_________________________________________
كان اللّيل ساكنا ونسماته تحمل برودة محبّبة، ورغم ظلمة الأرجاء إلّا أنّ المصابيح المتفرّقة ذات الإنارة الخافتة في الشّوارع كانت نجوما تشعّ جاعلة المدينة تبدو أجمل ممّا هي عليه.
ولكن.. مضمار السّباق كان استثناءً.
ارتفعت أصوات الحشود المتجمّعة على طرفي الطّريق، هاتفين بأسماء متسابقي اللّيلة. بعضهم يحمل اللّافتات، والبعض الآخر يجهّز المفرقعات من أجل الاحتفال بالفائز في هذا السّباق.
كان التّوتّر هو الطّاغي في المكان.
عند خطّ البداية، استقرّت السّيّارة الحمراء في المنتصف تماما، يجلس بداخلها رايدر الّذي كان يريح رأسه على خلفيّة المقعد مغمض العينين بينما يستمتع باستنشاق نسيم اللّيل الهادئ المتسلّل من النّافذة المفتوحة، وخصلاته تتطاير بخفّة مداعبة وجهه.
الجوّ مناسب لجلسة مطوّلة على سطح المبنى السّكنيّ أكثر من السّباق... ربّما يفعل ذلك حينما يعود، قبل أن يرجع للشّقّة طبعا ويجد رافاييل بانتظاره.
يبدو كجدّة أحيانا حينما يقوم بذلك..
تنهّد رايدر بعمق يسمح للسّكينة بالانبعاث داخله للحظة، وذلك قبل أن يخترق مسامعه صوت هدير محرّك قربه معكّرا عليه ذلك السُّكون.
انعقد حاجباه تعبيرا عن تضايقه من ذلك، ثمّ فتح عينيه ببطء يزيحهما إلى يساره ليلمح عبر نافذته سيّارة بيضاء تقدّمت لتستقرّ بقربه.
راقب زجاج تلك السّيّارة وهو ينزل ببطء كاشفا عن المتسابق الجالس بداخلها، وذلك فقط جعله يأخذ نفسا عميقا.
ليس هو مجدّدا..
أسند الفتى ذراعيه على مقود سيّارته، ثم أمال رأسه بينما يحدّق برايدر، وقد اعتلت شفتيه ابتسامة جانبيّة كاشفة عن صفّ أسنانه العلويّة.
«رايدر! إنه لمن الجميل رؤيتك!»
استمرّ المعنيّ في التّحديق به بجانبيّة لثانية، قبل أن يمدّ يده مباشرة ناحية أحد الأزرار يضغطها محافظا على وضعيّة جلوسه نفسها، يرفع بذلك زجاج السّيّارة مغلقا إيّاه بينما يجيب:
«رؤيتك نذير شؤم، اغرب عن وجهي روسو قبل أن تصيبني بالنّحس وأخسر السّباق.»
فلتت ضحكة مستمتعة من بين شفتي الفتى، لتتّسع ابتسامته أكثر حينما أردف بغطرسة:
«أنتَ بالفعل خاسر بحضوري.. ستتسابق على المركز الثّاني لهذه اللّيلة، رايدر.»
ارتفع حاجبا رايدر غير مصدّق للهراء الّذي سمعه، ثمّ رفع كفّه يلوّح بها وكأنّه يطرد تلك الفكرة بعيدا عنه، وذلك قبل أن يجيبه بنبرة غير مكترثة:
«أجل أجل، أيّا كان ما يرضيك أيّها السّويسري.»
لم يكن يعلم إن كان الأصهب كايل قد تمتم بشيء ما دون أن يسمعه، أو لم يكن قد أجاب مطلقا، لكنّ انقطاع صوته كان مريحا جدّا.
هو لا يزال يعاني من آثار التّعب بعد دوام اليوم وليس بحاجة مصدر إرهاق آخر.. العمل في مطعم أصعب ممّا يبدو عليه.
أن يناديك عشرون شخصا وكأنّك آلة متعدّدة الخدمات، ثمّ تضطرّ للتّعامل مع حمقى وتجاهل إزعاجهم لأنّهم "زبائن يجب احترامهم" ليس بسيطا إطلاقا.
«عشر دقائق قبل بداية السّباق! ليسارع بقيّة المتسابقين بالالتحاق!»
ذلك الصّوت الجهور لليون الّذي صدح عبر مكبّرات الصّوت فجأة جعل رايدر يبتلع ريقه بينما يفتح عينيه لمرّة أخرى ويعتدل في جلسته استعدادا لبداية السّباق.
راقب السّيارات من حوله وهي تتوافد الواحدة تلو الأخرى، متقدّمة نحو خطّ البداية.. بحسب ما لاحظه فقد كان عددها يفوق العشرة.
السّباقات الجماعيّة ممتعة أكثر من الثّنائيّة.. يمكنه بالفعل تخيّل النّظرة على وجوه كلّ هؤلاء بعد أن يهزمهم.
خصوصا كايل روسو.. ذلك الأحمق المتغطرس.
«أنت؟»
أعاده ذلك الصّوت المألوف إلى أرض الواقع، وذلك فقط جعله يحكم إغلاق عينيه ضاغطا شفتيه ببعضهما، بينما يمسك بالمقود بإحكام يشتم في سرّه.
هذا ما كان ينقصه.. ليس بحاجة ليرى المتحدّث حتّى يعرف مصدر الصّوت.. لماذا غاب عن ذهنه إغلاق النّافذة الأخرى كذلك؟
طرق رايدر أصابعه مرّتين على مقود سيّارته، قبل أن يلفّ وجهه إلى يمينه يلقي نظرات غير ودودة مطلقا ناحية هيوغو الّذي كان جالسا في سيّارته -سيّارة والده تحديدا-، يطالعه بحاجب مرفوع وكأنّه لم يرَ في حياته بشرا.
«هل تحبّني أو ما شابه؟ ظننتنا متّفقين على كراهة رابطة الأخوّة السّخيفة هذه، فلماذا تستمرّ في الالتصاق بي؟»
هتف رايدر بنفاذ صبر، يرى كيف انكمشت ملامح هيوغو باشمئزاز وهو ينفض رأسه محاولا إبعاد تلك الفكرة عن رأسه، ثم أجاب بتهكّم:
«مقرف، لا تذكّرني بذلك.. أتيت لأجل السّباق لا لأتغنّى بجمالك، لا تقلق»
«قل أنّك أتيت لتخسر، لا تخجل من ذلك.»
ارتفع طرف شفاه هيوغو في ابتسامة جانبيّة، يطالع الآخر من الأعلى إلى الأسفل محاولا استفزازه بينما يقول:
«مطلقا، سأفوز عليك هذه المرّة.»
«بهذه الخردة الّتي تقودها؟ أنتَ تحلم.»
ألقى رايدر بذلك بينما يضحك ساخرا من علوّ سقف آمال الأشقر، ثمّ مدّ يده يغلق تلك النّافذة كذلك في وجهه قبل أن تتسنّى الفرصة لهيوغو حتّى يقول شيئا آخر.
هو الآن محاط بالحمقى حرفيّا.. الأصهب على يساره، والأشقر على يمينه.. ما التّالي؟
لم تمرّ سوى بضع دقائق أخرى حتّى لمح المتسابقون الشّابّ الأسمر المعتاد وهو يتقدّم بهدوء إلى منتصف المضمار، يحمل بيده اليمنى راية بمربّعات بيضاء وسوداء، واليسرى مسدّسا مزيّفا.. آريس.
«ليستعدّ الجميع!»
هتف بأعلى صوته يجعل المتسابقين يعدّلون من وضعيّاتهم ويتأكّدون من ربط أحزمة أمانهم، ولم تكن سوى لحظات قليلة حتّى أردف:
«اللّيلة، قرّرنا أنّ القواعد ستكون مختلفة قليلا.. الفائز سيكون لديه الحقّ في إقصاء أحد المتسابقين لمدّة ثلاث سباقات متتالية، مفهوم؟»
ارتفعت أصوات الحشود المتحمّسة بعد ذلك التّصريح، كلّ بضعة منهم يردّدون اسم أحد المتسابقين، وقد كان رايدر مستمتعا وهو يسمع اسمه يتردّد هلى ألسنة الكثيرين في حين كان اسم هيوغو بالكاد مسموعا حتّى.
هاوٍ أحمق.. ويريد الفوز عليه أيضا؟
سيربح هذا السّباق دون شكّ وسيقوم بإقصاء باهت الشّعر ذاك.. يستحيل ألّا يبكي بعد ذلك.
في أيّ وقت آخر كان سيفضّل إقصاء روسو، ولكنّ إهانة ذلك الطّفل ستكون أكثر متعة.
«حسنا، سيبدأ العدّ التّنازليّ!»
تصريح آريس التّالي أعاد رايدر لأرض الواقع، جاعلا إيّاه يشدّ على المقود بكلتا يديه بإحكام واضعا قدمه عند دوّاسة الوقود بانتظار إشارة البداية، يرى الواقف أمامه يرفع مسدّسه عاليا استعدادا للإطلاق بينما يمدّ الذّراع الممسكة بالرّاية.
«عند ثلاثة! اثنان! واحد! انطلاق!»
وبذلك وجّه الرّاية للأسفل بقوّة تزامنا مع ضغطه على الزّناد، معلنا بداية السّباق.. وبالفعل، لم ينتظر المتسابقون ثانية أخرى حتّى اندفعوا بسيّاراتهم وهتافات الحشود المشجّعة تحثّهم على التّقدّم.
انطلق رايدر يفتح نوافذ سيّارته من جديد يسمح للرّياح بالدّخول والعبث بشعره، في حين يركّز بصره على الطّريق أمامه.
لن يخسر هذه اللّيلة.. لن يفعل.
يمكنه الشّعور منذ الآن بالأدرينالين وهو يتدفّق في جسده. الحماس يمنحه شعورا بالحريّة.. يحصره في عالمه الخاص.
عالم من الفوضى.. فوضى جميلة تعصف به وتذيقه بطعم الحياة.
أصدر ضحكة عالية مستمتعة، يضغط أكثر على دواسّة الوقود يزيد من سرعته ويرى السّيّارات الأخرى تتلاشى خلفه..
استمرّ في التّقدّم واستمرّ كلّ شيء من حوله في التّلاشي.. الهتافات، أصوات المحرّكات، والمكان من حوله بحيث كل ما كان يراه هو الطّريق الّذي يقوده للنّهاية.
كم يحبّ هذا.. السّباقات هي الشّيء الوحيد الّذي يمكنه أن ينسيه كلّ ما يؤرقه.
العمل، الجامعة، هارفي..
مهلا، هل ذكر هارفي؟ سحقا..
زفر بعمق يعيد تركيزه مجدّدا على المضمار، يحاول تنظيم أنفاسه المتسارعة حتّى يبقى متنبّها إلى آخر اللّيلة، ولكنّ محاولته أخفقت حالما أربك تركيزه صوت محرّك على يمينه.. لم يتقدّم أو يتأخّر، وقد كان واضحا أنّه يريد جذب انتباهه.
كايل روسو..
«انظر بعينيك رايدر ميرفي! سويسري بروح كندية! ليست لديك أفضلية لكونك كنديا بالكامل!»
صاح كايل بصوت عالٍ يجعل المعنيّ يلتفت له متجاهلا قوّة الرّياح ويهتف بالمقابل:
«لم أقل ذلك قطّ! لست أفضل منك لأني كندي روسو، بل لأني رايدر وأنت لست كذلك!»
وبذلك زاد من سرعته يتقدّم على الأصهب تدريجيّا تاركا إيّاه خلفه.. لابدّ وأنّه متعمّد ألّا يلحق به الآن.
استراتيجيّات أو أيّا كانت الحماقات الّتي يؤمن بها ذلك المغفّل.
على كلّ حال، لقد تخلّص منه وهذا هو المهمّ الآن.
ركّز صاحب الخصلات السّوداء نظره على الطّريق يلمح خطّ النّهاية يناديه من بعيد، وذلك فقط زاد من حماسه للوصول.
«خذ هذا أيّها الغبيّ!»
وصل ذلك الصّوت مسامعه فجأة متبعا بضربة قويّة على هيكل سيّارته، جعله ذلك يلتفّ محدّقا خارج النّافذة باحثا عن الفاعل نظرا لعدم وضوح صوته.
وعلى غير ما توقّعه، فقد كان صاحب هذه الجرأة هو الأحمق الّذي كان يقود خردة والده.
ليته جمع بعض المال أوّلا لاستئجار سيّارة مناسبة كالمرّة الماضية بدل إحراج نفسه هكذا. أشقر مغفّل.
منحه هيوغو ابتسامة شماتة قبل أن يسبقه مبتعدا عنه شيئا فشيئا.. يظنّ أنّه سيفلت بفعلته؟ كلّا، هذا غير ممكن.
هو لا يدع أحدا يتعدّى عليه ثمّ يفلت بفعلته.
سارع رايدر لملاحقته وكلّ ما يضعه نصب عينيه هو تلك السّيّارة الغبيّة.. سيردّ له الضّربة بأخرى أقوى.
«خذ هذا أندريس!»
صرخ بذلك بينما يصطدم بخلفيّة سيّارة هيوغو، يدفع بها للجانب قليلا، وقد خلّفت الضّربة أثرا خفيفا عكس ما كان يريده.
لم يظنّ تلك الخردة بهذه الصّلابة.
سرعان ما تنحّى رايدر إلى الجانب الآخر من المضمار مبتعدا عن الآخر بعدما ردّ له الصّاع، وعاد لصبّ تركيزه ناحية خطّ النّهاية.. إلّا أنّ شعورا بالغرابة بدأ يتسلّل داخله وهو يرى جانبيّ المضمار فارغين تماما، حتّى قرب خطّ النّهاية.
أين النّاس؟
وقبل أن يدرك حتّى، ارتفعت من خلفه أصوات الصّافرات وانبعث ضوء أزرق ساطع اخترق زجاج سيّارته وأنار الطّريق أمامه.
الشّرطة.. تبّا، كيف لم يلحظ ذلك؟
ألقى نظرة سريعة على المرآة الجانبيّة، يرى سيّارتين اثنتين تلحقان به، وقد كانتا قريبتين أكثر من اللّازم.
لابدّ وأنّ الشّرطة أمسكت بذلك الأحمق بالفعل.. سيّء له.
زاد من سرعته يحاول الإفلات منهم باحثا عن طريقة للهرب، ولكنّه لم يكد يتقدّم أكثر حتّى لمح سيّارة أخرى آتية من الاتّجاه المعاكس ما جعله يدير المقود بسرعة حتّى لا يصطدم بها.
سحقا لهذا، ما من مفرّ.. لماذا لم ينبّهه آريس؟
«انتهى الأمر، توقّف وسلّم نفسك.»
صدح صوت الشّرطيّ عبر مكبّر الصّوت يجعل رايدر يلقي نظرة من حوله بتوتّر بحثا عن حلّ ما.. ولم يكن هناك مهرب مع الأسف.
تبّا لآريس.
راح يدير المقود للجهة الأخرى ويضغط على الفرامل ليوقف سيّارته في منتصف الطّريق، يحرص ألّا تصاب بضرر أكبر، ثمّ فكّ حزام الأمان يرخي رأسه على المقعد محاولا تنظيم أنفاسه المرهقة.
يبدو أنّ هذه اللّيلة ستكون طويلة.
أطلق زفرة عميقة يرى نفسه محاطا بالأضواء الزّرقاء، في حين ترجّل رجال الشّرطة من سيّاراتهم.. ولم يكن له خيار سوى أن يفعل هو المثل.
تأكّد من أنّ هاتفه لا يزال في جيبه، ثمّ فتح الباب مترجّلا من السّيّارة، حيث سارع اثنان من الشّرطة لدفعه وإلصاق صدره بهيكلها، يلفّان ذراعيه خلف ظهره ضاغطيْن بقوّة، ثمّ يضعان الأصفاد حول معصميه.
«توقّف، هذا مؤلم!»
صاح بسخط وهو يهزّ جسده بشكل تلقائيّ محاولا تحرير نفسه، ولكنّ كلّ ما حصل عليه كان ركلة خلف ركبته أفقدته توازنه، تلاها صوت الشّرطيّ الجادّ:
«اخرس يا فتى.»
«تبّا لهذا.»
«قلت اخرس!»
صاح الشّرطيّ مجدّدا وقد نفذ صبره، وبالمقابل لم ينبس هو بكلمة أخرى وظلّ يشتم داخله.. كيف لم ينتبه لاقتحام الشّرطة المكان؟ هل صرف ذلك الأشقر انتباهه لهذه الدّرجة؟
أمسك كلّ من الشّرطيّين بإحدى ذراعيه وأخذا يقتادانه إلى حيث بقيّة المعتقلين، في حين ركب بقيّة الرّجال سيّاراتهم.
هذه أوّل مرّة يتمّ القبض عليه.. لا يملك فكرة عن الّذي سيحصل، ولا عن ردّة فعل رافي على هذا.
مع اقترابهم أكثر استطاع أن يلمح بضعة وجوه مألوفة.. أشخاص رآهم بين الحشود، باهت الشّعر السّاذج -كما كان متوقّعا-، وآريس كذلك.
مهلا؟ آريس؟ لهذا لم يستطع أن يحذّره إذا..
لكن أين السّويسريّ؟ لا يعقل أنّه استطاع الإفلات!
استطاع صاحب الخصلات السّوداء لحظتها الشّعور بأنفاسه تتثاقل، ومفاصله تتيبّس تدريجيّا إلى أن بدأت تؤلمه.
«ضعوهم في السّيّارات، سنأخذهم للمركز.»
صرّح أحد رجال الشّرطة مخاطبا رفاقه، ليبدؤوا في إدخالهم السّيارات واحدا تلو الآخر.
لم يكن ذلك ما استفزّ غضب رايدر حقّا، بل حقيقة أنّ روسو قد لاذ بالفرار بينما هم هنا معتقلون.. الوغد الحقير.
«تبّا لك كايل!»
هذا كان سبب ترك الشّرطة للمضمار مفتوحا دون رقابة المرّة الماضية.. لكي يمسكوا بالمزيد من المتسابقين ويكتشفوا هويّاتهم.. أوغاد.
أحكم أحد الرّجلين القبض على ذراعه يجعله يصدر أنينا متألّما بينما يدفعه إلى داخل إحدى السّيّارات، ثمّ نهره محذّرا:
«الزم الصّمت أيّها الشّاب، لا ترهقنا أكثر من هذا.»
تبّا لهم..
♡♡♡♡♡
كان رافاييل قد خرج للتّوّ من شقّته، يغلق الباب خلفه برفق حتّى لا يصدر صوتا يزعج الجيران، ثمّ يخطو بهدوء أعلى الدّرج متوجّها ناحية السّطح.
لقد تأخّر رايدر في العودة أكثر من المعتاد، وقد بدأ شعور قويّ بالقلق يراوده.
لقد ذهب للسّباق اللّيلة، وبما أنّه لم يعد حتّى الآن فلعلّه صعد إلى السّطح كعادته.. ولكن لو لم يكن هناك، حينها سيجدر به القلق حقّا.
لا مكان آخر يذهب إليه في هذا الوقت على حدّ علمه.
مدّ يده ناحية باب السّطح حالما وصل، يفتحه ببطء بينما يمرّر بصره حول المكان يمسحه بعينيه مرار وتكرارا.
خطى عبر عتبة الباب يلقي نظرة أخيرة من حوله.. ولم يكن هناك أحد.
حسنا، الآن الأمر أصبح مريبا.
«رايدر؟ أنتَ هنا؟»
نطق بصوت مسموع لكن غير مرتفع، كمحاولة أخيرة ليتأكّد نهائيّا من خلوّ المكان.. ومرّة أخرى، لا إجابة.
هو حقّا ليس هنا، يجدر به الاتّصال إذا.
التفت رافاييل ناحية الباب يخطو مجدّدا إلى داخل البناية، ولكن قبل أن يتقدّم أكثر، استوقفه صوت مواء خافت، تلاه شعور دافئ لشيء ملتصق بقدمه.
فرق شفاهه بإدراك بينما يخفض بصره إلى الأسفل، وقد كانت.. قطّة.
قطّة بيضاء جميلة.
انحنى على ركبة واحدة يمدّ كفّه ناحيتها ويمسح على رأسها بخفّة في حين استمرّت في الالتصاق به والمواء.
«ما بك يا صغيرة؟ جائعة؟»
واصل مداعبتها مبتسما بينما يتأمّلها مردفا وكأنّه يخاطب بشرا:
«لا طوق على عنقك، يبدو أنّه لا مالك لك.. لآخذك معي إلى الشّقّة إذا وأطعمك.»
شعر للحظة وكأنّ القطّة تفهمه حينما حكّت رأسها بباطن كفّه، تقف بقائمتيها الأماميّتين على خفّه.. ولوهلة، كاد رافاييل ينسى تماما الّذي أتى لأجله لولا صوت رنين هاتفه الّذي أعاده للواقع.
عقد حاجبيه مستغربا بينما يدفن يده داخل جيبه ويسحب منه الهاتف.. من يتّصل في هذه السّاعة؟
حدّق بالشّاشة المضاءة، ولم يكن رقما يعرفه.
تردّد للحظات، يفكّر في ما إذا كان عليه الرّدّ على هذه المكالمة، قبل أن يحسم أمره ويضغط زرّ الإجابة، يتكلّم بينما يحمل القطّة بيده الحرّة ويغلق باب السّطح بقدمه:
«رافاييل ميرفي، من معي؟»
نطق بذلك منتظرا سماع الإجابة من الطّرف الآخر، ولم تكن سوى ثانيتين حتّى وصله الصّوت المألوف السّاخر:
«معك الأخ الأصغر لرافاييل ميرفي، لو كنت تسمح ببعض من وقتك يا رجل الأعمال.»
ارتفع حاجبا رافاييل بتفاجئ أنساه النّبرة الّتي خاطبه بها رايدر، وراح يتساءل محاولا إخفاء قلقه بينما ينزل السّلالم عائدا للشّقّة:
«رايدر؟ كنت أتساءل عن مكانك.. تأخّرت كثيرا.»
«لن تفزع، صحيح رافي؟»
حسنا، هذه المقدّمة هي سبب كافٍ ليفزع قبل سماع أيّ شيء آخر.. ليس ما بذهنه رجاءً.
«ما الّذي جرى؟»
تساءل محاولا ضبط نفسه، يستشعر التّردّد في نبرة رايدر الّذي أجاب قائلا:
«حسنًا… هناك احتمال بسيط أنّني أتّصل بك من مركز شرطة.»
الّذي اعتقده تماما.. كان عليه توقّع حدوث هذا في يوم ما.
لا يمكنه إيجاد ردّ فعل مناسب.. يريد أن يفزع ولكنّه لا يريد إيقاظ الجيران، خصوصا أنّ الصّدى يتردّد بشدّة في هذا المبنى.
سارع في نزول ما تبقّى من السّلالم، يفتح باب شقّته ويدلف إلى الدّاخل.
ساد أثناءها صمت مطوّل، لدرجة اعتقد رايدر أنّ الاتّصال قد قُطع لو لم تصله فجأة صرخة رافاييل عبر السّمّاعة فور أن أغلق الباب خلفه:
«ما الّذي تقوله؟!»
محاولته ضبط نفسه قد باءت بالفشل.. رايدر محتجز في مركز الشّرطة.. ولأوّل مرّة أيضا.
كيف لا يفزع من هذا؟
ليتمنّ فحسب أنّ صوته لم يكن بذلك الارتفاع ولم يزعج أحدا.
«اهدأ، أخبرتك ألّا تفزع.»
وصله صوت رايدر المتذمّر، واستطاع بالفعل تخيّل ملامح وجهه في هذه اللّحظة.
تنهّد رافاييل بخفّة يزيح بعضا من الثّقل عن صدره ثمّ أردف بينما يضع القطّة أرضا:
«وكيف لا أفزع؟ ماذا فعلت؟»
«ما من داعٍ لكلّ هذا.. السّباق خرج قليلا عن السيطرة، هذا كلّ ما في الأمر.»
«قليلا؟ أنت في مركز الشّرطة وتقول قليلا؟»
ألقى رايدر نظرة على الزّنزانة، ثم قال بنبرة عابثة مغيّرا الموضوع:
«على أيّ حال، المكان بارد، والأرضيّة غير صالحة للنّوم.. لذا كنت أتساءل عمَّا إذا كان بإمكانك المجيء لتخرجني من هنا.»
«وهل سيسمحون لك بالمغادرة أصلا؟»
تساءل رافي بنبرة جادّة، يسمع رايدر وهو يتكّ لسانه، وعلى الأرجح أنّه قد رفع كتفيه بلا مبالاة كعادته، قبل أن يجيبه وكأنّ الأمر لا يعنيه:
«على الأرجح سيجعلونك توقّع شيئا أو اثنين. لقد خرج البعض بالفعل قبل قليل، وبما أنّك أخي المفضّل ف-»
«أنا أخوك الوحيد.»
قاطعه الآخر وهو يلفّ عينيه بضجر من محاولته البائسة لإقناعه، ليرفع الآخر كتفيه مرّة أخرى بعدم اكتراث ويردف مباشرة:
«هذا يجعل مهمّتك أسهل.»
لم يكن لرافاييل حينها سوى أن يأخذ نفسا عميقا يدعك صدغيه، ثمّ نبس باستسلام:
«أوصيتك ألّا تقحمني معك في المشاكل، لكن ماذا عساي أفعل؟ كم شخصا غيرك قُبض عليه؟»
«لم أعدّهم.. عشرة؟ عشرون؟ لست متأكّدا.. أوه، وآريس كذلك، سيقضي ليلته هنا حتّى يأتي والده غدا من تورونتو»
«حسنا، ابقَ مكانك. سأصل خلال ربع ساعة.»
لم ينتظر ثانية أخرى وأقفل الخطّ مباشرة، يضع الهاتف في جيبه ويسارع في دخول المطبخ ليأخذ قطعة جبن من الثّلّاجة، ثمّ يعود عند القطّة الّتي كانت تجلس مكانها، ويضعها أمامها بينما يربّت على رأسها متمتما:
«كنتُ أريد قضاء بعض الوقت معك، ولكن عليّ إخراج أخي المتهوّر من الورطة الّتي أوقع نفسه فيها.. تناولي طعامك وسأعود لاحقا.»
استقام في وقفته مجدّدا، ثمّ توجّه إلى غرفته يأخذ سترة قطنيّة بالإضافة إلى محفظته، قبل أن يحمل أخيرا مفاتيحه ويغادر المنزل مغلقا الباب خلفه بإحكام.
لم يمنحه وقتا لتغيير ثياب نومه حتٌى!
نزل السّلالم وخرج من المبنى قاصدا سيّارته، ليركبها ويقود مباشرة إلى مركز الشّرطة.
ليت الأمر لا يكون معقّدا كثيرا، وليتهم يتساهلون معه قليلا كونها أوّل مرّة يتمّ فيها القبض عليه. هو فقط يريد لهذه اللّيلة أن تمرّ بسلام دون أن يتأذّى أيّ منهما.
هو حتما سيمنعه من التّسابق لفترة، على الأقلّ حتّى يمرّ كلّ شيء بسلام.
لم تكن قد مرّت سوى بضع دقائق من القيادة، حينما وصل رافاييل إلى وجهته أخيرا.
ركن سيّارته على مقربة من المكان، ثمّ ترجّل منها بسرعة وشقّ طريقه إلى داخل المركز يقصد المكتب حيث جلس اثنان من أعوان الشّرطة.
«أهلا، كيف يمكن للشّرطة مساعدتك؟»
تحدّث أحد الشّرطيّين بينما يستقيم من مكانه حالما لمح رافي يقترب منه، والّذي أجاب على الفور وهو يسحب بطاقة هويّته ويضعها على سطح المكتب:
«أنا رافاييل ميرفي، شقيق رايدر ميرفي المحتجز هنا.»
حدّق الشّرطيّ بوجهه لثانية، قبل أن يلقي نظرة على البطاقة أمامه، يأخذها ويدقّق فيها متسائلا بإدراك:
«آه، أتيت لأجل ذلك الشّابّ؟»
«أجل، هل إخراجه أمر ممكن؟»
أعاد الرّجل تثبيت بصره على صاحب الأعين البنّيّة، ليعيد بطاقته إليه ويهزّ رأسه قبولا، بينما يشير له ناحية الممرّ القريب قائلا:
«بعد بضع إجراءات، طبعا.. سنتسامح معه لأنّها أوّل مرّة يتمّ فيها القبض عليه. اتبعني من فضلك.»
أومأ رافاييل للشّرطيّ قبولا، يراه يسبقه ببضع خطوات ممّا جعله يتبعه، يجول بعينيه حول المكان وهو يشعر بأعين بعض الرّجال المنتشرين في الأرجاء عليه.
«سأفتح باب الزّنزانة، ويمكنكما المغادرة هذا المكان بعد أن توقّع بضع أوراق.»
كسر الضّابط حاجز الصّمت حالما وصلا إلى مكان الزّنزانة، يتوقّف عن السّير جاعلا رافاييل يفعل المثل بينما ينظر إليه مباشرة.
«فهمت.»
«وأيضا، تمّت مصادرة سيّارة شقيقك لمدّة خمسة وأربعين يوما، وستكون له مخالفة إضافيّة عليه دفعها لتغطيته لوحة سيّارته.. هذا كلّ شيء.»
ختم كلامه بذلك، يرى الآخر يومئ قبولا ويردف متنهّدا بارتياح:
«لابأس، سأتكفّل بذلك.»
لم يضيّع الرّجل ثانية أخرى، وخطى ناحية الزّنزانة حيث جلس عدد معتبر من الشّبّان، وقد استطاع رافاييل من مكانه أن يلمح بينهم رايدر الّذي استقام من على المقعد الحديديّ فور أن نادى الشّرطيّ اسمه بينما يفتح الباب.
«رايدر..»
تمتم بخفوت وكأنّ ثقلا هائلا انزاح عن صدره، يقترب ببطء من أخيه الّذي خطى لتوّه إلى الخارج، يلقي له ابتسامة خفيفة يخبره بها أنّه بخير.
هو يدرك جيّدا كيف تكون حال رافي حينما يقلق بشأن أيّ شيء.
«لم أعد أعلم إن كان يجدر بي الغضب منك أم لا.»
همس بجانبه محاولا ألّا يسمعه أحد، يجعل الآخر يرفع حاجبه باستغراب مجيبا:
«لم أصب بأذى، إذا لا شيء هناك لتغضب بشأنه.»
قرصه رافاييل من ذراعه يجعله يهسهس متألّما ثمّ نبس بجدّيّة:
«محاولة جيّدة، لكنّ الحظّ لن يحالفك كلّ حين.»
لم تتسنّ الفرصة لرايدر كي يلقي تعليقا آخر حينما لاحظ انتباه رافاييل يوجَّه ناحية الزّنزانة مجدّدا، يقترب خطوتين منها قبل أن يتحدّث دون أن ينظر له:
«هيوغو؟ أنت هنا كذلك؟»
الأشقر.. لقد نسي أمره تماما.
التفت رايدر هو الآخر يقابل الزّنزانة، يرى كيف ابتسم هيوغو لرافاييل دون أن ينبس بكلمة.
مقزّز.. ولماذا لا يتلقّى هو كذلك تهديدا بالتّوبيخ؟
«لم تخبرني بأمره على الهاتف.»
نطق رافي مخاطبا رايدر الّذي انتقلت أعينه نحوه يراه يطالعه بحاجب مرفوع، ولم يكن له سوى أن رفع كتفيه بعدم اكتراث وأجاب بينما يولي الزّنزانة بظهره مجدّدا:
«نسيت.»
سرعان ما جذب انتباه كليهما صوت حمحمة صدرت عن الشّرطيّ الّذي كان لا يزال واقفا على مقربة منهما، يثبّت عينيه على رافاييل ويخاطبه مستفسرا:
«هل تريد أن تخرجه هو الآخر؟ يبدو أنّك تعرفه.»
رمش المعنيّ بضع مرّات يستوعب ذلك، قبل أن يلقي نظرة أخرى على هيوغو ثمّ يعود للتّركيز مع الضّابط، يلوّح بيديه نافيا ويجيب:
«كلّا، هو ليس مسؤوليّتي.»
ولا رايدر كذلك.. كلاهما بالغان، لكن لا علاقة فعليّة تربطه بهيوغو ليفعل شيئا كهذا.
«هناك من هو آتٍ بعد قليل.»
نبس الأشقر يخاطب رجل الشّرطة، وذلك فقط أكّد لرافاييل أنّه كان محقّا في تفكيره.
من هو آتٍ.. يقصد والده بكلّ تأكيد.
ليته يتأخّر في الوصول قليلا بعد، لا يظنّ نفسه قادرا على رؤيته وجها لوجه الآن.. بعد آخر مرّة.
«أيّها الضّابط، أخرج هيوغو أندريس من الزّنزانة.»
صدح صوت ضابط آخر من خلفهم، يجعل من دمائه تتجمّد داخل عروقه فور سماعه تلك الكلمات، وقد لاحظ رايدر بدوره شحوب ملامحه المفاجئ.
راقب هذا الأخير رافاييل لثوانٍ قليلة، ولم يحتج التّفكير ليعلم ما يجري له.
التفت ناحية الزّنزانة يرى هيوغو يستقيم من مكانه بينما يفتح له الرّجل الآخر الباب المعدنيّ، ثمّ أعاد بصره ناحية رافي يجده يراقب المدخل بأعين مرتعشة.
تتبّع رايدر مسار عينيّ الآخر، ليقع نظره على الرّجل الّذي وقف مكانه بثبات وكلّ ما يراه هو هيوغو الّذي خطى إلى خارج الزّنزانة.
انعقد حاجباه قليلا، يميل بجسده تّجاه شقيقه متسائلا بصوت خافت:
«رافاييل، أهذا هو رين؟»
لم يصله ردّ من الآخر، وذلك جعله يدرك مدى انفصاله عن العالم من حوله، كأنّه دخل فقّاعته الخاصّة.. كأنّه لا يسمع ولا يرى شيئا.
أيعقل أنّ هذا بسبب ذلك الرّجل؟ لا يمكن..
«يبدو أبشع من الصّور»
تمتم مقتربا من أذنه أكثر، يحاول جذب انتباهه.. ومجدّدا، لا إجابة.
ما الّذي يحدث لرافي الآن؟ لم يره بهذه الحال من قبل.
«أبي..»
طرق آذانه لحظتها صوت هيوغو شبه الخافت، يراه يمرّ من أمامه ويقترب نحو والده.
تبعه رايدر بعينيه يرى كيف طالع رين ابنه دون أن يقول شيئا، قبل أن يرفع عينيه ناحيته لتلتقي أعينهما لبضع لحظات.
منحه رايدر نظراته اللّامبالية المعتادة، كأنّه يخبره بأنّه لا يهتمّ لأيّ شيء حياله. ولم تكن سوى ثانيتين حتّى ارتفع بصر رين قليلا تلتقي عيناه مع خاصّة رافاييل الّذي ضرب قلبه مرّتين فور أن حدث ذلك دون أن يعلم كيف يتصرّف.. وقد لاحظ رايدر ذلك.
أزاح بعدها بصره بعيدا عن كليهما، يوجّه تركيزه لهيوغو الّذي وقف أمامه دون أن يغيب انتباهه عن ثقل الهواء المفاجئ في المكان، ونظرات الاستحقار الّتي تبادلها والده مع الآخريْن، ليلتفت نحوهما للحظة يرى كيف هي حالتهما؛ -تحديدا رافاييل-، بينما يسمع صوت والده وهو يخاطبه بهدوء:
«هيّا هيوغو، سنتحدّث في المنزل.»
لم ينتظر ردّا منه وسارع في سحبه من ذراعه يجرّه خلفه كطفل في الخامسة من عمره، وذلك فقط جعل هيوغو ينفض ذراعه بعنف يحرّر نفسه من قبضته، غير آبه للطّريقة الّتي طالعه بها في تلك اللّحظة.
طفح كيله حقّا.. الأمر لم يعد مسليّا على الإطلاق.
«ما الّذي سنتحدّث عنه تحديدا؟ مشاركتي في هذا السّباق؟ أم عن مصادفتي لأحد ابنيك في المضمار؟»
ساد صمت المكان للحظات، يسمح للمعنيّين باستيعاب ما تفوّه به هيوغو لتوّه.
ظهرت الصّدمة على وجه رافاييل الّذي لم يتوقّع أنّ هيوغو قد يصارح والده بمعرفته للأمر، في حين اكتفى رايدر بالمراقبة مستغربا، يترقّب ما سيحدث تاليا.
أمّا رين، فقد تصلّب جسده تماما يأخذ نصيبه الخاصّ من صدمة الكلمات الّتي ألقى بها ابنه على مسامعه، وسؤال واحد يدور داخل ذهنه.
"من أين علم بالأمر؟"
لا يعقل أنّ أحد الشّقيّين الآخرين قد أخبره.. لقد تمّ هدم كلّ ما بناه خلال سنوات طويلة في لحظة واحدة.
هذا لا يصدّق!
كان على وشك فتح فمه، ينوي التّلفّظ بأيّ شيء قد يسمح له بتدارك الموقف وإنقاذ سرّه هذا، إلّا أنّ الأشقر سبقه حينما أضاف مشيرا بإبهامه للنّاحية الّتي وقف بها الاثنان:
«أعلم أنّهما ابناك كذلك، أليس هذا سبب طلبك منّي أن أتجنّب المزعج الّذي خلفي؟ لست غبيّا أبي.»
ارتفع حاجبا رايدر بدهشة فجأة، يشيح بصره عن الأشقر بغير تصديق.
تبّا له، حتّى في موقف كهذا لا يزال يتصرّف بطريقة مستفزّة وكأنّه يطلب منه تحطيم وجهه القبيح ذاك..
ارتخت عضلاته المتيبّسة فجأة حالما تموضعت كفّ رافاييل على كتفه، ليلتفت نحوه يراه يطالعه بنظرات ذات معنى، يجعله بذلك يأخذ نفسا عميقا يكبح به انفعاله.
هو محقّ، هذا ليس الوقت ولا المكان المناسب. عدم تدخّل الشّرطة الآن في هذا الجدال بحدّ ذاته معجزة.
انتقلت عينا رايدر ناحية رين، يرى ملامحه المتفاجئة حينما لوّح بكلتا يديه بتوتّر محاولا إنقاذ الموقف:
«هيوغو، هذا ليســ»
هزّ المعنيّ رأسه بخفّة في خيبة أمل قبل أن ينهي والده كلامه، يقاطعه قبل أن ينهي جملته دون أن يمنحه مجالا للإنكار أكثر:
«سمعتك تتحدّث مع أمّي، لذا فالأمر كما أظنّه تماما.»
ألقى رين لحظتها نظرة سريعة على كلّ من رايدر ورافاييل، يرى كيف وقفا مكانهما يراقبان بصمت كأنّهما يشاهدان فيلما من نوع ما، وذلك جعله يضغط على قبضته محاولا التّحكّم بأعصابه.
أعاد نظراته ناحية الواقف أمامه يتجاهل وجود الآخريْن، يرمقه بحدّة على عكس السّابق، قبل أن يلتفت مغادرا بينما يخاطبه بنبرة صارمة:
«لن أناقشك هنا هيوغو.. اتبعني، لن أكرّر كلامي.»
لم ينتظر رين ثانية أخرى، والتفت يومئ للشّرطيّ الواقف قربه قبل أن يغادر المكان يتبعه الآخر ليستكملا الإجراءات، تاركا هيوغو يقف مكانه ويراقب والده وهو يختفي عن ناظريه ببساطة وكأنّ لا شيء يهمّه.
جعله ذلك يحكم إغلاق قبضتيه ضاغطا عليهما، بينما يتنفّس بثقل يحاول كتم غيظه قدر الإمكان، قبل أن يتغلّب عليه جاعلا منه ينبس بصوت مرتفع قليلا بينما يضرب الأرض بقدمه:
«تبّا لهذا!»
ألقى نظرة من حوله يرى الجميع يحدّقون به ويتبادلون النّظرات فيما بينهم.
المحتجزون، المزعج رايدر، رافاييل، والشّرطيّ الّذي أتى مع هذا الأخير.
سحقا..
سرعان ما تجاهل هيوغو وجودهم جميعا، يدفع بخصلاته الشّقراء إلى الخلف بعيدا عن وجهه المبلّل بالعرق قبل أن يخطو مبتعدا، يتبع والده تاركا الجميع خلفه.
لم يكن للأخوين حينها سوى تبادل النّظرات فيما بينهما معبّرين عن استغرابهما، قبل أن يربّت رافي على كتف شقيقه، يتمتم قائلا:
«ليحلا مشاكلهما بمفردهما...دعنا منهما وهيّا نعود للشّقّة، أراهن أنّك تريد النّوم.»
تقدّم ناحية المخرج يتبع أخاه وقد اعتلت وجهه ابتسامة عبّرت عن إعجابه بما سمعه، أتبعها بقوله:
«تعرفني جيّدا رافي.»
تثاءب بعدها بإرهاق، يخلّل أصابعه بين خصلات شعره معيدا إيّاها للخلف، قبل أن يضيف باستياء:
«لقد تشوّه هيكل سيّارتي، هل تظنّهم سيتكرّمون بإصلاحها دامت عندهم؟»
«أنت تحلم، عليك أن تكون شاكرا أصلا لأنّ المصادرة ستتمّ لفترة وجيزة.»
علّق رافاييل وهو يصفع كتفه بخفّة، يدفعه ليتأوّه متألّما يمسح بيده مكان الضّربة بينما يتذمّر قائلا:
«مزعجون، سأتكبّد إذا عناء أخذها لمرآب آريس وإصلاحها.»
لم يعقب رافاييل على كلامه، يلتفت خلفه بسرعة ليتأكّد أنّ الشّرطيّ قادم خلفهما قبل أن يتنهّد متمتما بين أنفاسه:
«سأساعدك إن كنتُ متفرّغا.»
رمش رايدر بغير تصديق، يتوقّف عن السّير للحظات محدّقا برافاييل، قبل أن يعود للتّقدّم قائلا بحماس:
«جدّيا؟ هذا رائع! لن أرهقك كثيرا بالعمل.»
ألقى عليه الثّاني نظرة جادّة، يردّ عليه بنبرة هادئة:
«فكّر بالأمر لاحقا، لا يزال أمامك أكثر من شهر.»
همهم صاحب الخصلات السّوداء دليلا على موافقته له دون أن يتلفّظ بشيء، يدفع أخاه لكسر الصّمت الّذي حلّ بينهما فجأة بتصريحه:
«بالمناسبة، أحضرتُ صديقة صغيرة إلى المنزل لتعيش معنا»
«ماذا؟»
«وجدت قطّة بيضاء على سطح المبنى، لم يبدُ أنّ لها مالكا، وكانت جائعة فأدخلتها المنزل»
رمش رايدر بضع مرّات يستوعب كلام رافاييل.. هل يقصد تلك القطّة؟ لابدّ وأنّها هي إذ أنّ وصفه مطابق لها.
تبّا.. لماذا يفعل هذا به؟
«حقّا؟ جيّد لك.»
تمتم يدّعي اللّامبالاة، يدفع حاجب رافي لأن يرتفع باستغراب بينما يطالعه من رأسه إلى أخمص قدميه، وذلك قبل أن يلكز كتفه ويردف متعمّدا تغيير الجوّ المتوتّر قليلا:
«ما بال هذه النّبرة الآن؟ تبدو كمراهق ثانويّة متقلّب المزاج حينما تتصرّف بهذه الطّريقة.»
بدا أنّ مزحة رافاييل كانت قد نجحت في استفزاز غضبه، حيث عبس وجهه فور أن صفعه الإدراك، ثمّ أردف بانزعاج لم يحاول إخفاءه:
«تبّا، لا تقارن إيّاي بأولئك الضّعفاء الحمقى.»
رفع الآخر كتفيه بخفّة يجيب كأنّ ما يقوله بديهيّ تماما:
«لا تتصرّف مثلهم إذا.»
♡♡♡♡♡
«كيف تقول أنّك من أخبرهما بالأمر؟! هل فقدت عقلك هيوغو!»
صدح صوت رين السّاخط في أرجاء غرفة الجلوس، يشدّ على رأسه بكلتا يديه بينما يعود للمشي ذهابا وإيابا في محاولة يائسة لتهدئة نفسه.
لا شيء يمكنه مساعدته على استيعاب ما قام به هذا الفتى من خلف ظهره.
«احتجت أجوبة! وكانا الحلّ الوحيد!»
صاح الآخر بالمقابل يشد قبضته على الأريكة الّتي كان جالسا عليها، يلقي نظرة سريعة على والدته الّتي وقفت بينهما حائرة، قبل أن يعاود النّظر إلى والده، يراه يتوقّف عن الحركة ويردف بنفس النّبرة السّابقة غير مصدّق لما يسمعه:
«هل تسمع نفسك؟ لقد جننت حقّا!»
«ليس ذنبي أنّ كليكما عاملني كطفل غبيّ! هل تظنّني كنت سأذهب إلى رافاييل لو أنّك عاملتني كابن ناضج وصارحتني بالأمر بنفسك! حتّى أنّك غيّرت لقبي!»
ابيضّت مفاصل رين من شدّة ضغطه على قبضتيه، وتثاقلت أنفاسه يحاول كبح جماح سخطه قدر الإمكان، قبل أن يرفع سبّابته يشير بها نحو هيوغو، يتلفّظ بكلّ كلمة على حدة:
«إيّاك هيوغو.. إيّاك أن تتلفّظ باسم ذلك الجرذ في منزلي!»
«ما الّذي ستفعله لو قلتُ اسم رافاييل مجدّدا؟ تتخلّى عنّي أنا الآخر؟»
ردّ هيوغو بصوت مرتفع بينما يضرب بكفّه سطح المنضدة الّتي أمامه ويستقيم من مكانه، وسرعان ما أصدر ضحكة متهكّمة رافعا أحد حاجبيه بإدراك، وكأنّه يتعمّد استفزاز رين:
«يا لسذاجتي، لقد قلته مرّة أخرى.»
زفر رين بنفاذ صبر، إلّا أنّه لم يكد يفعل شيئا حتّى وقفت كلوي حاجزا بينه وبين هيوغو، تمسك بكتفي زوجها وتطالعه بأعين مترجّية حتّى لا يستسلم لغضبه.
التفتت خلفها، تنقل بصرها لابنها الّذي استمر في تبادل النّظرات مع والده، تخاطبه برفق قائلة:
«هيوغو، لننسَ الأمر فحسب.. ليس علينا الجدال هكذا بسببهما.»
أزاح صاحب الخصلات الشّقراء ببطء عينيه ناحيتها، وقد لانت نظراته حينها، يجيبها بقلّة حيلة:
«بسببكما، أمّي، ليس بسببهما.. هذا الجدال سببه تجاهلكما لي. كيف تريدين أن أثق بأيّ شيء تقولانه الآن؟»
استمرّت كلوي في التّحديق دون أن تجد ما تجيبه به، لكنّ رين لم يستطع تمالك أعصابه حينها ودفعها جانبا، مقتربا بضع خطوات من هيوغو إلى أن أصبح كلّ ما يفصل بينهما هو تلك المنضدة الزّجاجيّة.
انحنى قليلا يضع كفّيه على سطحها بينما يثبّت نظراته المشتعلة على ابنه الّذي فعل المثل، قبل أن يصرخ بنفاذ صبر يضرب السّطح الزّجاجيّ مرارا وتكرارا:
«هذا لمصلحتك ألا تفهم؟! ليس عليّ إخبارك بكلّ شيء!»
«إذا وفقا لك -لكليكما-، مصلحتي هي أن يتمّ تركي جانبا وإغفالي عن المواضيع المهمّة، وأن تتمّ معاملتي كطفل أحمق لا يمكنه التّعامل مع حقيقة أنّه يملك أخوين من زوجة والده السّابقة؟»
تمتم هيوغو بذلك يحاول كبت الغصّة الّتي شعر بها في حلقه، يراقب كيف سارعت كلوي نحو رين وكأنّها تتأكّد من أنّ هذه الكلمات لم تؤثر على زوجها.
هي تكترث لما يؤذيه، لكن من سيكترث لما يؤذيه هو؟ إن كان هناك من هو متضرّر من هذا كلّه فليس أحدا سواه هو.
هيوغو أندريس، أو ميرفي.. حتّى هو لم يعد يعرف.
شعر بدموع ساخنة تتجمّع خلف عينيه، حاول كتمانها فيما أردف يصرخ بصوت مختنق:
«حتّى أنا لم أرد أن أكتشف الأمر بهذه الطّريقة!»
ساد المكان لحظتها صمت مفاجئ، خلى من كلّ شيء عدا صوت شهقة كلوي المصدومة، وصوت الصّفعة القويّة الّتي هوى بها رين على وجه ابنه.
اتّسعت عينا هيوغو وانفرجت شفتاه بإدراك، يتحسّس بيده مكان الصّفعة قبل أن تتحوّل صدمته إلى شفقة حينما أصدر قهقهات ساخرة وسط دموعه الّتي رفضت مقاومته.
اقتربت منه والدته تحاول تفقّد وجهه، لكنّه أبعد يدها عنه فورا، يجفّف عينيه بكمّ قميصه ليعود للنّظر في عينيّ والده مباشرة، بينما يعلّق مبتسما كشخص منتصر:
«لم أتوقّع أنّ لهما هذا القدر من التّأثير عليك.»
"هذا كافٍ لاستفزازه"
كان ذلك ما فكّر به هيوغو لحظتها وهو يلتفت موليا والده بظهره، يخطو ناحية باب الغرفة ليترك المكان دون كلمة أخرى.
صفع الباب خلفه بقوّة غير آبه لأيّا كان رين سيفعله حينما تحرّك ينوي الذّهاب خلفه، لولا أنّ كلوي أوقفته مصرّة على أن يتركه وشأنه حتّى يهدأ.
دخل هيوغو غرفته موصدا الباب خلفه، ثم اقترب ناحية النّافذة المفتوحة، يسند ذراعيه عندها ويطلّ محاولا السّماح لهواء اللّيل النّقيّ بأن يملأ رئتيه ويهدّئ أعصابه قليلا.
كلّ شيء أصبح مرهقا ومستنزفا للطّاقة فجأة.
كيف يلام فقط لأنّ إخفاء الأمر عنه لم يرقه؟ هو في التّاسعة عشر من عمره.. أليس قادرا على تخطّي خبر كذاك؟
ربّما لم يكن سيتقبّل بسرعة -رغم أنّ رافاييل شخص لطيف-، وربّما كان ليكره والده لبضعة أيّام، أو حتّى يكره نفسه.. لكنّ أيّ شيء آخر كان سيكون أفضل من الطّريقة الّتي اكتشف هو بها ذلك.
الآن هو يكره الجميع..
لم يضع في حسبانه قطّ أنّ والده قد يكون بذلك السّوء.. النّظرة الّتي رمق بها كلّا من رافاييل والأحمق الآخر كانت مليئة بالحقد.
وبالنّظر لفارق العمر بينهم، أيّ حقد مبرّر يمكنه حمله ضدّ أطفال؟ هو لا يعلم كلّ ما جرى في الماضي، لكنّ الشّخص الأكبر والأعقل هو الملام.
والده هو الملام أيّا كانت المسألة مع ابنيه الآخرين.
أمّا عن زوجته الأولى.. فهو لا يملك معلومات تسمح له بالحكم عليها، لكن بما أنّه لا يبدو أنّها تخلّت عن ابنيها لأجل حياة جديدة، فالأمر واضح.
قد يسأل رافاييل في وقت لاحق عنها.. من باب الفضول فقط.
من باب تأكيد ظنونه فقط..
أخذ هيوغو نفسا عميقا، يراقب من نافذته الأشخاص القليلين الّذين لم يعودوا لمنازلهم بعد، رغم تأخّر الوقت كثيرا.. لقد تعدّت الثّالثة صباحا، وعند التّفكير بالأمر لابدّ وأنّ الجيران يلعنونهم بسبب صراخهم المدوّي قبل قليل.
لن يلومهم على ذلك، الوقت وقت النّوم لا الشّجار.. لكنّه لن يلوم نفسه كذلك.
ليس ذنبه أنّ والده حسّاس تّجاه هذا الموضوع لتلك الدّرجة، ولا أنّه لا يستطيع ضبط أعصابه.
لم يتوقّع أنّ ذكره لهما سيؤدّي لانفعاله بهذا الشّكل وكأنّهما مصدر تهديد له، في حين أنّهما منشغلان بعيش حياتهما من دونه.
«تبّا له..»
تمتم هيوغو بصوت خافت، يأخذ نفسا عميقا آخر.
لماذا هو؟ لماذا كان عليه هو أن يكون والده من بين جميع النّاس؟ لماذا لم يستطع أن يكون أفضل من هذا؟
هيوغو أندريس.. هذا مثير للسّخرية.
ماذا لو كان هيوغو ميرفي منذ البداية؟ ما الّذي كان سيحدث؟
كان عليه أن يشكّ في وجود أمر ما منذ البداية.. من يأخذ اسم عائلة والدته بدل عائلة والده دون سبب وجيه؟ عداه هو طبعا؟
استفاق هيوغو من تفكيره فجأة حالما وصل مسامعه صوت طرق على باب غرفته، ولم يحتج التّفكير حتّى يعلم هويّة الطّارق.
«ليس الآن أمّي.»
«هيوغو، افتح هذا الباب.»
وصله صوتها الرّقيق من الجهة الأخرى، تجعله بذلك يتنهّد بثقل وكأنّه يحمل العالم على كتفيه، قبل أن يلتفت ملقيا نظرة على الباب يعيد كلامه بضجر:
«قلتُ ليس الآن، أريد الجلوس بمفردي.»
لم يصله ردّ منها، وذلك فقط جعله يواصل التّحديق خارج النّافذة.
من الجيّد أنّ والدته ليست بذلك العناد.
لم تكن سوى ثوانٍ قليلة، حتّى تراجع هيوغو خطوتين إلى الخلف، يغلق نافذته، قبل أن يلتفت متوجّها نحو سريره، لكنّه لم يكد يقترب بالقدر الكافي حتّى، حينما سمع صوت فتح قفل الباب، جاعلا منه يتجمّد مكانه في صدمة.
ألم يكن مفتاح الغرفة لديه، كيف هذا؟ لا يتذكّر أنّه أخرجه من الغرفة..
انتقلت عيناه ناحية باب غرفته، يرى المقبَض يُدار والباب يُفتح بهدوء، لتظهر خلفه والدته تقف مكانها وتبتسم له حالما وقعت عيناها عليه.
«هيوغو، أنتَ بخير؟»
لم يجد الآخر ردّ فعل مناسب، وظلّ واقفا مكانه يحدّق بها.. تحديدا بالمفتاح الّذي بيدها.
«نسختُ مفتاحك لحالات الطّوارئ.»
أجابته بهدوء بينما تدخل الغرفة، وكأنّها سمعت ما يدور بذهنه، وذلك فقط جعله يستمر في الوقوف متصنّما بذهول.
راقبها وهي تقترب منه ببطء، تلفّ ذراعيها حوله وتجذبه لها في عناق قويّ.. ورغم استمرار صدمته إلّا أنّه بادلها العناق دون التّفوّه بكلمة.
«والدك غادر المنزل.»
تمتمت بينما تفكّ العناق، تحدّق بوجهه للحظات باسمة، قبل أن تجذبه من يده ليجلسا على طرف سريره، تواصل بينما تمسك بكلتا يديه برفق:
«سيعود كلّ شيء لطبيعته حالما يعود، هو بحاجة لاستيعاب ما حدث فقط وسيتخطّى الأمر.. لا تكره والدك، ولا تكرهني.»
الطّريقة الّتي نظرت بها إليه وهي تمسح بأصابعها النّحيفة على وجهه جعلته يسحب يديه بعيدا ليعانقها مرّة ثانية، يمسح على ظهرها بخفّة مجيبا إيّاها باستسلام:
«لا أكرهكِ أمي.. ولا حتّى أبي، ولكن إخفاءكما لأمر كهذا عنّي جعلني أشعر وكأنّكما لا تثقان بي.»
طبعا، لم يكن ذلك ما شعر به حقيقةً.. إنّه ما سينهي هذا الجدال دون مشاكل أخرى فقط.
إن لم يكونا سيستمعان في كلّ الأحوال، فلما عناء المحاولة؟
ليته كان قادرا على قول "لن أرى أبي بنفس الطّريقة السّابقة مجدّدا"، أو "لم أعد أثق بكما وأنا أتساءل أيّ أسرار أخرى قد تكونان أخفيتماها عنّي".. ولكنّه لن يستطيع ذلك.
لأوّل مرّة يشعر أنّه وحيد في وجود والديه.. تحديدا والدته الّتي طالما اكترثت له بشدّة.
«هيوغو..»
فكّ المعنيّ العناق حالما لفظت والدته اسمه، تجعله يعتدل في جلسته يطالعها بانتظار ما ستقوله.. وبالفعل، لم تنتظر كثيرا حتّى أردفت بينما تميل رأسها للجانب قليلا وتتفادى النّظر في عينيه:
«آسفة لأنّنا أخفينا الأمر عنك عزيزي.. صدّقني، لم أرد أن تشغل ذهنك بأمور غير مهمّة.»
لا تزال تقول أنّ الأمر غير مهمّ؟ بعد كلّ هذا؟ إذا ليس مهمّا أنّه يملك أخوين أكبر سنّا منه لم يكتشف أمرهما سوى مؤخّرا؟ ليس مهمّا أنّ أحد هذين الأخوين هو رايدر ميرفي الّذي يمقت بشدّة؟
أجل.. ليس مهمّا إطلاقا.
«ما الغير مهمّ هنا؟»
تمتم بتساؤل غير قادر على كبح ما يدور بذهنه هذه المرّة.. وقبل أن تنطق كلوي بحرف أضاف بهدوء:
«بقدر كرهي لرايدر ذاك إلّا أنّ مسألة كهذه ليست شيئا عليّ اكتشافه صدفة.»
«آسفة حقّا، أعدك ألّا أخفي عنك شيئا مجدّدا.»
هل يصدّقها؟ هي والدته.. والدته ليست سيّئة.
هي تريد مصلحته فقط، حتّى ولو كانت الطّريقة خاطئة..
هل هذا صحيح حتّى؟ ذهنه مشتّت تماما ولم يعد قادرا على معرفة الصّحيح من الخطأ.
يحتاج لبعض الهواء النّقيّ حتّى يصفّي ذهنه مجدّدا.
أخذ هيوغو نفسا عميقا يعيد ملأ رئتيه بالهواء، ثمّ مدّ يده يربّت على كتف أمّه بينما يزيّف ابتسامة عريضة:
«لا بأس، انسي الأمر.»
أزال يده عن كتفها، ينقلها إلى رأسه قبل أن يمسح عليه برفق مضيفا:
أشعر ببعض الدّوار وأريد الجلوس لوحدي قليلا من فضلك، هل تسمحين لي؟»
راقب الطّريقة الّتي نظرت له بها مطوّلا، وكأنّها تتأكّد من أنّه بخير، قبل أن تومئ له برأسها قبولا وتنبس بجدّيّة:
«سأخبرك بشيء آخر فقط وأغادر، حسنا؟»
رمش هيوغو مرّتين يبدي استغرابه من طلبها، إلّا أنّه همهم قبولا يجيبها بانتباه:
«أنا أسمعك.»
«أنت تعلم سبب حملك اسم عائلتي، صحيح؟»
بدأت كلوي حديثها وهي تحدّق في عينيه مباشرة، كأنّها تحاول قراءة أفكاره.. أو أنّها تقرؤها بالفعل.
لسبب ما، تبدو نظراتها غريبة نوعا ما.. هالتها كلّها تبدو غريبة.
لعلّ ذلك نتيجة للجدال الّذي حدث قبل قليل، لقد أرهقت نفسها وهي تحاول تهدئة الوضع.
حمحم بخفّة يبعد تلك الفكرة عن ذهنه ويعود للتّركيز على حديثهما، يفكّر في سؤالها.
السّبب.. ابناه الآخران طبعا، هذا واضح تماما ولا يستدعي سؤالا.
«أجل... حتّى لا نتعرّف على بعضنا صدفة.»
هو، والشّابّان الآخران... لقد أُرهِق ذهنُه من التّفكير بأمرهما حقّا، وليس شيئا يتحكّم به مع الأسف.
أومأت له كلوي بخفّة، ترسم على شفتيها ابتسامة بسيطة بينما تواصل الحديث قائلة:
«هذا كان السّبب الوحيد، لكن وبما أنّك تعلم بكلّ شيء الآن، فقد تحدّثتُ مع والدك قبل أن يغادر..»
صمتت لبضع ثواني، تحدّق بأصابعها وكأنّها متردّدة بشأن مواصلة ما يدور بذهنها، إلّا أنّ صمتها لم يدم طويلا حينما أزاحت عينيها ناحية ابنها مجدّدا تلقي بما لديها:
«هل تريد التّمسّك باسم عائلتي هذا؟ أم أنّه قد خطرت لك فكرة تغييره من قبل؟»
انعقد حاجبا هيوغو باستغراب، يطالع والدته للحظات بينما يستوعب ما قالته لتوّها.
حسنا.. هذا لم يكن أمرا متوقّعا أبدا.
وتقول أنّها تحدّثت مع والده؟ نفس الوالد الّذي كان يقف أمامه وجها لوجها قبل وقت قصير؟ مستحيل..
أخرجه من دوّامة تفكيره الشّعور الدّافئ الّذي بعثته أصابعها في يديه حينما أمسكت بها، تجذب انتباهه إليها مجدّدا قبل أن تردف بنبرة حنون:
«هيوغو ميرفي... هل تريده؟ هذا الاسم؟»
♡♡♡♡♡
كان نسيم الصّبيحة الخفيف يهبّ حاملا معه شيئا من النّشاط الّذي جعل طلّاب الجامعة يتوزّعون هنا وهناك، كلّ منهم منشغل بأمر ما.. بعضهم يستغلّ الفراغ بين المحاضرات، والبعض الآخر هارب منها.
ومن بين المتهرّبين كانت إيلينور الّتي جلست عند المقعد القريب من النّافذة داخل إحدى القاعات الفارغة، تطلّ منها وتراقب شابّا عشوائيّا جذب انتباهها، كان يجلس على أحد المقاعد يطالع كتابا.
كان دفترها أمامها، والقلم بيدها، تلقي نظرة عليه تارة، وعلى دفترها تارة أخرى بينما تخطّ عليه بتركيز محاولة ضبط التّفاصيل بدقّة.
المسافة الكبيرة بينها وبينه تجعل الأمر صعبا، ولكن ليست بيدها حيلة.
لقد كان صعبا التّوقّف عن الرّسم بسبب المتهوّر الأرعن المدعوّ رايدر ميرفي.. ورغم أنّ هذا الفتى لا يمنح نفس الطّاقة الّتي يمنحها رايدر للرّسم، إلّا أنّه يفي بالغرض حاليّا.
كبديل مؤقّت.. ربّما.
لكن على من تكذب؟ المتعة الّتي كانت تشعر بها أثناء رسم رايدر لا يمكن أن يعوّضها شيء.. لا يمكن أن يضاهيها شيء.
ليته لزم حدوده فقط ولم يخلق هذا القرب بينهما.. كان الوضع رائعا حينما لم يكن يدري بوجودها، وهي صدقا تتمنّى لو بقي الأمر كذلك.
أيّا كان ما فعله ذلك اليوم حينما وقعت، فهو لا يزال لحدّ اللّحظة ذكرى غير مريحة لها.
ما الّذي جنته من ملاحظته لها؟ ما التّغيير الجيّد الّذي حدث بعدما اكتشف أنّها كانت ترسمه؟
أفضل شيء لحدّ الآن هو أنّه لا يعلم منذ متى.. قد يفزع، رغم أنّها تشكّ في أنّه شخص قد يبدي ردّ فعل كهذا.
هي حقّا لا تريده قريبا منها بأيّ شكل ما، لا كصديق ولا كعدوّ ولا كأيّ شيء.. ليست مهتمّة به ولا تريد أيّ شيء فيه.
كلّ ما تريده هو أن تعود لعادتها في رسمه سرّا أثناء الحصص والمحاضرات دون أن ينتبه أحد لما تفعله أو لشرودها عدا الأساتذة.
حتّى تعليقات السّيّد براين كانت أرحم من وضعها هذا.
حينما تجلس وتفكّر بالأمر، ينتابها شعور بأنّها قد تكون تبالغ قليلا في ردّ فعلها.. وربّما كثيرا.
ولكنّها مشاعر، حسنا؟ لا يمكن التّحكّم في المشاعر، ولا يمكن تجاهلها دوما... إن لم تشعر بالرّاحة فهي لا تشعر بالرّاحة وانتهى الأمر.
تنهّدت إيلينور بثقل، تحدّق بالرّسم غير المكتمل أمامها.
هذا متعب جدّا.. الرّسم من هذا المكان، والتّفكير بكلّ شيء كذلك.
الرّحمة رجاءً، أليست هناك وسيلة للرّجوع في الزّمن؟ قد يكون بإمكانها اتّخاذ تدابير أكثر حتّى لا يُكشف أمرها هذه المرّة.
فرصة واحدة أخرى فقط!
ألقت نظرة على النّافذة مجدّدا، ترى الشّابّ يغلق كتابه ويستقيم من مقعده مغادرا المكان.
بالطّبع كان عليها توقّع أنّ أمرا ما لن يمرّ بسلاسة اليوم، وها هو ذا!
زفرت إيلينور بضجر لحظتها تمزّق الرّسم من على الدفتر وتطويه بعشوائيّة.. مكانه واضح، سلّة المهملات.
للحظة جعلها الأمر تتذكّر آخر مرّة تحرّك رايدر من مكانه مفسدا رسمها.. وألقت به في القمامة بعدها مباشرة.
أجل، أوّل خطأ ارتكبته لتفضح أمرها.
على ذكره، وبما أنّه يرفض مغادرة ذهنها منذ فترة، هي لم تلمحه منذ دخولها حرم الجامعة صباحا.. ولا هيوغو كذلك.
ما هذه الصّدفة؟ لم يحضر كلاهما في اليوم ذاته؟
على كلّ حال، هذا ليس سيّئا. لقد حظيت بأكثر وقت هادئ منذ فترة طويلة، وهذا جيّد.
كلاهما مصدر إزعاج رغم اختلاف نواياهما.
رايدر... هي حقّا لا تعرف ما يريده وما لا يريده بالرّغم من مراقبتها الطّويلة له، في حين أنّ هيوغو لسبب ما يبدو مصرّا على مصادقتها وليست تملك القدرة على صدّه.
لكن لماذا يريد طالب سنة أولى مصادقتها فجأة هي من بين الجميع؟ على حدّ علمها لم تلفت الأنظار بتصرّف ما، أي أنّه لا يعرف شيئا عنها حقّا.
الصّداقة يلزمها وقت لتُبنى الثّقة، وقد ينال هيوغو هذه الثّقة يوما ما ولكن ليس الآن.
لا يزال شابّا، وشخصا لا تعرف عنه شيئا فعليّا.
التّفكير بالأمر بهذه الطّريقة يجعلها تدرك كم تجهل عنه حقّا.. قد تسأله عن نفسه قليلا في وقت لاحق، رغم أنّها تدرك بأنّها صدّته نوعا ما حينما أراد أن يتعرّف عليها أكثر.
لعلّ أكثر ما تعرفه عنه هو أنّه لا يطيق رايدر أبدا.. حسنا، رايدر ليس شخصا يُستلطف من قبل الجميع، ولكن لا سبب يجعله يكرهه هكذا سوى لو كان هناك ما سمعه عنه من طلٌاب آخرين.
قد تسأله عن ذلك أيضا، ربّما فقط.
رفعت إيلينور بصرها للأعلى تحدّق بالسّقف بينما تستمر بالانغماس في تفكيرها غير آبهة بالضّجيج الآتي من الخارج.
أغمضت عينيها بقوّة حالما تشكّلت صورة رايدر أمامها فجأة، تجعلها تزفر بانزعاج.
ما هذا الآن؟ كابوس؟
«لتبتلعك الأرض وتختفي للأبد، رايدر ميرفي.»
تمتمت بذلك بينما تحكم قبضتها على قلم الرّصاص بيدها دون وعي، إذ لم تنتبه لحالها سوى حينما انشطر القلم لنصفين في يدها.
رائع، الآن عليها شراء واحد جديد.
حتّى غياب هيوغو لم يحدث فارقا عدا أنّها تستطيع السّير في الأرجاء دون أن تفكّر في أنّه قد يظهر من العدم فجأة، وهما صديقان.. ولكنّ غياب هذا الغبيّ كوجوده، الفرق لا يُذكر.
إن لم يكن على مرأى عينيها فهو يسير بلا مبالاة داخل ذهنها.
مرّة أخرى، اشتاقت لرسمه، لن تكذب على نفسها..
تنهّدت إيلينور بثقل، تلقي بنصفيْ القلم على الأرض بينما تعود للتّحديق خارج النّافذة.
على ذكر رسمها له، لا تزال تتساءل كيف عرف السّيّد ميرفي بذلك.
حتّى ناتالي تساءلت، ثمّ انتهى الأمر بها تفترض أنّ رايدر هو من أخبره، ووافقتها هي الرّأي.. رغم أنّ ذلك الاحتمال يبدو غريبا نوعا ما.
مثير للسّخرية.
وبذكر ناتالي.. لا تزال لا تعلم كيف لم تقتلها بعد ما فعلته بها يوم أمس.
لكن لم تكن بيدها حيلة.. سينتهي الأمر بها دون زواج لو ظلّت تصدّ الجميع هكذا دون الاكتراث لنواياهم.
قد لا تكون تلك نيّة السّيّد ميرفي، لكنّه يبدو شخصا محترما جدّا.. بمقارنته مع رايدر، هو كذلك حقّا.
لا يهمّ، على الأقل أنجزت مهمّتها وقامت بالتّسوّق.. ما هو عدا ذلك قد أصبح من الماضي الّذي على ناتالي تخطّيه بأسرع وقت حتّى لا تخنقها هي في المرّة التّالية الّتي تعاني فيها من ضغط العمل.
ارتسمت على شفتي إيلينور ابتسامة خافتة دون وعي منها وهي تفكّر بذلك، إلّا أنّها عادت لأرض الواقع بعد ثوانٍ قليلة بسبب صوت رنين صادر من هاتفها.
منبّه وقت الغداء.
سحبت الهاتف من جيب سروالها بسرعة تغلق المنبّه وتلقي نظرة على السّاعة الّتي أشارت للثّانية عشر والنّصف زوالا،ثمّ عادت لتدسّه مجدّدا في نفس الجيب.
لقد مرّ الصّباح بسرعة وهذا جيّد، هي جائعة بالفعل.
سارعت إيلينور لجمع أغراضها، تلقي بها داخل حقيبة ظهرها قبل أن تحملها على كتفها وتسير مغادرة المكان كلّيّا.
سارت عبر الممرّات تشقّ طريقها إلى الخارج، تتجاهل وجود الأشخاص القليلين الّذين انتشروا في الأرجاء، لتنزل السّلالم بسرعة تواصل طريقها للخارج.
بما أنّ ناتالي ليست في المنزل، فعلى الأغلب ستمرّ بمطعم ما اليوم.. آخر حصص لوسيا لليوم تنتهي بعد ساعة، لذا فانتظارها سيأخذ منها وقتا طويلا، وهي قطعا لا تريد الجلوس في مطعم الجامعة لوحدها.
خرجت إيلينور من المبنى، تجول ببصرها حول المكان شبه الفارغ، قبل أن يقع بصرها تحديدا على بقعة اجتمع فيها بضع طلّاب.
كانوا يحدّقون بلوحة الإعلانات.. هل هناك خبر ما؟
تردّدت لبضع لحظات، قبل أن تحسم أمرها وتسير نحوهم، تراهم يتفرّقون قبل وصولها فاسحين المجال لها لترى المنشور المعلّق فيها.
وقفت أمام اللّوح، تتفحّص الإعلانات القديمة بإصبعها حتّى وقع على الإعلان الّذي حمل تاريخ اليوم.
السّابع والعشرون من فبراير.
راحت تقرأ المكتوب بتأنٍ، وذلك فقط جعلها ترفع حاجبها في استغراب.
الجامعة ستغلق لمدّة أسبوع بسبب آخر نشرة أحوال جويّة؟
أجل، تلك النّشرة.. ليست بحاجة لمواصلة القراءة حتّى تعرف المكتوب.
ورغم ذلك فعلت، واصلت القراءة إلى النّهاية، وقد كان كما توقّعته.
آخر نشرة أحوال جويّة أفادت باحتمال كبير لهبوب رياح قويّة على بضع مدن منها فانكوفر، مصاحبة بأمطار غزيرة.
هو لا يزال احتمالا غير مؤكّد، ولكن يبدو أنّ الجامعة تفضّل أخذ احتياطاتها.
عند التّفكير، معهم حقّ في ذلك.
لا بأس، عطلة إضافيّة لها إذًا.
♡♡♡♡♡
انعكست الأضواء الخافتة لمرآة الحمّام على وجه رايدر الّذي حمل بيده مجفّف الشّعر، يمرّره على خصلاته المبلّلة إثر استحماه.
كان بحاجة هذا الحمّام بشدّة.. لقد قضى يومه كلّه نائما ولم يعد يطيق نفسه.
أخذ بضع دقائق أخرى حتّى جفّت خصلاته بالكامل، ليضع المجفّف جانبا ويسارع في ارتداء قميصه، يخرج بعدها من الحمّام متّجها صوب غرفة الجلوس، حيث استقرّ رافاييل وأمامه حاسوبه كعادته، منغمسا بشكل تامّ في عمله.
وقف صاحب الخصلات السّوداء للحظات يطالع أخاه، قبل أن يصدر صفيرا خفيفا محاولا لفت انتباهه، قبل أن يردف فور أن نجح في ذلك قائلا:
«اسمع رافي، سأنام مبكّرا اليوم. لا يزال تعب ليلة أمس-»
«أيّ تعب؟ لقد تركتُك نائما حينما ذهبتُ للعمل.. ألم تملّ من النّوم؟»
قاطعه رافاييل محتجّا على كلامه بينما يُنزل شاشة حاسوبه قليلا، يبعد الضّوء الصّادر منها عن وجهه، إلّا أنّه لم يتلقَّ ردّا من رايدر الّذي وقف مكانه يحدّق به.
أو عند التّدقيق، ليس به هو، بل بالّذي قربه.
«ماذا تفعل رافي؟»
تساءل رايدر لا يحرّك عينيه البتّة، وذلك جعل من الآخر يحدّق بشقيقه مستغربا قبل أن ينقل بصره بسرعة نحو حاسوبه يجيب بعدم يقين:
«أجرّب النّسخة الأوّليّة للّعبة، لماذا؟»
«ليس هذا، بل ما الّذي تفعله كتلة الفراء تلك بجانبك الآن؟»
عادت عينا رافي لتستقرّا على رايدر، يراه مواصلا التّحديق بالقطّة الجالسة بجانبه مشيرا إليها بسبّابته كأنّها مخلوق غريب.
ما به؟ لقد كان يتصرّف هكذا منذ أن أراه إيّاها بالأمس.
فرق صاحب الخصلات البنيّة شفتيه قليلا يبادل بصره بين القطّة وأخيه لبضع مرّات، يحاول تفسير سبب تصرّفاته الغريبة، وذلك قبل أن يجيب محاولا طمأنته بينما يربّت على رأس الهرّة:
«بيانكا؟ لا تقلق لقد حمّمتها جيّدا هذا الصّباح.»
ارتفع حاجبا رايدر في تفاجئ، يزيح عينيه ناحية رافاييل الّذي كان يطالعه بدوره، محاولا التّأكّد من مدى جدّية ما قاله لتوّه.
ما هذه الصّدمات المتتالية؟ هل هذه طريقته في معاقبته على التّورّط في المشاكل؟ أولا يحضر تلك القطّة.. التي ليست له ذكريات جيدة معها، والآن يسميها بيانكا؟
«بيانكا؟»
تمتم بنبرة متسائلة، ينتظر من الآخر أن يضحك ويخبره بأنّها مزحة سخيفة، إلّا أنّ رافاييل خيّب ظنونه حينما منحه ابتسامة عريضة يحمل القطّة ويضعها فوق ساقيه مجيبا بحماس:
«أجل، هل أعجبك الاسم؟ يعني "بيضاء" بالإيطاليّة، كما أنّه اسم والدتنا. اخترته أثناء تحميمها.»
لم يتلقَّ ردّا على كلامه هذه المرّة، ولم يكن يرى شيئا سوى ملامح رايدر الّتي عبست قليلا كأنّ الأمر لم يرقه.
ما خطبه؟ جدّيّا.
كان رافاييل على وشك قول شيء آخر بعدما طال الصّمت وطالت معه جولة التّحديق، إلّا أنّ الآخر سبقه مانعا إيّاه حينما حرّك رأسه بخفّة يدعك جبينه بينما يعلّق بنبرة متضايقة:
«هذا سخيف، تعلّم التّخطّي رافاييل.»
يقول تعلّم التّخطّي؟ هل هو متأكّد أنّه تخطّى بنفسه وفاتها حتّى يطلب منه هو ذلك؟ كم مرّة عليه أن يذكّره بأنّ كلّ فترة عاشها مع أحد والديهما عاش هو ضعفها أو أكثر؟
ابتلع ريقه بصعوبة يحاول التّظاهر بأنّه لم يسمع شيئا، ثمّ راح يرفع القطّة في الهواء راسما ابتسامة على وجهه مجدّدا بينما يوجّه سؤاله إلى رايدر:
«تريد حملها؟»
رفع الآخر عينيه ناحيته، يحدّق بالقطّة مطوّلا، يشعر بأنّ نظراتها له تكاد تخترق روحه.
لماذا هذه القطّة تحدّق به وكأنّها على وشك البوح بكلّ شيء لرافاييل؟ لو كان يعلم بهذا لكلّم الجدار بدلا منها.
سرعان ما أزاح بصره عنها، يشيح بوجهه بعيدا فجأة بينما يعترض بصرامة ملوّحا بيده:
«مطلقا، أبقِها بعيدة عنّي.»
«من أين جاء هذا؟ لم تخبرني أنّك طوّرت فوبيا تجاه القطط.»
أبدى رافي بذلك استغرابه من ردّة فعل شقيقه، يراه يمنح القطّة نظرات جانبيّة حادّة بينما يجيب بامتعاض:
«ليست فوبيا، ومشكلتي ليست مع القطط بل مع هذه القطة تحديدا.»
«ما الّذي فعلته بيانكا لك؟»
«لا تنادِها بذلك أمامي!»
صاح فجأة بانزعاج، يستفزّ بذلك رافاييل ليستقيم من مكانه بهدوء حاملا بيانكا بيد واحدة قائلا بنفاذ صبر:
«حسنا، طفح الكيل منك أيّها الفتى.»
سار بخطوات ثابتة يقترب من رايدر، فيما يمدّ ذراعه الممسكة بالقطّة ناحيته مردفا:
«غادر المكان ودعني أنهي عملي.»
استمرّ رايدر في مراقبته لبضع ثوانٍ، قبل أن يدرك ما يحاول فعله ويتراجع بضع خطوات للخلف يشهر سبّابته في وجه رافاييل محاولا منعه من التّقدّم أكثر.
«رافاييل، أبعِد كتلة الشّعر عنّي.»
أصرّ بينما يتوقّف عن التّراجع، أملا في أن يتوقّف رافي عن التّقدّم نحوه بالمقابل. وقد حدث ذلك بالفعل إذ أنّ الآخر استقرّ مكانه يقف على بعد بضعة أقدام منه، يرفع حاجبه ويسمح ليده الحرّة بالاستقرار على خصره، بينما يطرق الأرض بقدمه الحافية متسائلا:
«لماذا لا تزال واقفا هنا؟»
لوّح له بالقطّة من مكانه كتهديد إضافيّ، يرى كيف لفّ الآخر عينيه بضجر يحكم إغلاق قبضتيه، وذلك قبل أن يتمتم مرغما:
«سحقا لك رافي، سأغادر ابتعد فحسب.»
منحه المعنيّ ابتسامة انتصار، يومئ برأسه برضا قبل أن يوجّه خطواته صوب المطبخ معلّقا:
«هذا جيّد! سأذهب لإطعام هذه الصّغيرة، من الأفضل ألّا تكون هنا حينما أعود.»
مرّ بجانب شقيقه، يربّت على كتفه متعمّدا إزعاجه أكثر بينما يواصل السّير، إلى أن اختفى داخل المطبخ منشغلا بالاعتناء بقطّته.
ألقى رايدر نظرة سريعة خلفه، يشتم بصوت منخفض قبل أن يزفر بانزعاج.
رائع! سبب إضافيّ ليبقى خارجا لأطول وقت ممكن.. منذ ليلة أمس وهو يحاول تفادي الاقتراب منها ولا يبدو أنّ الأمر ينجح.
لقد بدأت أفكار وخطط كثيرة تخطر على ذهنه للتّخلّص منها بالفعل، وهو لا يشعر بالرّغبة في مقاومة أيّ منها في هذه اللّحظة.
تنفّس رايدر بعمق يحاول تصفية ذهنه قليلا، يجول ببصره حول المكان من حوله قبل أن يقع بصره على.. حاسوب رافاييل؟
فرصة جيّدة للتّطفّل على المشروع الّذي أخذ عقله بينما يعمل عليه ليلا ونهارا دون ملل.
ألقى نظرة سريعة من خلفه يرى رافاييل لا يزال منشغلا بإطعام هرّته، وذلك سمح له بالاقتراب من الأريكة والجلوس في مكان رافي السّابق، يستجمع جرأته المجهّزة مسبقا قبل أن يمدّ يده نحو الحاسوب يفتحه ويلقي نظرة على محتواه.
هذه اللّعبة الّتي يعمل عليها إذا؟ ليرَ بنفسه محتواها.
لم ينتظر رايدر لحظة أخرى وراح يعبث بحاسوب شقيقه محاولا إشباع فضوله باكتشاف أمر اللّعبة، وقد كانت دقيقتين أو ثلاثا لم يشعر خلالهما بالوقت قبل أن يصله صوت رافاييل الواقف عند باب غرفة الجلوس عاقدا ذراعيه كجدّة مسنّة:
«ما الّذي تفعله؟!»
لم يلقِ الآخر بالا لنبرته الجادّة، إذ كان بالفعل منغمسا في أفكاره حينما أصدر ضحكة قويّة يعلّق بنبرة ساخرة دون أن يزيل بصره عن شاشة الحاسوب:
«رافي، ما هذه اللّعبة السّخيفة!»
تكّ المعنيّ لسانه معبّرا عن يأسه، يرى أخاه وهو يلقي عليه نظرة سريعة قبل أن يعود للعبث بالحاسوب مواصلا سخريته:
«هل تعمل على هذه حقّا؟ ليست مزحة أو ما شابه؟»
ضحك رايدر من جديد يواصل اللّعب وخدمة الزّبائن بلا مبالاة حقيقيّة، وقد كانت قهقهاته تتزايد عند كلّ ظهور لشخصيّة زبون جديدة.
تنهّد ذو الأعين البنّية بقلّة حيلة، يخطو ناحية رايدر بسرعة ليخطف منه حاسوبه المحمول، يرى كيف جعل ذلك رايدر يعود بجسده إلى الخلف مرخيا إيّاه على الأريكة دون أن تنقطع ضحكاته، فيما يسمح لكلماته بالتّسلّل بينها:
«لم أعلم أنّ أخي يملك جانبا أنثويّا!»
«جانب أنثويّ؟»
كرّر المعنيّ وهو يرمش بضع مرّات، محاولا استيعاب ما وصفه به رايدر لتوّه، فيما يرى هذا الأخير وهو يهزّ كتفيه بلا مبالاة رافعا بصره ناحيته، قبل أن يعلّق محاولا شرح منظوره:
«أليست هذه لعبة للفتيات؟»
احتضن رافي حاسوبه بذراع واحدة وكأنّه يحمي عمله بذلك، يهزّ رأسه نافيا وهو يجيب بجدّيّة:
«كلّا، ليست كذلك... لم نحدّد جنسا أو فئة عمريّة لها.»
ارتفع طرف شفاه رايدر في ابتسامة جانبيّة، حيث رفع كتفيه بعدم اكتراث لمرّة ثانية بغية مضايقة الآخر قليلا، ثمّ أردف كأنّ الأمر بديهيّ:
«أيّا يكن، إن لم يكن جانبا أنثويّا فهو حتما جانب لطيف طفوليّ.»
رفع رافاييل حاجبه غير مصدّق لما سمعه لتوّه، يفكّر في أفضل طريقة لإصابة هذا المزعج الّذي أمامه بالإغماء.
أين زرّ إطفاء هذا الشّقيّ؟ هل عليه المجيء ببيانكا الآن حتّى يرسله بعيدا؟
«أكبرك بسبع سنوات... إن كنت أنا طفلا فأنت لم تولد بعد.»
علّق بينما يصفع رأس الآخر بخفّة، يرى كيف هسهس رايدر متألّما وهو يمسح على مكان الضّربة قبل أن يصدر ضحكة مستمتعة.
استفزاز رافاييل ممتع جدّا، يجعله الانزعاج يبدو مضحكا.
سرعان ما حمل وسادة الزّينة الّتي كانت بقربه، يلقيها على شقيقه دون تردّد مستمرّا في مضايقته:
«استسلم للواقع فحسب ولا تجرّني إلى الموضوع.»
استمرّ في الضّحك لثوانٍ معدودة، إلّا أنّه سرعان ما توقّف حالما لاحظ أنّ وضع رافاييل كان غريبا نوعا ما.
راقبه حينما أطلق زفرة عميقة، يدعك عينيه بأصابعه في حين بدا جسده متشنّجا.
ما الأمر؟ هل كان مزاحه ثقيلا جدّا؟ هذا مستحيل، حتّى لو كان كذلك فردّ فعل رافي مبالغ فيه.
«يبدو مزاجك معكّرا قليلا، لم تعد تتقبّل المزاح.»
نبس رايدر معتدلا في جلسته، يثبّت بصره على الآخر الّذي أزاح يده بعيدا عن وجهه، يطالعه بملامح متعبة متذمّرا:
«تسمّي هذا مزاحا؟»
«قمتُ بما هو أسوأ.. بدأت أشعر كأنّك تستعمل هذا غطاءً لتخفي شيئا عنّي.»
لا يمكنه أن يلومه على ظنونه، رافاييل هو من يثير شكوكه بتصرّفاته الغريبة هذه.
بالأمس كان مزاجه جيّدا بالرّغم من أنّه تورّط مع الشّرطة وجرّه لمساعدته، واليوم ينزعج بعد مزحتين صغيرتين؟ فليعد له أحد ما رافي خفيف الدّم.
استمرّ بالتّحديق بشقيقه الّذي فعل المثل قبل أن يهزّ رأسه بقلّة حيلة ويحكم الإمساك بحاسوبه، بينما يلتفت بنيّة تغيير المكان متمتما:
«يبدو أنّ برودة الزّنزانة عبثت بعقلك.»
«اعترف، حدث شيء ما. رأيت ابتسامتك الحالمة ليلة أمس وأنت تحدّق بهاتفك.»
توقّفت قدما المعنيّ عن الحراك فجأة، يشعر برعشة مفاجئة وبرودة تلفح وجهه، وذلك قبل أن يلقي على رايدر نظرة متوتّرة من فوق كتفه مستفسرا:
«أيّ ابتسامة؟!»
رفع الآخر له حاجبيه بالمقابل، كإشارة يحثّه بها على عدم ادّعاء الجهل ناطقا اسمه:
«رافي..»
«رايدر..»
«رافاييل.»
لم يردّ هذا الأخير بعدها، واستمرّ بالتّحديق برايدر الّذي لم يفعل شيئا سوى أن بادله التّحديق منتظرا أن يستسلم هو أوّلا.
رايدر ميرفي لا يستسلم، خصوصا ضدّ رافاييل.
استمرّت جولة التّحديق واستمرّ معها عناد الشّقيقين للحظات قليلة، لم يملّ خلالها أيّ منهما، سوى حينما قرّر رافاييل إنهاء ذلك قائلا بينما يتنهّد باستسلام:
«حسنا، إن أخبرتك فلن تضحك كالأبله، ولن تقاطعني كذلك، اتفقنا؟»
هو متأكّد من أنّ رايدر لن يستجيب لطلبه في كلّ الأحوال، لكن ما الّذي عساه يفعل؟
بالمقابل، اعتلت وجه الآخر ابتسامة رضا خالطها الخبث حينما أومأ مصرّحا:
«جيّد، لم أرك تبتسم اللّيلة الماضية بالمناسبة.»
«ماذا؟»
صاح رافاييل بصدمة فجأة، يفرق شفاهه بغير تصديق وقد اتّسعت حدقتاه. وقبل أن يستطيع قول شيء آخر سبقه الآخر الّذي أردف مغلقا أمامه أيّ باب للاعتراض:
«لن تتراجع بعد اعترافك رافي، اسكب ما بتلك القِدر.»
«سأردّ لك الصّاع لاحقا، انتظر فحسب.»
تمتم بينما يقترب من الأريكة ويجلس عليها، واضعا حاسوبه على سطح الطّاولة من جديد بعدما أغلقه، وذلك قبل أن يهمهم رايدر قبولا ويجيب:
«أجل أجل، تكلّم فقط.»
Flashback
حطّ رافاييل قدمه داخل المركز التّجاريّ، يسير بخطوات ثابتة وكلُّ ما وجّه انتباهه له كان ناتالي الّتي كانت تسبقه ببضع خطوات وإيقاع طرق كعبها يطرب مسامعه.
لم تتلفّظ بحرف منذ أن تركا شقيقتها في السّيّارة.
قد لا تُظهر ذلك متعمّدة، لكنّها تبدو غير مرتاحة بشكل ملحوظ... إن كان هذا صحيحا، فلماذا وافقت على مرافقته؟ كان بإمكانها تجاهله كالعادة، أليس كذلك؟
هذه فرصة ذهبيّة بالنّسبة له، لكن إن كان سيجعلها غير مرتاحة فهذا يجعله غير مرتاح هو الآخر.
لن يناسبه أن تفكّر فيه كطفيليّ مزعج.
آه، الصّراع بين رغبته في الاقتراب وخوفه من تعدّي حدوده يرهق عقله كثيرا.
أخذ نفسا عميقا يجهّز نفسه، ثمّ خطى بسرعة أكبر ليصبح بجانبها تماما يحمحم مخاطبا إيّاها بنبرة ودودة:
«ما الّذي ستشترينه آنسة هارفي؟»
لم تبد ناتالي أيّ ردّ فعل سوى أنّها ألقت عليه نظرة سريعة من طرف عينها، تجيب بنبرة جافّة:
«بعض الأغراض.»
«قصدت أيّ نوع منها؟ حتّى نختار أيّ محلّ ندخله.»
أردف موضّحا مقصده، لتتوقّف ناتالي فجأة عن السّير، تجعل من رافاييل يفعل المثل بينما يطالعها باستغراب، يرى كيف التفتت نحوه بهدوء ترفع عينيها لتلتقيا بخاصته قبل أن تعدّل من وضع حقيبتها على كتفها قائلة بنبرة حياديّة:
«لماذا لا تبحث عمَّا تريده أوّلا، سيّد ميرفي، حتّى أتجوّل براحتي بعدها. لتتقدّم أمامي.»
رمش المعنيّ مرّتين يبادل بصره بين وجهها ويدها الممدودة ناحية الأمام تشير له ليسبقها، قبل أن يلوّح بيديه مبرّرا:
«كلّا، لم أقصد ذلك. يمكنك التّسوّق على راحتك أولا فأنا لستُ مستعجلا، آسف»
«تفضّل سيّد ميرفي، أنهِ تسوّقك قبلي»
قالت دون أن تلقي بالا لكلامه، تجعله يتنهّد بخفّة ويومئ بقلّة حيلة، ليتقدّمها قليلا محاولا عدم ترك مسافة كبيرة جدّا بينهما. وقد كان يلقي بين اللّحظة والأخرى بأعينه نحوها يتأكّد من أنّها غير منزعجة.. والأهمّ، أنّها لا تزال هنا.
من يدري ما الّذي يدور بذهنها الآن؟ ربما تفكّر في المغادرة من دون أن يلاحظ.
وربّما لا..
دخل محلّ بقالة، يأخذ إحدى السّلال الموضوعة جانبا، ويسارع في جمع بعض الأغراض، قبل ان يضعها بداخلها.
مجرّد خضر منوّعة، جبن، وتفّاح.
لن يطيل التّسوّق، سيأخذ هذه فقط حتّى يترك متّسعا من الوقت لناتالي ولا يرهقها بانتظاره.
ألقى نظرة عليها، يراها تبحث بين السّلع المعروضة عمّا تحتاجه، تضعها في سلّتها غير ملقية بالا لأيّ ممّا حولها.. ولا حتّى هو.
يمكنه توقّع أنّها قد لا تلاحظ لو غادر هو وتركها بمفردها.. بل مؤكّد أنّها لن تفعل.
أيّ جهد يبذله رجل لامرأة هو يدرك أنّ عليه بذل الضّعف لناتالي.. أو الضّعفين ربّما.
لكنّها تستحقّ ذلك.. أجل، إن كانت جهوده ستؤتي ثمارا فالأمر يستحقّ العناء.
استمرّ في مراقبتها لبضع لحظات تختار بعض الفواكه، يستجمع شجاعته قبل أن يتقدّم منها قائلا بابتسامة:
«ناتالي، هل تحتاجين مساعدة؟»
سحبت المعنيّة كيس فراولة تضعه في سلّتها، قبل أن تلتغت نحو رافاييل تطالعه بنظرات غير ودودة إطلاقا.
ما الأمر؟ ألم يكن عليه عرض المساعدة أم-
مهلا، لقد فهم المشكلة..
صفع رافاييل جبينه بخفّة يستوعب سبب نظراتها العدوانيّة.. لقد قال ناتالي.
أنت أحمق رافي.
«أ-آنسة هارفي.. آسف، زلّة لسان.»
تمتم مستدركا خطأه بينما يفرك مؤخّرة رأسه بتوتّر، يراها تستمرّ في النّظر إليه بصمت.
هذا محرج جدّا..
«أحضر قنّينة حليب فقط.»
تمتمت بهدوء بينما تعود لاختيار الفواكه مزيحة بصرها عنه. وقد توقّف العالم عن الدّوران بالنّسبة له للحظة.
هل قبلت مساعدته حقّا؟ هذا رائع!
«حاضر.. أ-أقصد سأعود بسرعة.»
تمتم على عجلة بينما يبتعد عنها قاصدا المبرّد.
سارع بفتحه حالما وصل له، يسحب قنّينة حليب ويعود إلى مكانه السّتبق بحثا عن ناتالي.
لحسن الحظّ أنّها لم تبتعد.
اقترب ناحيتها حيث كانت في قسم اللّحوم، تقف أمام الثّلاجة محاولة اختيار ما ستأخذه.
وقف قربها ثم تمتم محاولا عدم إفزاعها:
«آنسة هارفي، أحضرتُ الحليب.»
ألقت عليه المعنيّة نظرة من فوق كتفها، تراه يمدّ لها القنّينة بينما يثبّت عينيه عليها.
أخذتها منه تضعها في سلّتها بينما تعود لاختيار اللّحم قائلة:
«شكرا.»
وتقول شكرا كذلك؟ هل هذه ناتالي حقّا؟
استطاع الشّعور بدغدغة في معدته إثر ذلك، ولم يقدر على كبح الاببتسامة المتّسعة الّتي اعتلت وجهه.
«لم أجد ما أريده، سأذهب لدفع الحساب.»
قطعت سكون لحظات سعادته بتلك العبارة، تتخطاه متّجهة صوب مكتب الدّفع، يتبعها هو قائلا:
«انتهيت من التّسوّق، انتظريني.»
سار بجانبها يخطف منها سلّتها مردفا:
«تبدو ثقيلة، دعيني أحملها حتّى نصل المكتب.»
لم تردّ عليه الأخرى، تلقي عليه نظرة سريعة قبل أن تركّز أمامها تواصل السّير بهدوء.
سارع الاثنان بالدّفع ومغادرة المحلّ، يسيران عبر المركز التّجاريّ دون أن يتفوّه أيّ منهما بحرف.
تردّد رافاييل قليلا، يفكّر في ما إذا كان عليه كسر الصّمت أم لا، وحينما كان على وشك الحديث سبقته الأخرى حينما نطقت بهدوء:
«قلت أنّك انتهيت من التّسوّق، سيّد ميرفي، لذا أرجو أن تدعني أتسوّق بارتياح. يمكنك المغادرة إن أردت.»
قالت "إن أردت".. هذا يعني أنّها لا تطرده، وبالتّالي سيبقى. من السّاذج الّذي قد يضرب بفرصة كهذه عرض الحائط أصلا؟
«لا أملك ما أفعله، سأرافقك بصمت فقط. لن أكون مصدر إزعاج.»
همهمت ناتالي بهدوء ثم نبست قائلة:
«جيّد.»
End Of Flashback
«لا أفهم، أنت سعيد لأنّك رافقتها رغم أنّها لم تلتفت لك أم لأنها طلبت منك إحضار الحليب؟»
تساءل رايدر باستغراب يرى ابتسامة رافي الحالمة تسقط بينما يلقي عليه وسادة الزّينة متذمّرا:
«اخرس رايدر، لا تسخر منّي.»
قهقه الآخر باستمتاع يبعد عنه الوسادة مجيبا إيّاه:
«حسنا حسنا.»
هزّ رافاييل رأسه بقلّة حيلة، يرفع بصره للأعلى متمتما بحيرة:
«لكنّي لا أعلم لحدّ اللّحظة إن كانت إيلينور فعلت ذلك متعمّدة أم لا.»
جعّد رايدر أنفه بانزعاج فور أن نطق اسم إيلينور، وذلك فقط جعله يفكّر بالأمر لبضع ثوانٍ.
الموضوع بينهما أخذ أكبر من حجمه حقّا، وبات مزعجا جدّا.
هل هناك موضوع بينهما من الأساس؟
مدّ أصابعه إلى خصلاته السّوداء يخلّلها بينها ويبعثرها محاولا بذلك نفض تلك الأفكار، وذلك قبل أن يردف محاولا إبقاء موضوع الحديث بعيدا عن عسليّة الأعين:
«إذا أفهم من هذا أنّك واقع في حبّها.»
رمش صاحب الأعين البنّية مرّتين يستوعب ذلك السّؤال، لتتّسع حدقتاه بتفاجئ يزيح بصره ناحية رايدر.
ما الّذي عليه أن يجيبه به الآن؟ لو أكّد ذلك له فلن يغلق فمه مطلقا.. وفي الوقت ذاته يستصعب التّلفّظ بكلمات تنكر مشاعره تّجاهها.
تنهّد بثقل يفرك أصابعه ببعضها بتردّد. ورغم أن رايدر قد حصل على إجابته بالفعل بعد ملاحظته ذلك إلّا أنّه استمرّ في انتظار ما سيقوله رافاييل الّذي بدوره أردف مستسلما وكأنّ لا خيار آخر لديه:
«لم أكن أوّد الاعتراف لك، لكن أجل، يبدو أنّني كذلك.»
لن يحبّها حقّا لو لم يستطع الإقرار بذلك بكلّ ثقة، أليس كذلك؟ هذا ما كان عليه فعله، ولن يندم.
«هذا يفسّر مزاجك المعكّر. لابدّ وأنّك تشتاق لها ووجودي أصبح يزعجك لأنّك تريدها مكاني.»
علّق رايدر ساخرا من شقيقه، يلفّ ذراعه حول عنقه ويسحب ناحيته هذا الأخير الّذي حاول دفعه بعيدا قبل أن يخنقه ملقيا بتساؤله:
«ومن أين جئت بهذا الاستنتاج أيّها العبقريّ؟»
بدا وكأنّ الآخر لم يسمع تلك الكلمات، أو بالأحرى تجاهلها متعمّدا، حيث واصل الإلقاء بعباراته المزعجة دون مبالاة:
«أشفق عليها، ستعلق مع شابّ يحبّ الألعاب الأنثويّة.»
«لا أحبّ الألعاب الأنثوية، صناعتها ولعبها أمران مختلفان!»
هتف رافاييل يبرّئ نفسه للمرّة الألف، يحرّر عنقه من قبضة رايدر قبل أن يردّ عليه هذا الأخير دون أن يأخذ كلامه على محمل الجدّ:
«عليّ إنقاذها قبل أن تعلق معك، سأخبرها أن تبتعد عنك.»
ضحك رايدر بسخرية في نهاية كلامه، لكنّ رافاييل لم يفعل المثل مطلقا ولم يتجاوب معه. بل بدا بأنّه كان قد غرق فجأة في تفكيره.
ها قد أتت الحقيقة لتصفعه فجأة.. تعلق معه؟ حاليّا الحلم بذلك هو رفاهيّة بالنّسبة له.
فرصه ضئيلة لدرجة تجعلها تنافس احتمالات استقامة رايدر وتحسينه سلوكه.
شبه منعدمة.
كيف يخبره أنّه لن يحتاج إخبارها حتّى تبتعد عنه؟ كيف يخبره عن حجم المسافة الّتي بينهما حتّى حينما يقف على بعد إنشات منها؟
«هي بعيدة بالفعل، لا تقلق.»
تمتم رافاييل بخفوت يحدّق بقدميه ويدفع خصلاته البنّية إلى الخلف محكما إمساكها، فيما يصدر تنهيدة مثقلة جاعلا رايدر يعقد حاجبيه بغير فهم، يردف مستفسرا:
«ما الّذي تق-»
«ألم تكن ذاهبا للنّوم؟»
قاطعه رافاييل متسائلا بهدوء. يميل برأسه للجانب قليلا وقد بدا بأنّه يطلب منه المغادرة بطريقة غير مباشرة.
لقد كان وضع التّفاهة لديه مفعّلا قبل لحظات، فلماذا خمدت طاقته هكذا فجأة؟ ما الّذي جرى له بهذه السّرعة؟
«هل تطردني؟»
تساءل رايدر محاولا التّأكّد ممّا إذا كان الّذي أصاب أخاه تعبا مفاجئا أم شيئا آخر يجهله، وقد تأكّد من صحّة الخيار الثّاني حينما أجابه رافي قائلا:
«لا، ولكنّي أريد إنهاء عملي بسرعة حتّى أطبخ العشاء.»
كيف يجرؤ على صرفه بعيدا بهذه الطّريقة؟
«ستأكل من دوني؟»
ارتسمت على شفاه رافاييل ابتسامة خافتة، بدا وكأنّه أجبر نفسه عليها، ومال برأسه للجانب قليلا قبل أن يردف متسائلا:
«ألم تكن من قرّر أنه يريد النّوم مبكّرا؟ مبكّرا جدّا؟»
راقب رايدر حال شقيقه لبضع لحظات.
حسنا، هو بالغ ويمكنه التّعامل مع مشاكله بمفرده بما أنّه لم يشاركه إيّاها. لم يعد له دخل بالأمر، فليس مهرّجه الخاصّ ليضحكه في كلّ وقت.
«هراء.»
لم ينتظر رايدر ثانية أخرى واستقام من مكانه مباشرة، يتخطّى رافاييل ويواصل طريقه إلى غرفة النّوم.
لم يكن ينوي تناول العشاء، لكن أين حسّ مسؤوليّة الأخ الأكبر؟ كان عليه سؤاله مجدّدا عمّا إذا كان جائعا حتّى ولو كان سيرفض الأكل في كلّ الأحوال.
لم يغيّرا موضوعهما لذا سبب تغيّره المفاجئ واضح تماما ولا يحتاج دقّة ملاحظة.
تلك الآنسة بدأت تسلب عقله حقّا.. مغفّل. كان بإمكانه تغيير الموضوع بدل صرفه بهذه الطّريقة الرّخيصة.
«رايدر، لحظة.»
توقّف مكانه فجأة حالما ناداه الآخر، يعود للالتفات نحوه قبل أن يسمعه يواصل:
«دخلت حجرة التّخزين قبل قليل بحثا عن شريحة ذاكرة للحاسوب، لكنّي نسيت إغلاقه بسبب استعجالي. المفتاح فوق هذه المنضدة لذا أغلقه من أجلي.»
لم ينطق رايدر بحرف، بل اكتفى بالعودة إلى الخلف يلتقط المفاتيح بينما يسمع رافاييل يضيف:
«وتأكّد من أنّ كلّ شيء في مكانه، أخبرتك أنّي كنت مستعجلا ولم أتفقّد شيئا قبل خروجي.»
«فهمت فهمت، لا داعي للإصرار.»
أكّد له بهدوء بينما يقود أقدامه إلى حيث غرفة التّخزين، يقف عند بابها المفتوح للحظة مفكّرا.
مرّ وقت طويل منذ آخر مرّة دخل فيها هذه الغرفة، هل غيّر رافي شيئا فيها يا ترى؟
لم يتردّد في التّقدّم إلى الدّاخل، بالرّغم من أنّه لم يكن يخطّط لذلك، ليصفع الباب خلفه ويمسح بنظره الغرفة الصّغيرة الّتي كان داخلها، يمرّر عينيه على كلّ شيء من حوله.
شعور غريب.. هذا المكان يحمل بداخله كلّ ما تبقّى له ولرافاييل من طفولتهما.
مضى وقت طويل منذ آخر مرّة سمح فيها لنفسه بالعودة بذهنه للماضي. كان فتى مختلفا حينها.. مجرّد طالب مدرسة إعدادية غبيّ.
أيّام الضّعف تلك تصنّف كأسوأ فترات حياته بلا منازع.
تقدّم أكثر من الصّناديق المبعثرة، يقترب من أحدها الّذي تُرك مفتوحا رغبة في اكتشافه.
سيفيد هذا في إنعاش ذاكرته المتحجّرة.. ليته يجد صورا مضحكة لرافي.
سحب الصّندوق يضعه عند قدميه، ليجلس أمامه عاقدا ساقيه، ثمّ يشرع في البحث بين الأغراض الّتي احتواها.
أزياء رسميّة قديمة، دفاتر مدرسيّة، وأكياس وجبات خفيفة؟
ما الّذي تفعله هذا القمامة هنا؟ هل أصبحت الذّكريات تُحفظ بأكياس رقائق البطاطا وأغلفة الحلوى؟ هذه مزحة حتما.
دفع رايدر بتلك الأغراض جانبا، يواصل البحث، ولم يبدُ أنّه استطاع أن يجد شيئا قيّما.. شيئا يمكنه وصفه بذكرى حقيقيّة.
دفع رايدر بالصّندوق بعيدا راكلا إيّاه بقدمه، يستقيم من مكانه ويعود لكومة الصّناديق ليأخذ واحدا آخر يجلس واضعا إيّاه أمامه تماما كالّذي قبله.
أزال عنه الغطاء يكشف عن محتواه، ولم يكن به شيء مبهر.
«تعلّق رافاييل المَرضيّ بالماضي مخيف جدّا.»
تمتم لنفسه بخفوت بينما يبحث داخل الصّندوق على أمل إيجاد شيء مثير للاهتمام.
كلّ ما وجده لحدّ اللّحظة يستحقّ الذّهاب في رحلة إلى حاوية القمامة مباشرة.
توقّف رايدر عن التّقليب في الصّندوق فور أن التقطت عيناه لونا أحمر فاقعا بين الأغراض، ولم يتردّد في سحب تلك القطعة يخرجها منه.
قبّعة والدته الحمراء الشّتوية.. لا يعقل أنّ هذه لا تزال موجودة.
فرق شفاهه بدهشة يرفعها أمام وجهه ويمسحها بعينيه.
لا يزال يخزّن في ذاكرته لمحات حول كيف كان يأخذها منها ويدفّئ بها رأسه في البرد. لابدّ وأنّ هناك صورة ما إن لم تخنه ذاكره.
ألقى بالقبّعة جانبا وعاد للبحث مجدّدا داخل الصّندوق على أمل أن يجد ما يريده، ولم يطل الأمر حتّى استوقفت نظره مجموعة من الصّور المقلوبة على وجهها، يلفّها رباط مطّاطي.
التقطها بسرعة، يزيل الرّباط عنها ويتصفّحها الواحدة تلوَ الأخرى مكتفيا بنظرات سريعة على كلّ منها.
صورة له ولرافي في أوّل يوم مدرسيّ، صورة عائليّة لثلاثتهم، وصورة له وهو مستلقٍ على الأرض يشاهد التّلفاز.
يكاد لا يتعرّف على نفسه، لقد تغيّر شكله قليلا.. بل كثيرا.
تأمّل تلك الصّورة لثوانٍ إضافيّة، قبل أن ينتقل للصّورة الّتي تليها، يجدّ نفسه يتوقّف عندها للحظات تلقائيّا.
كانت صورة فرديّة لبيانكا، تجلس أسفل شجرة ما بابتسامة تشقّ وجهها. ترتدي ثيابا ربيعيّة حمراء اللّون، وتحمل بين يديها دفترا مفتوحا على صفحات فارغة، استقرّ فوقه قلم أسود.
وقد كانت جميلة.. ليس جمالا صاخبا وإنّما جمال هادئ.
هادئ وكأنّها ليست نفس المرأة الّتي كانت تشعل المنزل كلّ حين بنوبات غضبها المفاجئة.
حتّى لا يظلمها، أمّهما لم تكن سيّئة حقّا.. لقد ربّت طفلين بمفردها دون زوج يساعدها وكانت أمّا وأبا في الوقت ذاته، وهذا كثير ليتحمّله أيّ إنسان.
لكنّها لم تستطع ملأ الفراغ مهما حاولت.
لم تلعب دور الأم كاملا، ولا دور الأب دون تقصير. وهو يعلم بأن الأمر كان صعبا عليها.
لذلك لا يراها كأمّ سيئة، ولا جيّدة كذلك. وإنّما أمّ ناقصة.. ناقصة جدّا وليست أمّا مثالية.
رافاييل يشاطره الرّأي قليلا في هذا، إلّا أنّه وعلى عكسه متعلّق بها بشدّة، أكثر منه، ولحدّ اللّحظة.. يبرّر التّصرّفات الغريبة الّتي كانت تقوم بها من حين لآخر بكونها آثارا للأذى النّفسيّ الّذي سبّبه لها طليقها.
حسنا، قد يكون محقّا وقد لا يكون.. كان قريبا منها جدّا ويعلم أكثر منه.
لكنّ المؤكّد له هو أنّ خطر تأثيرها عليه الآن أشدّ من تأثير ذلك الرّجل عليها.
جدّيّا! من المجنون الّذي يسمّي قطّة على اسم والدته الرّاحلة؟ قطّة وليس ابنة حتّى!
حدّق بالصّورة لفترة أطول بعد، يشبع نظره بتفاصيلها.
شعر ببرودة خفيفة تلفح صدره وتزداد كلّما أطال النّظر أكثر، تجعل يده تستقرّ على جهة قلبه يفرك تلك المنطقة ببطء.
على من يكذب؟ هو يشتاق لها.. يشتاق للطّفل الصّغير الّذي كان عليه قبل وفاتها وقبل أن يختبر قساوة العالم.
مهما كره تقصيرها فإنه لم يكن يقارن بتقصير العالم تّجاهه.. تجاههما.
مهما دفع ذكرياته بعيدا فإنّ بعضها لمن الصّعب أن يُمحى. موتها لم يسلبهما إيّاها فقط، بل سلبهما كذلك الأمان بغياب من يدافه عنهما.
كمعاناة رافاييل أثناء محاولته للتّوفيق بين الدّراسة والعمل بعد رحيل والدتهما لأجل التّكفّل بكليهما بسبب الكبار.
نفس الكبار الّذي يُقال أنّهم من يجدر للأطفال أن يلجؤوا لهم عند الضّيق، يجعلون من حياة الّذين لا يمتلكون من يتكفّل بهم أصعب ممّا هي عليه بالفعل.
نفس الكبار الّذين مثلما يظلمون أطفالا مثل رافاييل في كمّيّة المهام والأجر الضّئيل، يتجاهلون أطفالا مثله حينما يجدونهم بلحظات ضعف محتاجين للمساعدة.
معلّمون، أولياء أمور، وحتّى أشخاص عشوائيّون يتجوّلون في الأرجاء.. لا أحد منهم يهتمّ. لا أحد منهم يتحمّل المسؤوليّة. ولا أحد منهم يتصرّف كبالغ عاقل حقّا.
وبقدر ما كان يحقد على أولئك النّاس بقدر ما يدرك أنّ الضّربات المؤلمة هي الّتي صقلته وجعلته يُخرج أفضل نسخة من نفسه.
جعلته رايدر الّذي يملك الشّجاعة لتحدّي أيّ أحد دون تفكير، بدلا من رايدر الّذي يخاف من قول اسمه للغرباء خشية أن يتعرّف عليه أحد.
نسخة أكثر قوّة منه. نسخة تعرف كيف تكون متيقظة على الدّوام. شخص يخفي اكتراثه للأمور، ويطمر مشاعره الحقيقيّة خلف قناع اللّامبالاة.
لأنّه في النّهاية، من يعلم بما يؤلم غيره يعرف كيف يؤذيه. ولعلّ إخفاء نقاط الضّعف كان نوعا من القوّة بحدّ ذاته.
ربّما هذا ما علًمه ألّا يثق بالكلمات فقط. فهناك ما هو أصدق منها وأكثر أمانا.. حدسه.
وقد أصبح يؤمن مع الوقت بأنّ الحدس ليس موجودا للتّضليل بقدر ما هو موجود للحماية.. في مرحلة ما يدرك الإنسان أنّ عليه أن يتبعه حين يتعلّق الأمر بالنّاس. إن لم يشعر بالرّاحة حولهم فهم ليسوا آمنين له.
هكذا تتقلّص الدّائرة ليبقى من يستحقّ فقط، وهذا هو الصّحيح.
رافاييل، أوستن، وآريس أحيانا.. هؤلاء هم دائرته حاليّا. الدّائرة الّتي لن يفكّر مرّتين قبل إرخاء دفاعاته فيها.
ما عدا ذلك يقرّره حدسه.
رمش رايدر مرّتين بفزع حالما شعر بوخز في عينيه، يمسحهما بسرعة قبل أن تجرؤ أيّ قطرة على التّسرّب منهما.
منذ متى تتصرّف عيناه هكذا؟
لم يلقِ بالا للأمر أكثر، يمسحهما مجدّدا فيما يفكّر للحظة قبل أن يقرّر الاحتفاظ بالصّورة الّتي كانت بيده يسارع لدسّها داخل جيبه، وإعادة البقيّة الّتي ربطها بالمطّاط من جديد يلقي بها داخل الصّندوق.
بعثر الأغراض من جديد حتّى تسع جميعها بداخله، ثمّ أغلقه بإحكام يعيده إلى مكانه، يفعل المثل مع الصّندوق الّذي سبقه.
يكفي ذكريات لليوم.. بل يكفي ذكريات للأبد، الأمر مزعج جدّا، ولم يجد رغم ذلك ما كان يبحث عنه أو ينوي رؤيته أصلا
آخر ما يريده هو العودة إلى فترة الّتي لم يصدّق أنّه فرّ منها وتخطّاها، لذا ما سيفعله الآن هو أنّه سيغادر الحجرة ويغلق الباب خلفه بإحكام، ثمّ يعيد المفتاح لرافي ويطلب منه إخفاءه في مكان يستحيل أن يجده فيه عمدا أو صدفة.
حينها فقط سيستطيع دخول سريره والخلود للنّوم كأنّ شيئا لم يكن.
حينها فقط.
ألقى نظرة من حوله يتأكّد أنّه لم ينسَ شيئا، ثمّ خطى إلى خارج المكان يصفع الباب خلفه كأنّه يظهر له مدّى مقته له، وذلك قبل أن يوصده بواسطة المفتاح ويترك المكان متّجها نحو المطبخ حيث يوجد رافاييل.
سوف ينسى أنّه دخل هذا المكان اليوم، من أجل صحّته العقليّة.
_aerithra_