَأَ صَمتَهَا بِشَيءٍ، وَلَم تَجِد إِلَا هَذَا الكِتَابَ الَذِي قَدَمَته لَهَا إِحدَى الخَادِمَاتِ فِي الصَبَاحِ.

فَتَحَته عَلَى مَصرَعَيهِ، وَوَقَعَت عَينَاهَا عَلَى صَفحَةٍ تَتَوَسَطهَا رَسمَةٌ لِشَجَرَةٍ... قَيقَبٍ حَمرَاءِ.

تَأَمَلَت تَفَاصِيلَ الرَسمِ، وَهِيَ تَشعر بِغصَةٍ خَفِيَةٍ، وَهَمسَةٍ دَاخِلَهَا تَتَحَرَك، تَصعد مِن أَعمَاقٍ لَا تَعرِفهَا، كَأَنَهَا تنَادِيهَا بِاسمِهَا.

قَرَأَتِ السطورَ الَتِي تَحتَ الرَسمِ:

«شَجَرَة القَيقَبِ الحَمرَاءِ، لَا تَنبت إِلَا فِي أَرَاضٍ قَلِيلَةٍ، وَفِي أَيَامٍ نَادِرَةٍ، وَأَورَاقهَا تصبِح حَمرَاءَ كَالدَمِ عِندَمَا تَبكِي السَمَاء فِي آخِرِ الرَبِيعِ.»

تَوَقَفَت عِندَ كَلِمَةِ «تَبكِي».

هَل يَبكِي الشَجَر؟

هَل كَانَت تَبكِي مَرَةً تَحتَ هَذِهِ الأَغصَانِ؟

وَلِمَاذَا يَشعر قَلبهَا بِشَيءٍ يَنقَبِض، كَأَنَ مَا تَقرَؤه لَيسَ جَدِيدًا؟

قَبَضَت عَلَى القِلَادَةِ فِي عنقِهَا، وَضَغَطَتهَا بِلطفٍ. كَانَت بَارِدَةً، وَلَكِنَ ضَغطَةَ أَصَابِعِهَا عَلَيهَا أَنشَأَت وَمِيضًا فِي ذَاكِرَتِهَا، لَم تَرَه، لَكِنَهَا شَعَرَت بِهِ.

صَوتٌ... صَوت أَحَدٍ... ينَادِيهَا بِاسمِهَا، بِنَبرَةٍ دَافِئَةٍ، متَغَضِنَةٍ بِالحَنِينِ، صَوتٌ يشبِه نَبضًا يقبِل مِن بَعِيدٍ.

"إِستِرلِينَا..."

غَفَت إِستِرلِينَا فَجأَةً، عَلَى تِلكَ الصَخرَةِ البَارِدَةِ، وَهِيَ تَضم الكِتَابَ إِلَى صَدرِهَا، وَالشَمس تَتَدَاعَى عَلَى كَتِفِهَا اليسرَى، كَأَنَهَا تَرجوهَا أَن لَا تَغِيبَ.

فِي البِدَايَةِ، كَانَ كل شَيءٍ مظلِمًا، ثمَ بَدَأَت لَوحَاتٌ ضَوئِيَةٌ تَتَشَكَل بِلطفٍ، تَتَرَكَب كَغَيمَةٍ تَحتَ ضَوءِ القَمَرِ، حَتَى وَجَدَت نَفسَهَا جَالِسَةً تَحتَ شَجَرَةِ قَيقَبٍ حَمرَاءِ، تشبِه تِلكَ الَتِي رَأَتهَا فِي رَسمَةِ الكِتَابِ، وَقَد كَانَ الهَوَاء دَافِئًا وَمشبَعًا بِرَائِحَةِ النحَاسِ وَالأَشجَارِ.

أَلقَت نَظَرَهَا حَولَهَا، وَهنَاكَ فِي الطَرِيقِ المقَابِلِ، وَقَفَ رَجلٌ طَوِيل القَامَةِ، عَرِيض الكَتِفَينِ، شَعره دَاكِنٌ كَاللَيلِ، وَعَينَاه رَمَادِيَتَانِ تشبِهَانِ السَمَاءَ بَعدَ العَاصِفَةِ.

كَانَ يَرتَدِي زِيًا يشبِه زِيَ الفرسَانِ، وَيَحمِل سَيفًا مزَيَنًا بِعلَبَةِ جلدٍ عَلَى خَاصِرَتِهِ اليسرَى.

تَقَدَمَ خطوَةً، وَتَكَلَمَ، وَكَانَ صَوته كَالصَدَى فِي جبٍ قَدِيمٍ، لَكِنَه مَلِيءٌ بِالحَنِينِ:

"إِستِرلِينَا."

تَجَمَدَتِ الرِيح. وَهِيَ… كَأَنَ شَيئًا فِي صَدرِهَا تَحَطَمَ ثمَ انبَثَقَ. عقَدٌ كَانَت تَختَبِئ فِي أَعمَاقِهَا انفَكَت بِلَفظَةٍ وَاحِدَةٍ. كَيفَ لَه أَن يَنطِقَ اسمَهَا بِهَذِهِ الطَرِيقَةِ؟

وَلِمَاذَا شَعَرَت وَكَأَنَه نَادَاهَا آلَافَ المَرَاتِ؟

"فِيدور..." هَمَسَت، دونَ أَن تَعرِفَ لِمَاذَا، كَأَنَ الِاسمَ انفَلَتَ مِن لِسَانِهَا دونَ أَن تَفهَمَ كَيفَ، كَأَنَه مَزروعٌ فِي روحِهَا.

فَجأَةً… تَغَيَرَ كل شَيءٍ.

تَلاَشَتِ الشَجَرَة.

تَبَخَرَ النور.

وَكَانَ آخِرَ مَا رَأَته، عَينَيهِ النَاظِرَتَينِ إِلَيهَا كَأَنَهمَا تَبكِيَانِ شَيئًا فَقَدَته وَلَا تَعرِف مَا هوَ.

"مِيَآآآو..."

فَتَحَت إِستِرلِينَا عَينَيهَا، وَوَجَدَت قِطَةً بِيضَاءَ صَغِيرَةً تَلعَق خَدَهَا، وَتَنظر إِلَيهَا بِنَظَرَةٍ بَلِيلَةٍ كَأَنَهَا تَستَعجِلهَا عَلَى الرجوعِ إِلَى الوَاقِعِ.

تَنَفَسَت بِعمقٍ، وَرَفَعَت يَدَهَا إِلَى عنقِهَا، تَلمَس القِلَادَةَ الزَرقَاءَ، وَقَلبهَا يَدق بِلَا سَبَبٍ.

"فِيدور..." هَمَسَت، مَرَةً أخرَى، ثمَ تَوَقَفَت.

"مَن...؟"

رفعت يدها ببطء، ولامست قلادتها الزرقاء عند نحرها.

خفق قلبها فجأة.

ذلك الصوت... الاسم الذي قاله... فيدور...

"من أنت؟ ولماذا أشعر وكأنني كنت أعرفك من قبل؟"

تمتمت بكلماتٍ شبه صامتة، وعيناها تنظران إلى الأفق، حيث لا أحد.

جلست بتثاقل، نظرت إلى القطة، ثم إلى الكتاب الذي انفتح على صفحةٍ كتِبَ فيها:

"شجرة القيقب الحمراء ترمز للذكريات التي تأبى أن تموت، حتى إن جرحت الذاكرة."

ابتسمت بحزن خفيف.

لكن قبل أن تنهض، اقتربت منها خطى ناعمة فوق العشب.

التفتت ببطء، لترى إيفان واقفًا هناك، يبتسم كعادته، بابتسامةٍ هادئة لا تفصح عما يخفيه

شعرت بشيء ثقيل في صدرها.

كان وجهه مألوفًا... لكن لا يشبه وجه ذلك الذي ناداها باسمٍ جعل قلبها يرتعش.

"رأيت حلماً..." قالت فجأة، كأنها تحدث نفسها أكثر منه.

"حلماً غريبًا."

"الأحلام... تعرف أكثر مما نعرف نحن."

اقترب منها، ووقف بجانبها.

"هل نعود؟ البرد هنا لا يليق بكِ."

هزت رأسها ببطء، ثم وقفت، تزيح الغبار عن فستانها، وتمسك كتابها.

لم يكن ذلك حلماً عاديًا.

هي تعرف.

كان شيئًا أعمق، شيئًا ينتمي لشيءٍ لا اسم له... شيء لا يزال مختبئًا في ركنٍ ما داخلها، ينتظر لحظةً ليعود.

"تَبدِينَ شَارِدَةً،" قَالَهَا وَهوَ يَجلِس بِجَانِبِهَا، يَنظر إِلَى الأفقِ مَعَهَا. "أَترِيدِينَ الحَدِيثَ؟"

تَرَدَدَت قَلِيلًا، ثمَ هَزَت رَأسَهَا. "رَأَيت حلمًا... غَرِيبًا. كنت تَحتَ شَجَرَةٍ كَبِيرَةٍ، وَكَانَ هنَاكَ رَجلٌ، فَارِسٌ، نَادَانِي بِاسمِي... نَظَرَ إِلَيَ كَأَنَه... يَعرِفنِي."

أَمَالَ رَأسَه بِاهتِمَامٍ متَصَنِع، "وَمَاذَا كَانَ اسمه؟"

تَوَقَفَت قَلِيلًا، كَأَنَهَا تَخشَى اللَفظَ، ثمَ هَمَسَت: "فِيدور."

فِي لَحظَةٍ، كَأَنَ شَيئًا فِي عَينَي إِيفَان تَفَجَرَ. تَغَيَرَت تَعَابِير وَجهِهِ، وَانمَحَتِ البَسمَة الَتِي تَلَازِمه. صَمَتَ طَوِيلًا، ثمَ وَقَفَ، وَكَأَنَه يكتِم نَفَسًا.

"إِيفَان...؟" هَمَسَت بِقَلَقٍ.

بِدونِ إِجَابَةٍ، مَدَ يَدَه، وَأَمسَكَهَا مِن ذِرَاعِهَا بَعنفٍ، ثمَ دَفَعَهَا عَلَى الصَخرَةِ. "لَا ترَدِدِي ذَلِكَ الِاسمَ مَرَةً أخرَى!" هَدَرَ، وَعَينَاه تَشتَعِلَانِ بِغَضَبٍ خَامِدٍ طَالَ كَتمه.

"أَنتَ تؤلِمنِي... إِيفَان، أَرجوكَ!" صَرَخَت وَهِيَ تحَاوِل أَن تفَلِتَ مِن يَدِهِ.

لَكِنَه لَم يفلِتهَا. أَنزَلَ يَدَه إِلَى عنقِهَا، وَبَدَأَ يَضغَط بِلطفٍ يَتَصَاعَد، وَهَمَسَ: "كَيفَ تَذكرِينَ اسمًا لَا يَجِب أَن يَبقَى؟ أَنَا مَن أَنقَذَكِ... أَنَا مَن جَعَلَكِ مَا أَنتِ عَلَيهِ."

تَلَمَعَت الدموع فِي عَينَيهَا، وَقَلبهَا يَخفق بِذعرٍ، وَعَينَاهَا تَتَوَسَل، وَلَكِن لَم تَجِد شَيئًا فِي وَجهِهِ سِوَى الهَوَسِ.

ثمَ... فِي لَحظَةٍ، أَفَاقَ كَأَنَه يَخرج مِن غَشيَةٍ. أَفلَتَ يَدَه، وَتَرَاجَعَ خطوَةً.

"أَنَا... أَنَا آسِف."  تَلَاهَا، ثمَ استَدَارَ وَغَادَرَ بِهدوءٍ كَأَنَ شَيئًا لَا يغتَفَر قَد وَقَعَ.

تَرَكَهَا وَهِيَ تَلمَس عنقَهَا بِرعبٍ... وَالجَو مِن حَولِهَا، لَم يَبقَ فِيهِ مِنَ الرَبِيعِ شَيءٌ.

.

كُل الوُحُوشِ تُولَد مِن رَحِم؟

هَل هَذَا يَعْنِي اَن البشَر وُحوش؟

بالطَبع هُم وُحُوش.. لَكِن تَستَطِيع التَّمييز مَن هُو الأكْثَرُ وَحشِية

كَانَت أَيَام إِيفَانَ الأولَى فِي هَذِهِ الحَيَاةِ تشبِه الغروبَ فِي شِتَاءِ لَا يَنتَهِي. ولِدَ فِي أَحَدِ أَرجَاءِ قَصرٍ بَارِدٍ فِي زَاوِيَةٍ مَنسِيَةٍ مِن مَملَكَةِ فِيرلونَا، وَمَا كَانَ لَه مِن وِرَاثَةٍ سِوَى الوَحدَةِ وَالظلمَةِ. أمه كَانَت جَارِيَةً، بَاهِتَةَ العَينَينِ، تَعِيش عَلَى هَامِشِ الحَيَاةِ

فِي سِنِهِ الأولَى، لَم ينَادِهِ أَحَدٌ بِاسمِهِ. كَانوا يشِيرونَ إِلَيهِ بِلَقَبٍ سَاخِرٍ "وَلَد العَارِ". فِي سِنِهِ الثَانِيَةِ، سَقَطَ فِي بِئرٍ مظلِمَةٍ وَترِكَ لِسَاعَاتٍ حَتَى استَخرَجَته جَارِيَةٌ عَجوزٌ. فِي سِنِهِ الثَالِثَةِ، كسِرَت يَده عَلَى يَدِ خَادِمٍ كَانَ يفرِغ غَضَبَه فِيهِ. فِي سِنِهِ الرَابِعَةِ، شَهِدَ وَفَاةَ أمِهِ بِالسمِ بَعدَمَا قَتَلهَا أحَد الرجَالِ الذيَن تمارِسُ مَعَهمُ دَعَارَتَها

مِن هنَا، بَدَأَ إِيفَان يَصمت. لَم يَبكِ، لَم يَصرخ، كَانَه لاشيء. كَانَ يَنَام عَلَى البَسَاطِ البَارِدِ فِي الزَوَايَا،

فِي سِنِهِ السَادِسَةِ، كَانَ يَأكل بَقَايَا الطَعَامِ مِن غرَفِ الخَدَمِ. وَفِي يَومٍ مَا، قَاموا بِحَبسِهِ يَومَينِ فِي سِجنٍ صَغِيرٍ بِحِجَةِ أَنَه سَرَقَ قِطعَةَ خبزٍ

فِي سِنِهِ السَابِعَةِ، كَانَ قَد أَصبَحَ شَيئًا آخَرَ. كَانَ يَنظر إِلَى العَالَمِ بِنَظرَةٍ لَا تشبِه الأَطفَالَ. لَا يَسأَل، لَا يَثِق، لَا يقَاتِل، فَقَد تَعَلَمَ أَن يَبقَى صَامِتًا، يرَاقِب. وَفِي تِلكَ اللَيلَةِ، دَخَلَ عَلَيهِ رَجلٌ بِزِيٍ أَسوَدَ، طَوِيلٌ، مَهِيبٌ، اسمه "مورفِيل".

إِيفَان، رَجلٌ تَغَذَى عَلَى الخذلَانِ، وَنَمَا فِي أَحضَانِ العَزلَةِ، وَسَيَكون يَومًا... نَكبَةً عَلَى كلِ مَن نَسِيَه.

أَخَذَه إِلَى مَعسَكَرٍ خَفِيٍ فِي جِبَالٍ متَجَمِدَةٍ، حَيث لَا يَصِل إِلَيهَا ضَوء الشَمسِ إِلَا نَادِرًا، وَالجَلِيد فِي أَرضِهَا كَأَنَه يَصرخ فِي كلِ خطوَةٍ.

"النَدَم ضَعفٌ. التَعَاطف عَارٌ. وَالرَحمَة عيب..." هَذِهِ كَانَت أَوَلَ جملَةٍ قَالَهَا مورفِيل لإِيفَان.

فِي الأَيَامِ الأولَى، كَانَ يَرمِيهِ فِي الوَحلِ وَيجبِره عَلَى الزَحفِ عَلَى الصخورِ المتَجَمِدَةِ. كَانَ يجَوِعه أَيَامًا، وَإِذَا أَرَادَ الطَعَامَ، فَعَلَيهِ أَن يَسرِقَه مِن ذِئبٍ أَو يصَارِعَ رَجلًا. فِي اللَيلِ، كَانَ يجبِره عَلَى النَومِ تَحتَ الثَلجِ، وَيَصب عَلَيهِ المَاءِ البَارِدَ إِذَا غَفَا.

وَلَم يَكن هنَاكَ شَيءٌ اسمه "تَدرِيبٌ" كَمَا يعرَف لِلفرسَانِ، بَل هِيَ سلسِلَةٌ مِنَ العقوبَاتِ وَالتَحطِيمِ النَفسِيِ. كل يَومٍ كَانَ يكَلِفه ندبَةً، كل خَطَأٍ يقَابَل بِضَربَةِ سِيَاطٍ، وَكلَمَا سَقَطَ، سَمِعَ صَوتَ مورفِيل: "قم، أَو مت."

فِي سِنِهِ التَاسِعَةِ، أعطِيَ سِكِينًا. أَمَامَه رَجلٌ مقَيَدٌ، وَمورفِيل يَقول: "اقَتِله، أَو أَذبَحك."

وَلَم تَرتَعِش يَد إِيفَان. كَانَ قَد تَعَلَمَ أَن يَقتلَ قَبلَ أَن يَتَكَلَمَ كَثِيرًا. وَمَعَ كلِ جَسَدٍ يَسقط، كَانَ الدَم يطفِئ شَيئًا آخَرَ فِي روحِهِ.

كَانوا يقَدِمونَ لَه سَجِينَاتٍ، نِسَاءً ضَعِيفَاتٍ، وَيَقولونَ لَه: "لَا فَرقَ بَينَ الرَجلِ وَالمَرأَةِ. الدِمَاء هِيَ الدِين."

وَفِي كلِ مَرَةٍ، كَانَ يغمِض عَينَيهِ وَيَطعَن، حَتَى لَم يَعد يغمِضهمَا.

عِندَمَا بَلَغَ سِنَ الخَامِسَةَ عَشرَةَ، كَانَ قَد قَتَلَ أَكثَرَ مِن خَمسِينَ نَفسًا، وَأَغلَقَ قَلبَه بِسِلسِلَةٍ لَا تكسَر. لَم يَعد يَبكِي، لَم يَعد يَحلَم، وَلَم يَعد يَرَى الوجوهَ... سِوَى كَأَنَهَا هَدَفٌ آخَر لزِيَادَة عَدَدِ النُفُوس التِي زَهَقَها

----

يتبع

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أنتِي هِي الهَّلَاك

المؤلف syreiaelora
2025/07/23 مكتملة
قائمة الفصول (27)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة