____________________________________________
في الصّفّ، كانت إيلينور تجلس في المقاعد الأخيرة كعادتها.
كانت تدوّن الملاحظات و تتابع شرح البروفيسور بتمعّن إلى أن وقعت أعينها عليه صدفة.
رائع! وضعيّة مثاليّة.
كان جالسًا ينحني بظهره قليلا، لكن بطريقة جذّابة جاعلا من شعره الأسود ينسدل على جبهته بشكل غير مرتّب رافضا أن يثبت مكانه. مرفقه على سطح الطّاولة بينما ذقنه يستقرّ على كفّ يده، و قدماه متقاطعتان تحت الطاولة.
لم تستطع هي منع نفسها من حمل القلم و الدّفتر اللّذين كانا موضوعين مسبقا على حافّة المنضدة تحسّبا لحدوث هذا.
فتحت دفترها الخاصّ به متخطّية عشرات الرّسومات الّتي كانت تعود له في مختلف الأماكن و الوضعيّات إلى أن وصلت لصفحة فارغة حيث بدأت تركّز على عملها متناسية البروفيسور الّذي كان لا يزال يشرح درسه.
اختفت كلّ الأصوات داخل ذهنها فور أن صبّت كلّ تركيزها عليه هو فقط.
كانت تنقل بصرها بين الورقة و رايدر باستمرار تخطّ على الدّفتر بكلّ تركيز و عناية بينما ترتسم على شفتيها ابتسامة إعجاب و رضا.
كان يبدو غير مكترث و غير مدرك لما يجري حوله و هو يراقب البروفيسور بأعينه الدّاكنة بكلّ هدوء.
نسخت بقلمها خط شعره الذي ينحدر إلى جانبه بشكل عشوائي. ثم يده رايدر المرفوعة على الطاولة و كأنّه يحمل شيئا ما. و واصلت هكذا تجسّد ما تراه شيئا فشيئا.
الأجزاء الأولى من عملها كانت بعيدة جدّا عن كونها مجرد رسم طبيعيّ لرايدر في تلك اللحظة.
كانت تحاول أن تجسّد أكثر من مظهره حتّى تشعر بنفس ما شعرت به الآن و هي تحدّق به.
حاولت بدقّة تجسيد كلّ تفصيل يحمل مشاعر معه و يمنح الصّورة واقعيّة أكبر.
ذلك التوازن بين الاسترخاء والتوتر الذي كان يشع منه دون أن يحاول إخفاءه.
لربّما كان يخطّط لشجار ما بعد انتهاء الحصّة، من يدري؟
لكن، رايدر؟ يتوتّر لأجل شجار؟ هذا مستحيل.
من الممكن أنّ لمحة التوتّر تلك صادرة عن شعور الحماسة لأجل ذلك فقط.
كانت مندمجة مع ما تقوم به لدرجة لم تلتقط أيّا ممّا كان يقوله البروفيسور طيلة عشر دقائق كاملة سوى الكلمات الأخيرة الّتي تلفّظ بها:
«و الآن، ستتفضّل الآنسة هارفي إلى اللّوح و تقوم بالإجابة على هذا السّؤال بناء على ما كنت أقوله قبل لحظات»
سحقا...هي لا تعلم ما الّذي كان يقوله إطلاقا.
«أنا؟»
نطقت بشكل لا إراديّ و هي تشير ناحية نفسها بسبّابتها، ليصلها صوت البروفيسور الّذي علا بأحد حاجبيه:
«لا أعلم. هل هناك فتاة أخرى تحمل اسم هارفي غيرك هنا؟»
لم تردّ إيلينور على ذلك و اكتفت بإلقاء نظرة خاطفة على البقيّة لتجدهم ينظرون لها كما هو متوقّع.
لماذا يحبّون إحراج الآخرين بالنّظر لهم هكذا؟
وقعت أعينها بعدها على رايدر الّذي كان يجلس مكانه ملتفتا ناحيتها و يحدّق كالبقيّة بانتظار إجابتها.
لقد غيّر من وضعيّة جلوسه. ما يعني أنّ رسمها قد تمّ إفساده.
مرّة أخرى..
ابتلعت ريقها ببطء و استقامت من مكانها بهدوء لتتقدّم من اللّوح تحت نظرات الجميع بما فيهم المعلّم الّذي كان يناظرها بحاجب مرفوع.
هي تراهن على أنّه يشكّ في قدرتها على الإجابة بشكل صحيح.
من سيلومه على أيّة حال؟ من المؤكّد أنّه لاحظ شرودها أثناء شرحه.
وقفت أمام البروفيسور و رفعت رأسها متظاهرة بالثّقة قبل أن تردف بهدوء:
«أيّ سؤال سأجيب عنه سيّدي؟»
رمش المعلّم بتفاجئ من تصرّفها غير المتوقّع. ثمّ حمل قلما و كتب بسرعة شيئا ما على اللّوح.
ثوانٍ قليلة حتّى تراجع خطوتين إلى الخلف و مدّ لها القلم بينما يقول بصرامة:
«هذا ما ستجيبين عنه»
عضّت إيلينور على وجنتيها من الدّاخل بتوتّر و استدارت ناحية اللّوح تحدّق بالسّؤال بحيرة.
«هل تمانع لو فكّرت قليلا؟ أيمكنك أن تصبر عليّ لبضع دقائق؟»
تساءلت بإحراج ليجيبها فورا و هو يرفع كتفيه بعدم اهتمام:
«لا يهمّ ما دمتِ ستجيبين في نهاية المطاف. لقد انتهى درس اليوم على أيّة حال»
همهمت بتفهّم و هي تهزّ رأسها قبولا قبل أن تعيد نظرها إلى السّؤال أمامها.
"كيف يفسر سقراط مفهوم الفضيلة؟"
صحيح أنّ تخصّصها هو الفلسفة، و لكن ما شأنها بوجهات نظر أشخاص موتى كانوا يقضون يومهم في الثّرثرة و التّفكير الزّائد؟
لماذا عليها الآن أن تتعرّض للإحراج بسبب ذلك؟
وقفت كالجاهلة أمام تلك العبارة المكتوبة تحدّق بها بحيرة.
كان السّكون يعمّ القاعة عدا بعض همسات الطّلّاب. و صوت ما صدح في المكان فجأة من دون مقدّمات:
«ألم يقل بأن الحكمة تبدأ عندما ندرك أننا لا نعرف شيئًا؟»
الصّوت مألوف..
مألوف جدّا و يستحيل ألّا تعرفه..
تلك البحّة المميّزة يستحيل أن يمتلكها غيره..
استدارت بجسدها بالكامل صوبه لتراه يجلس بتكبّر و يوجّه أعينه الحادّة ناحية البروفيسور الّذي لم يبدو سعيدا بكلامه.
«سيّد ميرفي، لا أظنّني طلبت منك الإجابة»
اعتدل رايدر في جلسته و أشار بسبّابته للمعلّم ثمّ نطق بعدم اكتراث:
«و متى أجبتُ أنا؟ لقد طرحت عليك سؤالا»
استغلّت إيلينور تلك الثّواني القليلة لصياغة إجابة مناسبة قبل أن تكتبها بسرعة ثمّ تتراجع قليلا للخلف قائلة:
«لقد انتهيت سيّدي»
أشاح البروفيسور ببصره بعيدا عن رايدر و وجّهه صوب اللّوح يدقّق في جواب إيلينور.
"سقراط يربط الفضيلة بالمعرفة، ويعتقد أن الإنسان الجاهل لا يمكن أن يكون فاضلًا حقًا"
كان ذلك جوابها. و لم يبدُ المعلّم سعيدا أبدا بما رآه، فقد التفت مجدّدا موجّها بصره ناحية ميرفي يرمقه بنظرات استنكار قبل أن ينطق مخاطبا هارفي:
«يمكنك العودة مكانك هارفي. جوابك صحيح، و آمل أن تركّزي أكثر في المرّة القادمة حتّى لا تحتاجي لأيّ تلميحات»
استرقت المعنيّة نظرة خاطفة على رايدر لتجده يشيح بوجهه بعيدا عنهم يحدّق صوب الجدار بجانبه مبديا عدم اهتمامه بما يحدث، ثمّ عاودت النّظر للبروفيسور و أومأت بخفّة قبل أن تسير بهدوء عائدة لمكانها.
.
.
༺༺༺༺༺༺༻༻༻༻༻༻
.
.
في طريقها للكافيتيريا، كانت إيلينور تحمل أحد دفاتر رسمها و تقلّب بين صفحاته.
لم يكن هذا الدّفتر المخصّص لرايدر، بل واحد آخر تستعمله لرسم الأشياء الّتي تصادفها و تنال إعجابها.
كانت تسترجع به ذكرياتها قبل ذلك اليوم الّذي لمحت فيه رايدر لأوّل مرّة و شدّ مظهره انتباهها.
كان ذلك في بداية السّنة الأولى لهم في الجامعة، و الآن هم في السّنة الثّالثة. راقبته لثلاثة أشهر إلى أن تأكّدت من أنّه يجسّد كلّ ما يثير اهتمامها بطريقة فنّيّة.
و لم تتردّد قطّ في بدء رسمه بعد ذلك، لدرجة كادت تنسى هذا الدّفتر الّذي تحمله في يدها و الّذي كانت آخر مرّة استعملته فيها هي اليوم الأخير قبل أن تخالجها تلك الرّغبة في رسم فتى الفوضى.
أغلقت الدّفتر فور أن دخلت من باب الكافيتيريا و مرّرت أعينها بسرعة حول المكان بحثا عن صديقتها.
"لوسيا ريد"
جالت ببصرها تلمح جميع الوجوه الموجودة إلى أن وقع بصرها عليه صدفة.
كان رايدر يقف هناك في الزّاوية مستندا على الجدار و حوله رفاقه.
كان يمسك بيده شيئا ما و يتفحّصه بهدوء. بدت كورقة ما، و قد بدا غير مكترث إطلاقا بأحاديث البقيّة و ضحكاتهم المتعالية.
كان يبدو جذّابا بشكل مفرط بهيأته هذه. و هالة الفتى السّيّء حوله كانت تشعّ بشكل يعمي الأبصار.
شعره الأسود مبعثر بعشوائيّة. قميصه الأسود كان يغطّي الجزء العلويّ من بنطاله الرّياضيّ الّذي ماثله في اللّون، و على عنقه كانت تستقرّ سمّاعات رأسه مع قلادة فضّيّة تحيطه و تتدلّى على صدره.
و لم تدرك هي بأنّها كانت تقف هناك شاردة به سوى عندما وصل مسامعها صوت أنثويّ مرتفع:
«لينو، أنا هنا!»
انتقل بصرها ناحية مصدر الصّوت لتلمح فتاة ذات بشرة قمحيّة اللّون بنمش خفيف على وجهها، تمتلك شعرا أسودا طويلا مربوطا على شكل ذيل حصان و أعينا زرقاء داكنة تجلس على أحد الكراسي و تلوّح لها.
لوسيا...
شعرت بتوتّر مفاجئ و وجدت نفسها تلوّح لها بالمقابل و تبتسم بخفّة قبل أن تسترق نظرة سريعة على رايدر.
سرت رعشة خفيفة في أنحاء جسدها فور أن وجدته يصوّب أعينه ناحيتها. لكنّ ذلك لم يدم طويلا فسرعان ما أعاد أعينه للورقة بيده و كأنّها لا شيء يذكر.
لم تكترث إيلينور لذلك، فهي من الأساس لا تهتمّ لأمره بشكل عاطفيّ. و لكنّها شعرت بعدم الارتياح لأنّها كرهت ملاحظته لوجودها، لأنّ ذلك قد يتسبّب مستقبلا باكتشافه لرسومها. و هذا أمر لن تتمنّى حدوثه حتّى لألدّ أعدائها.
نفضت عن رأسها كلّ تلك الأفكار الّتي كانت تراودها ثمّ سارت بهدوء ناحية الطّاولة أين كانت تجلس لوسيا و سحبت كرسيّا بجانبها لتجلس عليه.
«كيف الحال لينو، لقد اشتقت لكِ يا فتاة»
نبست لوسيا مبتسمة و هي تمنح إيلينور نظرات ودّيّة، لتجيبها الأخرى بينما تربّت على كتفها ممثّلة الأسى:
«و ما ذنبي أنا إن كان دوامك قد انتهى مبكّرا يوم أمس و لم تنتظريني سيا؟»
أشاحت الأخرى ببصرها بعيدا بينما تضع كفّ يدها خلف رأسها و نطقت تتظاهر بالجهل:
«أنا؟ متى فعلت ذلك؟ لا بدّ من أنّكِ تهذين»
«ربّما»
تمتمت و هي تراقب لوسيا بنظرات استلطاف و ابتسامة لا إراديّة شقّت وجهها.
سرعان ما التفتت الأخرى لتقابلها سامحة لضحكة خافتة بأن تفلت منها حينما وجدت إيلينور تحدّق بها بتلك الطّريقة.
«ما الأمر؟ تنظرين لي و كأنّ هناك شيئا على وجهي»
تراجعت لينو بظهرها إلى الخلف قليلا و أشاحت بناظريها عن صديقتها مجيبة و هي ترفع كتفيها بلا مبالاة:
«هناك شيء بالفعل»
رفعت لوسيا حاجبيها بدهشة ثمّ صاحت بيأس تجذب إيلينور من كمّ قميصها:
«أين؟ لماذا لم تخبريني بهذا مبكّرا كي أمسحه؟»
«اهدئي قليلا سيا، الجمال على كلّ جزء في وجهك، كيف ستزيلينه كلّه؟»
تجمّدت لوسيا مكانها و راحت تمنح إيلينور نظرات متفاجئة، أتبعتها بضحكات متتالية معبّرة عن إعجابها بما سمعته توّا.
بالمقابل، كانت الأخرى تمنحها نظرات ماكرة مع ابتسامة جانبيّة على شفتيها.
«أنتِ سهلة الإرضاء حقّا لوسيا»
لطمتها المعنيّة على كتفها بخفّة ثمّ ردّت متذمّرة:
«هذا كلّه بسببك»
«كيف يكون لي دخل في هذا؟»
رفعت كتفيها بجهل قائلة:
«لا أعلم، المهمّ أنّك السّبب و حسب»
لم تجد الأخرى نفسها سوى تضحك بهدوء على ذلك رافعة يديها باستسلام.
سادت بعدها لحظات قليلة من الهدوء قبل أن تعاود لوسيا الحديث:
«لينو، هل لي بسؤال؟»
«تفضّلي»
«لماذا كنتِ تنظرين لذلك الفتى بتلك الطّريقة؟»
اتّجهت أعين المقصودة ناحية لوسيا بسرعة و رمقتها بتفاجئ.
هي تعلم جيّدا عمّن تتحدّث، و لكن لا يمكنها إخبارها بشيء. أو بالأصحّ، هي لا ترغب بذلك.
ليست مستعدّة لساعات من التّبرير و التّفسير لها.
«أيّ فتى هو هذا؟ لا أظنّني كنت أنظر لأحد»
سرعان ما رفعت لوسيا يدها و أشارت بسبّابتها إلى حيث كان يقف رايدر و رفاقه.
«ذاك الفتى. أظنّه في نفس صفّك»
اتّسعت أعين إيلينور بصدمة و هرعت لإمساك يدها و إنزالها معاتبة إيّاها بصوت مرتفع:
«ماذا تفعلين؟ أنت تجذبين الأنظار ناحيتنا!»
عقدت لوسيا حاجبيها بعدم رضا ثمّ أجابت قائلة:
«أنتِ من تجذبين الأنظار بصراخك لينو»
لم تردّ إيلينور على ذلك و اكتفت بالاعتدال في جلسها و هي تدعك جبينها متمتمة لنفسها بقلّة حيلة:
«يا إلهي أعنّي. ما الّذي سأفعله مع هذه المتهوّرة»
شعرت فجأة بيد توضع على كتفها تبعه صوت لوسيا في أذنها:
«ماذا قلتِ؟»
قفزت من مكانها بفزع ثمّ تراجعت بجسدها قليلا قبل أن تجيبها بابتسامة متكلّفة:
«لا، لا شيء إطلاقا»
.
.
༺༺༺༺༺༺༻༻༻༻༻༻
.
.
خرجت إيلينور من حمّام غرفتها و هي تلفّ منشفة حول جسدها و أخرى أصغر على شعرها.
اقتربت بهدوء من الخزانة ثمّ فتحتها و بدأت في البحث عن ثياب مريحة لترتديها من أجل النّوم.
كانت بضع دقائق من البحث حتّى أخرجت منها ثياب نوم قطنيّة زرقاء اللّون. ارتدتها بسرعة ثمّ تقدّمت من المرآة و بدأت في تجفيف شعرها و تسريحه.
جمعته في شكل كعكة ثمّ اتّجهت ناحية سريرها و استلقت على ظهرها بإهمال.
غطّت جسدها باللّحاف تاركة يديها خارجا و راحت تحدّق بالسّقف بشرود تسترجع في ذاكرتها أحداث اليوم.
أكثر ما يشغل ذهنها هو مساعدة رايدر لها على الإجابة عن ذلك السّؤال.
حسنا، هو لم يكن يقصد ذلك بما أنّه طرح سؤالا عاديّا على البروفيسور و حسب. لكنّها تحتسب كنوع من المساعدة، صحيح؟
دعونا من ذلك الآن. فقد أدركت شيئا.
لقد تكرّر مشهد المرّة الماضية و اتّجهت الأنظار ناحيتها.
ما يعني أنّ رايدر لاحظها حتما، و هذا ليس شيئا ترغب بحدوثه.
كما يبدو، فرايدر الآن يعلم بوجود فتاة تدعى إيلينور هارفي في نفس صفّه.
لكن مهلا. أيعقل أن يكون قد نسي اسمها؟ ليته يفعل ذلك حتّى ترتاح نفسيّا.
يستحيل أن يتذكّر اسمها هي من بين الجميع. صحيح؟
هذا مطمئن نوعا ما...
أغمضت بعدها أعينها بهدوء محاولة النّوم، و لكن لم تستطع.
دقيقة..
دقيقتان..
ربع ساعة..
نصف ساعة..
و للآن لم يقبل النّوم بزيارتها.
عقلها مشوّش تماما و أفكارها متداخلة ببعضها. و كما تفعل دوما، فهي لن تظل مستلقية هكذا فقط منتظرة أن تغفو.
لحسن حظّها أنّها لم تضع دفتر رسمها بعيدا عن متناول يدها و تركته على المنضدة الصّغيرة بجانب سريرها.
حملته بخفّة و أخذت القلم الموضوع بجانبه كذلك، ثمّ أشعلت المصباح المكتبيّ خاصّتها. فقط لتطلق العنان ليدها سامحة لأفكارها تلك بالسّيطرة على ما تفعله.
لم تتوقّف يدها عن الحركة سوى عند انتهائها من وضع آخر اللّمسات على الرّسمة، و توقيعها طبعا.
خالجها شعور مفاجئ بالرّضا و هي تحدّق بالورقة الّتي وضعتها أسفل ضوء المصباح حتّى تراها بشكل أفضل.
في منتصف الصّفحة تحديدا كان يظهر رأس بشري بخطوط غير مكتملة.
تتداخل في مكان الدّماغ شبكة معقدة من الخيوط المتشابكة، بعضها كثيف و داكن، والآخر رفيع و مبعثر.
تمتد الخطوط في اتجاهات عشوائيّة، بينما تتلاشى بعضها عند الحوافّ..
كان هذا أفضل ما استطاعت به تجسيد ما تشعر به داخل ذهنها المرهق حتّى تخفّف قليلا من أفكارها المتزاحمة و تحصل على فرصة لتنام و ترتاح استعدادا ليوم جديد.
و بالفعل، أغلقت الدّفتر بعد أن تأمّلت رسمها قليلا ثمّ أطفأت النّور قبل أن تستلقي مجدّدا و تغمض أعينها العسليّة أملا في أن يزورها النّوم هذه المرّة.
_aerithra_