____________________________________________
صباح جديد و يوم جامعيّ جديد في حياة إيلينور المملّة حيث كلّ شيء اعتياديّ و يسير كغيره من الأيّام.
لكن الاختلاف الوحيد هو في سلوك رايدر. فهو يبدو شاردا بشكل مبالغ فيه هذا اليوم على عكس عادته.
حتّى وضعيّة جلوسه توحي بوجود أمر يشغل باله.
الفتى السّيّء منشغل بالتّفكير. سيضفي هذا على لوحتها واقعيّة أكبر و مشاعر أعمق حينما تنظر لها لاحقا.
لنأمل فقط ألّا يتحرّك هذه المرّة قبل أن تنتهي من رسمه.
أزاحت أعينها صوب البروفيسور لتجده منشغلا بالإجابة على أسئلة الطّلّاب الجالسين في المقاعد الأماميّة.
فرصة مثاليّة!
حملت حافظة أقلامها و أخذت منها قلم رصاصها المميّز، ثمّ أخرجت من حقيبة ظهرها دفترا متوسّط الحجم ذا لون أحمر قاتم.
و ما عساه يكون غير دفتر رسمها المعتاد؟ ذلك الممتلئ برسوماتها الخاصّة بفتى الفوضى.
فتحته على صفحة فارغة و أمسكت بقلمها بإحكام تجهّز يدها للبدء، ثمّ رفعت رأسها بهدوء تنظر له لبرهة محاولة حفظ بعض تفاصيله في ذهنها حتّى يكون عملها أكثر دقّة.
رغم تركيزها المنصبّ على ما تفعله، إلّا أنّها قد حاولت قدر الإمكان أن تنصت في نفس الوقت لحديث البروفيسور حتّى لا تقع في موقف مشابه لما واجهته مع معلّم الفلسفة.
و قد أخذت احتياطها كذلك و حجبت الدّفتر بحقيبها عن أعينه حتّى يخيّل له أنّها تدوّن بعض الملاحظات فحسب.
لم تنتبه لأنّها استغرقت وقتا طويلا في الرّسم و أنّ الحصّة قد كادت تنتهي سوى عندما وضعت القلم على المنضدة معلنة عن انتهائها و تفقّدت ساعة هاتفها تزامنا مع الصّوت الصّارم لمعلّم التّاريخ الّذي صدح في أرجاء المكان:
«السّيد ميرفي، بما أنك تبدو مستغرقًا في أفكارك العميقة، لِمَ لا تشاركنا بها؟ أو على الأقل، أخبرني بما كنتُ أقول قبل لحظة؟»
رفعت رأسها بسرعة ناحية البروفيسور لتجده يوجّه نظرات غير راضية ناحية رايدر الّذي رمش للحظة بعد أن أفاقه الصّوت من شروده.
أرخى جسده على المقعد الخاصّ به و أسند مرفقه على ظهر الكرسيّ براحة على عكس جلسته المتصلّبة قبل قليل و كأنّه أدرك للتّوّ بأنّه لم يكن على طبيعته.
على الرّغم من ذلك، فقد ظهرت الحيرة على مـلامح وجـهه. و بالمقابل لم يزح البروفيسور أعينه عنه مطلقا و ظلّ منتظرا حديثه بصبر بينما يقف باستقامة ضـامّـا ذراعيه إلـى صدره و قدمه اليمنى تطرق أرضيّة القاعة.
ظلّت إيلينور تنقل بصرها بسرعة بين رايدر و البروفيسور. و شعرت بتردّد كبير في تنفيذ ما خطر ببالها.
و حتّى الآن، لا يبدو أنّ رايدر يملك فكرة عمّا كان معلّم التّاريخ يثرثر به.
و لكن هي تفعل. و قد سمعت الشّرح رغم انشغالها بالرّسم.
«كنت تتحدث عن كيف أنّ سقوط الإمبراطوريّة الرّومانيّة لم يكن مجرّد انهيار سياسيّ، بل نتيجة لعوامل اقتصاديّة و اجتماعيّة متشابكة، مثل تدهور التّجارة، و انتشار الفساد، و ضعف الولاء داخل الجيش»
انتقلت أعين الجميع ناحية صاحبة الصّوت الهادئ المتّزن.
أجل. إيلينور الّتي هي بنفسها لم تصدّق بأنّها قد أقدمت على ذلك و أجابت مكان رايدر.
ظهر بعض الارتباك على وجهها و هي تنقل بصرها بين الموجودين. خصوصا بعدما وجدت أنّه هو بنفسه كان يحدّق بها بفم مفتوح و الصّدمة جليّة على ملامح وجهه.
كانت تتذمّر من ملاحظته لها و ها هي الآن تجبره على ملاحظتها رغما عنها.
أزاحت أعينها العسليّة ناحية البروفيسور لتجده يحدّق بها بحاجب مرفوع و ملامح غير قابلة للقراءة.
و قد كان ذلك أكثر ما زاد توتّرها. فهي لا تستطيع معرفة ما إذا كان متضايقا أم لا.
سرعان ما التفت صوب ذاك الّذي كان لا يزال يحدّق بها ثمّ نطق بنبرة صارمة:
«يبدو أن الآنسة هارفي كانت أكثر انتباهًا منك، سيد ميرفي. ربما عليك أن تشكرها»
لم يردّ رايدر على كلامه و اكتفى بمنحه نظرات باردة قبل أن يقوم بالالتفات مجدّدا جاعلا من الجميع بما فيهم إيلينور ينظرون له مرّة ثانية حينما وجّه لها كلامه قائلا بهدوء بينما يرفع إبهامه:
«شكرا لك»
منحته المعنيّة ابتسامة مجاملة بينما تحرّك رأسها بخفّة قبل أن يلفت انتباهها صوت البروفيسور الّذي أردف بنبرة معاتبة:
«رغم ذلك أيّتها الآنسة، حاولي في المرّة القادمة ألّا تجيبي عوضا عن شخص آخر حينما لا أطلب منكِ ذلك»
«حاضر سيّدي»
كان ذلك كلّ ما تفوّهت به حتّى تتخلّص منه بسرعة و لا يعلّق أكثر على كلامها. و بالفعل لم يضف أيّ كلمة أخرى و التفت ليقوم بمسح ما كتبه سلفا على اللّوح.
تزامنا مع انتهائه من ذلك، رنّ الجرس معلنا عن نهاية الحصّة، و جاعلا من أصوات الطّلّاب تتعالى تدريجيّا بينما يجمعون أغراضهم و يهمّون بمغادرة القاعة.
استقامت إيلينور من مكانها بهدوء و حملت حقيبة ظهرها تنفض عنها الغبار غير آبهة بما حولها. سوى حينما لمحت جسدا ضخما يسير متخطّيا المناضد الّتي قربها بنيّة المغادرة هو الآخر.
كان رايدر يحدّق بالفراغ بينما يسير متحاشيا النّظر للطّلّاب الآخرين بما فيهم إيلينور الّتي كانت تراقبه باستغراب، فهذه ليست من عاداته.
هو معتاد على النّظر للجميع بعدم اكتراث و كأنّ تلك هي طريقته في جعل حضوره أقوى، و لكنّه الآن لا ينظر لأحد.
ربّما حدث أمر ما...ربّما فقط
و أخيرا وصل إلى حيث كانت تقف هي بجانب طاولتها و أعينها لم تزح عنه و لو للحظة.
و لم تخفَ عنها النّظرة الخاطفة الّتي استرقها على سطح المنضدة حيث كانت أغراضها مبعثرة قبل أن يتخطّاها هي الأخرى و يخرج من الباب بسرعة.
لا، ليست نظرة عفويّة. هي متأكّدة من هذا.
و لكن بدا أنّه قد تعمّد النّظر و كأنّه يريد رؤية شيء ما. خصوصا و أنّه لم يرفع بصره سوى عندما وصل لها.
حسنا، ليست المرّة الأولى الّتي يمرّ بجانبها حينما يخرج، لذا هذا ليس ما يثير ارتيابها.
انعقد حاجباها استغرابا و راحت تزيح أعينها ناحية المنضدة بشكل تلقائيّ. فقط لتتّسع أعينها صدمة.
الرّسم...لقد كان دفترها مفتوحا على الصّفحة الّتي رسمته فيها قبل قليل..
و هذا ليس جيّدا على الإطلاق.
لقد كانت نظرة خاطفة، هل رآها حقّا؟
حتّى و لو رأى ذلك. ربّما اعتقدها مجرّد رسم اعتياديّ لشخص ما و لم يدرك أنّه هو.
لم يكن لديه وقت للتّدقيق فيها و أكثر ما سيراه هو رسمة عشوائيّة لشخص ما. صحيح؟
يا إلهي! هذا ما كان ينقصها. شيء جديد لتقلق حياله و ترهق نفسها بالتّفكير فيه.
.
.
༺༺༺༺༻༻༻༻
.
.
في رواق الجامعة، كانت كلّ من إيلينور و لوسيا منشغلتين بالثّرثرة بينما تسيران ناحية الكافيتيريا.
هما لم تذهبا مبكّرا كون لينو أجبرت على انتظار لوسيا لدقائق طويلة حتّى تخرج من محاضرتها بسبب العدد الكبير للطّلّاب، لذلك هناك بعض ممّن هم في الرّواق الآن يسيرون في الاتّجاه المعاكس لهما عائدين لصفوفهم أو ذاهبين لحديقة الجامعة.
ستجدان الكافيتيريا خالية بكلّ تأكيد إن لم تسرعا أكثر.
«أنظري لينو، إنّه ذلك الفتى من الكافيتيريا!»
صاحت لوسيا بصوت مرتفع و هي تحدّق بإيلينور بينما تشير بإصبعها ناحية رايدر الّذي كان يسير عكس اتّجاه سيرهما و هو يحدّق بالفراغ أمامه واضعا سمّاعات رأسه.
لحسن الحظّ أنّه لن يسمع صراخ لوسيا الحمقاء و هو يغطّي أذنيه بذلك الشّيء.
«أخفضي صوتك سيا، لماذا تلفتين الانتباه هكذا؟»
همست الأخرى بتوتّر و هي تدفع يد لوسيا للأسفل و تضغط عليها بإحكام جاعلة منها تصدر ضحكة خفيفة قبل أن تردف مراوغة:
«لماذا تبدين قلقة؟ أتخشين أن يظنّك معجبة به؟»
رفعت إيلينور حاجبيها بدهشة و هي تنظر لصديقتها بتفاجئ قائلة:
«هذا ما تفكّرين به؟ ليس "لماذا أنا صاخبة جدّا و لا أتحكّم في ردود أفعالي"؟»
«لا عزيزتي، ردود أفعالي لا مشكلة فيها»
أطلقت الأخرى تنهيدة عميقة بينما تهزّ رأسها بقلّة حيلة و تفلت يد صديقتها هامسة بصوت خافت:
«يبدو أنّ المشكلة فيك أنتِ إذا»
«ماذا قلتِ؟»
جاءها صوت لوسيا الّتي توقّفت عن السّير و وضعت يديها على خصرها بينما ترتسم على وجهها ملامح تساؤل.
توقّفت إيلينور هي الأخرى عن السّير و منحت سيا نظرات جانبيّة قائلة:
«لم أقل شيئا يذكر، لذا أسرعي و واصلي السّير حتّى نحصل على غدائنا»
قلبت الأخرى عينيها بملل ثمّ استأنفت السّير و لم تنبس بكلمة أخرى.
فور وصولهما و حصولهما على غدائهما أخيرا، جلست الاثنتان على إحدى المناضد الموجودة بقرب النّافذة المطلّة على بوّابة الجامعة.
فضّلتا هذه المرّة أن تتناولا غداءهما بهدوء من دون ثرثرة، فهما لا تملكان وقتا كبيرا في كلّ الأحوال.
بعض الطّلّاب كانوا يدخلون من البوّابة، و على الأرجح منهم من تبدأ حصصهم الآن و منهم من خرج قبلا متخطّيّا حصّة ما أو لأجل شراء شيء فحسب.
و بالمقابل، كان بضع طلّاب يخرجون منها، أولئك الّذين لم تعد لديهم دروس لباقي اليوم أو الّذين قرّروا تخطّي الصّفوف.
تماما مثل هذا الّذي هو على وشك الخروج الآن.
«لينو، يبدو أنّ ذلك الفتى الوسيم سيغادر مبكّرا اليوم»
التفتت إيلينور ناحية لوسيا لتجدها تحدّق بشرود من خلال النّافذة، و أعينها مثبّتة على رايدر تتتبّع خطواته بينما يسير إلى الخارج.
«و ما الّذي يفترض بي أن أفعله بهذه المعلومة؟»
ألقت بتساؤلها السّاخر غير مكترثة بالنّظرات الجانبيّة الّتي تلقّتها من لوسيا حين ردّت بضجر:
«لا شيء. فكّرت في إخبارك حتّى لا تبحثي عنه كثيرا في الصّفّ»
صفعت إيلينور جبينها بخفّة و تحدّثت بينما تهزّ رأسها بقلّ حيلة:
«حمقاء، أخبرتك أنّني لا أهتمّ لأمره»
«كاذبة. أنتِ تهتمّين»
.
.
༺༺༺༺༻༻༻༻
.
.
«شكرا على الطّعام ناتالي»
نطقت إيلينور بامتنان و هي تستقيم من مكانها بعدما انتهت من تناول عشائها حاملة بيدها طبقها الّذي وضعته في المغسلة، لتجيبها شقيقتها الّتي كانت لا تزال تتناول حصّتها:
«هذا واجبي عزيزتي، لا داعي للشّكر»
ابتسمت الأخرى بامتنان ثمّ اقتربت منها و منحتها عناقا جانبيّا قبل أن تردف بسرعة:
«عليّ النّوم باكرا لأنّني متعبة حقّا و لا أظنّني سأستطيع الاستيقاظ بسهولة غدا. أتمنّى أن تعذريني»
فصلت العناق ببطء لتربّت ناتالي على كتفها بخفّة و تجيب بينما تحدّق بها مبتسمة بدفء:
«بكلّ تأكيد، راحتك مهمّة جدّا لينو. اغسلي يديك و أسنانك ثمّ اخلدي للنّوم. و إيّاك أن تسهري على هاتفك فهذا ليس صحّيّا على الإطلاق»
«لكنّك تفعلين ذلك أيضا»
علّقت إيلينور و هي تضحك بخفّة جاعلة من شقيقتها الكبرى تلطمها على كتفها بإحراج.
«حسنا، قيامي بذلك لا يعني أنّه أمر جيّد، اتّفقنا؟ أنا فقط أهتمّ لصحّتك كثيرا و أريدك أن تكبري بشكل جيّد»
«أكبر؟ أنا في الجامعة في حال نسيتِ ذلك»
«أنتِ قلتها، "في الجامعة". لا زلتِ لم تري أيّ شيء من المواجهات الحقيقيّة في الحياة اليوميّة»
ضمّت إيلينور ذراعيها إلى صدرها بينما تقلب أعينها بملل قائلة:
«تجعلينني أشعر و كأنّكم تخرجون لمحاربة الجيوش و ليس للعمل»
ضحكت ناتالي بخفّة ثمّ أجابت ممازحة:
«الأمران متشابهان لحدّ كبير في حال لم تعرفي»
لم تجد الأخرى ما تجادل به أكثر. و قد كاد الوقت يتأخّر بالفعل. لذا بدأت بالتّراجع ببطء إلى الخلف و ابتسامتها لم تفارق شفتيها حينما نطقت و هي ترفع يديها باستسلام:
«حسنا، ليكن كما تقولين إذا. الآن عليّ الذّهاب، ليلة سعيدة»
التفتت بسرعة و هرولت ناحية غرفتها بينما تسمع صوت ناتالي الّتي ردّت بصوت مرتفع:
«أحلاما طيّبة لينو»
دخلت إيلينور غرفتها بعدما قامت بغسل أسنانها، و بحكم أنّها قد ارتدت ثياب نومها سلفا، فقد حرصت على إبقاء هاتفها معها حينما أطفأت الأنوار و خلدت إلى الفراش بسرعة.
لقد تيقّنت الآن بأنّ أفضل ما في اليوم بأكمله هو الشّعور المميّز حينما تكون على وشك النّوم.
لكن قبل ذلك، يحب عليها أخذ جولة في هاتفها.
استلقت على جنب بينما تضع إحدى يديها تحت رأسها و باليد الأخرى كانت تجول بين التّطبيقات و الرّسائل الّتي لم تردّ عليها بعد.
نقرت على المعرض و راحت تتصفّح الصّور على هاتفها و تقوم بحذف تلك الّتي لم تعد تحتاجها بعد الآن.
صور لها، صور للوسيا، صورها مع شقيقتها، و أخيرا، صور للدّروس المكتوبة على اللّوح في فصلها.
كانت تقوم بتصويرها حينما لا تجد الوقت لتدوينها كلّها، ثمّ تنهي ذلك في وقت لاحق في المنزل.
لكن مهلا..
من بين كلّ تلك الصّور الكثيرة، فقد استوقفتها للتّوّ واحدة فقط.
واحدة حيث كان يظهر شيء آخر عدا اللّوح...لقد كان يظهر جزء من حقيبة سوداء ملقاة بإهمال على سطح منضدة في الفصل.
هي تعرف تلك الحقيبة جيّدا، و هي تعود لشخص واحد.
رايدر ميرفي..
لكن ليست الحقيبة نفسها ما جعلت أعينها تتّسع بصدمة. بل ما كان موضوعا فوق الحقيبة.
ورقة. و ليس أيّ ورقة..
هي تتذكّرها جيّدا...تلك الورقة الّتي مزّقتها من دفترها في ذلك اليوم و ألقت بها في سلّة المهملات حينما لم تعد قادرة على إنهائها.
ما الّذي تفعله خارج سلّة المهملات؟ و فوق حقيبة رايدر كذلك؟
أيعقل أنّ تلك مجرّد صدفة أم أنّه هو من وضعها هناك؟
إن كان كذلك، فهذا يعني أنّه رآها. و إن رآها فبمجرّد أن يعلم بأنّها تمارس الرّسم كهواية فستكون في محلّ الشّبهة.
في الواقع، يبدو أنّه يعلم بأنّها تقوم بالرّسم.
لقد رأى دفترك هذا الصّباح إيلينور، تتذكّرين؟
سحقا، سحقا، سحقا!
أفضل شيء قامت به هو أنّها اعتادت ألّا تضع توقيعها سوى عندما تنتهي كلّيّا من أيّ رسم.
هي الآن تتخيّل لو أنّها كانت قد وضعت توقيعها مسبقا على الورقة. لكان قد قضي عليها الآن و سقطت مغمى عليها.
أيعقل أنّ هذا هو سبب شروده هذا الصّباح؟ لأنّه كان يفكّر في هويّة الشّخص الّذي قام برسمه؟
إن كان كذلك، فلقد أوقعت نفسها في ورطة بسبب تقديمها المساعدة له.
منطقيّ! لهذا بدا مصدوما و كان ينظر لها بذلك الشّكل!
أتعلمون ما الأسوأ من أن يعلم بأنّها صاحبة الورقة؟ أن يعتقد بأنّها معجبة به...و لدرجة الهوس..
حتما لن يخطر ببال شخص مثله أنّه مجرّد إلهام لها و حسب، بل سيستنتج مباشرة بأنّها تخفي إعجابها به.
أيّ إعجاب؟ سحقا!
.
.
༺༺༺༺༻༻༻༻
.
.
في ذلك الوقت و في مكان آخر، كان ذلك الفتى يجلس على حافّة السّطح الخاصّ بأحد العمارات الجديدة و أقدامه متدلّيّة منها.
كان يرتدي سترة سوداء مع بنطال رياضيّ بنفس اللّون. إحدى يديه في جيبه بينما يمسك بالأخرى ورقة ما. و شعره المبعثر بفوضويّة يغطّي نصف وجهه.
لا يمكنه أن ينكر و يقول بأنّ ذلك الرّسم الّذي يمسكه بيده غير متقن. فقد كان في متناهى الدّقّة.
و كأنّه ينظر لنفسه بأعين شخص آخر.
أيّا كان من قام بهذا العمل، فهو يستحقّ الثّناء من دون شكّ.
صحيح أنّ الرّسمة غير مكتملة، و كلّ ما يظهر هو جزؤه العلويّ فقط، لكن لماذا قد يفكّر أحدهم بإلقائها في سلّة المهملات؟
لماذا قامت تلك الفتاة بإلقاء الرّسمة في سلّة المهملات؟ هذا نوع من الإهانة في حقّه إن لم تكن تعلم.
«إيلينور هارفي إذا..»
تمتم بصوت خافت و هو شارد في تفاصيل الرّسم الّذي استولى على عقله.
هل هي من قامت برسم هذا أم أنّها وجدتها فقط و قامت بإلقائها؟
لقد لمح بالفعل صباحا رسمة أخرى لشخص ما على دفترها، و لكن لم تتسنّ له الفرصة ليمعن النّظر بها حتّى لا يثير الانتباه.
هل يعقل أنّها هي حقّا؟ إن كان كذلك، فموهبتها هذه مثيرة للاهتمام جدّا..
مثيرة للاهتمام، و لكن ليس بطريقة عاطفيّة على الإطلاق..
أطلق تنهيدة عميقة جدّا ثمّ تراجع بجسده إلى الخلف قليلا و استلقى بظهره على الأرضيّة يمدّد ذراعيه بجانبه و يرفع بصره إلى السّماء الدّاكنة المرصّعة بالنّجوم.
حتّى و لو لم تكن هي، رغم أنّ تحديقها المستمرّ به أثناء الحصص يثير الشّكّ، فأيّا كان صاحب هذا الرّسم، من الجميل أنّه يراه شخصا يجذب الأنظار لدرجة تجعله يجسّده على الورق.
جميل حقّا..
حتما لن يظلّ هذا الرّسّام متواريا للأبد. سيظهر عاجلا أم آجلا و لو عن طريق الصّدفة.
لذا لا داعي ليشغل باله في التّفكير أكثر من هذا.
اعتدل رايدر في جلسته يلقي نظرة أخيرة على المدينة قبل أن يستقيم من مكانه و يلتفت عائدا لشقّتهم.
أقصى ما يتمنّاه الآن هو أنّ شقيقه قد خلد للنّوم بالفعل، و إلّا فستكون في انتظاره محاضرة طويلة عن خطورة البقاء في الخارج لوقت متأخّر من اللّيل.
_aerithra_