ربما هي فرصة

ربما هي فرصة

19 0

____________________________________________

كان كلّ شيء غارقا في العتمة...الصّمت مطبق على المكان، وكلّ ما يُرى هو سواد خالص.

لقد استفاقت للتّوّ..

امتدّت يدها إلى مقدّمة رأسها تضغط عليها بخفّة، بينما تفتح جفونها المثقلة ببطء شديد، تسمح لنور الصّباح بأن ينير بصرها شيئا فشيئا.

دعكت عينيها بأطراف أصابعها تحاول التّأقلم مع درجة الإضاءة المرتفعة، قبل أن تزيح يديها من على وجهها تضعها على الغطاء، وتجول ببصرها في أنحاء الغرفة بخمول.

رائع، على الأقلّ هي في غرفتها بدلا من غرفة مستشفى أو كوخ خشبيّ كالأفلام..

لا تزال تشعر بصداع خفيف من مساء اليوم الماضي، رغم أنّها قد صعدت لغرفتها فور دخولها المنزل مباشرة، ومن دون أن تتناول العشاء حتّى... لقد كان مساءً مرهقا لها ومستنزفا لطاقتها.

قد لا تبكي لشهر كامل بعد وابل الدّموع الّذي ذرفته عند المقبرة..

لكن، ألا يفترض أنّها قد أخذت قسطا كافيا من الرّاحة؟ لماذا آثار آلام الأمس لا تزال عليها؟

المنطق لا يقوم بعمله حاليّا..

أغمضت عينيها ثانية بهدوء، تتنهّد بخفّة دافعة بجسدها للأعلى قليلا لتجلس على سريرها، مسندة ظهرها إلى الوسادة.

لم تكد تعدّل وضعيّتها جيّدا، حتّى عاودت فتح جفونها مجدّدا حالما سمعت صوت الباب وهو يُفتح ببطء.

«استيقظتِ؟»

كان ذلك الصّوت الهادئ لناتالي الّتي تساءلت بقلق بينما تدلف إلى داخل الغرفة وهي تلقي بعسليّتيها على أختها، وتتقدّم برويّة تاركة الباب مفتوحا خلفها، لتضيف قائلة:

«أتيت لأطمئنّ عليك، لكن من الجيّد أنّك مستفيقة.. كيف تشعرين؟»

أنهت عبارتها وهي تجلس على طرف السّرير على مهل، تميل بجذعها قليلا ناحية إيلينور وتمدّ يدها نحو جبينها تتحسّسه بظهر كفّها.

«بخير، مجرّد آثار صداع خفيفة...ليس شيئا يدعو للقلق»

أجابت هذه الأخيرة بخفوت وهي تتبع بعينيها تحرّكات ناتالي، والّتي ردّت مباشرة بجدّيّة تامّة بينما تواصل تحسّس جبين الأخرى:

«بل هو كذلك، من الجيّد أنّك لم تذهبي للجامعة اليوم»

علت إيلينور بحاجبيها تفاجئا للحظة، تدفع يد ناتالي ببطء ورفق مستفسرة:

«كم السّاعة الآن؟»

«الحادية عشر صباحا»

رمشت إيلينور مرّتين بعدم تصديق تستوعب الّذي سمعته، قبل أن تعبس بخفّة متذمّرة:

«لماذا لم توقظيني؟ بإمكاني الحضور، أنا على ما يرام»

«لكنّ أختك ترى بأنّ بقاءك هنا ليوم آخر أفضل لك»

أصرّت ناتالي على ذلك وهي تربّت على رأسها، تجعلها تتنهّد مغمضة عينيها بقلة حيلة وتعود بظهرها إلى الخلف ببطء لتستلقي، بينما تسمع صوت ناتالي الّتي أضافت محاولة إقناعها:

«لا يعقل أنّك لا تشعرين ولو برغبة صغيرة في الرّاحة ليوم آخر دون التّفكير في أمر الجامعة»

«لا بأس، لا حيلة لديّ»

ردّت مستسلمة للأمر الواقع، تكتفي بمنح لحظات استرخاء قليلة لذهنها بدلا من التّفكير في تغيّبها المفاجئ عن الجامعة.

هي لن تذهب اليوم وانتهى الأمر... لا داعي لتستنزف طاقتها أكثر.. سيتعين عليها فقط إيجاد شخص تأخذ الملاحظات منه.

ارتسمت ابتسامة خافتة على شفاهها تدريجيّا حالما سمعت صوت ضحكات ناتالي الّتي مالت ناحيتها تعدّل وضع الوسادة قائلة:

«هذا أفضل لك.. اعتبريه يوم راحة من كلّ شيء، وكمعروف لي حتّى آخذ يوم راحة إضافيّ أنا الأخرى قبل عودتي للعمل غدا، وأنجح في الظّهور كأخت كبرى مراعية ومسؤولة»

«أنتِ كذلك بالفعل، من سيجرؤ على قول العكس؟»

أجابتها مقهقهة بينما تفتح جفنيها ثانية بهدوء تتأمّل شكلها... بدت ملامح وجهها مسترخية، لكنّها لتوّها لاحظت شيئا..

هالاتها واضحة على غير العادة... ألم تنم جيّدا اللّيلة الماضية؟

«ناتالي.. ما خطب وجهك؟»

«وجهي؟»

كرّرت كلمات إيلينور بعدم فهم، تمدّ أصابعها لوجهها تتحسّسه محاولة اكتشاف الخطب به، حينما أومأت الأخرى بخفّة موضّحة مقصدها:

«أجل، لديك هالات داكنة أسفل عينيك... هل سهرتِ وأنتِ تعملين؟»

ارتفع حاجبا ناتالي بإدراك، تسارع في هزّ رأسها نافية بينما تجيب وقد ظهر التّردّد في نبرة صوتها:

«أنا؟ لا، إطلاقا... كان مجرّد أرق بسيط»

«اعترفي، لم تعملي ولكنّك كنتِ تفكّرين بالعمل»

أطالت الأخرى التّحديق في إيلينور، تراها تبادلها بنظرات أكّدت لها بأنّها لا تصدّقها، ما جعلها تزفر بقلّة حيلة وتشيح بوجهها بعيدا قائلة:

«ليس حرفيّا، لكنّه جزء من العمل»

ضاقت عينا إيلينور بشكّ تطالع أختها محاولة التّأكّد من صحّة ما يدور بذهنها، لكنّها لم تكد تتساءل عمّا بخاطرها حتّى سبقتها ناتالي الّتي استقامت من مكانها مردفة:

«لا تفكّري كثيرا... استرخي فحسب حتّى تستعيدي عافيتك كاملة»

ألقت لها بابتسامة دافئة، ثمّ أضافت بسرعة تغيّر الموضوع متعمّدة:

«سأخرج لشراء الحاجيّات بعد قليل... هل هناك ما تحتاجينه قبل ذهابي؟»

«هل أخذي معكِ يُحتسب؟»

أجابت إيلينور دون تردّد تميل برأسها للجانب وقد زيّنت وجهها ابتسامة مشرقة لم تنجح في إخفاء إعيائها كلّيّا، لكن سرعان ما سقطت حالما هزّت ناتالي رأسها رافضة الفكرة:

«لا، تحتاجين البقاء في المنزل والرّاحة»

«أريد الخروج... سأبقى في السّيّارة، لا مشكلة»

أصرّت بعناد تجعل من شقيقتها تتنهّد بيأس قبل أن تسارع في شرح سبب عدم رغبتها في أخذها:

«لكن‌ الأمر ليس‌ــ»

توقّفت فجأة عن الحديث، تجد نفسها تتأمّل الأعين العسليّة الّتي كانت تحدّجها...

نظرات إيلينور الآن... تشبهه بشدّة

هل قرّر ناثانيل العودة للحظات ليتجسّد على هيئة ابنته؟ أم أنّ جيناته قد قرّرت أن تعمل الآن فقط؟

شردت ناتالي في وجهها لبرهة، ثمّ وجدت نفسها تطلق نفسا عميقا وهي تدعك عينيها بيد بينما استقرّت الأخرى على خصرها

«لا شيء... يمكنك القدوم، لكنّك ستخبرينني إن ساءت حالك»

اتّسعت ابتسامة إيلينور، تشدّ على طرف بطّانيّتها وتجيب بنبرة حاولت بها طمس إرهاقها حتّى لا تغيّر الأخرى رأيها:

«بكلّ سرور!»

ارتفع طرفا شفاه ناتالي في ابتسامة جميلة، قبل أن تستدير وتخطو ناحية الباب قائلة:

«خذي وقتك في الاستعداد، لست مستعجلة»

كلّ ما صدر عن إيلينور، كان همهمة مسموعة دليلا على فهمها.. لكنّها لم تكن تعكس السّعادة الّتي غمرتها في هذه اللّحظة.

هي تشعر بالاختناق في الغرفة، وقضاء بعض الوقت خارج جدران المنزل سيكون كفيلا بتحسين نفسيّتها، حتّى ولو داخل السّيّارة.

رغم أنّها تنوي في الواقع الالتصاق بناتالي ومرافقتها رغما عنها عند وصولهما..

«لينو..»

توقّفت عن الحراك فجأة حالما وصلها صوت ناتالي مجدّدا، تراها واقفة مكانها عند عتبة الباب، لا تزال توليها بظهرها بينما تحدّق في السّقف الخالي.

اعتقدتها قد غادرت بالفعل..

«لن أقبل تغييرك لرأيك نات نات»

أجابت بنبرة ساخرة وهي تضمّ ذراعيها لصدرها، تؤكّد لناتالي جدّيّتها التّامّة في ما تقوله، لكنّ الأخرى لم تفعل شيئا سوى أنّها التفتت نحوها تواجهها بجسدها، مطلقة ضحكة مستمتعة قبل أن تعقب ملوّحة بيدها:

«أعجبني تقليدك للوسيا، لكن ليس الأمر كذلك... أردت سؤالك عن أمر ما»

«أنا أسمعك»

«تذكرين نصيحتك لي المرّة الماضية؟ لنقل إنّي أخذت بها -أو حاولت ذلك على الأقلّ-، ما الّذي يجدر بي القيام به؟ لم أفكّر في فعل شيء كهذا قبلا»

لاحظت الطّريقة الّتي افترقت بها شفاه إيلينور فجأة، ترفع كلتا يديها لتستقرّا فوق رأسها وتجيب كأنّها تحاول عدم التّعرّض لأثر الصّدمة:

«تقصدين أمر شقيق رايدر؟! كنت أشكّ في ذلك لكنّي لم أرد الجزم! لهذا السّبب لم تنامي ليلة أمس، ألست محقّة؟»

«لستِ مخطئة تماما على الأقلّ... كنتُ أفكّر ليلا في ما يجدر بي البدء به عند عودتي للعمل رسميّا، وتذكّرت أمر الاجتماع المؤجّل...»

«ثمّ تذكّرتِه؟»

«لا، بل تذكّرت الرّسالة الّتي أرسلها يسأل عن صحّتك... وما قلتِه لي قبلا عن تجربة مجاراته»

امتدّت يد ناتالي إلى رقبتها تدلّكها برفق، قبل أن تتنهّد بثقل وتضيف:

«لم أرتح حتّى لإرسال كلمة شكر... وقادني هذا للتّفكير في كلّ احتمالات ما قد يؤول إليه الأمر لو دفعت نفسي لمجاراته مرّة بدافع الفضول، بصفته شخصا يريد تكوين علاقات عمل جبّدة كما يبدو.. صنعت الكثير من السّيناريوهات المحتملة، بعضها به نهاية سيّئة، والأخرى..»

تردّدت للحظة، لكنّها رغم ذلك واصلت:

«لا توجد أخرى في الواقع، لم أستطع تخيّل أيّ نهاية عاديّة لفعل هذا، كلّها انتهت في عقلي بالنّدم»

هذا لم يكن متوقّعا إطلاقا.. يبدو أنّ تأثير الأشقّاء على بعضهم أكبر وأشدّ ممّا يقال عنه.

بحسب معرفتها بها خلال الإحدى وعشرين سنة الّتي عاشتها معها، لم تتوقّع أن تضع ناتالي ذلك في اعتبارها فعليّا لدرجة أن تحاول تخيّل نهايات للأمر، لذا هذا حقّا مثير للصّدمة.

«مثير للاهتمام رغم غرابة الأمر.. وما المطلوب منّي؟»

علّقت إيلينور بفضول حول الّذي تخفيه ناتالي في جعبتها، والّتي أجابتها بنبرة محمّلة بالجدّيّة:

«أردت أخذ رأيك في ما يجدر عليّ فعله... لا أحد أثق به أكثر منك، ولا أريد أن ينتهي بي الأمر نادمة، وإن حدث، فأنا بحاجة لمن ألقي عليه اللّوم»

ضاقت عينا الأخرى بريبة تحاول منع نفسها من إبداء ردّ فعل غير مناسب على الوضع الغريب وتخريب جدّيّة الموقف، ثمّ أردفت بنبرة تحمل بعضا من التّهكّم:

«أظنّ.. شكرا على رغبتك في التّضحية بي؟ سأساعدك على كلّ حال»

«إن فعلت، فقطعا سيكون لفترة وجيزة فقط، فليست سوى مدّة وينتهي عقد العمل بينه وبين الشّركة... لا أعتقد أنّ بإمكاني تحمّل أكثر من ذلك»

برّرت ناتالي موقفها حتّى لا تدع ذهن أختها يذهب أبعد ممّا ينبغي، لكنّ الأخرى لم تعر أيّا من هذا اهتمامها وصبّت جامّ تركيزها على نقطة واحدة فقط.

«لم أكن أعلم أنّ تأثير الأخوات بهذه القوّة... لازلت مندهشة من أخذك لاقتراحي العشوائيّ هذا بعين الاعتبار»

تمتمت بانبهار تسمح لابتسامة مستمتعة أن تشقّ وجهها، وقد بدا عليها أنّها قد نسيت تماما أمر إنهاكها.

«لستُ أقلّ اندهاشا منكِ صدّقيني»

ردّت ناتالي وهي تزفر رافعة كتفيها بقلّة حيلة، لتقهقه إيلينور بخفّة وتردف معيدة الكلام إلى مجراه:

«المهمّ الآن، لأفكّر بخطوة لتبدئي بها»

علت بعسليّتيها إلى السّقف ناصع البياض، تتأمّله سامحة لنفسها بالغوص في التّفكير قليلا، ولم تكن سوى لحظات معدودة حتّى عادت لتطالع ناتالي وتخاطبها موجّهة سبّابتها ناحيتها:

«ما رأيكِ أن تبدئي برفع الكلفة قليلا؟ "السّيّد رافاييل" قد تبدو أكثر ودّا من "السّيّد ميرفي"»

«إطلاقا... أيّ شيء آخر عدا هذا»

«متحفّظة جدّا... ما رأيك إذا لو تتصرّفين على طبيعتك وحسب؟»

«تعلمين أنّ لا شيء سيتغيّر لو فعلت ذلك»

«لا، لا، ليس طبيعتك الدّفاعيّة مع الذّكور.. أقصد أن تتصرّفي وكأنّك مع إحدى صديقاتك»

علّقت إيلينور تشرح مقصدها، ولم يبدُ لها أنّ هذا الاقتراح أيضا قد راق ناتالي.. فقد هزّت رأسها فورا بالنّفي مصرّحة:

«ليس لديّ وقت للأصدقاء، هناك كورالين حاليّا فقط»

«ليكن كذلك إذا، حينما ترينه، تخيّليه على أنّه كورالين، واسمحي لنفسك بالتّصرّف على هذا الأساس»

سرعان ما طرقت مخيّلة ناتالي تصوّرات لنفسها وهي تتصرّف بهذه الطّريقة، وكلّ ما استطاعت القيام به كردّ فعل هو الشّعور بالقشعريرة تسري في جسدها، وهزّ رأسها باشمئزاز.

هي تضحك مع رجل كما قد تفعل مع كورالين؟ مقزّز، ومثير للاشمئزاز لأبعد الحدود.

لا..

هذا لا يمكن أن يحدث..

على جثّتها..

«هذا غريب نوعا ما.. لن أتحدّث مع كورالين عن اجتماعات اللّعبة حتما»

كان ذلك أفضل ما استطاعت المجيء به لإبداء اعتراضها على الفكرة، وذلك فقط جعل شقيقتها تضع يدها على جبينها برفق بدل صفعه متجنّبة إيذاء نفسها، وتحرّك رأسها بيأس متمتمة:

«أنتِ.. سيّئة في هذا كثيرا، أليس كذلك؟»

رفعت ناتالي كتفيها بقلّة حيلة، وقد كان ذلك الجواب الوحيد الّذي كان بحوزتها.

الأمر ليس سهلا.. خصوصا وأنّها في أعماق دواخلها، لا تريد فعل ذلك حقّا.

من الصعب فقط أن تشرح أو أن تفهم هي بنفسها ذلك الشّعور المفاجئ الّذي تكوّن بداخلها، مطالبا إيّاها بخوض تجربة غريبة، مزعجة، وسخيفة كهذه.

وصلتها تنهيدة إيلينور العميقة، تراها تطرق بأصابعها فوق بطّانيّتها وكأنّها تحاول ترتيب أفكارها، وذلك قبل أن تنطق أخيرا موضّحة أكثر وهي تستعمل كلتيْ يديها في الشّرح:

«مواضيعك مع كورالين، ستبقى مع كورالين، ومواضيعك مع ميرفي ستبقى معه... الشّيء المشترك الوحيد بينهما سيكون أسلوب تعاملك»

«فهمت مقصدك، لكن سأصدقك القول.. لا يزال التّفكير بذلك غريبا.. قد أحاول، لكنّني في الغالب سأفكّر أكثر بعد»

ساد الصّمت غرفة النّوم تلك للحظة، جالت خلالها ناتالي ببصرها في الأرجاء تشعر بثقل الهواء المفاجئ، ما جعلها تضيف مغيرة الموضوع حالما شعرت بمدى غرابة الوضع، وببرودة تلفح جسدها:

«ألم تقولي أنّك تودّين مرافقتي؟ تجهّزي بسرعة، يمكنك ألّا تبقي في السّيّارة»

علت إيلينور بحاجبها في تفاجئ من كلام ناتالي، وقبل أن يتسنّى لها النّطق بشيء بدا أنّ ناتالي قرأت تعابيرها حينما سبقتها قائلة:

«أجل، غيّرت رأيي»

اكتفت الأخرى بالإيماء قبولا تطرح التّساؤلات داخلها، ترى ناتالي تلتفت مغادرة الغرفة قاصدة خاصّتها، تاركة إيّاها بمفردها لأجل أن تجهّز نفسها للخروج.

جلست إيلينور مكانها لثوانٍ قليلة تحدّق بمكان الباب حيث وقفت شقيقتها للتّوّ، تحاول استيعاب الأمور قليلا.

لا يمكنها حتّى اختيار ما إذا كان عليها التّفاجئ أو الانفجار ضحكا من شدّة غرابة كلمات ناتالي.

كلمات لو أخبرها أحدهم أنّها تفوّهت بها لاتّهمته بالكذب فورا.

لكن، النّفس البشريّة في نهاية المطاف مليئة بالمفاجآت والرغبات غير المبرّرة.. أليس صحيحا؟

.

.

༺༺༺༺༻༻༻༻

.

.

كان موقف السًيّارات شبه خال في ذلك الوقت؛ كلّ من ركنوا سيّاراتهم سابقا قد غادروا لقضاء حوائجهم، ولم يتبقَّ سوى القليل ممّن عادوا لتوّهم يهمّون بالمغادرة.

ومن بين كلّ هؤلاء، كان شابّ واحد فقط يجلس داخل سيّارته يحدّق عبر النّافذة الأماميّة بشرود، يراقبّ الذّاهب والآتي بينما يغوص في تفكيره اكثر فأكثر.

لقد كان من الصّعب عليه التّصرّف بطبيعيّة أمام رايدر يوم أمس، لذلك لم يكن بمقدوره تحمّل العودة للشقّة مبكّرا، وحاول التّأخّر قدر الإمكان.

لحسن الحظّ أنّ أخاه لم يعد حتّى تخطّت السّاعة منتصف اللّيل، وبالكاد تحدّثا قبل أن يخلدا للنّوم.

ومع ذلك، استصعب الصّمت بشدّة أمام رغبته في استفراغ كلّ الأفكار والكلمات الّتي بداخله، حتّى يرتاح ويغدو أفضل حالا.

يمكنه الشّعور بضغط ذلك داخل رأسه، ولن يستغرب فعلا من نفسه لو انهار باكيا في أيّ وقت قريب.. هو يقرّ بكلّ شجاعة أنّ الحمل الّذي يثقل كاهله أكبر من أن يتجاهله أو يتحمّله..

هل كان رين جادّا في صدّه له بتلك الطّريقة؟ لا يمكنه تصديق أنّ كره رايدر له يروقه لهذه الدّرجة.. بل وأنّه قد طلب منه أن يكرهه هو الآخر! أهذا كلّه حتّى يحافظ على المسافة الّتي صنعها بينهم؟

زوجة جديدة، ابن جديد... ومسؤوليّات جديدة اختار حملها، ثمّ ألقى بالقديمة خلف ظهره كالقمامة من دون أن يكلّف نفسه عناء السّؤال عنها..

«سحقا لكلّ هذا..»

تمتم بضيق وهو يمسح وجهه بكفّيه بعنف، ليمرّرهما بعدها عبر خصلاته البنّيّة مطلقا نفسا عميقا.

لا يمكنه حتّى أن يكرهه حقّا رغم ذلك..

هو يكره تصرّفاته غير المسؤولة، ويكره نبرة الصّوت الّتي خاطبه بها، والنّظرات الّتي وجهّها له.. ويكره الشّعور السّيّء الّذي بعثه فيه، لكنّه لا يكرهه.

هو لا يكره والده رين ميرفي.. ولا يعلم لماذا لا يفعل.

ربّما هي فقط ذرّة الأمل داخله الّتي تجعله يصدّق بأنّه قد يعيش دفء العائلة مرّة أخرى.. ربّما هو جشع لدرجة أنّ دفء الأخوّة وحده لا يكفيه.

أجل، ربّما هو كذلك..

«آه!»

تأوّه متذمّرا بينما يبعثر بيديه المستقرّتين فوق رأسه شعره بعنف، قبل أن يلقي برأسه على المقود زافرا بإرهاق.

مزاجه معكّر لدرجة لا تسمح له حتّى بمغادرة السّيّارة لأجل التسوّق.

سيجذب انتباه النّاس له من دون ضرورة فحسب.. خاصّة وإن التقى بشخص يعرفه هنا .

عليه أن يتمالك نفسه قليلا قبل أن يستطيع السّماح لأيّ أحد برؤيته، هذا إن لم يعدل عن قراره ويعد للشّقّة من دون بقالة.

رفع رافاييل رأسه قليلا عن المقود، يمسح ببصره موقف السّيّارات عبر زجاج النّافذة الّتي قربه.

تراجع بظهره إلى الخلف ببطء، يتّكئ على ظهر مقعده، يواصل المراقبة بصمت، قبل أن تنزلق عيناه إلى المرآة الجانبيّة، وذلك ما جعله ينتبه لسيّارة حمراء من بعيد تدخل الموقف.

ازداد وضوح ضجيجها مع اقترابها أكثر، يضفي على انزعاجه المتراكم المزيد منه.. هو حقّا في أمسّ الحاجة للهدوء الآن.

واصل تتبّع السّيّارة بعينيه من دون وعي، يراها تُركن على مقربة منه، بشكل يوازي سيّارته، على بعد ثلاثة مواقف أو أربعة تقريبا.

ولوهلة، خُيّل له أنّه قد رآها من قبل.

هزّ رأسه إلى الجانبين بخفّة، يبعد الفكرة عن رأسه.. لا، هو حتما يتخيّل.. ليست هي.

كانت بنّيّتاه لا تزالان على السّيّارة حينما فُتح بابها، وكان أوّل ما استقبل ناظريه هو تسريحة ذيل الحصان المرتّبة الّتي تميّز شخصا واحدا يعرفه.

ناتالي هارفي، لقد كانت هي حقّا.

وفي لحظة، تلاشت كلّ الأفكار المزعجة الّتي كانت تؤرقه تحت وطأة المفاجأة.

ناتالي هنا؟ في هذا الوقت؟ لم تبدُ كشخص يمتلك أوقات فراغ تكفي للتّسوّق. لو انتهى دوامها مبكّرا لجزم أنّها تعمل دواما آخر في منزلها.

لم يدرك بأنّ نظراته المطوّلة لها كادت تخترق جمجمتها، سوى حينما التفتت خلفها فجأة، كأنّها أحسّت بثقل نظراته عليها، والتقت أعينهما مباشرة.

لم تخفَ عليه الطّريقة الّتي افترقت بها شفتاها لثانيتين، قبل أن تتجاهل وجوده وتعاود الالتفات ناحية السّيّارة وكأنّها تحادث أحدا.

حسنا، لم يكن ليتوقّع شيئا آخر منها..

انتقلت عيناه بهدوء ناحية مقعد المرافق، وبالفعل استطاع أن يلمح هيئة فتاة بشعر أسود طويل في الدّاخل.

أغلب الظّنّ أنّها أختها.

عادت حدقتا رافاييل لتستقرّا على ناتالي، يلقي عليها نظرة أخيرة ليحفظ شكلها، قبل أن يهوي بجبينه على المقود ثانيةً.

وكأنّ مشكلة رين وحدها لا تكفي، ها هي الأخرى تأتي لتذكّره بأنّه ليس الوحيد الّذي يستمرّ في صفع الباب في وجهه.

رُفض مرّتين..

لعلّ بعض الحنان كان ليعوّض شيئا من جرحه الأوّل، لكنّه لا ينال أيّا منهما.

دعس والده وجوده، وناتالي بالكاد تسمح له بالاقتراب..

أطلق تنهيدة خافتة، يرفع رأسه مرّة أخرى قبل أن يترك المقود علامة على جبينه.. ومن دون تفكير، وجد نفسه يعاود التّحديق بالمكان الّذي وقفت به قبل قليل.

وقد كانت لا تزال في مكانها تحدّث الفتاة الجالسة في الدّاخل.

لحظتها، توقّفت كلّ الفوضى الّتي بداخله، وراح يتساءل في نفسه..

هل هذه إشارة له ليحاول الاقتراب منها الآن؟

طرق بقدمه أرضيّة سيّارته مرّتين، ليحسم أمره فورا ويفتح الباب تاركا مكانه بسرعة.

صفعه خلفه، ثمّ انصاع لخطواته الّتي قادته باتّجاهها، يقترب شيئا فشيئا.

التفتت ناتالي حينها، لتقع عيناها عليه، وقبل أن يرى ردّة فعلها زحفت عيناه للفتاة الّتي خرجت من المركبة، تلاحظ نظرات الأخرى بينما تقف إلى جانبها، لتلقي بصرها عليه هي الأخرى.

لاحظ حينما تمتمت الفتاة بشيء ما جعل ملامح ناتالي تتجهّم قليلا، لكنّه لم يعر ذلك انتباها وواصل التّقدّم بهدوء إلى أن وقف أمامها مباشرة بابتسامة ودودة على وجهه تخفي صوت الطّبول التّي كانت تقرع بداخله.

«صباح الخير آنسة هارفي، إنّها لمفاجأة رؤيتك هنا»

Flashback

«لا تشعرين بدوار، صحيح؟»

تساءلت ناتالي بينما تجول ببصرها حول الموقف بحثا عن مكان مناسب لركن سيّارتها، تسمع إيلينور تجيبها:

«لا، أنا بخير»

«جيّد»

ردّت بهدوء بينما تقدّمت حينها من مكان فارغ لمحته، تسارع للرّكن فيه.

«لا تنسي هاتفك في السّيّارة»

أضافت وهي تفكّ حزام الأمان، وتشرع في الخروج منها، تمسح المكان بعسليّتيها.

لكنّها توقّفت عن الحركة للحظة فور أن وقع بصرها على سيّارة معيّنة.. بل تحديدا شخص معيّن كانت آخر توقّعاتها أن تراه في مكان كهذا.

السّيّد ميرفي..

وقد كانت عيناه بدوره عليها..

لم تنتظر ناتالي ثانية أخرى، وسارعت في إزاحة بصرها بعيدا عنه، تعود للتّركيز على إيلينور الّتي كانت تعدّل ثيابها.

«لماذا اخترتِ هذه السّترة إن كانت تزعجك؟»

«لا أعلم صدّقيني، أخذت أوّل ما وقعت عليه عيناي»

ردّت متذمّرة وهي تنفض ثيابها لآخر مرّة قبل أن تخطو خارج السّيّارة، تقف باستقامة ملقية عينيها على ناتالي، لتجدها منشغلة بالتّحديق في جهة أخرى تماما.

تتبّعت مكان تحديقها هي الأخرى، لتتفاجأ برؤية رجل ما يقترب ناحيتهما.

«السّيّد ميرفي؟»

تمتمت ناتالي بمزيج من الصّدمة وعدم الارتياح، تجعل إيلينور تدرك لحظتها هويّته.

هذا هو الرّجل الّذي يعمل مع شركة نوفابيكسل حاليّا؟ شقيق رايدر نفسه؟

لم تدرك إيلينور حينما ارتسمت على شفاهها ابتسامة جانبيّة، قبل أن تتمتم بصوت وصل مسامع ناتالي:

«توقيت مثالي، تعلمين ما نسمّي هذا؟ القدر»

«ليس الوقت المناسب للسّخرية لينو»

End Of Flashback

حدّقت به ناتالي محافظة على حياديّة ملامحها، تدفع نظّاراتها الرّفيعة على جسر أنفها قبل أن تجيب بهدوء:

«إنّها كذلك بالفعل، سيّد ميرفي»

اكتفى بهزّة صغيرة من رأسه، قبل أن تمتدّ أصابعه إلى عنقه يدلّكه بتوتّر، بينما يستفسر قائلا:

«هل أتيت للتّسوّق؟»

الإجابة كانت بديهيّة، لكنّه كان حقّا يأمل إيجاد فرصة ليعرض عليها مرافقتها.. ذلك لولا أنّها سبقته بتحطيم سقف توقّعاته حينما أشارت بيدها إلى الواقفة بجانبها وأجابت بنفس نبرتها السّابقة:

«أجل، أتيتُ مع أختي كما ترى»

ومجدّدا، تمّ صفع الباب في وجهه... المضحك في الأمر هو أنّه قد بدأ لتوّه.

همهم محرّكا رأسه بتفهّم، ثمّ نقل نظراته إلى شقيقتها يراها تطالعه بنظرات فضوليّة جعلته يبتسم باتّساع أكبر متسائلا:

«أنتِ إيلينور إذا، الفتاة الرسامة؟»

بادلته إيلينور الابتسامة على الفور، تسمح لاستغرابها بالظّهور على ملامح وجهها، ثمّ ردّت قائلة:

«الشّرف لي سيّد ميرفي.. لم أتوقّع أن تعرف بأمر هوايتي»

هناك طريقة واحدة فقط ليعلم، وهي تدرك ماهيّتها... ولكن، ليت ظنونها تخطئ هذه المرّة.

«سمعت ذلك من رايدر سابقا عن طريق الصّدفة»

رائع.. يبدو أنّها استنفذت آخر كمّيّة من حظّها حينما نجت بحياتها على درج الجامعة ولم تتعرّض لإصابة خطرة.

ما يثير استغرابها أكثر، هو الموضوع الّذي قاد رايدر لذكر اسمها أصلا.. أيعقل أنّهما تحدّثا عنها بعد إصابتها؟ أم أنّها كانت موضوعا جانبيّا بعد ناتالي؟ لن تستبعد حديث هذا الرّجل عنها إن كان يحدّث رايدر عن العمل.

أيّا كان، هي حقّا لا تريد اكتشاف ذلك.. خصوصا مع الوضع الحاليّ بينها وبين هذا الأخير.

«ما الأمر؟ ألا يشبهني؟»

انتشلتها كلماته الممازحة تلك من تفكيرها، تراه يبتسم لها باستلطاف، لتدرك حينها أنّها قد انغمست في التّفكير دون أن تبعد عسليّتيها عنه.

«كلّا، لا تتشابهان كثيرا»

وجدت الكلمات تنساب من بين شفاهها بتلقائيّة.. وقد كانت تلك أصدقها.

هذا الرّجل الواقف أمامها لا يبدو شيئا كالفتى الّذي تراه دوما في الجامعة، لم تتوقّع أن تكون شخصيّته كرايدر بعد الّذي سمعته من ناتالي، لكن بحكم كونهما إخوة من دم واحد، هذا قد فاق توقّعاتها كثيرا.

يبدو شخصا محترما، منضبطا، والأهمّ من ذلك لطيفا.. قد لا تكون الكلمة المناسبة لوصف رجل ناضج، لكنّه كذلك.. يذكّرها نوعا ما بلوكاس، ربّما السّرّ في الابتسامة.

لاحظت كيف ارتفع حاجباه قليلا، يكشف عن تفاجئه مصرّحا:

«غريب، صحيح أنّ لونيّ شعرنا وأعيننا مختلفة، لكن قيل لي كثيرا أنّ ملامحنا فيها من الشّبه الكبير»

لا..

كان ذلك رأيها، لذا رفعت كتفيها ببساطة وأجابت مصرّة على وجهة نظرها:

«لا أرى ذلك بصراحة، لم أكن لأخمّن أنّك أخوه لو صادفتك في الشّارع»

الإخوة عادة لا يكونون نسخا طبق الأصل عن بعضهم، لكنّهم يمتلكون صفات متشابهة.. سمات تجعل الشّخص يلطم جبهته غباءً لعدم إدراكه قرابتهم سابقا.. لكنّ هذين أوّل حالة من هذا النّوع تراها.

تناقض فنّي كامل يثير غريزة الفنّانة بداخلها.. ليتها تستطيع التقاط صورة له حالا لترسمها فيما بعد، لكنّها لا تريده أن يعتقدها غريبة أطوار.

تمالكي نفسكِ إيلينور، تستطيعين ذلك..

هو مجرّد شخص آخر ذي هالة جذّابة.. واحد من الأشخاص النّادرين الّتي لم ترَ منهم سوى شخص واحد، هو رايدر ميرفي.. شقيقه الأصغر.

يمكنها أن ترى الفرق بوضوح..

ويمكنها كذلك أن تشعر بالهالة الهادئة والمنظّمة الّتي تحيط به، شيء لا يمتلكه رايدر.. وهي جذابة بقدر جاذبيّة هالة فتى الفوضى.

من النّظرة الأولى، قد يبدو النّوع النّادر الّذي يحمل السّكون فقط.. لكن عند التّدقيق، تسقط تلك الفرضيّة فورا.

وجهه مشرق، لكنّه يبدو متعبا.. ليس كتعب ناتالي من العمل.

يبدو تعبا من التّفكير لا الشّاشات.. لا يمكنها تحديد نوعه، لكن قد يكون تفكيرا نابعا عن الخوف من الفشل، القلق من اقتراف الأخطاء.. ربّما شيء يشبه ذلك.

وذوو السّكون التّامّ لا يحملون ذلك.. هذا تحديدا ما يجعلهم نادرين، وأناسا لا يمكن لقاؤهم كلّ يوم.

الأصناف الأخرى ثلاثة، فوضى تامّة، وهي نقيض السّكون.. فوضى ظاهريّة وسكون داخليّ، حيث يظهر هذا النوع من النّاس ردود أفعال مبالغ فيها عمدا رغم عدم اهتمامهم بأيّ شيء جدّيّا لأسباب تختلف باختلاف الشّخص، وهو أيضا ليس صنفا شائعا جدّا.. وأخيرا سكون ظاهريّ وفوضى داخليّة.

وارتقاء أحد تلك الأصناف لمرحلة السّكون الخالص ليس سهلا، ويتطلّب وقتا، جهدا، وتضحية.. والأهمّ من ذلك تقبّلا كاملا للمسؤوليّات وقدرة على تحمّلها بقناعة دون الشّكوى والتّذمّر.

لهذا السّبب ترى نفسها محظوظة بشدّة لشهادتها على وجود من تقارب خصال هذا الصّنف.. ليس تماما، لكنّها أقرب ما يكون.

لو كان هذا الرّجل هنا لوحة، فسيكون على الأغلب مثلها.. النّوع الرّابع والأخير الّذي يناقض كلّ ما يحمله رايدر.

سيكون تلك الصّورة الفوضويّة الّتي ذكرتها لناتالي قبلا عن نفسها.. لوحة في منتهى الدّقّة لغرفة أحدهم، أغراضها مبعثرة في الأرجاء..

عناصرها واضحة، لكنّها فوضويّة غير مرتّبة..

شخص بهذا الهدوء الظّاهريّ، وهذا الانضباط في العمل، وكلّ ضغط المسؤوليّة الّتي عليه، لا بدّ وأن يكون ستاره يواري فوضى عارمة.

لا يمكن أن تمرّ الأعاصير دون إحداث مشاكل، لكنّ تأثيراتها تختلف.. فوضى رايدر بيّنة على هيئته الخارجيّة لدرجة تجعل السّكون يبدو شيئا مستحيلا له، وهو كذلك، بينما هيئة رافاييل هنا لا تحمل ذلك الاضطراب الواضح، ما قد يجعل أيّ أحد لا يعرف عنه شيئا يصدّق أنّه إنسان أقرب إلى الكمال.. ما يثبت لها أنّ فوضاه في أعماق دواخله دون أدنى شكّ.

ما تقوله هو أنّ رافاييل متوازن، بينما رايدر يجسّد فوضى نقيّة.. صنفان مألوفان، لكنّ بصمتهما الخاصّة جعلت هالتهما تبرز وتشعّ بجاذبيّة أكبر.. ما يجعلها تشكر خالقها كلّ حين لأنّه منحها موهبتها هذه وعقلها المميّز لترى كلّ هذا الجمال الّذي يغفل عنه العامّة.

وبحسب رؤيتها الخاصّة وتحليلاتها الحاليّة، رافاييل هذا قد يكون من بين أفضل أنواع الأشخاص الّذين قد تلتقيهم ناتالي.. لا يبدو شخصا كان ليجعل والدهما ناثانيل يقلق على ابنته لتسكّعها معه حتّى ولو كان للعمل، بل يبدو إنسانا يناسب شخصيّتها كثيرا.

وهي متيقّنة من أنّ الصّداقة بينهما كانت لتنجح لو كان امرأة مثلها..

ناتالي مزيج بين صنفين ولا يمكن وضعها مع أيّ نوع سابق.. وهذا ما يجعل التّعامل معها صعبا قليلا على من لا يعرف طباعها، أو من لا يملك الصّبر اللّازم لاكتشافها.

كانت لتكون سكونا خالصا لولا أنّ هناك بعض الفوضى الدّاخليّة تدنّس نقاءها.. لكنّها نفسها أقرب شخص لذلك الصّنف قابلته لحدّ الآن.

هي محظوظة بامتلاكها كأخت كبرى..

ناتالي مميّزة بشكل فنّيّ، وبكلّ وجهة نظر ممكنة، ورجل متوازن كهذا سيكون شخصا يمكنها التّماشي معه على الأغلب.

سيكون هذا جيّدا لها لتخرج من قوقعتها قليلا، دون أن تخشى تحقّق مخاوفها من التّأذّي..

هما شخصان غريبان تربطهما علاقة عمل مؤقّتة في نهاية المطاف، ولا ضير من أن تحظى أختها بأوقات وأحاديث ممتعة أثناء هذه الفترة القصيرة تنسيها تعب المسؤوليّات، قبل أن يذهب كلّ منهما في حال سبيله.

من أجل مهاراتها الاجتماعيّة طبعا، وحتّى تخفّف من صرامتها قليلا وتستطيع لاحقا إيجاد شريك لها بدلا من دفع الجميع بعيدا.. وفي نفس الوقت لن تخسر شيئا إن لم يرُق لها هذا الرّجل، بل ستدرك على الفور كيف سيكون عليها التّصرّف قرب أيّ شخص يشبهه إن وُجدت مرّات مقبلة.

كورالين، زميلة ناتالي، هي أقرب شخص تعرفه لها، وتعلم أنّ شقيقتها لا تشعر بالقلق اتّجاهها، خصوصا وأنّها امرأة، لكن سيكون من المطمئن أن يتواجد شخص آخر تستطيع الشّعور براحة حوله، حتّى ولو مؤقّتا.. خاصّة وأنّه صاحب شخصيّة ودودة، وليست الوحيدة الّتي تقرّب منها كما أخبرتها سابقا، فلا شيء حاليّا يجعل الشّكوك تضيّق الخناق عليها.

«إيلينور..»

أعادتها لأرض الواقع همسة ناتالي الحادّة قربها، والّتي رافقتها قرصة خفيفة على ذراعها جعلتها تهسهس متألّمة وهي تنقل نظراتها إليها تتساءل بأعينها عن الخطب.

استطاعت التقاط صوت القهقهة الخافتة الّتي صدرت من الواقف أمامهما، تجعلها تلتفت نحوه مجدّدا بسرعة، تستوعب تدريجيّا.

«هل قلتَ شيئا ولم أسمعك؟»

لم تكن تساؤلها هذا بنبرة تبحث عن إجابة، بل كان أقرب للاعتذار.. كيف سيفهم أنّها انفصلت عن الواقع لثوانٍ معدودة بسبب الأفكار الغريبة، والعشوائيّة نوعا ما الّتي اندفعت لذهنها دون استئذان؟

منحته ابتسامة محرجة، لكنّه قابلها بأخرى مستلطفة حينما لوّح بيده في الهواء مجيبا:

« لا عليك، قلت أنّك سترين الشّبه حينما يغادر مرحلة طيشه وينضج قليلا.. لم أتوقّع أنّ الشّبه بيننا منعدم لهذه الدّرجة»

على الأقلّ هو يعتقدها شردت مفكّرة في اختلافهما بدلا من قيامها بتحليلات كاملة لهالته وشخصيّته.

هي في مأمن، لن يعتقدها فاقدة لصوابها.. جيّد

«أظنّ ذلك.. لم ألحظ انغماسي في التّفكير، المعذرة»

تلفّظت باعتذارها كاملا هذه المرّة، ترى أعينه تنزلق بسرعة نحو ناتالي الّتي وقفت تراقب دون أن تملك شيئا لتفعله، قبل أن يعاود النّظر لها ويردّ مطمئنا:

«لا عليك، كانت مزحة وحسب»

بالنّسبة لرافاييل، فقد أدهشه نوعا ما تصريح هذه الفتاة.. يبدو أنّه سيسحب رايدر لاحقا ليقف معه أمام المرآة ويقارن شكليهما.

لكن في نفس الوقت، سماع وجهة نظر جديدة هو أمر مثير للاهتمام.. ليته يسمع شيئا مماثلا من ناتالي.. شيئا يكشف له بعضا من أساليب تفكيرها حتّى لا يشعر بأنّها تضع نفسها خلف جدار حديديّ.

بالنّسبة له، هو يشعر بشيء مماثل لأختها نحوهما.. ليس شكلا، فهما متشابهتان وتبدوان كشقيقتين، لكنّ الاختلاف بين شخصيّتيهما شاسع.

التقاها لتوّه، لكنّ هذه الآنسة الشّابة كانت ودودة ومحترمة في آن واحد، بينما ناتالي بعد كلّ المدّة الماضية، اكتفت بكونها محترمة فقط.

كان ليريد أن تتبادلا شخصيّتيهما، لكنّه بصراحة يحبّ ناتالي كما هي.. ببرودها بقسوتها، وبصفعها الأبواب في وجهه عدّة مرات..

إن فكّر في الأمر مليّا، هذا هو ما يجعلها الآنسة ناتالي هارفي الّتي وقع لها، وهو كذلك ما يمنحها تلك الجاذبيّة والهيبة الّتي تميّزها.

زحفت نظراته ناحيتها مجدّدا، يجدها تحدّق بإيلينور، ما جعله يعيد التّحديق بهذه الأخيرة الّتي كانت تنظر له سلفا، ويلقي بالسّؤال الّذي خطر على باله توّا:

«قد لا يحقّ لي حشر نفسي، لكنّي تذكّرت لتوّي أنّك أصبتِ سابقا.. سألت الآنسة هارفي عنكِ سابقا، هل تشعرين بتحسّن الآن؟»

لاحظ كيف اعتلت تقطيبة خفيفة جبين إيلينور، ولوهلة تساءل إن كان السّؤال أمرا لا يريحها.. لكنّها أبعدت كلّ شكوكه حينما ارتخت ملامحها، ورفعت كتفيها معربة عن قلّة حيلتها قائلة:

«نوعا ما، تخطّيت الجامعة اليوم، وسأكون بحال أفضل بحلول الغد»

«من الجيّد سماع هذا»

اكتفى بالإلقاء بذلك رفقة ابتسامة، يحاول التّفكير بسرعة فيما يجدر به فعله الآن.

لقد بالغ في الحديث إلى الفتاة رغم أنّه لم يلتقيها سوى قبل لحظات قليلة، بينما ناتالي لا تبدو وكأنّها ستخوض حديثا معه الآن بأيّ شكل من الأشكال.

ربّما كان عليه التزام سيّارته منذ البداية وحسب؟

كانت ثواني معدودة من الصّمت، كان يحدّق خلالها في الأرجاء بارتباك، وذلك حينما جذب انتباهه حمحمة ناتالي الّتي تعمّدت شدّه نحوها كاسرة حاجز الصّمت قائلة بهدوء:

«على كلّ سيّد ميرفي، كنت أنوي إعلامك بموعد الاجتماع الجديد لاحقا، لكن بما أنّك هنا فلتعلم أنّه تمّ تحديده بعد أسبوع كامل من اليوم»

كالعادة، كلّ كلمة توجّهها له يجب أن تكون مرتبطة بالعمل.. ماذا لو لم يكن العمل هو ما جمعهما؟ ألم يكن ليحصل على فرصة الوقوف أمامها؟ قلبه غريب لتعلّقه بها دون غيرها..

رغم أنّه لا يكره ذلك على الإطلاق..

«فهمت، شكرا لك»

أجابها وهو يومئ برأسه بخفة، وقد استطاع التّنبّؤ بالكلمات الّتي كانت على وشك التّلفّظ بها.

«لم أقم سوى بعملي، سيّد ميرفي»

نطقت ونطق هو تزامنا معها، يجعل حاجبها يرتفع من تلقاء نفسه في استغراب تتبادل معه النّظرات بصمت، لكنّه لم يكلّف نفسه عناء إطالة جولة التّحديق أكثر ورفع يديه في الهواء مصرّحا وهو يدّعي البراءة:

«لا تنظري لي هكذا آنسة هارفي، حفظتُ عبارتك من تكريرك الدّائم لها.. "هذا عملي"، "لم أقم سوى بعملي".. لن يضرّ بعض التّغيير»

رمشت المعنيّة مرّتين ببطء، تأخذ وقتها بالتّحديق بالّذي أمامها، قبل أن تتجاهل ذلك وتضع يدها على ذراع إيلينور مخاطبة إيّاه:

«أراك في الاجتماع سيّد ميرفي، علينا الذّهاب الآن»

مجدّدا، تصرّف لا يليق إلّا بها.. يثير اهتمامه كيف تصرف كلّ حديث أو حركة لا تروقها.

لكن في نفس الوقت يزعجه أنّها أخبرته بشكل غير مباشر أنّها لا تنوي رؤيته مجدّدا حتّى يوم عقد الاجتماع الأسبوع القادم.. قاسية حقّا

اكتفى بإيماءة متفهّمة، يبتسم بأدب قبل أن يهمّ بالابتعاد، لكنّ الفكرة الّتي طرقت ذهنه جعلته يتوقّف ويعود للإلقاء باقتراحه:

«إن لم يكن هناك مانع، سأودّ مرافقتكما ما دمنا جميعنا سندخل للتّسوّق»

وقبل أن يستطيع التّمعّن في تعابير وجه ناتالي المتفاجئة، وصله صوت تلك الشّابّة الّتي خاطبت ناتالي، جاعلة عينيه تزحفان ناحيتها.

«بدأت أشعر ببعض من الدّوار بسبب وقوفي في مكان واحد بالفعل، لذا ما دام يعرض ذلك، ستكون فكرة جيّدة أن يرافقك مكاني بينما أرتاح في السّيّارة»

هل تمّ إرسال هذه الفتاة لتمهّد له الطّريق أو ما شابه؟ لو لم يشأ فضح نفسه لشكرها بامتنان الآن لاقتراح ذلك.

وقفت إيلينور مكانها تراقب أختها بانتظار ردّة فعلها، بينما كانت قد لاحظت توقّف السّيّد ميرفي الّذي بدا وكأنّه ينتظر موقف أختها بترقّب.

سيكون هذا بداية جيّدة إن وافقت ناتالي، يمكنها الخروج من قوقعتها قليلا هكذا.

ادّعت البراءة حينما رمقتها هذه الأخيرة بنظرات جانبيّة تهديديّة، واكتفت برفع كتفيها بقلّة حيلة كأنّها تذكّرها بذلك بحديثهما السّابق عن تخفيف ناتالي من ارتفاع الجدران الّتي تشيّدها حولها.

لم يبدُ أنّ الأخرى اقتنعت بأيّ من ذلك، وكان التّضايق واضحا عليها.. لكنّها ناتالي، بالطّبع ستتضايق من أيّ شيء مشابه، وهذا هو الهدف.

ليس على أشياء تافهة كهذه أن تشعرها بانعدام الرّاحة، هي لن تغيّر خططها لأجل أحد، بل ستحصل على رفقة شخص عرض ذلك بنفسه فحسب، ويمكنها التّحكّم بأيّ شيء لاحق كالأحاديث.

حدّقت بها مبتسمة بخفّة، وقبل أن تحظى ناتالي بفرصة لإيجاد عذر له، سبقتها إيلينور حينما سارعت لمعانقتها مخاطبة رافاييل الواقف مكانه بضياع:

«ناتالي أمانة لديك سيّد رافاييل»

بعيدا عن كلّ شيء آخر، شقيقتها متعبة من العناية بها، والأفكار الّتي سلبت منها نومها ليلة أمس زادت هذا التّعب.. وبحالتها هي، لن تستطيع فعل شيء لو حدث أمر ما لها، لذا اقتراح رافاييل هذا جاء في وقته تماما.

لا أحد يعلم ما قد يجري، صحيح؟ ماذا لو انهارت ناتالي تعبا أو ما شابه؟ موافقتها من جهة هو خوف عليها كذلك.

ستكون هذه حجّة ستقتنع ناتالي بها حتما إن أرادت خنقها لاحقا.. عليها الاقتناع.

راقبت أعين الأخرى تبتعد عنها وتستقر على الرّجل الّذي نقل بصره بينهما ببعض من التّردّد، قبل أن يدعك رقبته بتوتّر ملحوظ ويجيبها متفاديا الموضوع الأساسي:

«أنتِ بنفس عمر أخي، ومن الغريب مناداتي بالسّيّد.. نادني رافاييل فحسب، أو رافي إن أردتِ الاختصار»

«لا مشكلة في التّحدّث باحترام، يمكنها مناداتك بالسّيّد»

جذب أنظارهما فجأة صوت ناتالي الّذي جاء بنبرة حياديّة ودفاعيّة نوعا ما، وكأنّها تخبره بشكل غير مباشر أنّ تقرّبه هكذا من أختها لا يروقها.

حدّقت بها هذه الأخيرة بصمت تراها تطالع رافاييل بنظرات هادئة، وفضّلت إيلينور عدم إبداء موقف من الأمر، بينما ابتسم لها رافي ببساطة وأجابها ملقيا نظرة على ايلينور:

«نحن نعمل معا لفترة مؤقّتة آنسة هارفي، الرّسميّات منطقيّة.. لكنّ أختكِ في سنّ يسمح لها بأن تكون أختا لي لا ابنة، كما أنّي أشعر براحة عند سماع اسمي على ألسنة الآخرين.. لا علاقة للاحترام بالأمر»

ليتمنّى فقط في داخله أن تكون ناتالي قد فهمت رسالته.. هو لن ينتظر منها إسقاط الرّسميّات، لكنّ فهمها لعدم ممانعته أن ينادى باسمه يكفي.

قطعا لن يذهب لها ويقول "نادني رافاييل بدلا من السّيّد ميرفي"، لقد فعل ذلك مرّة ورفضت.. وهو يتفهّم موقفها نوعا ما.

لا يمكن للفرد تغيير شخصيّته فجأة ليناسب شخصا آخر..

للثّواني القليلة التّالية، دارت جولة تحديق صامتة بين ناتالي الّتي غلّف الهدوء تعابيرها، ورافاييل الّذي حافظ على ابتسامته، ولم يقطعها سوى صوت إيلينور الّتي نطقت ملطّفة الأجواء:

«لا بأس، إن كان ذلك يريحك.. رافاييل. لا تتأخّرا في العودة فقط حتّى لا أنتظر طويلا»

بدأت في التّراجع إلى الخلف بخطوات ثابتة بينما لا تزال تواجه الآخرين اللّذين طالعها كلّ منهما بوجه مصدوم..

لم يتوقّعا أن تواصل إصرارها على ذلك، هي تعلم.

لكن، ورغم رغبتها في التّراجع -حتى لا تدفنها ناتالي مساءً بالطّبع-، لكنّها قالت كلمتها بالفعل مسبقا.

لا يتراجع الرّجال عن كلامهم، أليس كذلك؟

لكن تبّا..

هي فتاة..

ألا يمكن أن ينطبق هذا الكلام على الجنسين؟

أيّا كان، فلن يتغيّر موقفها.. لذا أجل، لا تتراجع النّساء عن أقوالهنّ.

«لا تضغطي عليها إن لم ترد، رافقيها أنتِ فحسب»

توقّفت خطواتها حالما طرق مسامعها صوت رافاييل المتردّد، رافعا كفّه في وجهها كأنّه يصرّ على عدم تركها لهما بمفردهما.

أليس نفسه الّذي تشتكي أختها منه بسبب التصاقه كالشّوكة في الإصبع؟ هل أخافته بصرامتها أو ما شابه؟

زحف بصرها نحو ناتالي تراها على وشك النّطق.. وأيّا كان ما ستقوله، فهي قطعا ستحطّم كبرياء هذا الرّجل هنا.

«لنذهب وحسب إيلينور، أو سأذهب بمفردي إن كنتِ حقّا متعبة»

هذا ليس بالقسوة الّتي تخيّلتها، لكنّه ليس لطيفا على الإطلاق.

لم تشأ إيلينور رؤية تعابير الآخر، لذا ثبّتت بصرها على شقيقتها حينما تقدّمت منها بسرعة وسحبتها من ذراعها بسرعة جانبا بعيدا عن رافاييل، هامسة بنبرة مترجّية:

«ناتالي، بدأت أشعر بالدّوار من إطالة الوقوف، وأنا حقّا قلقة عليكِ من تعبك الأيّام القليلة الماضية... أرجوك تفهّمي خوفي عليك ودعيه يرافقك.. يبدو شخصا طيّبا حقّا، وسيفيدك أكثر منّي»

«يفيد في ماذا؟»

اعترضت الأخرى غير مقتنعة بتلك الحجّة، وقد بدا أنّها لم تكن تفكّر في القبول بأيّ شكل من الأشكال، ولكنّ إيلينور لم تفقد الأمل ومنحتها ابتسامة عريضة حينما علّقت وكأنّ ما تقوله هو أكثر شيء بديهيّ:

«حمل الأكياس مثلا؟»

لاحظت كيف تغيّرت ملامح وجهها قليلا خلف تلك النّظّارة، تكشف عن تفاجئها بتلك الإجابة، قبل أن تحرّر ذراعها من قبضة شقيقتها وتردف قائلة باستنكار:

«لم أكن لأسمح له أساسا.. تفهّميني أنتِ أيضا، قلت سأفكّر في مجاراته، لكن لست مستعدّة لبدء ذلك بالتّسكّع معه»

«بل هي بداية جيّدة، هو من أتى ولستِ أنتِ.. أيضا، لا شيء يجبرك على محادثته، اشتري ما تحتاجينه وعودي»

بتلك النّظرات الّتي منحتها إيّاها إيلينور، وجدت ناتالي نفسها تطلق تنهيدة عميقة بعد لحظات من التّفكير، لتمرّر يدها على إحدى الخصلتين المتدلّيتين على جانبيّ وجهها معلّقة بقلّة حيلة:

«تعلمين؟ ليتني تركتك تحضرين حصصك.. سأردّ توريطك لي لاحقا، كوني واثقة»

لم تكترث بالانتظار لثانية أخرى، واستدارت مباشرة إلى حيث كان يقف رافاييل يحدّق نحوهما بحيرة من الموقف الّذي هو فيه، تخطو بضع خطوات أقرب منه ملقية بكلماتها بهدوء:

«عند التّفكير، لا بأس برفقة، دمتَ لن تتحدّث كثيرا سيّد رافاييل.. أنا متعبة كما قالت»

رمش رافاييل بضع مرّات غير مصدّق لما سمعه، ولوهلة افترض أنّ إيلينور ضغطت عليها، وهو حقّا لم يرد أن يرافقها مكرهة..

سرعان ما امتدّت يده إلى مؤخّرة رأسه يخلّل أصابعه بين خصلاته ببعض من التّوتّر معترضا:

«لا تفعلي إن لم يكن الأمر يريحك آنسة-»

«أحتاج العودة للمنزل باكرا، لنسرع»

قاطعته على الفور وهي تسير متجاوزة إيّاه بخطوات متسارعة، تقود نفسها إلى داخل المركز التّجاريّ تاركة خلفها ذاك الّذي ضاع بين سعادته لحصوله على هذه الفرصة، وبين قلقه من أن تكرهه أكثر.

«لا تفكّر كثيرا، مرّ وقت منذ تسكّعت مع زملاء عملها، لذا تحمّل غرابتها»

أعاده للواقع صوت إيلينور الّتي ضحكت بخفّة ناظرة لحالته، تجعله يهزّ رأسه نافيا:

«لا، هي ليست غريبة.. لكلّ منّا طباع مختلفة فقط»

اكتفت بهمهمة خافتة توافق أيّا كانت وجهة نظره، تراه يلوّح لها مودّعا قبل أن يتراجع إلى الخلف:

«سررت بلقائك أيّتها الشّابّة»

وبهذا، التفت كلّيّا وراح يسير بخطوات سريعة يحاول اللّحاق بناتالي قبل أن تتركه خلفها.

هو يعلم أنّها لن تتردّد في فعل ذلك إن أطال كثيرا.

.

.

༺༺༺༺༻༻༻༻

.

.

كان ذلك الحيّ الهادئ شبه خالٍ من معالم الحياة، سوى من بضع أشخاص كانوا يمرّون عبره قاصدين شققهم أو سيّاراتهم، والّذين توقّف بعضهم عن الحركة لبضع ثوانٍ حال وصول مسامعهم الصّوتُ الوحيد الّذي عكّر صفو ذلك الهدوء الجميل..

صوت الصّراخ القادم من شقّة آل ميرفي.. أو أندريس.. لم يعد أحد متأكّدا بعد الآن.

«لا أصدّق هذا رين!»

صاحت كلوي بسخط بينما راقبها المعنيّ رين واقفا بلا حيلة وهي تسير ذهابا وإيابا عبر الغرفة، تحاول ترتيب الكلمات الكثيرة التي انتظرت بفارغ الصبر عودتهما للمنزل، ثمّ اللّيل بأكمله حتّى تقولها بعدما تهرّب زوجها منها ومن الخوض في أحاديث معها منذ ما حدث أمس... بينما كان الآخر ينتظر بعجز وابل السّخط الّذي هو على وشك أن يتعرّض له.

لقد تجنّبها طيلة الأمس بقدر ما استطاع، لكنّه لا يرى مهربا له الآن من خوض هذا الحديث معها في هذه اللّحظة.

اقشعرّ بدنه لثانية فجأة حالما لمحها تتوقّف عن السّير فجأة، تعقد ذراعيها عند صدرها وتحدّجه بنظرات قاتلة، قبل أن تردف بحدّة ونبرة عالية:

«أيّ هراء هو هذا بحقّ الخالق؟! هل كانت هذه طريقتك الوحيدة لإفقادي ثقتي بك رين؟!»

كان المعنيّ على وشك النّطق وتقديم تبريرات كان قد جهّزها سلفا، لكنّ كلوي سبقته رافعة كفّها في الهواء تمنعه من الحديث، وأردفت:

«لا أريد سماع أعذار تافهة الآن.. لأنتهي ممّا لديّ ثمّ قد أستمع لك»

كلّ ما صدر منه بعد لحظات كان إيماءة خافتة أكّد بها على قبوله لأيّ كان ما سيسمعه..

هو يعلم جيّدا مدى غضبها الآن، ويدرك أنّ لها الحقّ في سخطها بعدما أخلف وعده.. مرّتين.

وعدها أنّه لن يدنّس صفو حياتهما وجود أيّ ممّا يتعلّق بالماضي، فظهر ذلك المقيت الصّغير الأرعن في نفس جامعة ابنه..

وعدها بعدها بأنّ ظهوره لن يؤدّي لشيء آخر، وأنّهم في مأمن تامّ، فإذ بأخيه الأكبر يظهر في حيّه... وهو حقّا متيقّن أنّه أتى بحثا عنه ولم تكن مجرّد صدفة.

الصّدف ليست غريبة لهذه الدّرجة..

يدرك جيّدا أنّه فشل في الحفاظ على ثقتها به، وأقلّ ما يمكنه فعله الآن هو ترك مساحة لها لتعبّر عمّا بداخلها من أفكار..

«لقد أخفقت مرّة أخرى رين.. أخفقت بشدّة»

صوتها الّذي خفت قليلا وهي تقول ذلك جعله يتفادى عينيها لبرهة، يسمعها تضيف بنبرة أعلى، تحاول ضبط أعصابها حتّى لا تحدث جلبة أكبر وسط المبنى:

«ما الّذي سيحدث تاليا من دون أن تستطيع التّحكّم به؟ هل سأجدهما ذات يوم يقفان عند بابنا طالبين العيش هنا؟»

ارتفع حاجبا رين بتفاجئ من كلامها، وراح يحدّق بها شاردا في تفكيره بينما واصلت هي عتابها من دون أن يستمع لها حقّا.

هل كانت هذه مخاوفها؟ ما كان يجعلها تقلق في كلّ مرّة هو أن يصل الحدّ لاقتحامهما حياتهم بهذا الشّكل؟ ليتها قالت ذلك من قبل... حينها، لم يكن ليسمح للقلق بأن يستولي عليها هكذا.

«تركت لك الأمور لتتصرّف لأنّي أأتمنك حتّى على حياتي، لكن إن وصل الأمر لإيواء المشرّدين فسأطردك معهما، ولا تظنّ أنّني أمازحك»

أعادته عبارتها تلك إلى أرض الواقع... ليس بسبب النّبرة الحادّة الّتي قيلت بها، بل بسبب ما قالته تحديدا، والجدّيّة الّتي بدت عليها.

الأمر أسوأ ممّا اعتقده..

«ليس لهذه الدّرجة كلوي»

نطق محاولا البحث عن ثغرة في جدّيّتها تخبره أنّها لم تكن تعني ذلك، لكنّ كلّ ما لقيه منها كان هزّة خفيفة برأسها نفت بها الأمر وعلّقت معيدة خصلاتها الشّقراء إلى الخلف بضياع:

«بل لهذه الدّرجة.. أقلّ ما يمكنك فعله هو الإقرار بخطئك.. هل فكّرت في ما قد يحدث إن اكتشف هيوغو كلّ هذا؟»

«أنا..»

«بالطّبع لم تفعل رين.. بالطّبع لم تفعل!»

قاطعته بحدّة من دون أن تكترث بالاستماع لأيّ تبريرات كان ينوي تقديمها، كأنّها تدرك مسبقا أنّ أيّا ممّا لديه لم يكن ليشفع له، ثمّ أردفت مباشرة بينما تتقدّم بخطوات مسموعة ناحية السّرير تجلس على حافّته:

«لدى هيوغو أخوان غير شقيقين، يا للسّخرية! أنا في مأمن أكثر منك في حال ما تعقّدت الأمور لاحقا... فكّر مليّا في الأمر، سيخيب ظنّه بك أنت حالما يعرف، لا بي»

تسمّر الآخر مكانه لثوانٍ معدودة، يتأمّل زوجته وقد لانت نظراته قليلا، مفكّرا في مدى ثقل العبء الّذي تحمله.

مسألة الصّبيّين تزعجها.. بقدر ما تزعجه هو كذلك، لكنّ إصرارها على تحميله العواقب يظهر كم أنّها غير قادرة على تحمّل أيّ ممّا يجري.

سحقا، ليته كان قادرا على أن يعود بالزّمن حتّى لا ينجبهما من الأساس، حينها لن يكون لكلوي شيء تقلق بشأنه عدا ابنها هيوغو.

تنهّد بثقل، ثمّ تقدّم بخطوات ثابتة نحوها، ليجثو على إحدى ركبتيه أمامها، ويمدّ يده نحو وجهها يمسح على وجنتها بحنّيّة قائلا:

«ولماذا فأل الشّرّ هذا؟ من قال أنّه سيعلم بأيّ شيء؟ ما يقلقني ليس هيوغو، بل أنتِ كلوي.. لا يريحني منظرك المهموم هذا حبيبتي»

تأمّل عينيها المتعبتين، ولتوّه لاحظ أنّها قد لا تكون حظيت بنوم هنيء ليلة أمس... بادلته هي بنظرات حياديّة، ترفض منحه فرصة بسهولة بعد أن خذلها مرّتين.

مسألة ابنيه تضايقها بشدّة، لدرجة تجعلها تتمنّى أحيانا لو أنّها لم تقبل الزّواج برجل ترك زوجته الأولى مع ابنيه... كان عليها التّفكير في أنّ طفلين بعمرهما كانا ليبحثا عن والدهما عندما يكبران.

وهاهي ذي تعيش نتائج غفلتها..

كلّ ما تريده هو حياة هنيئة مع زوجها وابنها الوحيد، ليست تطالب بالشّيء الكثير، فلما لا تحصل على ما ترجوه؟

«إن كان مظهري هذا لا يريحك، وكنتَ تعلم بما سيضايقني.. لماذا قمتَ بدعوته إلى الشّقّة؟»

«لم أقم بدعوته، بل طلبت منه الدّخول حتّى لا يحدث جلبة بهرائه على مسامع النّاس»

كما توقّعت.. المزيد، والمزيد من الأعذار الواهية. وهذا يجعل من ضغط الغضب داخل رأسها يزداد.

هي غاضبة حقّا، وتريد لو أنّها تحمل أقرب غرض وتلقي به عليه، ولكنّها تدرك أنّ عليها ضبط أعصابها قليلا وألّا تتمادى.

«لو أعطيتك فرصة أخرى وتناسيت ما جرى أمس، فماذا قد تفعل لو اقتربا ثانيةً؟»

«ما رأيك بشيء بسيط؟ أقدّم شكوى للشّرطة مثلا؟ كلاهما بالغان قانونيّا وليسا بحاجة من يرعاهما، لذا لا مشاكل هنا»

«وإن لم ينجح الأمر؟»

«سأترك القرار لكِ حينها.. سأفعل أيّا كان ما تطلبينه»

انتقلت نظراتها بين كلتا عينيه تتأملهما للحظات قليلة، محاولة التّفكير مليّا في ما يدور بذهنها قبل التّلفّظ به، ولم تكن سوى لحظات أخرى قبل أن تستقيم من مكانها ببطء تجعله بذلك يستقيم كليّا هو الآخر، لترفع أعينها نحو خاصّته وتنطق بنبرة مباشرة دون تردّد:

«ماذا لو أردتُ أذيّتهما؟ عصابات الأحياء منتشرة، والأموال ليست مشكلة»

«تنتظرين أن أعترض؟ أيّ شيء لتبتسمي عزيزتي.. لم أتركهما خلفي لأجل أن ألتفت مجدّدا»

زفرت نفسا خفيفا، تبعد يده برفق عنها، قبل أن تلتفت مخفية ملامحها عنه، وتتقدّم بهدوء ناحية باب الغرفة ملقية بآخر ما لديها:

«ليكن إذا... انسَ ما تحدّثنا عنه، واحذر من قول شيء خاطئ أمام هيوغو»

.

.

༺༺༺༺༻༻༻༻

.

.

«رايدر!»

صدح صوت الطّاهي من داخل المطبخ ينادي على صاحب الخصلات السّوداء الّذي كان يقف جانبا يعدّل مئزره على عجل، متجاهلا الإرهاق الّذي بدأ ينهشه من شدّة الملل.

لم يكن يتوقّع أن يستمتع بالعمل في وظيفة، لكنّ هذا كثير قليلا... الجهد الجسديّ الإضافيّ أصبح يستنزف طاقته على غير المألوف، وذلك كلّه بسبب عقله الّذي أصبح يعمل أربعا وعشرين ساعة في اليوم، وسبعة أيّام في الأسبوع.

هارفي هارفي هارفي... لماذا لا يفكّر عقله السّخيف بشيء آخر؟ ليحدث تغيير في الفتيات اللّواتي يخطرن بباله على الأقلّ، هو راضٍ بذلك! هذا أصبح مبالغا فيه، ومزعجا بشدّة.

صباحا، ليلا، في الجامعة، وحتّى أثناء استحمامه أين يفترض به أن ينسى كلّ شيء... هي تفارق تفكيره للحظات قليلة فقط وتعود لمطاردته!

وعلى ذكر الجامعة، لقد لاحظ صباحا بأنّها لم تكن هناك... وربّما لم تحضر الحصص والمحاضرات فحسب. ما يهمّ هو الفكرة.

لعلّها تتجاهله مثلما يفعل هو، وبصراحة هي تساعده كثيرا بفعلها ذلك... الوحيد الّذي لم يرقه غيابها كان الأشقر الّذي ظهر أمام القاعات كلّ ساعتين.

لقد كان يبحث عنها، ولا يحتاج الأمر مهارات خارقة لاكتشافه... طفل غبيّ.

إن بحث كثيرا فذلك يعني أنّها لم تجب على اتّصالاته، فلا يعقل أنّه لم يحاول الوصول إليها مطلقا.. وبما أنّها لم تجب فذلك يعني أنّها لم ترد الحديث.. لكن مع الأسف، عقل ضئيل كخاصّة ذلك الشّريط اللّاصق الأشقر لن يستوعب أمرا كهذا.

دفع رايدر خصلاته السّوداء إلى الخلف يبعده عن وجهه ويبعد معه أفكاره السّخيفة، ثمّ التفت مباشرة يتوجّه ناحية المطبخ يجذب انتباه الطّاهي بسؤاله:

«ما الأمر؟»

«طلبيّة الطّاولة التّاسعة جاهزة، خذها لهم من فضلك»

أجابه على عجل بينما يسارع لتجهيز الصّينيّة، يسمعه يجيب مهمهما:

«حسنا، ناولني الأطباق»

سرعان ما اقترب منه الطّاهي يمدّ له الصّينيّة، ليحملها رايدر عنه بعناية بيد واحدة، يستدير مباشرة مغادرا المطبخ، ليفتح بيده الأخرى الباب ويخرج بسرعة متّجها نحو الطّاولة المقصودة.

سار بخطوات متأنّية يجول ببصره حول المكان بسرعة بحثا عن الطّاولة رقم تسعة... أحيانا يقوم موظّفو آخر مناوبة بقلب بعض أرقام المناضد، لذا لا نفع لحفظ أماكنها.

وقع بصره فجأة على الرّقم الموضوع في منتصف إحدى الطّاولات الكثيرة، حيث جلس رجل وامرأة يدردشان ويتبادلان الضّحكات فيما بينهما.

مثير للاشمئزاز نوعا ما... ليس له حقّ ليحكم عليهما بصفتهما زبائنا هنا.. لكن أجل، هذا مقرف.

أطلق زفرة عميقة قبل أن يواصل التّقدّم ناحية الزّبونين، يتجاهل الكلمات العشوائيّة الّتي كانت تصل مسامعه من أحاديث الأشخاص المتناثرين في الأرجاء.. إلى أن وصل وجهته.

الشّيء الوحيد المثير للاهتمام في هذا المكان هو رائحة الأطعمة، وربّما جمال الدّيكور الدّاخليّ.. عدا ذلك كلّ شيء تافه لدرجة لا تصدّق.

لم يحتج رايدر للقيام بأيّ حركة، فقد انتبه له الرّجل على الفور حالما شعر بوجوده قربه، ما جعله يرفع رأسه ناحيته تزامنا مع بدء الآخر في ترتيب الأطباق أمامهما من دون أن يتلفظ بكلمة.

«شكرا لك»

نطقت المرأة الّتي جلست على المقعد المقابل بنبرة ودودة فور انتهاء رايدر من وضع الاطباق، تجعله ينقل عينيه ببطء ناحيتها يحدّق بها بنظرات حياديّة.

أخلاق العمل رايدر، أخلاق العمل... تبّا للأخلاق..

فكّر للحظة فيما قد يقوله، لكنّه في النّهاية فضّل الاكتفاء بإيماءة خافتة برأسه، تقابله المرأة بابتسامة هادئة. لكنّ ابتسامتها سرعان ما تلاشت تدريجيّا حالما وصلها الصّوت المتعجرف للرّجل الآخر:

«لماذا تشكرينه على عمله، عزيزتي؟ هو يتلقّى أجرا مقابل ما يفعله»

توقّف رايدر عن الحركة لحظتها يستوعب لثانيتين، قبل أن تصدر عنه ضحكة ساخرة خرجت بخفوت من بين شفاهه، وهو يشد بإحكام على طرف الطّاولة محاولا بتلك الطّريقة التّحكّم بأعصابه.

أصبح الحمقى يظنّون أنفسهم في مقام أعلى منه إذا..؟ من العسير إمساك نفسه عن لكم وجهه، لكن لن يفقد عمله بسبب حشرة كهذه..

«صحيح، أتلقّى أجرا على عملي.. لكنّي لا أتلقّى أجرا لصبري على أمثالك أيّها السّيّد»

نطق رايدر بحدّة وهو يزيح عينيه ببطء نحو الرّجل الّذي كان يطالعه بنظرات استخفاف، يمنحه نظرات اشمئزاز كانت كفيلة باستفزازه.. ليرتفع حاجبا هذا الأخير بانعدام رضا ويجيب بانزعاج محدّقا برايدر بازدراء:

«أعد ما قلته! كيف تجرؤ، أيّها النّادل الوضيع!»

طالعه صاحب الخصلات السّوداء بتمعّن بداية من رأسه إلى أخمص قدميه، متأنّيا وكأنّ لديه الوقت كلّه، ثمّ استدار بهدوء نحو المرأة وحدّثها بجدّيّة تامّة، وبنبرة بدت كأنّه يخاطب الرّجل بشكل غير مباشر:

«يا سيّدة، لا زلتِ تبدين شابّة، لذا أنصحكِ بإيجاد شخص أفضل منه قبل فوات الأوان»

أشار برأسه في نهاية كلامه إلى الجالس في المقعد الآخر، يرى المرأة تطالعه بعدم فهم وهي تنقل عينيها بينه وبين الرّجل الّذي معها.

بكلّ صراحة، لقد اشمأزّ من كليهما فيما سبق، لكن الظّاهر أنّ حدسه لم يصب إلّا في هذا البغيض هنا... تلك المرأة كانت... مختلفة نوعا ما عمّا اعتقده.

«طفح الكيل، أريد الحديث إلى مديرك!»

على إثر طلبه ذاك، لفّ رايدر عينيه بضجر يرفع ذراعيه ويضمّهما لصدره، متجاهلا كلّ الأعين الكثيرة الّتي اتّجهت ناحيتهم... وما أن كاد ينطق بما لديه حتّى امتنع عن ذلك فور أن سبقه صوت أحد ينادي باسمه بصرامة:

«رايدر!»

ألم يكن منشغلا؟ ما الّذي جاء به الآن..

أغمض رايدر عينيه بقوّة يشدّ على فكّه، قبل أن يفكّ عقدة ذراعيه ويلقي من فوق كتفه نظرات لامبالية وهو يرى أحد الموظّفين رايموند يقترب منهم مهرولا:

«ما الأمر هنا؟»

تساءل حالما وقف أمام رايدر، يضع يده على كتفه ويحدّق بالزّبونين الجالسين مكانهما... كانت المرأة تراقب الوضع بحرج من الانتباه الّذي انصبّ ناحيتهم، بينما لم يبالِ الرّجل الآخر بذلك وكان على وشك الإجابة لولا أنّ رايدر قد سبقه بتعليقه السّاخر:

«أحد زبائنكم تخطّى درس الاحترام في الرّوضة»

سرعان ما شعر بيد رايموند تتموضع على صدره يدفعه إلى الخلف بخفّة منبّها إيّاه بعدم تجاوز الحدود، ولم يكن من رايدر سوى أن أن نفض يده عن جسده بانزعاج يراه يتمتم له:

«رايدر، توقّف عن هذا»

أطلق صاخب الخصلات السّوداء زفرة ضجر بينما يدسّ يديه في جيوب مئزره، يراقب باشمئزاز الرّجل الّذي التفت له رايموند يحادثه باحترام ورسميّة:

«ما المشكلة سيّدي؟»

أحمق.. بهذه الطّريقة هو يمنحه فرصة ذهبيّة ليدوس عليه.

«هذا الفتى هنا قلّل من احترامي... أخبر مديرك أن يطرده أو يعلّمه التّواضع، منذ متى يجرؤ نادل على التعالي؟»

أشار أثناء كلامه ناحية رايدر بشكل مباشر، وكأنّه يحاول عمدا التّشهير بهويّة هذا الأخير أمام جميع الزّبائن... هل يعتبر فعلته نوعا من الضّغط أو ما شابه؟ وكأنّ رايدر ميرفي سيكترث لو ظنّه النّاس شخصا سيّئا..

هو لم يعتبر نفسه قطّ فتى صالحا مثاليّا، وآراء حشرات الجامعة له تكفي كدليل -رغم أنّه لا يبالي بها-... لذا نعم، هو لا يهتمّ، وهذا الكلام هو لا شيء بالنّسبة له.

رجل مثير للشّفقة.

لكن، من ناحية أخرى... لقد قلّل منه..

لم ينعته بصفة سيّئة، لكنّه قلّل منه كشخص..

نادل؟ هو من اختار الوظيفة، فكيف يجرؤ ساذج كهذا ويقلّل منه ومن اختياراته؟

أخذ رايدر نفسا عميقا، قبل أن يخطو خطوة إلى الأمام؛ وقد كانت الخطوة الوحيدة الّتي استطاع القيام بها قبل أن يقف رايموند حائلا بينه وبين الطّاولة.

هل رايموند خائف أو ما شابه؟ متى أصبح ضعيفا هكذا؟

"جارِني، سنتحدّث لاحقا"

كانت تلك الكلمات الّتي قالتها حركة شفاهه فجأة، يراه يطالعه بجدّيّة تامّة.

سحقا، الأمر مزعج، لكن يبدو أنّ عليه الاستسلام للأمر.

لفّ عينيه بضجر يطلق زفرة أخرى منزعجة، قبل أن يلتفت موليا إيّاهم بظهره يسمع كلمات رايموند للرّجل الغبيّ:

«نعتذر عن هذا سيّدي... أرجو أن تتغاضى عن الأمر لهذه المرّة»

يتغاضى؟ لو ترك له المجال فقط، لكان هو من جعله يترجّى ليتغاضى عن إساءته... من الصّعب أن يتحكّم بأعصابه، قد ينفجر في أيّ لحظة.

«عليكم أن تكونوا أكثر حذرا أيّها الشّابّ... أنا لا أدفع المال لأتلقّى هذه المعاملة»

كلمات ذلك الوغد الّذي كان يدّعي الكرم، جعلت من صاحب الشّعر الأسود يحكم إغلاق قبضتيه بقوّة، يحاول ضبط أعصابه.

حتّى هو لا يتلقّى أجرا لأجل تحمّل هذه المعاملة..

لو كان ما جرى قد حدث خارجا وليس داخل هذا المطعم السّخيف، لكان قد أرسله لقسم الاستعجالات في المستشفى من دون أن يتردّد... هو لا يحبّ أن يغضّ الطّرف عن الإساءات على حساب راحة باله.

«حسنا حسنا، نعتذر مجدّدا»

كانت تلك آخر كلمات صدرت عن رايموند، ولم يبدُ اعتذاره جادّا بل بدا بأنّه يحاول تخليص نفسه من الوضع فحسب.

أيّا يكن..

سرعان ما شعر رايدر بجسده يُسحب إلى الأمام بفعل رايموند الّذي أمسك بذراعه يجرّه بسرعة خلفه، ولسبب ما، لم يقاوم وظلّ يتبعه بينما يلقي عليه بنظرات مستغربة.

حرّر رايموند يد الآخر حالما دخلا غرفة تبديل الملابس الّتي كانت خالية من أيّ أحد.. وقد كان ذلك أفضل مكان لإجراء حديث جادّ.

وقف الاثنان هناك أمام بعضهما، يحدّق كلّ منهما بأعين الآخر بصمت... كان رايموند ينتظر اللّحظة المناسبة ليلقي بما لديه، بينما انتظر رايدر أن يتكرّم عليه هذا الأخير ويطلعه على ما يريده.

«ما الخطب؟»

ألقى رايدر بذلك التّساؤل ضامّا ذراعيه لصدره حالما لاحظ بأنّ صمت الآخر قد طال كثيرا، ولم ينتظر سوى بضع ثوانٍ حتّى ردّ عليه رايموند رافعا حاجبيه بعدم تصديق:

«تسأل ما الخطب؟ كنت ستتسبّب بطردك! كيف تكون مستهترا هكذا؟!»

هل هو جادّ؟ كان سيفكّر بذلك في وضع يتقبّل الصّبر، لكن ما حدث قبل قليل لم يكن كذلك قطعا.

تنهّد بخفّة وهو يهزّ رأسه بقلّة حيلة قبل أن يجيب رافعا كتفيه بعدم اكتراث وكأنّه أمر بديهيّ:

«وهل أقبل الإهانات لأجل الحفاظ على وظيفتي؟ إن كان كذلك فسأتخلّى عنها بكلّ سرور»

«كان بإمكانك الحديث إلى المدير بشأن الأمر»

علّق رايموند موضّحا رأيه، يحاول بذلك تنبيه رايدر على خطورة ما كان سيقدم عليه، لكنّ الآخر لم يظهر عليه الاهتمام بذلك حينما أجابه بنبرة دفاعيّة وقد احتدّت نظراته قليلا:

«لست طفلا لأشتكي لغيري... أحبّ تولّي أموري بمفردي»

كلّ ما صدر عن الآخر لحظتها كان تنهيدة عميقة... هذا الشّابّ المندفع هنا لا يدرك جدّيّة الوضع. ليس كلّ شيء بالبساطة الّتي يبدو عليها.

«كلّنا نفضّل ذلك، لكنّنا وافقنا على سياسة المطعم... حاول التّحكّم بأعصابك أكثر قليلا، أحببت العمل معك ولا أريد أن ينتهي بك الأمر مطرودا»

خرجت كلماته تلك بنبرة ودودة، يحاول اللّعب على عواطف رايدر لإقناعه... لحظات الغضب تجعل المرء أحيانا يغفل على كثير من الأمور.

يستحيل أنّ المدير لم يحذّره من افتعال المشاكل، فذلك هو أكثر ما يهمّه بعد الانضباط في الحضور...

كما أنّه وبكلّ صراحة سيشعر بالسّوء لو أنّه تمّ طرد زميل له بينما كان قادرا على منع حدوث ذلك.

مدّ رايموند يده ناحية رايدر، يمسك بكتفه ويشدّ عليه بإحكام مجبرا إيّاه على النّظر له... وقد فعل ذلك بالفعل، وذلك قبل أن يشيح بوجهه بعيدا بتضايق ويتراجع إلى الخلف محرّرا كتفه من يد الآخر متمتما:

«أيّا يكن..»

ضيّق الآخر عينيه بشكّ يحاول قراءة تحرّكات الواقف أمامه... يفكّر في احتماليّة أن يكون سبب ردّ فعله العدوانيّ هو أمر يخصّ الجامعة أو ما شابه، بدلا من كونه مجرّد تصرّف طبيعيّ منه.

«هل حدث شيء معك؟ لا يعقل أنّ كلمات شخص من دون قيمة استفزّتك هكذا»

عقد رايموند حاجبيه بشكّ بينما يطالع رايدر بانتظار ردّ منه، وما كان لهذا الأخير سوى أن أطلق ضحكة ساخرة وهو يدفع خصلاته السّوداء إلى الخلف.

ما الّذي قد يحدث له مثلا؟ الشّيء الوحيد الّذي يعاني منه هذه الفترة هو التّفكير الزّائد، ويستحيل أن يكون ذلك سببا في انفعاله... لا علاقة بين الأمرين.

كلّ ما في الأمر أنّ أحمقا لابدّ وأنّ شعره باروكة، قد قلّل من احترامه... ولا أحد يقلّل من احترام رايدر ميرفي ويتخطّى الأمر.

أجل، هذا فقط..

«أنا بخير، شكرا على التّفكير بي، لكن لا تفعل شيئا كهذا مجدّدا»

ألقى بذلك بعدم اكتراث، يحاول إنهاء الحديث عند تلك النّقطة..

لقد بدأ يشعر بانعدام الرّاحة.

لم ينتظر ثانية أخرى، والتفت بسرعة يسير قاصدا مخرج غرفة التّغيير تاركا الآخر يقف هناك وهو يراقبه غير قادر على إيجاد شيء آخر يقوله.

الأمر بات واضحا... هذا الشّابّ ذو طباع حادّة، وينفعل من تلقاء نفسه. ليس جيّدا له، لكن ما عساه يفعل بخصوص شابّ بالغ؟

خرج رايدر من المكان دون أن يغلق الباب خلفه، وسار ناحية مكتب الدّفع ليواصل عمله، بينما يسحب هاتفه من جيبه ويطّلع على السّاعة.

«التّاسعة..»

تمتم بصوت خافت قبل أن يغلق هاتفه ويعيده لمكانه.

لا تزال هناك ساعة كاملة على انتهاء دوامه... الأمر مرهق، لكنّ الوقت سيمرّ عاجلا أم آجلا.

هذا ما يسمّى بتدريب على الصّبر... شيء لا يسيء له، على عكس النّاس التّافهة.

سيواصل مهامّه أيّا كانت حتّى تمرّ هذه السّاعة بسلام... ليتمنّى فقط ألّا تعادل هذه الدّقائق الطّويلة الألفيّة.

وحينما تنقضي، سيكون على عامل المطعم الاختفاء بسرعة حتّى يظهر مكانه متسابق السّيّارات اللّيليّ.

هذا موعد بداية السّباقات، لابدّ وأنّ أوّلها قد بدأ بالفعل.. ليأمل ألّا يكون آريس قد نسي تسجيل اسمه.

ذاكرته ليست قويّة كذاكرة أوستن، ولسوء الحظّ أنّ هذا الأخير لا تستهويه سباقات السّيّارات بشدّة حتّى يطلب منه ذلك.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فوضى وسكينة

المؤلف _aerithra_
2025/10/31 مستمرة
قائمة الفصول (26)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة