مزعج

مزعج

18 0

____________________________________________

كانت نسمات الهواء اللّيليّة تتسلّل من نافذة المطبخ، مداعبة تلك الخصلات البنّيّة لرافاييل الّذي وقف قرب الموقد المشتعل، واضعا حاسوبه على قاطع المطبخ، ينقل عينيه بين الشّاشة والمقلاة.

من الصّعب على الشّخص أن يعمل ويطبخ في نفس الوقت، لكن الظّروف هي من تحكم في نهاية المطاف.

العمل على هذه اللّعبة مرهق أكثر ممّا كان يعتقده، رغم أنّ انتظار رسالة من ناتالي يفوقه إرهاقا.

لم يحصل لحدّ الآن على أيّ إشعار منها بخصوص الاجتماع القادم، وهذا مربك قليلا.

ماذا لو نسيت إخباره بموعده؟

مدّ رافاييل يده ناحية المقلاة يقوم بتقليب شرائح السّمك، ثمّ انحنى قليلا، يعود مجدّدا للتّحديق بشاشة حاسوبه، يقرّر الدّخول وتفقّد البريد الإلكترونيّ لعلّها ترسل رسالة في أيّ لحظة.

لا يمكنه أن يعرف متى يحالفه الحظّ..

راح يصعد بين الرّسائل القديمة، يعيد قراءتها مرارا وتكرارا وكأنّها وسيلة ليحصل على رسالة منها...قد لا يكون ذلك فعّالا، لكن ليس مضيعة للوقت بما أنّه يطبخ في الوقت ذاته.

«هي لم تنسَ أمري، صحيح؟ ليست شخصا يهمل عمله»

همس لنفسه بصوت خافت وهو يواصل التّصفّح، لتتوقّف يده عن الحركة فجأة حالما شعر باهتزاز الحاسوب.

اتًسعت عيناه بسعادة حالما لمح إشعار برسالة تحت اسم "الآنسة هارفي"، ليضغط عليه مباشرة يقرأ محتواها.

"تمّ تأجيل الاجتماع إلى الأسبوع المقبل بدلا من هذا الأسبوع"

يبدو أنّ طريقته كانت فعّالة في النّهاية..

اتّسعت ابتسامته أكثر وهو يقرأ الكلمات الّتي كتبتها أناملها، قبل أن يدرك فجأة مضمونها.

تأجيل؟ هل كان من المقرّر عقد الاجتماع هذا الأسبوع؟ لماذا تمّ تأجيله إذا؟

ثمّ لحظة..

بعيدا عن الموضوع، لقد لاحظ لتوّه بأنّ هذه هي أطول رسالة قد حصل عليها منها لحدّ الآن...هل يعتبرها إشارة جيّدة؟

يجب على الشّخص أن يكون إيجابيّا دائما، لذا نعم...سيأخذها على أنّها كذلك.

«ناتالي؟ جدّيّا؟ هل أنت حقّا مهووس بهذه المرأة أم ماذا؟»

انتفض جسد رافاييل فجأة فور سماعه لذلك الصّوت الآتي من خلفه، ليلتفت بسرعة وتقع عيناه على رايدر الّذي كان منحنيا على قاطع المطبخ بقربه، يثبّت عينيه على شاشة الحاسوب بنظرات محمّلة بالسّخرية.

من أين ظهر هذا الشّابّ الآن؟

«مهووس؟ كنت فقط أنتظر رسالة بشأن الاجتماع...علينا العمل على اللّعبة كما تعلم»

برّر بارتباك محاولا إبعاد التّهم عنه بينما يدفع أخاه بعيدا ويغلق الحاسوب مباشرة يمنعه من قراءة أيّ شيء آخر، ليلفّ رايدر عينيه بضجر ويجيب بتهكّم عاقدا ذراعيه عند صدره:

«واصل، أنا أصدّقك...تنتظر رسائل في هذا الوقت؟ أنت يائس حقّا»

«غبيّ، أنت لا تعرف عملي أكثر منّي»

تمتم وهو يشيح بوجهه بعيدا، قبل ان يعيد بصره ناحية رايدر الّذي كان يبتسم بجانبيّة محدّقا به..

إنّه يستمتع بإغاظته إذا؟

لكن مهلا...لماذا هو يلاحظ ذلك الآن؟ ما تلك الكدمات على وجه رايدر؟

«ما بال وجهك؟ مع من تشاجرت هذه المرّة؟»

تساءل بقلق وهو يشير بسبّابته ناحية وجهه، يرى كيف ركل أخوه الهواء بقدمه، يجيبه رافعا كتفيه بلامبالاة:

«أخوك الغالي...بدا وكأنّه يتوسّل للحصول على عمليّة تجميل سريعة»

رمش رافاييل يطالعه بهدوء، ثمّ همهم بتفهّم ونطق مباشرة:

«فهمت، إذا استفزّك ولم تستطع التّحكّم بنفسك كالعادة»

«أحبّ حينما تفهمني»

«ما مدى سوء إصابته؟»

ارتفع حاجبا رايدر بدهشة من تساؤل رافي، ولم يجد نفسه سوى وهو يسحب كرسيّا ويجلس عليه، قبل أن يجيب بانزعاج مشيحا بعينيه بعيدا:

«تسأل عنه الآن؟ ربّما لديه جروح أكثر منّي، فالأطفال يصابون بسهولة أكبر»

عادت عيناه ناحية رافاييل تلقائيّا حالما سمع صوت تصفيقه، يعقد حاجبيه باستغراب بينما يستمع لكلام شقيقه:

«جيّد، مبارك فوزك في الشّجار أيّا كان سببه...والآن اذهب وقم بتعقيم جروحك حتّى لا تتقرّح»

أشار بيده ناحية باب المطبخ يتبعه رايدر بعينيه، قبل أن يعاود النّظر له، ويجيب بينما يميل برأسه للجانب ويدسّ يديه داخل جيوبه:

«أنا متعب، افعل ذلك من أجلي»

هزّ رافاييل رأسه بقلّة حيلة، يرفع أحد حاجبيه ويعلّق بجدّيّة:

«أنا منشغل، كما أنّك شابّ بالغ ولست طفلا...إلّا إذا كانت عدوى الأطفال قد انتقلت لك من هيوغو»

اتّسعت عينا رايدر واعتدل في وقفته فجأة حالما التقطت أذناه ذلك، يحرّك رأسه يمينا وشمالا نافيا.

«أنا؟ إطلاقا! سأذهب لتعقيم جروحي، وأنت واصل عملك حتّى تتمكّن من إبهار ناتالي تلك بمهاراتك الخارقة»

نطق الجزء الأخير بنبرة ساخرة وهو يقف من مكانه، ويتراجع إلى الخلف بحذر تحسّبا لأيّ حركة غادرة، ليضيّق رافي عينيه ويردف بحدّة:

«سارع بالخروج قبل أن أحسم أمري وآتي لك»

«لن تستطيع، لكنّي سأذهب في كلّ الأحوال»

منحه ابتسامة نصر في نهاية كلامه، يلتفت على الفور ويغادر المكان، تاركا رافاييل هناك بمفرده وهو يبتسم بخفّة قبل أن يلتفت خلفه وسارع في قلب السّمك مجدّدا، يغرق في أفكاره.

إذا هذان الطّفلان لا ينويان التّوقّف عن الشّجار، أليس كذلك؟ التّعامل معهما أصعب من تربية ثلاثة توائم رضّع في آن واحد.

«رافي»

استقام في وقفته تلقائيّا حالما سمع اسمه، يلتفت خلفه على الفور رافعا حاجبه حالما رأى رايدر وهو يقف عند عتبة الباب مستندا بجسده على الإطار الخشبيّ.

«عدت مجدّدا؟ ما الأمر؟»

تساءل باستغراب وهو يتقدّم بضع خطوات ناحيته، يستمع لكلماته التّالية:

«بما أنّ كلّ ما حصلت عليه كان خبرا بتأجيل الاجتماع، فسأمنحك خبرا إضافيّا»

لم يكد رافاييل ينطق بأيّ من التّساؤلات الّذي طرأت على ذهنه، حتّى سبقه رايدر حينما أضاف على الفور ملقيا بما يدور بذهنه:

«لقد أصيبت أختها، لذا أظنّ ذلك السّبب»

افترقت شفتا الآخر بصدمة، ورفع حاجبيه بدهشة يتمتم متسائلا:

«أحقّا؟ كيف تعلم؟»

«الجميع يعلم، ليس وكأنّها معلومة سرّيّة أو ما شابه»

أومأ بإدراك لحظتها، يحمحم منظّفا حلقه رغبة في تجنّب الإحراج.

«أرى ذلك»

نبس بتفهّم وهو يشيح عينيه بعيدا ويفكّر في ما قاله رايدر للتّوّ، يسمعه يصيح بصوت مرتفع بينما يلتفت ويغادر بسرعة:

«سأذهب لتنظيف وجهي، وداعا، واحرص ألّا تجنّ بسببها»

استقرّت عيناه عليه مجدّدا...تحديدا على ظهره وهو يسير مبتعدا، ليردّ عليه بنفس النّبرة المرتفعة:

«اخرس رايدر»

لم يصله ردّ منه، فقد غادر بالفعل...وذلك ما جعل من رافاييل يطلق تنهيدة طويلة، يصفع جبينه بخفّة قبل أن ينتفض جسده فجأة فور أن شمّ رائحة ما.

«السّمك! تبّا!»

استدار خلفه بسرعة، يسارع في حمل أقرب شوكة له وتقليب شرائح السّمك...ولحسن الحظّ، لم تصل لمرحلة الاحتراق بعد.

الحظّ يحالفه كثيرا اللّيلة على ما يبدو..

.

.

༺༺༺༺༻༻༻༻

.

.

كانت السّاعة تقارب الحادية عشر ليلا، حينما دخلت ناتالي مجدّدا لغرفة إيلينور وهي تحمل وسادة وبضع بطّانيّات.

وقد كان الهواء اللّيليّ يبثّ السّكينة في روحها مجبرا إيّاها على الابتسام بشكل لا إراديّ.

«أتعلمين؟ أنا محظوظة لأنّها نهاية الأسبوع، أي لن أضيّع الكثير من الدّروس...ربّما أتغيّب ليوم آخر أو يومين بعدها»

نبست إيلينور بهدوء بينما تجلس على سريرها وتراقبها، تجعل ناتالي تنقل بصرها ناحيتها بسرعة، قبل أن تنحني إلى الأرض وتضع ما بيدها عليها ترتّبه باهتمام مجيبة:

«الأمر سيعتمد على مدى تحسّنك، لن أدعك تذهبين إن لم تشفي»

لم تعقب إيلينور على ذلك، واكتفت بمراقبتها بصمت وهي تواصل ما تقوم به...لكنّها لم تستطع كبح فضولها أكثر وتساءلت مباشرة:

«ما الّذي تفعلينه بالمناسبة؟»

توقّفت الأخرى للحظة ورفعت أعينها نحوها، قبل أن تضرب بيدها مرّتين على الأغطية وتجيبها مبتسمة:

«أليس واضحا؟ سأنام هنا»

افترقت شفتا إيلينور بتفاجئ، تهزّ رأسها على الفور رافضة الفكرة.

«ماذا؟ لا يمكنك النّوم على الأرض هكذا»

اعترضت من دون تردّد، لتردّ ناتالي بإصرار وهي تواصل تجهيز مكان نومها:

«أنا أريد ذلك، و لا يمكنك منعي»

زفرت الأخرى بقلّة حيلة، وأجابت باستسلام مشيرة بسبّابتها ناحية أختها:

«أيّا يكن، لكن احرصي على أن تحظي بالرّاحة...على الأقلّ لتستفيدي من إجازتك قليلا»

«أيّ إجازة عزيزتي؟ لن أذهب للمكتب فحسب، لكنّي سأقوم ببعض الأعمال في حاسوبي حتّى لا تتراكم عليّ لاحقا»

«أنتِ مهووسة عمل»

منحتها ناتالي ابتسامة بسيطة وهي تستقيم من مكانها، لتضرب كفّيها ببعضهما وتردف مباشرة:

«شكرا...وبالمناسبة، أردتِ الذّهاب للمقبرة، صحيح؟»

لمعت عينا إيلينور للحظة، واكتفت بالإيماء بصمت، تسمع أختها تواصل مباشرة:

«أفكّر في الذّهاب يوم الاثنين، ما رأيك؟ لست متأكّدة رغم ذلك، قد لا نذهب إن انشغلت بأمر ما أو لم تسمح حالتك بذلك»

«سأتقبّل انشغالك، ولكنّني أريد الذّهاب وأنا على هذه الحال»

أجابت الأخرى بجدّيّة جاعلة من حاجب ناتالي يرتفع باستغراب، تتساءل تلقائيّا:

«ماذا؟»

«أنا جادّة ناتالي...أريد أن أزورهم وأنا أتألّم، حتّى يعلموا بأنّ حياتي ليست كلّها سعادة بعد رحيلهم، وأنّي لازلت أعاني وأتألّم أحيانا...لا يمكنني تذكّر زيارتهم فقط حينما أكون بصحّة جيّدة»

أشاحت بعينيها بعيدا في نهاية كلامها، تعضّ على وجنتيها من الدّاخل بخفّة، قبل أن تعاود النّظر لشقيقتها حالما لمحتها تقترب منها أكثر، تضع يدها على رأسها قائلة:

«ألا تظنّين زيارتنا لهم ونحن بصحّة جيّدة سيطمئنهم علينا؟ لن يقلقوا من أنّ حياتنا تدهورت بدونهم، وسيفخرون بكوننا استطعنا شقّ طريقنا بمفردنا خلال هذه السّنوات لنعيش هكذا»

رمشت الأخرى ببطء ترى ناتالي وهي تبتسم، لتلتفت على الفور وتغادر الغرفة قاصدة خاصّتها، قبل أن تخرج منها مجدّدا وتعود حاملة وسادة أخرى وحاسوبها، تقوم بإطفاء الأنوار في طريقها.

ربّما هي محقّة، ولكن السّعادة من دون اجتماعهم جميعا لا تكتمل.

عضّت إيلينور على وجنتيها من الدّاخل ثانية، وأشاحت بوجهها بعيدا تتفادى النّظر إلى ناتالي الّتي اتّخذت جلستها على الأرضيّة تضع حاسوبها فوق ساقيها مردفة:

«ليكن كما تريدين، ولكن أخبريني حينما تشعرين بأنّ حالك أسوأ»

فتحت الحاسوب وهي تشعر بأعين أختها تعود ناحيتها، وتكاد تجزم أنّ ابتسامة خافتة قد ارتسمت على شفاهها الآن.

«هل ستعملين الآن؟»

وصلها صوتها المتسائل، يجعلها ترفع أعينها من على الشّاشة وتزيحها ناحية إيلينور، لتمنحها ابتسامة سريعة مجيبة:

«أجل، هل سيزعجك ذلك؟»

«لا، ولكن ألن تنامي؟»

«سأنجز بعضا من الّذي ينتظرني، ثمّ سأنام بعدها»

«فهمت»

أجابت بتفهّم وهي تسارع في الاستلقاء وتغطية نفسها بالبطّانيّة محاولة النّوم، كلّ ما تسمعه هو صوت الضّغط على أزرار الحاسوب.

مرّت بضع دقائق على تلك الحال، لم يكسر سكونها سوى همسة خافتة فلتت من ناتالي:

«رسالة؟»

نقرت على الإشعار الظّاهر في أعلى الحاسوب، تحدّق بالشّاشة لبضع لحظات رافعة حاجبيها، وذلك قبل أن تزفر بعمق تعيد قراءة الرّسالة مجدّدا:

"سمعت من أخي أنّ أختك أصيبت، ووجدت أنّه من غير اللّائق ألّا أسأل عن حالها"

هذا الرّجل لا يفهم إطلاقا..

وكذلك، لم تكن تعلم أنّ هذا الفتى رايدر ثرثار لهذه الدّرجة...لماذا قد يخبره بما يخصّ شخصا آخر؟

«إيلينور، تذكّرت شيئا...لكن عديني بأنّك لن تخبري أحدا بأنّي أخبرتك»

تمتمت مخاطبة شقيقتها الّتي فتحت عينيها على الفور، وهي تفكّر مليّا في ما إذا كان عليها الاندفاع والحديث، أم فقط العدول عن ذلك.

ليس عادلا ألّا تعلم إيلينور بما جرى أثناء فقدانها الوعي...وفي نفس الوقت، هي تشعر برغبة في إخبارها على أيّة حال.

«لماذا؟»

تساءلت وهي تتثاءب بتعب، تسمع الأخرى تجيب بإصرار:

«عديني فقط وستفهمين لماذا»

«حسنا، أعدك»

تنهّدت ناتالي وهي تعضّ على شفتها السّفليّة بخفّة، قبل أن تلقي بما لديها من دون تردّد:

«أنتِ لا تعلمين شيئا ممّا جرى بعد فقدانك الوعي، صحيح؟»

«لقد اتّصلوا بالاسعاف، ثمّ بك؟ هل كان يجب أن أسأل أو ما شابه؟»

أجابت وهي تعقد حاجبيها بعدم فهم، ترى ناتالي تتنهّد بخفّة وتهزّ رأسها قبولا قائلة:

«في هذه الحالة، نعم...»

اعتلت معالم الاستغراب وجه إيلينور الّتي رفعت رأسها عن الوسادة قليلا استعدادا لما كانت ناتالي ستلقي به تاليا...وبالفعل، لم تتردّد هذه الأخيرة حينما أردفت:

«لقد طلب منّي رايدر ألّا أخبرك، لكنّه جاء إلى المستشفى بينما كنتِ غائبة عن الوعي»

من دون أن تدرك ذلك حتّى، وجدت إيلينور نفسها وهي تدفع جسدها وتجلس باعتدال من شدّة الصّدمة، تشعر بالحرارة تتصاعد في وجهها تدريجيّا.

ماذا؟! لماذا لم يخبرها أحد بهذا قبلا؟!

«هو من اتّصل بي من هاتفك حينما تمّ نقلك للمستشفى، ثمّ أتى بعدها لإعادته وسألني عن حالتك»

أضافت ناتالي وهي تراقب ردّة فعل أختها الّتي شعرت بضربات قلبها تزداد من شدّة الإحراج.

كان عليها إخبارها دفعة واحدة حتّى تتخطّى الأمر بشكل أسرع...نعم، لقد فعلت الصّواب.

امتدّت يد إيلينور ببطء إلى وجهها تتحسّسه...ولقد كان دافئا بالفعل.

سحقا، من أين جاء هذا؟ وكذلك، يبدو أنّها ستضع مسألة وضع قفل لهاتفها في عين الاعتبار.

رمشت ببطء شديد وعيناها لا تفارق خاصّة شقيقتها، قبل أن تستوعب ما سمعته بشكل كامل، وتردّ كأنّها تتمنّى ألّا يكون ذلك حقيقيّا:

«هذا غير معقول، ليس تصرّفا قد يصدر عنه...قولي بأنّك تمزحين رجاءً»

«لست كذلك عزيزتي»

أجابت ببساطة وهي ترفع كتفيها بقلّة حيلة، ترى كيف افترقت شفتا أختها، تعود بظهرها إلى الخلف، وتستلقي ببطء على سريرها مجدّدا، ملقية ببصرها على السّقف الفارغ، وآثار الصّدمة لا تفارق وجهها.

لقد كانت تبدو وكأنّ روحها قد خرجت للتّوّ من جسدها حرفيّا.

ورغم جدّيّة الموقف بالنّسبة لإيلينور، إلّا أنّ ناتالي لم تستطع كبح نفسها من التّعليق على الوضع حينما أردفت بجدّيّة:

«لن يعجبك الأمر، لكنّي أظنّه منجذبا لك كذلك...ربّما أكثر من هيوغو حتّى...لم يرغب في أن تعلمي بوجوده هناك وخرج حالما لمحك على وشك الاستفاقة»

«تحديدا، لم يرغب في أن أعلم، أي لم يرد أن أفهم الأمر بشكل خاطئ وأفسّره كما تفعلين أنتِ الآن»

همست الأخرى بينما تحافظ على وضعيّتها، تصفع جبينها بيأس وتضيف:

«تصلحين كأخت كبرى للوسيا حقّا...تتشاركان طريقة تفكير واحدة»

هي تعني ذلك حقّا، فكيف لأحد عدا لوسيا أن يقول شيئا كهذا الآن بالتّحديد؟ الأمر واضح تماما، لذا ما الدّاعي لتفسيره بشكل خاطئ هكذا وزيادة الإحراج الّذي تشعر به الآن؟

رغم أنّها لم تكن تنظر لناتالي، إلّا أنّها استطاعت سماع النّفس العميق الّذي أخذته قبل أن تجيبها مبرّرة موقفها:

«لهذا أقول ذلك، لا شكّ في أنّ لوسيا قد رأت أكثر ممّا فعلت أنا حتّى جزمت بذلك»

لوسيا مجدّدا...ناتالي لا تعلم بأنّه لا يجوز حتّى أن يعير أحدهم قلما لفتاة ما أمامها إن لم يرد أن يكون في موضع شكّ.

ليس حرفيّا، لكنّه أقرب مثال لتوضّح ما تقصده.

أصدرت إيلينور صرخة متذمّرة وهي تتقلّب على سريرها يمينا وشمالا، قبل أن تستقرّ مكانها وتدفن وجهها في الوسادة معاتبة شقيقتها:

«ما الّذي ذكّرك بهذا حتّى...ليتك نسيته وتركتِني أعيش نعيم الجهل»

لحظتها فقط، تذكّرت ناتالي رسالة رافاييل، وذلك ما جعلها تلقي نظرة سريعة حاسوبها تدرك أنّها لم تردّ عليه بعد، قبل أن تجيب:

«آه، هذا...فقط شقيقه يسأل عن حالك، وهذا ذكّرني بأمر رايدر»

«ليته أمامي لأقتله...سيكون نسيان الأمر صعبا»

عقدت ناتالي حاجبيها باستغراب، تطالع إيلينور المخفية لوجهها قليلا قبل أن تتساءل بفضول:

«لماذا؟ هل يزعجك ما فعله رايدر؟»

سرعان ما رفعت الأخرى رأسها ببطء، تزيح عينيها ناحيتها مجيبة بعدم ارتياح:

«ليس حرفيّا، لكنّ الوضع يبدو غريبا»

همهمت ناتالي بتفهّم، تدرك لتوّها شعور أختها...لتحرّك يدها في الهواء وتردّ بهدوء:

«لننسه إذا، ادّعي أنّي لم أقل شيئا فحسب»

أومأت إيلينور قبولا، ثمّ جلست باعتدال مرّة ثانية، تشعر بحرارة وجهها تخفّ قليلا حينما نطقت قائلة:

«سأحاول...وبالمناسبة، ألازلت على تواصل معه بشأن العمل؟»

ظهر الامتعاض فجأة على وجه المعنيّة، تعبس باستياء وهي تجيب:

«أجل، لكنّ ذلك مزعج بحقّ»

«حقّا؟ كيف ذلك؟»

«تعلمين بطبعي مع الرّجال، صحيح؟»

«أجل، تصدّين جميعهم»

أكّدت على ذلك، ترى كيف أنّ ناتالي رفعت رأسها للأعلى تطلق زفرة مطوّلة، قبل أن تردف بقلّة حيلة:

«تحديدا، لكنّ هذا لا يفهم ذلك، أو يتجاهله عمدا...أتفهّم أنّه قد يكون شخصا ودودا مع الجميع، لكنّ هذا لا يروقني ويخلق جوّا من انعدام الرّاحة»

«حسنا، دعيني أفكّر بهذا»

صمتت للحظات ترفع بصرها للأعلى بينما تريح ذقنها على قبضتها، تسمح لنفسها بالتّفكير مليّا متجاهلة نظرات ناتالي المترقّبة لجوابها.

ولم تكن سوى لحظات قليلة قبل أن تردف إيلينور مفرقعة أصابعها:

«إن كان هكذا مع الكلّ، فلماذا لا تغيّرين أنتِ أسلوبك قليلا؟ أعني أن تخفّفي من برودك معه وتحاولي التّعامل بشكل ألطف؟ لا أعتقد أنّ شخصا يرسل رسالة في آخر اللّيل للسّؤال عن أختك، قد يكون كالجميع»

أمالت الأخرى رأسها للجانب تقلّب الفكرة داخل رأسها من دون أن تقطع التّواصل البصريّ بينهما، ثمّ تساءلت بتردّد:

«تظنّين؟ لكنّي لا أشعر بالرّاحة كثيرا حول الرّجال»

أحيانا تكون اقتراحات إيلينور جيّدة، ولكنّها ليست متأكّدة جدّا بخصوص هذا...ليس سهلا أن تغيّر طباعها، أو الأمور الّذي تجعلها مرتاحة.

«أعلم، ليس عليك إرغام نفسك إن لم تريدي ذلك...فقط أقترح أن تحاولي التّغيير قليلا لمرّة، وتجاريه بعض الشّيء، وسيمكنك التّراجع فورا إن شعرت بالانزعاج أو لمحت ما لم يعجبك»

أجابت موضّحة موقفها، لتمطّ الأخرى شفاهها بحيرة وتعلّق:

«لست متأكّدة...قد أفكّر في ذلك لاحقا؛ ربّما فقط»

«افعلي أيّا كان ما يجعلك مرتاحة»

بعد آخر كلمات لإيلينور، كان كلّ ما صدر عن ناتالي هو همهمة خافتة بينما تحدّق بتمعّن في شاشة الحاسوب تعيد قراءة الجملة مرارا وتكرارا.

هل عليها المحاولة لمرّة؟ هل تأخذ باقتراح إيلينور وتجرّب مجاراته؟

ضغطت بأصابعها على لوحة المفاتيح بسرعة تكتب ردّها، قبل أن ترفعها بسرعة تقرؤه.

"هي بخير، شكرا على سؤالك سيّد ميرفي"

عضّت على شفتها تحاول منع التّردّد من التّمكّن منها، إلّا أنّها وجدت نفسها تعاود الضّغط على الأزرار وتعدّل من العبارة.

"هي بخير سيّد ميرفي"

كتبت ذلك وضغطت على زرّ الإرسال تغلق بعدها الحاسوب مباشرة...الأمر أصعب ممّا كانت تظنّه.

ولم تعد تشعر برغبة في إنجاز أيّ أعمال.

نقلت بصرها ناحية إيلينور الّتي كانت مستلقية على السّرير، لتجدها قد أغمضت عينيها تحاول أن تغطّ في النّوم بالفعل...هذا أفضل حتّى تحظى بالرّاحة الّتي تحتاجها.

ارتسمت على شفاهها ابتسامة خافتة، قبل أن تضع الحاسوب جانبا وتستلقي هي الأخرى من أجل أن تخلد للنّوم.

.

.

༺༺༺༺༻༻༻༻

.

.

في الوقت ذاته، كان رافاييل قد أغلق هاتفه للتوّ يتنهّد بثقل وهو يعود إلى الخلف مستندا بظهره على الحائط، قبل أن يدير رأسه ناحية رايدر الّذي كان مستلقيا على السّرير الآخر يطالعه بهدوء.

«لقد سألتها، هل أنت راضٍ الآن؟»

نطقها وهو يشيح بعينيه بعيدا بضجر، يسمع ضحكة رايدر السّاخرة.

هذا الفتى مزعج أحيانا...لقد أصرّ عليه مرارا ليراسل ناتالي بشأن أختها قائلا أنّ تجاهله للأمر ليس لائقا.

منذ متى ورايدر يهتمّ بما هو لائق؟

«لا، بل أنت من يجب أن نكون راضيا لأنّك نجحت في منحها انطباعا بأنّك شخص مراعٍ»

وصله صوت أخيه الّذي أجاب مدّعيا الاهتمام، رغم أنّ نبرته كانت خالية من الجدّيّة، يجعله يردّ بلامبالاة:

«قلت أنّي لست مهتمّا بها»

تكّ رايدر لسانه بسخرية رافعا حاجبه، يعلّق بمكر بينما يرفع جسده ليجلس باعتدال:

«لم أقل ذلك، قلت "انطباع" ولم أحدّد شيئا...ربّما قصدت أنّها أخذت عنك نظرة جيّدة بصفتكما زملاء في العمل أو ما شابه»

رفع رافاييل حاجبيه بتفاجئ قبل أن يلفّ عينيه بضجر ويلقي بكلمته:

«مراوغ»

«شكرا»

قالها رايدر وهو يبتسم كأنّه تلقّى مديحا، يرى كيف أنّ رافاييل قد وضع هاتفه جانبا وعدّل من وضعيّة جلوسه متجاهلا ذلك، قبل أن ينطق مغيّرا الموضوع:

«بالمناسبة، لماذا لم تخبرني قبلا عن أمر الفتاتين إن كنت تعرف؟ أعني أنّ عائلتهما متوفّاة و أنّهما تعيشان بمفردهما»

«لم أرَه شيئا مهمّا لتلك الدّرجة، مجرّد معلومة عاديّة...لا أحد سيهتمّ بمعرفة شيء عنّا كذلك»

أجابه رافعا كتفيه بلامبالاة، بينما رمش الآخر للحظة يحرّك رأسه نافيا ويردّ على كلامه:

«لم أقصد ذلك»

«قلت أنّك لا تحبّها، صحيح؟ إذا لا داعي من نقل أخبارها لك»

المكر المتخفّي خلف نبرته تلك جعل من رافاييل يحمل الوسادة المجاورة له، ويلقيها على شقيقه بكلّ قوّته من دون تردّد، جاعلا منه يتراجع إلى الخلف ويسقط مستلقيا على السّرير.

«مزعج، اخلد للنّوم»

تمتم بينما يستمع لقهقهات الآخر الّذي ظلّ على وضعيّته، إلّا أنّه تجاهل ذلك وراح يهزّ رأسه بقلّة حيلة.

لم يكد يقوم بحركة أخرى، حتّى وصل مسامعه فجأة صوت إشعار على هاتفه، يجعله يمدّ يده ناحيته ويسحبه بسرعة لا إراديّا، يجعل فكّ رايدر يسقط بصدمة حينما جلس مباشرة من جديد:

«ما هذا؟ لست تعلم من المرسل حتّى!»

صاح وهو يضحك بسخرية، يرى رافي يفتح هاتفه من دون أن يردّ عليه ويطالع الشّاشة بابتسامة.

ولكن سرعان ما سقطت ابتسامته تلك وهو يقرأ الرّدّ الّذي كتبته.

"هي بخير سيّد ميرفي"

أين "شكرا" خاصّته؟ ألا يمكنها أن تلين قليلا ولو لمرّة واحدة؟ يبدو أنّ الحصول عليها سيستنزف عقله وطاقته فعليّا.

حسنا...لا مشكلة في ذلك إن كان سيحصل عليها في النّهاية، وهو مستعدّ لفعل أكثر من ما يتطلّبه الأمر.

يكفي أن يعلم بأنّ جهده لن يذهب هباءً.

«رافاييل، ما خطبك؟ لا تقل لي بأنّها رفضتك»

أخرجه من سجن أفكاره صوت رايدر المستمتع الّذي كان يسند ذقنه على راحة يده، ليلتفت ناحيته على الفور ملقيا عليه بنظرات جانبيّة:

«ألا تستطيع التّوقّف عن الإلقاء بترّهاتك؟ بدأت أفكّر في إحضار سكّين المطبخ وقطع لسانك أثناء نومك»

علّق بنفاذ صبر بينما يحكم إغلاق عينيه، ليفتحهما مجدّدا ويرى رايدر وهو يزحف فجأة إلى الخلف ويستلقي مكانه.

«ماذا؟ ما الّذي تقوله؟ لا يمكنني سماعك لأنّني أنام حاليّا»

رفع حاجبيه بعدم تصديق يراه يختفي أسفل الغطاء ويمثّل أنّه يشخر. ولم يكن لرافاييل سوى أنّه صفع جبينه بخفّة هامسا بصوت خفيض:

«ما الّذي سأفعله بهذا الفتى»

راقبه لبضع ثوانٍ، يجده مستمرّا في تمثيليّته لدرجة كاد يصدّق أنّه قد غطّ في النّوم، لولا أنّه توقّف عن الشّخير فجأة وأنزل البطّانيّة قليلا كاشفا عن وجهه، يلقي بأوّل ما خطر بذهنه من دون تفكير:

«ما رأيك أن تزورها؟ ستتأثر لرؤيتك لا محالة»

افترقت شفتا رافاييل واتّسعت عيناه من شدّة صدمته، ليصرخ بعدم تصديق:

«هل جننت؟ أتريد أن تطردني عند المدخل؟»

ارتفع طرف شفاه رايدر في ابتسامة جانبيّة، يجيبه رافعا كتفيه بلامبالاة:

«ذلك أقلّ إيلاما من أن تتجاهلك»

«أنت حقّا لا تفقه شيئا...أنصحك بالعودة للنّوم حالا»

تمتم بيأس وهو يدعك جبينه بأصابعه، يرى رايدر وهو يعيد إخفاء نفسه أسفل البطّانيّة منهيا المحادثة:

«لا بأس، أنت الخاسر...لن أعطيك نصائح مجدّدا»

ابتسم رافاييل بتكلّف، يجيبه بسخرية وكأنّه قد أسدى له معروفا:

«شكرا لك»

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فوضى وسكينة

المؤلف _aerithra_
2025/10/31 مستمرة
قائمة الفصول (26)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة