____________________________________________
هذا اليوم يبدو مملّا منذ بدايته، و لا شيء سيجعله أفضل بما أنّه ليس من السّهل تجاوز ما حدث..
هذا ما كان يفكّر به رايدر و هو يدخل من بوّابة الجامعة و يتقدّم من المبنى لأجل الالتحاق بمحاضرته الأولى.
لم يزعجه تمزّق الرّسم بقدر ما أزعجته كيفيّة تمزّقه.
ما فعله ذلك الغبيّ الأشقر كان إهانة بحتة لشخصه...و هو شابّ لا يتغاضى عن تجاوزات النّاس لحدودهم بغضّ النّظر عن مكانتهم.
ما الّذي يعنيه أن يعكّر عليه صفو غفوته و يضع أيديه القذرة على أغراض لا تخصّه؟ ثمّ ماذا؟ يتسبّب في إتلافها؟ هل هو بكامل قواه العقليّة؟
إن كان يعاني من نواقص في تفكيره، فليس لدى رايدر مانع من إصلاح ذلك بأساليبه الخاصّة..
قد يمكث حينها ليوم أو يومين..أو حتّى شهر بالمستشفى...و لكن على الأقلّ سيفكّر بشكل صحيح بعدها، أليس كذلك؟
لقد بدأت تلك الفكرة تطرق ذهنه مرارا و تكرارا، لذا سيكون من الأفضل لباهت الشّعر ذاك أن يختفي عن أنظاره تماما كما اختفى بعد أن انتهى من تعكير مزاجه يوم أمس.
صحيح أنّ الكثيرين يتجنّبونه و ربّما لا يحبّونه بسبب لقب الفتى السّيّء الّذي حصل عليه بفضل الشّخصيّة المتمرّدة و المتهوّرة الّتي أرغم أن يكون عليها، و طباعه الّتي لا تقتصر على المجاملة إطلاقا..
و لكن هذا ليس مبرّرا له حتّى يقدم على تصرّف ساذج قد يودي بحياته في حالات معيّنة..
سرعان ما توقّف رايدر عن التّفكير و ثبت مكانه واضعا يديه في جيوب بنطاله الرّياضيّ بينما غطّى شعره الأسود المبعثر جبينه بالكامل...و ظلّ على وضعيّته تلك بينما علامات الاشمئزاز واضحة عليه و هو يثبّت أعينه على شيء ما..
أو إن صحّ القول..شخص ما..
شعر أشقر، أعين بنّيّة، و ملامح وجه مبتذلة..
كيف يستطيع تحمّل نفسه حتّى و هو مجبر على العيش داخل جسد كذاك؟
كان الفتى يقف في منتصف السّاحة يتصفّح هاتفه بيد، بينما يخلّل أصابع يده الثّانية بين خصلاته الذّهبيّة.
فرصة مثاليّة، أليس كذلك؟
حدّق رايدر للحظات بذلك المغفّل قبل أن يخطو بسرعة ناحيته من دون أن يفكّر حتّى..
كلّ ما كان يعرفه هو أنّه يوجد أحمق ما في حاجة لأن يتمّ تلقينه درسا.
و قبل أن يحصل الآخر على فرصة رفع رأسه لأجل التّحقّق من هويّة الّذي يقترب منه، وجد نفسه يتراجع بجسده إلى الخلف فجأة ليسقط على الأرض بقوّة جاذبا أنظار الطّلّاب من حولهم..
رفع الفتى أعينه بدهشة ناحية رايدر و هو يضع يده على وجنته إثر الضّربة الّتي تلقّاها...و سرعان ما تحوّل تفاجؤه إلى ضحكة ساخرة حينما نطق مخاطبا الواقف أمامه:
«أنت؟ يبدو أنّك لم تنسَ ما حدث أمس. هل تلك الورقة مهمّة لتلك الدّرجة؟»
شدّ رايدر على قبضته بقوّة محاولا التّحكّم في نفسه قليلا قبل أن يصيح في وجهه بسخط:
«هل تجيد التّمثيل لهذه الدّرجة؟ أم أنّك غبيّ حقّا؟»
تنهّد الأشقر بخفّة قبل أن يقف على قدميه مجدّدا و هو يقوم بنقض الغبار عن ثيابه. ثمّ أعاد انتباهه للواقف أمامه قبل أن يردف محاولا استفزازه:
«ربّما تكون أنت الغبيّ بما أنّك لا تستطيع معرفة الفرق. هل أنا محق؟»
حسنا..يبدو أنّ أحدهم قد نجح في اللّعب على أعصاب ذلك الفتى السّيّء..
و للأسف، فعل كهذا لن ينتهي سوى بطريقة واضحة..
و جميع من كانوا يشاهدونهما قد توقّعوا القادم..
لم يكلّف رايدر نفسه عناء التّفكير في خطواته و تقدّم من الشّابّ الآخر قبل أن يضرب بيده على صدره بقوّة جاعلا منه يتراجع إلى الخلف تدريجيّا:
«هل تظنّ الأمر لعبة سخيفة؟ أنتَ تلقي بنفسك في الهاوية دون أن تدرك يا فتى...لديك فرصة التّراجع عن كلامك المتهوّر لذا لا تعاند»
لم يردّ الآخر عليه، و اكتفى بمنحه ابتسامة جانبيّة تولّت توضيح كلّ ما كان يرغب بقوله.
و في غضون جزء من الثّانية كان الأشقر على الأرض مرّة الأخرى غير مستوعب للّكمة الثّانية الّتي تلقّاها.
لم يتردّد هو الآخر في الزّحف أقرب من رايدر، خصوصا بعدما اجتمع كمّ هائل من الطّلّاب حولهما و تحوّل الأمر لمسألة كرامة و اعتبار...ثمّ أمسك بذراعه فجأة مسقطا إيّاه هو الآخر على الأرض ليهوي عليه بلكمات متتالية.
حاول رايدر صدّ الضّربات عن وجهه رغم كونه قد تلقّى البعض بالفعل، ثمّ ركل الفتى الآخر و راح هو هذه المرّة يسدّد له ضربات أقوى من سابقاتها.
لم يجرؤ أحد ممّن كانوا يشاهدون على التّدخّل في ما يحدث..و ظلّ جميعهم يراقب ما يجري بينما يصدرون هتافات تارة و يعلّقون على ما يجري تارة أخرى.
كان الشّابّان مستمرّين في شجارهما حيث حصل كلّ منهما على فرصة لضرب الآخر.
من يراهما الآن سيجزم أنّ بينهما عداوة قديمة و جادّة. و لن يخطر ببال أحد أنّ المرّة الأولى الّتي قد تقابلا بها وجها لوجه كانت يوم أمس.
من المؤكّد أنّ الأشقر على الأغلب كان يكره رايدر من دون سبب واضح بما أنّ الآخر لم يره من قبل أساسا.
لكن ذلك لا يمنحه حقّ العبث معه.
لا أحد يعبث مع من يحمل اسم ميرفي..
كان الاثنان يتمتمان بكلمات و شتائم محاولين استغلال حقيقة أنّ لا أحد من المسؤولين قد رآهما بعد ليفرّق بينهما.
لن ينتهي الأمر من دون فوز أحدهما..لا يعقل حدوث ذلك
و في تلك الأثناء كانت عسليّة الأعين قد دخلت لتوّها من بوّابة الجامعة تسير بهدوء و هي تتصفّح هاتفها.
لوسيا لا تملك حصصا الآن، لذا هي بمفردها مع الأسف.
رفعت بصرها قليلا لتأخذ استراحة قصيرة من الشّاشة، ليجذبها اجتماع أغلبيّة الطّلّاب في مكان واحد.
و من هيأتهم و تعابير وجوه بعضهم، قد بدا أنّهم يشاهدون شيئا ما..
عقدت حاجبيها باستغراب و ظلّت تحدّق من مكانها لعلّها تلمح شيئا ممّا يرونه.
لكن دون جدوى..
لكن كان الحشد يغطّي كلّ شيء حرفيّا.
تردّدت للحظة و لكنّ الفضول الّذي خالجها جعلها تغيّر وجهتها و تجرّ أقدامها ناحيتهم رغبة في الاطّلاع على ما يجري.
لحسن حظّها أنّها تمكّنت من المرور عبر ذلك التّجمّع. و لكنّ المنظر الّذي استقبلها جعلها تندم على اتّباع فضولها.
هي ترى جيّدا، صحيح؟ هذا الّذي على الأرض هو رايدر يتشاجر من فتى آخر، ليست مخطئة؟
يا له من أحمق. لم يسمح حتّى بمرور أسبوع على آخر شجار له و ها هو ذا يقحم نفسه في مشاكل جديدة.
وقفت هناك متجمّدة تراقب ما يجري و هتافات الطّلّاب المرتفعة كادت تتسبّب لها في صمم.
بالمناسبة، يبدو لها أنّ رايدر قد حصل على ندوب لتزيّن وجهه ذاك..
جميل، رسوماتها القادمة ستحمل مشاعر أكبر و ستتعزّز هالة الفتى السّيّء خاصّته بتلك التّفاصيل الإضافيّة..
سرعان ما رمشت مرّتين مستوعبة ما تفكّر به و صفعت جبينها بخفّة..
«هذا ليس الوقت المناسب للتّفكير بذلك..الفتى قد آذى وجهه في شجار و أنتِ هنا تفكّرين في ما سيضفيه تأذّيه على رسوماتك؟»
نبست هامسة و هي تخاطب نفسها بغير تصديق..
لو سمعها أحد الآن فسيظنّها مجنونة حرفيّا..
هزّت رأسها بخفّة تنفض أفكارها المجنونة بعيدا عن ذهنها، قبل أن يتبادر إلى مسامعها صوت فتى الفوضى الّذي صاح بصوت مرتفع:
«أشقر وضيع! سأعلّمك كيف لا تقترب منّي ثانية! تجاوزت اقتحامك لمساحتي الهادئة، و لكنّي حتما لن أتجاوز لمسك لأغراضي! تتجرّأ و تمزّق الرّسم إذا؟!»
كان الآخر منشغلا بصدّ اللّكمات عن وجهه و لم يقوَ على الرّدّ.
و لكنّ إيلينور لم تلقِ لذلك بالا على الإطلاق..
لقد كانت محاصرة داخل سجن أفكارها..
هل قال رسم؟ و تمزّق كذلك؟
هي متيقّنة من أنّ الرّسم الوحيد الّذي حصل عليه هو خاصّتها. إذا لقد مزّقه صاحب الشّعر الباهت هذا؟
ألذلك تصرّف رايدر بغرابة مساء أمس حينما طلبت منه أن يعطيها الورقة للحظة حتّى تلتقط صورة لها؟
هل كان يريد إخفاء ما حدث؟ أم أنّه كان محرجا لإخبارها بأنّ ما تعبت عليه قبل ساعات قليلة قد تمّ إتلافه بكلّ بساطة؟
رايدر في الغالب ليس شخصا يشعر بالإحراج حول أيّ شيء..إذا على الأغلب كان مزاجه معكّرا بسبب ما حدث و حسب.
«أنتِ حمقاء إيلينور»
همست بإدراك و هي تضع كفّها على وجهها بخيبة أمل من نفسها.
هي تعلم أنّ سبب الشّجار أساسه تمزّق الرّسم، و مع ذلك ها هي تقف هناك كالصّنم تحدّق بما يجري و حسب.
تنهّدت بعمق قبل أن تسترق نظرة خاطفة على ما حولها. ثمّ حرّكت أقدامها و اقتربت مسرعة من ساحة المعركة تلك.
لم تدرك حينما وجدت نفسها تلجأ لخيار جذب رايدر من قميصه تمنعه بذلك من تسديد لكمة أخرى للفتى الّذي خرّت قواه و ظلّ مستسلما يحدّق في السّماء بينما يصدر ضحكات متألّمة.
أدار وجهه ناحيتها ينقل بصره بحدّة بين وجهها و يدها الممسكة به، ثمّ نفض ذراعه بعنف مرغما إيّاها على تركه قبل أن يردف بغضب:
«ما الّذي تخالين نفسكِ فاعلة يا هذه؟ ابتعدي عنّي و لا تعرقلي ما أفعله»
هزّت إيلينور رأسها بقلّة حيلة ثمّ اقتربت قليلا تحت أنظار الطّلّاب الواقفين قبل أن تجيبه بهدوء:
«الرّسم يعود لي، لذا هذا شأني يا فتى. لماذا كلّ هذه الجلبة بسبب ورقة؟»
رفع رايدر حاجبيه بدهشة من كلامها ثمّ استقام من مكانه و أرغم الأشقر على الوقوف كذلك و هو يمسك بياقته بإحكام، و بعدها نطق بينما يهزّ جسد الفتى بعنف:
«يفترض إذا أنّك غاضبة بدلا من هذا. لكن في كلّ الأحوال الورقة كانت قد أصبحت ملكي، و هذا الحقير قد استفزّني بلمسه لأغراضي. و الآن ابتعدي»
تعلت شهقات الواقفين فور أن دفع رايدر بالفتى الآخر بقوّة مسقطا إيّاه على الأرض مجدّدا. و لم يقوَ الآخر على النّهوض من شدّة التّعب الّذي استوطنه.
لم يخفَ على أحد بأنّ رايدر كان ينوي استئناف الشّجار. و نظرا للحالة الّتي وصل إليها الأشقر فقد حاولت إيلينور إيقاف ما يجري لمرّة أخيرة:
«اترك الفتى و شأنه و سأعيد رسمك مرّة ثانية كتعويض عمّا حدث»
توقّف الآخر عن الحركة و وجّه أعينه ناحيتها ببطء شديد إلى أن استقرّت عليها.
سترسمه مجدّدا كتعويض إذا؟ هل هذا هو حلّها؟
تريد تعويضه عن أفعال أحمق لا تعرفه؟ ماذا عن الإهانة الّتي اقترفها ذلك المغفّل في حقّه؟ ما هو حلّ ذلك؟
لديه رسمتان بالفعل. لا حاجة له بأخرى بعدما قطع الشّكّ باليقين و أصبح متأكّدا مِن هويّة مَن يرسمه.
كان على وشك إجابتها و رفض عرضها. و لكنّ ما منعه من ذلك كان صوتا رجوليّا يقترب منهم:
«أنتما! ما الّذي يجري هنا؟!»
كان ذلك صوت أحد المشرفين الّذي تقدّم مع اثنين آخرين ناحية الشّابّين اللّذين ظلّ كلّ واحد منهما يحدّق بهدوء.
«هذا أنت مرّة أخرى يا ميرفي؟»
نطق بغير رضى و هو يقترب أكثر ليبعده عن الأشقر الّذي وقف من مكانه بمساعدة مشرف آخر.
لم يردّ رايدر على ذلك و اكتفى بتوجيه نظرات استخفاف ناحية جميعهم.
تقدّم المشرف الثّالث و صرف جميع الطّلّاب المتجمّعين. و لم تحاول إيلينور حشر نفسها أكثر، حيث تراجعت بهدوء و تركت المكان هي الأخرى.
لقد أتى من سيحلّ الأمر بالفعل، لذا لا حاجة لوجودها..
هذا أفضل في الواقع..
ألقى رايدر نظرة سريعة على الشّابّ ليجد وجهه مغطّى بالدّماء و الكدمات.
وجهه قد أصبح أقبح من ذي قبل. هذا رائع حقّا..
التقت أعينهما، فرمقه فتى الفوضى باشمئزاز قبل أن يسير مبتعدا حينما صدح صوت المشرف الأوّل الّذي رافقه:
«ستذهبان إلى مكتب المدير حالا»
.
.
༺༺༺༺༻༻༻༻
.
.
وقت الغداء، كان الجميع جالسين يتناولون طعامهم..و بعضهم كانوا لا يزالون يتساءلون عن سبب ما حدث هذا الصّباح.
حسنا. لقد اعتادوا على الشّجارات الّتي لا تخلو من اسم "رايدر ميرفي"، و لكنّ الأمر هذه المرّة بدا لهم شخصيّا أكثر من المعتاد.
و خلال كلّ ذلك، خطت إلى داخل الكافيتيريا فتاة ذات بشرة قمحيّة و شعر أسود طويل مربوط على شكل ذيل حصان.
سارت بهدوء بينما تجول بأعينها الزّرقاء حول المكان بحثا عن شخص ما.
لقد وصلت للجامعة قبل وقت قصير، و لم تجد أثرا لإيلينور. حتّى أنّها لم تجب على اتّصالاتها.
توقّفت عن السّير فجأة و واصلت البحث بين جموع الطّلّاب لعلّها تلمح ذات الأعين العسليّة بينهم. و لكن دون جدوى..
زفرت لوسيا بقلّة حيلة و قد قرّرت أن تعود أدراجها بما أنّها لم تكن تشعر بالجوع أساسا..و ما أن التفتت خلفها حتّى شهقت برعب و هي تتراجع بضع خطوات إلى الخلف.
«لينو؟ ما الّذي تفعلينه هنا؟»
حسنا..يبدو أنّ إحداهنّ قد نسيت بأنّها الآن داخل كافيتيريا في وقت الغداء حيث يتناول الطّلّاب طعامهم.
ما الّذي ستفعله هنا مثلا؟
«لا أعلم، ما رأيك أنتِ؟ لقد كنت أبحث عنكِ حتّى نتناول غداءنا قبل بدء الحصص المسائيّة..لم يكن لديكِ دوام هذا الصّباح كما أذكر»
استقامت لوسيا في وقفتها ثمّ أجابت متذمّرة:
«أيّا يكن. و لكن لا تظهري من العدم مرّة أخرى»
ضحكت الأخرى بخفّة قبل أن تهزّ رأسها بقلّة حيلة قائلة:
«هل نذهب لإحضار الغداء؟»
«في الواقع، لست جائعة لذا لن آكل..و لكنّني سأجلس معك، لا مشكلة»
أجابت بينما تبتسم لإيلينور الّتي بادلتها الابتسام و كأنّها قد سمعت لتوّها خبرا سعيدا. و سرعان ما نطقت بارتياح:
«هذا جيّد إذا..كنت سآكل لأجلك فقط، و لكن الآن لا داعي لذلك»
حدّقت بها لوسيا لثوانٌ تستوعب قبل أن تسحبها من ذراعها فجأة و تتقدّم ساحبة إيّاها خلفها:
«رائع! هيّا إذا لنخرج من هذه الزّريبة البشريّة..لم أعد أستطيع تحمّل التّنفّس هنا»
كانت إيلينور على وشك الرّدّ على كلام الأخرى لولا أنّها أفلتتها فجأة فور مرورهما بمجموعة طلّاب كانوا يقفون في الطّريق المؤدّي إلى الباب...و على إثر ذلك تعثّرت و سقطت أرضا موقعة حقيبة ظهرها من على كتفها..
رفعت رأسها لتنظر أمامها...و للأسف يبدو أنّ لوسيا الهوجاء لم تلحظ أنّها قد غادرت من دونها..
و حتّى إن لاحظت، فلعلّها الآن تنتظر خروج إيلينور...فهي حتما لن تعود للدّاخل بعد كلّ تلك الشّكاوى
زفرت عسليّة الأعين بقلّة حيلة قبل أن تستند على كفّيها و تقف مجدّدا تنفض الغبار عن ثيابها..
ألقت نظرة سريعة على المخرج، ثمّ التفتت لأجل أن تأخذ حقيبتها..
و لكن ما أن استدارت حتّى تراجعت إلى الخلف و وقعت متفاجئة من الجدار الّذي وجدته خلفها.
«سحقا..»
نبست بألم و هي تشعر بعظام ساقيها تؤلمها بسبب وقوعها للمرّة الثّانية..
رفعت أعينها لرؤية من كان يقف أمامها..فقط لتجد أنّه هو.
مجدّدا..
هل أصبح يلاحقها الآن أم أنّ الصّدف أصبحت أغرب من أن يتمّ تصديقها؟
ظلّت على تلك الحال تنظر له و ينظر لها هو الآخر بدوره قبل أن تستفيق من شرودها حينما رفع حاجبه باستغراب قائلا:
«لمَ تحدّقين بي هكذا؟ لا تنتظري أن أساعدك على النّهوض. فقد رفضتِ يدي الممدودة في المرّة الماضية»
ضحكت هي بسخرية قبل أن تشيح ببصرها بعيدا عنه و تنتبه لأنّ عليها النّهوض من على الأرض بسرعة..
استقامت للمرّة الثّانية و نفضت ثيابها مجدّدا قبل أن تلتقط حقيبتها الّتي لم يكن سحّابها مغلقا جيّدا.
أغلقته ثمّ ألقت حقيبة الظّهر على كتفها الأيمن قبل أن تلتفت على الفور بنيّة المغادرة..
يبدو أنّ طباع الفتى السّيّء مبهرة عن بعد فقط، و حتما ليست مثيرة للاهتمام عند مقابلته وجها لوجه..
لماذا لا يتجنّبها و حسب؟ تريد أن ترسمه بسلام من دون أن يفسد صورته الفنيّة بتصرّفاته المزعجة.
«أنتِ»
توقّفت مكانها قبل أن تخطو حتّى فور سماعها بصوته يخاطبها..و التفتت تنظر له من فوق كتفها بانتظار كلماته التّالية.
سرعان ما لمحت يده تلوّح بدفتر ما..
و لم يكن غريبا عليها إطلاقا.
ما الّذي يفعله دفتر رسوماتها بحوزته الآن؟ هذا ليس الوقت المناسب إطلاقا.
حتّى لو كانت كتابا مفتوحا الآن يعلم كلّ ما تقوم به..فرؤيته لرسوماتها يظلّ أمرا محرجا جدّا..
«كيف وصل ليدك؟ أعطني إيّاه»
نبست إيلينور بتوتّر و هي تلتفت بجسدها كاملا و تتقدّم منه محاولة الحصول على دفترها. و لحسن الحظّ أنّه لم يعاند و سمح لها بأخذه مباشرة.
«أرجو ألّا تظهر أمامي فجأة هكذا مرّة أخرى»
أضافت ببعض من الانزعاج و هي تستدير لأجل المغادرة..و ما أن كادت تخطو حتّى وصلها صوت الواقف خلفها:
«لستِ أنتِ من تخبرينني ماذا أفعل. لماذا لا تكونين أنتِ من لا تظهر أمامي؟»
وقفت للحظات تستوعب ما قاله قبل أن تهزّ رأسها بقلّة حيلة بينما تصدر ضحكة ساخرة. ثمّ واصلت السّير مغادرة المكان تماما.
ظلّ رايدر يقف هناك يراقبها إلى أن اختفت، ثمّ وضع كلتا يديه في جيوب بنطاله الرّياضيّ و التفت متمتما بصوت خافت:
«لا يمكنني فهمها مهما حاولت. أيعقل أن تكون منزعجة من ضربي لذلك الفتى صباحا؟ و لكن ما شأنها؟ لماذا قد تغضب من ذلك؟ هل تعاني من فصام شخصيّة مثلا؟ أو ربّما أنا أبالغ فقط و ليس لديها سوى طباع غريبة»
هزّ رأسه بخفّة ينفض تلك الأفكار من رأسه و عاد ليجلس على طاولة الغداء برفقة بضع فتيان آخرين.
و في النّاحية الأخرى، فور خروجها حتّى توقّفت إيلينور مكانها للحظات تفكّر مليّا في ما طرق ذهنها توّا..
ألا يفترض أنّ هذا الشّابّ قد وقع في مشاكل هذا الصّباح؟ كيف يتجوّل بحرّيّة في الكافيتيريا بجروح وجهه تلك و كأنّ لا شيء حدث؟
المدير ليس شخصا متسامحا لتلك الدّرجة. خصوصا و أنّ رايدر قد تشاجر قبل يوم أو يومين تقريبا.
حتّى أنّه لم يحضر دروس الفترة الصّباحيّة ما جعلها تفكّر في احتمال أن يكون قد تمّ فصله مؤقّتا.
أيعقل أنّ المدير قد طلب مقابلة أحد والديه ليحدّثهما بشأن مسألة شجارات رايدر المتكرّرة؟
هذا سيكون أقرب احتمال للمنطق..لذا ستقنع نفسها به لأجل أن تنسى الموضوع تماما
رفعت إيلينور أعينها حينها و وجّهتها أمامها لتلمح لوسيا تقف على بعد بضع أمتار عن باب القاعة.
و لوهلة، نسيت كلّ ما كان يشغل بالها قبل ثوانٍ قليلة.
تقدّمت منها بخطوات سريعة و نبست معاتبة إيّاها:
«لوسيا، كيف تخرجين من دوني؟»
عقدت الأخرى حاجبيها بعدم فهم و أجابت متسائلة:
«ما المشكلة إن خرجت قبلك؟ لستِ طفلة صحيح؟»
صفعت إيلينور جبينها بخفّة كردّ فعل على كلام لوسيا الّذي لا علاقة له بموضوعهم.
هي لا تعلم بأنّها قد تركتها بمفردها حيث اضطرّت لمواجهة رايدر وجها لوجه مرّة أخرى.
و بمناسبة ذلك. ألم تصبح تبالغ نوعا ما في ردود فعلها؟ و قد بدأت هي بنفسها تشعر بغرابة تصرّفاتها.
لقد أصبحت متناقضة تماما..
جزء منها لا يمانع التّعامل معه و الحديث إليه كما كان ليفعل أيّ شخص..و قد لاحظت هذا خلال تصرّفاتها السّابقة من رسم يوم أمس حتّى حشرها لنفسها في شجاره هذا الصّباح.
و لكن رغم ذلك، جزء آخر منها يأمرها بتجنّبه و الابتعاد عنه قدر الإمكان لأجل أن تتأكّد من أنّ سرّها لن يفضح، مع أنّ كلّ شيء يصيح بأنّه يعلم بالأمر كلّه و لم يتحدّث عنه بصريح العبارة و حسب.
ربّما لأنّه يريد أن يتأكّد من دافعها لفعل ما تفعله؟ ربّما فقط..
هذا بالطّبع إن كان يعلم من الأساس..لا تزال غير متيقّنة تماما.
أفاقت إيلينور من دوّامة أفكارها فور أن فرقعت لوسيا أصابعها أمام وجهها جاذبة انتباهها لها. ثمّ أردفت متسائلة:
«أين شردتِ لينو؟»
هزّت الأخرى رأسها بخفّة تنفض كلّ تلك الأفكار عن ذهنها قبل أن تبتسم مجيبة إيّاها:
«لا شيء. هل تريدين أن نصعد للسّطح؟ بعض الهواء النّقيّ سيحسّن مزاج كلتينا»
فكّرت لوسيا لثوانٍ قليلة قبل أن تومئ برأسها قائلة:
«مزاجي ليس معكّرا، و لكن لا أمانع فكرة الذّهاب إلى السّطح..هيّا بنا»
.
.
༺༺༺༺༻༻༻༻
.
.
كانت الأضواء الزّرقاء الخافتة تنعكس بخفّة على زجاج مرآة الحمّام مظهرة شكل الواقف أمامها بطريقة هادئة تناقض الفوضى الّتي يجرّها خلفه.
يمكنه الشّعور بلسعات جروحه بعد الكحول الّذي وضعه عليها. و هي مؤلمة حقّا..
وضع قطعة القطن الّتي كانت بيده جانبا و قرّب وجهه أكثر من المرآة يتفحّص ندوبه الجديدة بتمعّن بعدما انتهى من إزالة آثار الدّماء..ثمّ تنهّد بثقل بينما يحدّق في انعكاسه بشرود.
يبدو أنّ شجار اليوم قد خلّف آثارا أكثر من المعتاد..
لقد أفسد ذلك المغفّل وجهه حرفيّا..
لن يكذب و يقول أنّ الجروح الّتي حصل عليها لم تعجبه..و لكنّها مؤلمة قليلا و هذا أمر يضايقه بشدّة لدرجة قد يخرج الآن للبحث عن باهت الشّعر من أجل أن يحطّم عظام فكّه.
فتح رايدر علبة الإسعافات بجانبه و أخذ منها مرهما ما.
أزال الغطاء عنه ثمّ وضع القليل منه على عود قطنيّ و بدأ في وضعه على وجهه بخفّة محاولا عدم الضّغط بقوّة بينما راح يشغل نفسه بالتّفكير.
المكان هادئ جدّا..فكيف لا يغرق في أفكاره؟
لا يزال مشهد وقوفه مع باهت الشّعر أمام المدير يتكرّر في ذهنه..
Flashback
في ذلك الرّواق الخالي داخل مبنى الجامعة، كانت كلّ زاوية منه هادئة بشكل مبالغ فيه.
أو هذا ما كان ليظنّه أيّ شخص لم يمرّ بتلك الغرفة..
داخل ذلك المكتب، كان الحديث الّذي دار قابلا لأن يسمعه كلّ من يقف خارجا قرب الباب بشكل واضح تماما.
«لم أتخيّل قطّ أنّني قد أتصادف مع طلّاب جامعيّين بعقول أطفال طائشين! هل كلّ المشاكل تحلّ بالشّجار؟ انظرا لأنفسكما فحسب! ألم تريا ما تسبّب به كلّ واحد منكما للآخر؟»
تحدّث مدير الجامعة بصرامة معاتبا كلا الشّابّين و هو يقف أمامهما مباشرة بوقار و يداه متموضعتان خلف ظهره.
كان لكليهما الكثير من الكلام ليصرّحا به. و لكنّهما قرّرا الاحتفاظ به لأنفسهما بعدما أدركا حجم المشكلة الّتي قد وقعا فيها للتّوّ.
أحنى الفتى الأشقر رأسه قليلا يحدّق بالأرض بينما يستمع لكلمات ذاك الّذي أبى أن يتوقّف و يمنحهنا استراحة من ثرثرته.
أمّا رايدر، فقد كان يقف باستقامة واضعا يديه داخل جيوب بنطاله الرّياضيّ ينظر مباشرة في أعين المدير الّذي لم يكترث لذلك إطلاقا.
«بما أنّ هذه أوّل مرّة يصلني خبر شجار هيوغو أندريس. فسأطلب رؤية وليّ أمرك أنت فقط سيّد ميرفي؛ و هذا أمر قطعيّ»
ظهرت ابتسامة جانبيّة على شفتيّ هيوغو الّذي ظلّ يراقب رايدر مترقّبا ردّة فعله. و ما لبث أن قال فتى الفوضى بغير تصديق:
«وليّ أمر؟ هل أنا في الثّانويّة؟»
رفع المدير يده في وجهه مانعا إيّاه من المتابعة و أردف بصرامة أكبر:
«بما أنّك تصرّ على التّصرّف كالأطفال، فإجراءاتي ستكون وفقا لذلك»
End Of Flashback
لحسن حظّه أنّه قد أخبر شقيقه بالفعل أنّ عليه القدوم، و لم يعترض على ذلك.
هو ممتنّ لأنّ لديه أخا أكبر أفضل من كثير من الآباء..
شخص متفهّم يعامله كصديق أكثر من أخ أصغر تحت مسؤوليّته، لدرجة تعجل لا أحد يعرف رايدر ميرفي أكثر منه..
ترى، هل كان والداه سيكونان صارمين أم متفهّمين لفتى في مثل عمره لو لم يتخلّى عنه والده قبل أن يصل لعمر الثّانية و تتوفّى والدته بعد وصوله سنّ السّابعة؟
«رايدر، ألا تزال في الحمّام؟»
انتشله من تفكيره صوت ذاك الّذي فتح باب الحمّام ببطء يطلّ برأسه للدّاخل.
لمحه رايدر من المرآة ليلتفت خلفه بسرعة و يتمتم بتساؤل:
«رافاييل، ألم تنم بعد؟»
ابتسم المعنيّ بخفوت قبل أن يفتح الباب على مصرعيه و يدخل مغلقا إيّاه خلفه.
رفع يده و مرّر أنامله بين خصلات شعره البنّيّ الدّاكن ثمّ أردف بشكّ:
«لمَ تسأل؟ أكان يفترض بي أنام؟ لست تنوي الخروج لحضور أحد السّباقات الآن، صحيح؟»
«و إن كنت سأفعل، هل ستمنعني؟»
ضحك رافاييل بخفّة قبل أن يرفع كتفيه مجيبا:
«تعلم أنّي لن أمنعك. لكن أحقّا ستستغلّ تسامحي معك رغم أنّنا لم نحلّ مشكلتك بعد؟»
«أنا أمزح. لو كنت سأخرج لأخبرتك مسبقا»
ردّ موضّحا و هو يمنحه ابتسامة جانبيّة و يرفع ذراعيه مستسلما جاعلا من الآخر يهزّ رأسه متفهّما قبل أن يضيف مشيرا للأغراض على المغسلة:
«دعني أساعدك في تنظيف جروحك»
سرعان ما التفت رايدر خلفه و أعاد ترتيب كلّ ما استعمله بسرعة بينما يردف بامتنان:
«شكرا رافي، لكنّني قد انتهيت بالفعل»
لم يمنحه حتّى ثانية لينطق قبل أن يقترب منه بسرعة يسحبه معه للخارج قائلا:
«لنواصل حديثنا في الغرفة بينما نستعدّ للنّوم»
«حسنا..لقد جهّزت كوبيّ شاي بالفعل»
لم يعقب الآخر على كلامه و تقدّم معه إلى الغرفة حيث جلس رافاييل على سريره بينما اقترب رايدر من الخزانة يبحث عن ثياب مريحة ليرتديها.
«هل يمكنني ارتداء قميصك رافي؟»
تساءل و هو يسحب قميصا قطنيّا رماديّ اللّون و يلوّح به في وجه ذاك الّذي تنهّد بخفّة قائلا:
«يمكنك أخذه، و لكن بعد أن نتحدّث»
هزّ رايدر رأسه قبولا و أخذ القميص ثمّ تقدّم ليجلس على سريره يشابك ساقيه.
«أنا أسمعك»
نطق بجدّيّة يراقب أخاه الّذي كان يوجّه أعينه البنّيّة ناحيته قائلا:
«يفترض أن أكون من يستمع و ليس أنت. لم تخبرني بشيء أكثر من أنّ المدير طلب رؤيتي»
أشاح الآخر بوجهه بعيدا يتفادى النّظر له..
حسنا..لم يتوقّع أنّه سيواجه صعوبة في شرح ما حدث.
يمكنه أن يقول أنّه تشاجر مع مغفّل ما و طفح كيل المدير منه.
و لكن إن سأله عن سبب الشّجار، هل سيكذب؟ هذا محال.
لا يمانع إخباره عن السّبب الحقيقيّ. و لكنّ الأمر يبدو محرجا نوعا ما..
«رايدر، هل فقدت صوتك؟»
وصله صوت رافاييل السّاخر جاعلا منه يعيد انتباهه له..
أحنى رأسه إلى الأمام بقلّة حيلة مسقطا خصلاته السّوداء على وجهه بينما يجيب قائلا:
«لقد تشاجرت مع فتى ما هذا الصّباح. و قد طلب ذلك العجوز الخرف رؤيتك»
كلّ ما وصل مسامعه صوت همهمات الجالس أمامه أتبعها بتساؤله:
«و لماذا تشاجرت معه؟»
«لقد استفزّني»
«كيف؟ نظرات؟ كلمات؟»
تنهّد رايدر بخفّة قبل أن يرفع رأسه بحركة سريعة ينظر لأخيه ملقيا بما لديه دفعة واحدة:
«لقد حصلت على رسمة لي من أحدهم و قد مزّقها ذلك الوغد..أيكفيك هذا كسبب؟»
هزّ الآخر رأسه قبولا ثمّ أردف مؤكّدا:
«أجل. هذا سبب مقنع..و لكن أريد أن أسألك أيّ رسم هذا؟ أهو نفسه صاحب الرّسومات الّتي داخل حقيبة ظهرك؟»
رفع يده يشدّ على خصلاته من الخلف محاولا استذكار شيء ما بينما يتمتم:
«قرأت التّوقيع على إحداها و لكن لم يتوضّح لي الاسم»
أعاد أعينه ناحية رايدر منتظرا إجابته. فقط ليجده متصنّما مكانه يحدّق به بصدمة..
هل رأى رافاييل الرّسومات؟ متى حدث هذا و لماذا لم يخبره قبلا؟
«متى وجدت الوقت لفتح حقيبتي يا هذا؟»
لوّح المعنيّ بيديه نافيا و أردف محاولا التّوضيح:
«لم أكن أفتّشها أو ما شابه..وجدتها قبل يومين تقريبا عندما احتجت قلما...كنت تستحمّ لذلك لم أسألك»
زفر رايدر بضيق و عاد بجسده إلى الخلف ملقيا به على السّرير.
«ألم تكن تريد أن أراها؟»
تساءل رافي و هو يسترق النّظر لوجه أخيه الّذي مدّد يديه و هو يحدّق بالسّقف مجيبا:
«لا بأس بما أنّه أنت. و لكن عليك إخباري حتّى لا تصدمني في المرّات القادمة»
ضحك الآخر بخفّة قبل أن يومئ برأسه قبولا. ثمّ أردف متناسيا الموضوع:
«لدي اجتماع عمل مع مديرة شركة نوفابيكسل للألعاب...لقد طلبت عقد تعاون مع فريقنا، و لكنّني سآتي معك قبل الذّهاب»
سرعان ما استقام رايدر من مكانه و قد ظهر التّفاجئ على ملامح وجهه. و قبل أن يتسنّى للآخر قول شيء حتّى صاح بعدم تصديق:
«هل أنت جادّ؟ هذا رائع حقّا! يبدو أنّ عملك الجادّ قد بدأ يؤتي ثماره. ما نوع العمل إذا؟»
رمش رافاييل للحظات يستوعب ردّة فعل شقيقه قبل أن يقهقه بخفّة مستلطفا إيّاه و الطّريقة الّتي غيّر بها مجرى حديثهما. ثمّ أجابه مجاريا إيّاه:
«لقد أعجبت الرّئيسة بآخر لعبة أطلقناها و راسلتني عبر البريد الإلكترونيّ مؤّخرا تطلب عقد تعاون لأكون المطوّر الرّئيسيّ للعبتهم الجديدة..لم تمانع كون فريق عملي لا يزال في بدايته و حقيقة أنّ كلّ أعمالنا تنجز في مكتب واحد، لذا سألتقيها يوم غد حتّى نتحدّث حول الموضوع»
«سعيد حقّا أنّك تحقّق حلم طفولتك رغم كلّ ما واجهته من عوائق»
عقد حاجبيه بنوع من الاستنكار عند ذكر كلمة "عوائق"..فهو يدرك جيّدا مقصد رايدر من هذه الكلمة.
عوائق..
هو يقصد كلّ شيء من دون استثاناء، و هذا أمر مزعج جدّا.
«رايدر..»
نبس بهدوء و قد تحوّلت نبرته السّعيدة لأخرى جادّة بشكل مبالغ فيه. و قبل أن ينطق الآخر أضاف معاتبا:
«إيّاك و ذكر هذه الكلمة مجدّدا. رعايتي لك لا شأن لها بصعوبة تحقيقي لحلمي..أنا ممتنّ لبقاء أخي الأصغر معي بدلا من العيش وحيدا»
كلماته تلك و رغم النّبرة الّتي قيلت بها، كانت مريحة لمسامع رايدر.
و لكن هذا لا يعني أنّه قد اقتنع بذلك.
لا أحد يمكنه إنكار أنّ رافي قد واجه صعوبة في تربيته، و ها هو ذا يتصرّف و كأنّ الأمر لا شيء.
من الجيّد رايدر قد استطاع تقبّل أنّ كلّ ما حدث لم يكن بيد أيّ منهما، لذا هو لا يلوم نفسه كذلك.
«هذه الحقيقة فحسب. لكن لا تقلق فأنا لست أحمّل نفسي الذّنب رافاييل»
أجابه بلا مبالاة و هو يرفع كتفيه بخفّة قبل أن يمدّد ذراعيه في الهواء و يتثاءب مضيفا:
«أشعر بالتّعب، هل ننام؟ عليك أن ترتاح إن كنت تريد إجراء لقاء لائق رافي»
نطق فجأة من العدم مغيّرا الموضوع تماما حتّى يمنع نفسه من التّفكير فيه. و لم يعترض الآخر على ذلك حينما ابتسم قائلا:
«لا تنسَ تغيير ثيابك قبل النّوم»
لم يعقب رايدر على كلامه و تقدّم مجدّدا من الخزانة يأخذ بنطالا قبل أن يسير لخارج الغرفة من أجل التّغيير. و قبل أن يخطو عتبة الباب، وصل مسامعه صوت رافاييل الّذي صاح من مكانه:
«في المرّة القادمة اختر مكان الشّجار بعناية حتّى لا يوقفك أحد»
ارتسمت ابتسامة جانبيّة على شفاه الفتى السّيّء الّذي راقت له تلك الكلمات، ثمّ أدار رأسه ينظر لأخيه من فوق كتفيه مجيبا إيّاه:
«سأحاول تذكّر ذلك»
غادر بعدها رايدر تاركا رافاييل بمفرده داخل الغرفة..ليستلقي هذا الأخير و يغطّي جسده استعدادا لأن يغفو.
و قبل ذلك كان على ذهنه أن ينشغل قليلا و يرغمه على استذكار بعض من لحظات الماضي..
رايدر..
لقد قضى خمس سنوات و نصف من حياته من دون أب قبل أن تتوفّى والدته كذلك و ها هو ذا لا يكترث بذلك حتّى و كأنّ طفولته لم تكن قطّ جزءا منه.
يمكنه أن يشعر بالفخر لأنّه قد نجح في تنشئة فتى قويّ البنية و الشّخصيّة. و الأهمّ من كلّ ذلك، فتى صريح معه في كلّ شيء.
«يا له من طفل»
تمتم رافاييل بصوت خافت و هو يضحك بخفّة؛ أخوه قد كبر بسرعة حقّا.
سحقا لكلّ من والديهما؛ الأهمّ أنّ رايدر بخير و يعيش حياة جيّدة برفقته. حتّى و لو كان يرتكب بعض الأخطاء من حين لآخر.
أو بالأصحّ، في أغلب الأحيان.
لكن وجدت الآخطاء لنتعلّم منها، صحيح؟ إذا لا يهمّ كم منها يرتكب.
_aerithra_