سباق ليليّ

سباق ليليّ

22 0

____________________________________________

«ما بك ناتالي؟ لماذا تبدين مستعجلة هكذا؟»

ألقت إيلينور بتساؤلها و هي تحشر قطعة كعك أخرى في فمها و تراقب ناتالي الّتي كانت تتحرّك ذهابا و إيابا في أرجاء المطبخ بينما تجيبها على عجلة:

«لست وحدي المستعجلة، فأنتِ كذلك ستنهين الاستعداد بسرعة لأوصلك للجامعة...مديرتي في العمل تحتاجني بشدّة اليوم و عليّ ألّا أتأخّر أكثر ممّا سأفعل»

«لا داعي لتوصليني إن كان ذلك سيؤخّرك»

زفرت ناتالي بقلّة حيلة و هي تتوقّف عن الحركة، ثمّ التفتت تواجه إيلينور بجسدها مستندة بظهرها على قاطع المطبخ:

«سأوصلك، هذا واجبي كأختٍ كبرى لك»

حدّقت الاثنتان ببعضهما للحظات قبل أن تنفجر كلاهما ضاحكتين، و حينها أردفت إيلينور رافعة كتفيها، بينما تأخذ قطعة أخرى من الكعك:

«لن أرفض ما دمتِ مصرّة؛ و بالمناسبة، هذا الكعك لذيذ»

أومأت ناتالي برأسها قبولا، ثمّ استقامت بجسدها و تقدّمت من شقيقتها الصّغرى تمسك بذراعها قائلة:

«جيّد، و الآن توقّفي عن الأكل و هيّا بنا...ستعانين من السّمنة عمّ قريب إن استمررتِ هكذا»

«دعيني أنهي هذه القطعة و حسب»

نبست و هي تحدّق بالأخرى بأعين بريئة، جاعلة منها تتنهّد بخفّة قبل أن تسحبها فجأة مرغمة إيّاها على الوقوف.

«يمكنك إنهاؤها و نحن في السّيّارة، و الآن هيّا بنا»

.

.

༺༺༺༺༻༻༻༻

.

.

ركنت ناتالي سيّارتها أمام الجامعة، لتكون تلك إشارة إيلينور بالنّزول، حيث طبعت قبلة خفيفة على وجه شقيقتها و ترجّلت من السّيّارة مصرّحة:

«إن عاتبتكِ مديرة الشّركة، يمكنكِ إلقاء اللّوم عليّ فحسب»

ارتفعت زاوية شفاه ناتالي بابتسامة جانبيّة قبل أن تقهقه بخفّة و تردف ممازحة:

«هذا فقط؟ كنت أنوي إحضارك لتتلقّي التّوبيخ بدلا عنّي»

سرعان ما أشاحت إيلينور ببصرها بعيدا تحدّق بكلّ شيء عدا أختها، و نطقت مغيّرة الموضوع:

«المكان ليس مكتظّا، يبدو أنّ الحصص ستبدأ...عليّ الذّهاب، أراك لاحقا!»

راقبتها ناتالي و هي تلتفت من دون مماطلة و تهرول مبتعدة..

لا تقولوا بأنّها قد صدّقت الأمر! ناتالي ليست مجنونة لتلك الدّرجة...أو على الأقلّ، لم تصل لمرحلة الجنون تلك بعد.

تنهّدت بخفّة تراقب إيلينور الّتي يبدو بأنّها قد التقت صديقتها توّا، ثمّ شغّلت محرّك السّيّارة و قادت قاصدة مبنى الشّركة.

لسبب ما، هي تشعر ببعض من التّوتّر رغم أنّها ليست من ستجري اللّقاء...لكن أليس كافيا أنّها ستكون برفقة المديرة؟

هذه أوّل مرّة تقرّر الآنسة إقامة تعاون مع مطوّر ألعاب...بل و ناشئ كذلك، لذا من يدري كيف سيمرّ كلّ شيء.

كلّ ما يمكنها فعله الآن هو أن تدعو لحدوث ما هو أفضل لمستقبل الشّركة..

فور وصول ناتالي إلى المكان المقصود، ركنت سيّارتها جانبا و ترجّلت منها تتفحّص بأعينها المبنى..

لقد تأخّرت قليلا؛ و تتمنّى بشدّة ألّا تقع في موقف محرج الآن عند دخولها.

تفحّصت بسرعة بذلتها الرّسميّة تتأكّد من مظهرها، ثمّ سارت بخطوات ثابتة إلى داخل المبنى.

صعدت السّلالم قاصدة مكتب المديرة و هي تلقي التّحيّة على كلّ شخص تمرّ عليه.

«ناتالي»

توقّفت المعنيّة فور سماعها لذلك الصّوت المألوف، لتلتفت خلفها فورا و تلمح فتاة بشعر أحمر و أعين زرقاء تقترب منها.

«كورالين، ما الأمر؟»

تساءلت و هي تمنحها نظرات مستفسرة، لتلفّ الأخرى ذراعها حول عنقها و تردف ساخرة:

«أنا بخير، شكرا على سؤالك»

لفّت ناتالي أعينها بضجر ثمّ انسحبت بهدوء مبعدة ذراع كورالين عنها قبل أن تنبس بجدّيّة:

«العفو، و الآن اعذريني حقّا فعليّ-»

«الذّهاب لمكتب المديرة؟ أجل، لقد وصل ضيفكم بالفعل»

نطقت منهية كلامها جاعلة من الأخرى تزفر بيأس قائلة:

«توقّعت ذلك، سأذهب الآن، لكنّي سآتي إليكِ فور انتهائي أعدك بذلك»

أومأت كورالين و هي تبتسم بسعادة، ثمّ ألقت بغمزة سريعة صائحة بحماس:

«حظّا موفّقا! سأكون بانتظارك لنتناول الغداء لاحقا»

بادلتها ناتالي بابتسامة سريعة قبل أن تلتفت و تغادر قاصدة المكتب.

لقد وصل، ما يعني أنّ اللّقاء قد بدأ و هي ليست هناك..

لتأمل فقط أن تتفهّم المديرة ظرفها؛ فلم يكن بوسعها ترك إيلينور تعاني لتدبّر أمر وصولها للجامعة بينما لديها شقيقة كبرى.

وقفت أمام ذلك الباب الخشبيّ المغلق، ثمّ ابتلعت ريقها ببطء بينما ترفع قبضتها قليلا و تطرق عليه بخفّة.

«تفضّل»

تردّدت للحظة فور حصولها على الإجابة، و لكنّها رغم ذلك فتحت الباب و خطت إلى الدّاخل بهدوء تمسح المكان بعسليّتيها.

سرعان ما وقع بصرها على الآنسة هاريسون الّتي كانت تجلس على مقعدها المعتاد أمام مكتبها و هي تشبك كفّيها ببعضهما...ترمقها بنظرات هادئة و كأنّها كانت تتوقّع أن تكون هي الطّارقة.

تقدّمت بهدوء من دون أن تنبس بحرف، و وجدت نفسها تشيح ببصرها ناحية الرّجل الّذي كان جالسا على المقعد المقابل للمديرة.

و قد كان هو الآخر ينظر لها، و لكن بشكل مختلف..

لن تكذب؛ نظراته الآن ترعبها قليلا...يبدو كمن راودته صدمة لرؤية شخص يعرفه و لم يكن يتوقّع رؤيته؛ لكنّها متيقّنة تماما من أنّ هذه أوّل مرّة تقابله فيها.

«صباح الخير آنسة هاريسون»

أردفت ناتالي برسميّة و هي تمنح الجالسة أمامها إيماءة خافتة، و لم يكن من الأخرى سوى أن أصدرت همهمة قبل أن تتساءل:

«لماذا تأخّرتِ؟ كان يفترض أن تحضري اليوم أبكر من المعتاد»

عضّت على شفتها السّفليّة بإحراج و برّرت محاولة جعل نبرتها ثابتة:

«أعتذر عن تقصيري، لكن كان عليّ إيصال أختي الصّغرى للجامعة، و لم أملك خيارا آخر»

«إن كان الأمر كذلك، فلا بأس إذا»

أجابت الآنسة هاريسون و هي تهزّ رأسها بتفهّم، و ذلك قبل أن توجّه بصرها ناحية الرّجل أمامها و تخاطبه مشيرة بيدها ناحية ناتالي:

«هذه الآنسة ناتالي هارفي؛ و هي سكرتيرتي و أكثر من أثق بها هنا»

أعادت نظراتها ناحية المعنيّة و واصلت بينما تشير نحو الرّجل هذه المرّة:

«ناتالي، هذا السّيّد رافاييل ميرفي؛ و هو مطوّر الألعاب الّذي سنعقد معه تعاونا لأجل لعبتنا الجديدة»

أزاحت ناتالي بصرها ناحية المدعوّ رافاييل، و أومأت برأسها بخفوت قائلة برسميّة:

«تشرّفت بلقائك سيّد ميرفي»

استقام هو من مكانه و بادلها الإيماءة مبتسما:

«و أنا كذلك آنسة هارفي، يمكنك مناداتي رافاييل»

اكتفت ناتالي بمنحه ابتسامة خفيفة قبل أن تتراجع إلى الخلف قليلا؛ و عاد رافاييل كذلك للجلوس مكانه مصوّبا تركيزه ناحية الآنسة هاريسون الّتي نطقت مخاطبة إيّاه:

«سيّد ميرفي، أغلب أعمالنا ستتمّ هنا كاجتماعات، و لكنّي أرى أنّه سيكون من الجيّد أن نظلّ على تواصل حتّى خارج أوقات العمل كي أبقى مطّلعة على تقدّمك في العمل الموكّل إليك؛ و لذلك ستتكفّل ناتالي باستلام رسائلكم و تحويلها إلى حاسوبي الشّخصيّ؛ أي أنّها ستكون حلقة الوصل بيننا نظرا لضغط الرّسائل لديّ...لكنّني لن أهمل مراجعتها بدقّة و إرسال الرّدود على الفور، لأنّ رسائل ناتالي ستكون على رأس اهتماماتي هذه الفترة»

ابتلعت ناتالي ريقها بتوتّر و هي ترى أعين رافاييل تتفحّص ملامح وجهها بدقّة، و ذلك قبل أن يعاود النّظر للمديرة و يجيبها مبتسما:

«ذلك من دواعي سروري آنسة هاريسون؛ سأترك لكِ بريدي الإلكترونيٌ و أرجو أن تتمّ مراسلتي قريبا حتّى يتسنّى لنا بدء العمل في أقرب الآجال»

أومأت الأخرى قبولا بينما تمنحه ورقة و قلما، ثمّ أردفت:

«لقد ناقشنا اليوم أهمّ الأمور؛ و سترسل لك ناتالي لاحقا ملخّص فكرة اللّعبة، إضافة إلى موعد الاجتماع القادم»

«سأكون بانتظار ذلك»

أعاد رافاييل الورقة لها بعدما دوّن بريده، و استقام من مكانه بهدوء و هو يلقي نظرة خاطفة على ناتالي الّتي وقفت تراقب بصمت ما يجري، قبل أن يعيد بصره للآنسة هاريسون و يضيف بنبرة ودودة:

«سعيد حقّا بالعمل معكم، آنسة هاريسون...أراك يوم الاجتماع إذا»

«أراك يوم الاجتماع سيّد ميرفي»

سرعان ما التفت متقدّما بهدوء نحو الباب، ليخرج و يغلقه خلفه تاركا الاثنتين في الدّاخل تتناقشان حول أعمال هذا اليوم.

خطا بسرعة ينزل السّلالم و يغادر المبنى، ليتوجّه مباشرة لسيّارته البيضاء الّتي كانت مركونة قرب المدخل.

فتح القفل و دخل السّيّارة مغلقا الباب، ليزفر و أخيرا براحة بينما يضع كفّ يده على صدره..

و تحديدا الجهة اليسرى..

قلبه ينبض بعنف حقّا...أيعقل أن يظهر تأثير كهذا بسبب فتاة لمحها صدفة لمرّة واحدة فقط؟

هو لم يتوقّع قطّ أنّه قد يراها مجدّدا؛ سحقا..

إذا هي من ستكون حلقة الوصل بينه و بين مديرة الشّركة؟ لقد اختصرت عليه عناء الحديث و محاولة التّعرّف عليها، إذ أنّه سيكون أسهل عليه أن يتقرّب منها بهذا الشّكل.

و لكن لن يكذب؛ رغم الابتسامات المتكرّرة الّتي وزّعتها في المكتب، إلّا أنّها بدت كشخص متحفّظ نوعا ما...سيكون كسب ودّها صعبا على ما يبدو.

لم يدرك حينما صدرت منه ضحكة خافتة و هو يفكّر في ما حدث قبل قليل..ستراسله لاحقا لأجل تفاصيل اللّعبة؟ هذا رائع حقّا!

مهما فكّر في الأمر فهو لا يرى به سوى الإيجابيّات...و كلّ ما هو إيجابيّ هنا يقوده إلى التّقرّب من تلك الآنسة.

«ناتالي هارفي إذا..»

تمتم و هو يغمض أعينه و يسند جبينه على مقود السّيّارة يتذكّر تفاصيل وجهها..

هو يعترف..

لقد وقع..

و بشدّة أيضا..

«مهلا..»

همس بإدراك و هو يرفع رأسه يحدّق بالشّارع من خلال الزّجاج الأماميّ للسّيّارة بأعين متّسعة..

و لوهلة، عادت به ذاكرته إلى اللّيلة الّتي سبقت يوم أمس، حين عاد هو و رايدر للشّقّة بعد مرورهما بذلك المقهى..

إن لم تخنه ذاكرته، فقد سمع من رايدر اسما ما..

"هارفي"..

أجل، هو متأكّد من أنّ ذلك ما قاله...و هي نفس الشّابّة الّتي كانت مع ناتالي.

إذا المرأة الّتي وقع لها، هي شقيقة الفتاة الّتي تدرس في نفس صفّ رايدر؟ مثير للاهتمام..

في الواقع، هذا منطقيّ بالنّظر لكليهما، فرغم أنّه لم يمعن النّظر لفتاة مادّة الفلسفة تلك، إلّا أنّه و عند التّفكير بالأمر هما تتشابهان إلى حدّ ما.

نفس الشّعر، و نفس الأعين الّتي يمكن ملاحظتها من بعيد..

كلاهما عسليّ، إلّا أنّ عينيّ ناتالي أدكن من عينيّ شقيقتها.

رفع رأسه للأعلى يأخذ نفسا عميقا، ثمّ حرّك رأسه بخفّة ينفض الأفكار عن رأسه بينما تتحرّك خصلاته البنّيّة بعشوائيّة.

ضغط بعدها بقدمه على الدّوّاسة يشغّل السّيّارة، ليقود باتّجاه مكتبه مباشرة من أجل لقاء فريق عمله..

و في الوقت ذاته في مكتب الآنسة هاريسون، كانت ناتالي تجلس على المقعد المقابل لها تستمع للكلمات الّتي كانت تلقيها:

«أنا أثق بقدرتك على إتمام عملك على أكمل وجه، لكن بإمكانك القدوم إليّ في حال طرأ شيء...هل كانت توجيهاتي مفهومة ناتالي؟ أم هناك ما تريدين أن نتناقش به؟»

واصلت المعنيّة التّحديق بأعين الجالسة أمامها لبضع ثوانٍ إضافيّة بينما تفكّر...ليس من عادتها أن تسأل المديرة عن ما تقرّره، و لكنّها ستفعل هذه المرّة.

«آنسة هاريسون، أردت أن أسألك عن السّبب الّذي جعلك تعقدين تعاونا مع فريق عمل ناشئ...ليس اعتراضا بأيّ شكل، مجرّد فضول و حسب»

همهمت الأخرى بتفهّم و أجابت بينما تتراجع بكرسيّها ذي العجلات إلى الخلف:

«في الواقع، لقد أصدر فريق عمل السّيّد ميرفي لعبة قبل مدّة، و قد حقّقت نجاحا لا بأس به رغم أنّه لم يكن كبيرا حقّا»

أزاحت بصرها بعيدا تحدّق عبر النّافذة القريبة ثمّ واصلت:

«لن أكذب، اللّعبة كانت في المستوى حقّا سواء من ناحية جودة الصّور أو جودة التّحريك، و ارتأيت أنّ لديه مهارات جيّدة في هذا المجال تستحقّ أن ترى النّور؛ لذا رغبت في منحه فرصة ليحقّق ذلك بعقد تعاون معه ليكون المطوّر الرّئيسيّ للّعبة الّتي أريد أن تصدرها شركتنا»

صمتت ناتالي للحظات تستوعب ذلك، و قد جعل صمتها المطوّل من المديرة تلتفت نحوها مجدّدا عاقدة حاجبيها بتساؤل:

«بما تفكّرين؟»

رمشت الأخرى بهدوء قبل أن تطرح ما بذهنها مباشرة:

«ليس شيئا مهمّا، و لكنّي وجدته أمرا غريبا أن يوافق بكلّ بساطة على تطوير لعبة كهذه...لا يبدو كشخص تناسبه الألعاب اللّطيفة»

«لكنّه وافق؛ ربّما داخله ليس كمظهره»

أجابت الآنسة هاريسون و هي ترفع كتفيها بجهل، لتتساءل ناتالي مجدّدا:

«هل أعلمتِه بالفكرة كاملة عندما اتّصلتِ به لأوّل مرّة؟ ما الّذي ناقشتماه قبل حضوري؟»

«أخبرته أنّ اللّعبة لن تكون دمويّة أو ما شابه، و لم يعترض على ذلك...و اليوم حدّثته عن بعض التّفاصيل و قد أكّد أنّه مستعدّ للعمل عليها...هي صفقة رابحة لفريقه في كلّ الأحوال، لذا لم أعتقد أنّه قد يرفض، و كنت على صواب»

أومأت الأخرى قبولا و هي تدفع خصلاتها السّوداء إلى الخلف، ثمّ نطقت برسميّة:

«فهمت...هل هناك شيء آخر تحتاجينني به في الوقت الحاليّ، آنسة هاريسون، قبل أن أذهب لتنظيم تفاصيل اللّعبة كما طلبتِ لأرسلها للسّيّد ميرفي؟»

هزّت المديرة رأسها نافية و أصدرت تكّة بلسانها قائلة بينما تشبك كفّيها فوق سطح المكتب:

«حظّا موفّقا في عملك، و تأكّدي من تفقّد بريدك الإلكترونيّ كلّ فترة حتّى لا تغفلي عن أيّ رسائل من شريكنا»

«بكلّ تأكيد»

استقامت ناتالي من مكانها بهدوء و منحت إيماءة خافتة للمديرة قبل أن تلتفت و تسير بثبات ناحية الباب؛ لكنّها توقّفت قبل أن تخطو العتبة فور مراودة تساؤل ما لها.

التفتت بسرعة ناحية الآنسة الّتي كانت لا تزال جالسة خلف مكتبها تراقبها بهدوء، و لم تتردّد ناتالي في السّؤال:

«ما اسم فريق العمل ذاك بالمناسبة؟»

«ليس لديهم اسم بعد...قال السّيّد ميرفي بأنّه لم يجد اسما يروقه لذا لم يختر واحدا إلى الآن»

«فهمت، أستمحكِ عذرا الآن»

خرجت مباشرة مغلقة الباب خلفها، لتكون وجهتها التّالية هي مكتبها القريب من مكتب المديرة...حيث ستعمل على تنظيم تفاصيل اللّعبة، الّتي قد حفظتها بالفعل، كملفّ لائق، و ترسلها إلى السّيّد ميرفي.

بحسب ما قالت الآنسة هاريسون، فهو سيكون المطوّر الرّئيسيّ للّعبة...أي أنّه يملك صلاحيّات إضافة و حذف تفاصيل منها عند عمله عليها خارج أوقات اجتماعات الشّركة.

لتأمل فقط أن يكون منحه الصّلاحيّات أمرا صحيحا، و أن يأتي هذا التّعاون بنتيجة مرضية لكلا الطّرفين..

.

.

༺༺༺༺༻༻༻༻

.

.

كانت ممرّات الجامعة تعجّ بالطّلّاب الّذين كانوا يسيرون خلالها، كلّ إلى وجهة مختلفة..

لقد حان وقت الغداء و الجميع بانتظار رفاقهم ليتّجهوا معهم إلى الكافيتيريا..

الجميع باستثناء بضع طلّاب يعدّون على الأصابع، و من ضمنهم فتاة بشعر أسود و أعين عسليّة.

جلست إيلينور على مقعدها داخل الصّفّ الّذي كان شبه فارغ، إلّا من شابّ و فتاتين...و فتى الفوضى.

لمحته و هو يجمع أغراضه داخل حقيبة ظهره، لكنّها لم تطل النّظر أكثر لتراه يخرج، و أحنت رأسها إلى الأسفل قليلا تركّز بصرها على الصّفحة الجديدة من دفترها الّتي فتحتها لأجل أن تقوم برسم إحدى الفتاتين الّلتين كانتا جالستين في المقاعد الأماميّة.

تحديدا، الفتاة على اليمين، ذات الشّعر المصبوغ بخصلات زرقاء...ملامحها هادئة بشكل مريح للعين، و لا يمكن للفنّانة بداخل إيلينور أن تتجاهل ذلك.

حملت قلم الرّصاص خاصّتها، و راحت تنقل بصرها بين الفتاة و الورقة تعمل بجهد لأجل نسخها بشكل دقيق تماما.

كانت منغمسة بعمق فيما تفعله، لدرجة لم تنتبه لذلك الشّابّ الّذي كان يقف بجوارها يراقبها بصمت، سوى عندما لمحت الفتاة و هي ترفع أعينها فجأة تحدّق به باستغراب، لتفعل صديقتها الشّيء ذاته.

وجدت إيلينور نفسها تلتفت ببطء خلفها، لتقفز بفزع فور ما لمحت الفتى تزامنا مع نطقه:

«أهلا!»

وضعت يدها على صدرها تتنفّس بعمق قبل أن تميل برأسها للحانب قليلا و تردف:

«هيوغو، صحيح؟ أهلا، ما الّذي جاء بك إلى هنا؟»

ابتسم المعنيّ و هو يتقدّم بهدوء يسحب المقعد بجانبها ليجلس عليه، ثمّ أجاب قائلا:

«قلتِ أنّك تفضّلين أن نتعرّف وجها لوجه، و قد جئت لأحقّق ذلك»

«ماذا؟»

نبست بنبرة متفاجئة رافعة أحد حاجبيها؛ لم تتوقّع أنّه سيضع ذلك في الحسبان حقّا، و هي من كانت تنوي جعل علاقتهما سطحيّة قدر الإمكان.

ضمّ هيوغو ذراعيه لصدره، و تراجع بجسده للخلف يستند على ظهر الكرسيّ، لتقع عيناه على دفتر إيلينور الّذي كان مفتوحا.

لقد راقبها لبضع لحظات و هي منغمسة في الرّسم، و أجل...لا أحد يمكنه إنكار مهاراتها.

«كنتِ ترسمين إذا؟»

تساءل و كأنّه لم يكن يعلم بذلك، لتجيبه هي بينما تغلق دفترها مشيحة ببصرها عنه:

«لا يهمّ»

«ألا تحبّين أن يتحدّث أحد عن الموضوع؟ أعني، لقد أغلقتِ الدّفتر الآن..»

أعادت عسليّتيها ناحيته لتجده يشير بإصبعه لدفترها بينما يضيّق أعينه بحيرة، ما جعلها تتردّد للحظات قبل أن تتنهّد وهي تحرّك رأسها بقلّة حيلة:

«لا أعلم، أنا حقّا لا أعلم...الأمر يختلف بحسب الموقف»

«ألا تحبّين أن يتمّ ذكر الأمر فجأة فقط؟ أم تريدين إخفاءه عن الآخرين؟»

«ليس كذلك، هناك البعض من الّذين يعلمون أنّني أعشق الرّسم، و لكن لا أظنّ أنّني أريد أن يشيع الأمر في الجامعة...سيجعلني ذلك أشعر بعدم ارتياح»

همهم قبولا بينما يومئ برأسه بتفهّم، ثمّ نطق:

«فهمت»

ساد صمت مفاجئ للحظات حيث كان هيوغو يجول بعينيه في أرجاء المكان بتفحّص، بينما شعرت إيلينور ببعض من الغرابة و التّوتّر من ما يجري.

لا تظنّ أنّها ستعتاد على وجوده بسرعة..

«هل يمكنني السّؤال؟»

كسر الصّمت بعبارته تلك بينما ينظر لها لهدوء، لتجيبه فورا:

«تفضّل»

«كم يستغرق منك الأمر لترسمي شخصا؟»

«رأسه فقط، أم جسده كذلك؟»

«كلاهما»

«إن كان رأس الشّخص فقط، فساعة و نصف...أمّا مع الجسد، فقد يأخذ الأمر ساعتين أو ثلاثا، و قد يزيد الوقت أو يقلّ بحسب جودة الرّسم النّهائيّ و مدى واقعيّته»

اتّسعت عينا هيوغو بدهشة عند سماعه لجوابها، و صاح قائلا:

«مستحيل! كلّ هذا الوقت؟ ألا تشعرين بالملل أو التّعب؟»

استغربت إيلينور نوعا ما من ردّة فعله...من المنطقيّ أن يتفاجأ إن لم يكن على علم مسبق بما يخصّ المجال، و لكنّ هذا كثير قليلا..

ظلّت تحدّق بوجهه مستغربة، قبل أن تضحك بخفّة مجيبة إيّاه:

«أنت لم ترَ بعد الاشخاص الّذين يستغرقون خمس ساعات أو أكثر لرسمة واحدة...كما أنّني أستطيع الجلوس لثلاث ساعات لأنّ هذه هوايتي و أنا أحبّها، و خصوصا إن كان ما أرسمه شيئا أو شخصا يستحقّ ذلك العناء مثل راـــ»

توقًفت فور إدراكها لما كانت على وشك التّفوّه به، و وضعت يدها على فمها بتلقائيّة جاعلة من الآخر يعقد حاجبيه بعدم فهم و يردف متسائلا:

«مثل ماذا؟ إيلينور، ما الّذي كنتِ على وشك قوله؟»

«أنا؟ لم أكن سأقول شيئا، لقد أخطأت فقط»

قالت ذلك مبرّرة بتوتّر و هي تشعر بقلبها ينبض بسرعة، لكنّ كلّ ذلك بدأ يخفّ حينما وجدته يحرّك رأسه قبولا قائلا:

«لا بأس إذا»

غيّر وضعيّة جلوسه حيث انحنى بظهره إلى الأمام قليلا و أسند مرفقيه على ساقيه سامحا لذراعيه بالتّدلّي بينهما...ثمّ أمال برأسه إلى الجانب محدّقا بإيلينور، و نطق مباشرة:

«ماذا عنّي؟ هل ترين أنّي أستحقّ ذلك العناء؟ أقصد عناء الجلوس لوقت طويل من أجل رسمي؟»

تراجعت إيلينور إلى الخلف بتلقائيّة، و رمشت مرّتين بتفاجئ تحاول استيعاب ما قاله قبل أن تنطق فورا:

«المعذرة؟»

رفع هيوغو حاجبه باستفهام، و حينما لم يجد جوابا منها أضاف:

«كنت أودّ أن أطلب منكِ أن ترسميني، و لكن إن لم أكن-»

«لا بأس..»

قاطعته على الفور جاعلة من تقطيبة خفيفة ترتسم على جبينه و هي تواصل كلماتها:

«أخبرني فقط متى تكون متفرّغا، و سأجد الوقت»

«أحقّا؟!»

صاح بعدم تصديق بينما هي أومأت برأسها قبولا مؤكّدة:

«أجل»

ارتسمت ابتسامة واسعة على شفاه هيوغو الّذي أردف بامتنان:

«شكرا حقّا إيلينور!»

همهمت بتفهّم، ثمّ حملت هاتفها تتفقّد السّاعة لتجد أنّ وقت الغداء يكاد ينتهي.

«هيوغو، سأغادر بعد قليل لأنّه يفترض بحصصي أن تكون قد انتهت..سينقضي وقت الغداء، لذا من الأفضل أن تذهب للكافيتيريا»

صمت الآخر للحظات يحدّق بوجهها، ثمّ أجاب متفهّما:

«حسنا إذا، أراكِ في وقت لاحق»

.

.

༺༺༺༺༻༻༻༻

.

.

كلّ ما كان يسمع في تلك اللّحظة هو صوت هدير محرّك تلك السّيّارة الحمراء الّتي تقدّمت تشقّ طريقها عبر المكان إلى حيث المضمار مباشرة.

ركنها سائقها على بعد بضعة أمتار من خطّ البداية، ثمّ ترجّل منها بينما يمرّر يده على خصلاته السّوداء قبل أن يعدّل من سترته الجلديّة.

مرّر أعينه السّوداء على المكان بسرعة يتفحّصه، ليقع بصره على شابّ أسمر يقف بعيدا قليلا و قد بدا منشغلا بتنظيم الأوضاع.

وضع مفتاح سيّارته داخل جيب بنطاله و تقدّم يقترب بهدوء من الشّابّ الّذي سرعان ما لمحه و رفع يده يلوّح له صائحا:

«رايدر! لقد وصلت أخيرا»

منحه المعنيّ إيماءة خافتة برأسه و صاح بدوره:

«آريس! أهلا»

اقرب رايدر أكثر من آريس، ليتبادلا التّحيّة قبل أن يلطمه رايدر على كتفه بقوّة و يردف معاتبا:

«كان عليك أن تخبرني مسبقا بأمر السّباق يا رجل، لقد خرجت مسرعا من المنزل»

ضحك الآخر بخفّة و هو يمسك بذراعه، ثمّ أجاب مبرّرا:

«كنت تعلم بأنّ سباقا سيقام هذا الأسبوع»

«و لكن لم أتوقّع أن يكون اليوم»

علّق جاعلا من آريس يرفع كتفيه بلا مبالاة قائلا:

«لا يهم، لقد وصلت في الموعد على أيّة حال»

زفر رايدر بضجر، ثمّ التفت مباشرة يسير مبتعدا بينما يصرّح:

«سأجلس في سيّارتي ريثما يبدأ السّباق...أخبرني عندما يتمّ إعلان ترتيب المتنافسين»

«حسنا، سأفعل...و لكن أشعر أنّك ستكون ثاني شخص يتسابق اللّيلة»

وصله صوت آريس من خلفه، ليرفع يده و يحرّكها في الهواء مجيبا إيّاه بعدم اكتراث:

«لم أسألك عن شعورك، قلت أعلمني عندما يتمّ إعلان التّرتيب»

تأوّه رايدر فجأة من الألم فور ما شعر بشيء صلب يصطدم به معيدا إيّاه بضع خطوات للخلف، و رفع رأسه من أجل رؤيته، فقط ليصيح بدهشة:

«أنت!»

لحظتها فقط، رفع الآخر عينيه ناحيته، ليجده يحدّق به بصدمة لا تقلّ عن صدمته حينما تساءل بعدم تصديق:

«ما الّذي تفعله هنا يا هذا؟»

سرعان ما تلاشت الصّدمة تدريجيّا عن وجه رايدر، ليحلّ مكانها اشمئزاز واضح و هو يمرّر بصره على الأشقر بتفحّص قبل أن يجيبه بسخرية:

«بل ما الّذي جاء بك أنت أيّها الأشقر المبتذل...هذه الأماكن ليست للأطفال مثلك»

هل قال أنّه طفل؟ أجل، لقد قالها..

شعر هيوغو ببعض من الانزعاج من تلك الكلمة؛ لقد أهانه هذا الوغد للتّوّ و لا شكّ في أنّ من حولهم قد سمعوه! لقد جذب الكثير من الأنظار ناحيتهم بالفعل!

«ما الّذي قلته؟»

نبس هيوغو بحدّة و هو يتقدّم بسخط من رايدر الّذي وقف مكانه ثابتا و أجاب رافعا كفّيه بعدم اكتراث:

«قلت أنّ هذا المكان ليس للأطفال أمثالك، ألم تعجبك الحقيقة؟»

اندفع الآخر بغضب محاولا ضربه، لكنّ مجموعة من الفتيان كانوا قد أمسكوا به بالفعل مانعين إيّاه من التّقدّم أكثر.

«اهدا يا رجل، الأمر لا يستحقّ كلّ هذا»

نفض هيوغو ذراعيه محرّرا إيّاهما، ثمّ التفت بنيّة المغادرة قبل أن يصله صوت رايدر الّذي خاطبه باستهزاء:

«أثبت إذا أنّك لست طفلا، و اهزمني في السّباق»

التفت بعدها نحو آريس بسرعة و خاطبه بحدّة قائلا:

«آريس، أريد أن يكون سباقي اللّيلة ضدّ باهت الشّعر هذا حتّى أعلّمه ألّا يتجوّل مجدّدا في أماكن لا تناسبه، تدبّر الأمر»

رفع آريس حاجبيه بدهشة، و رمش بضع مرّات يحدّق برايدر الّذي منحه نظرات حادّة مؤكّدا على طلبه...فما كان من الآخر سوى أن زفر بضيق قبل أن يهزّ رأسه قبولا:

«حسنا، سأتحدّث إلى ليون و أتدبّر ذلك»

التفت مجدّدا يراقب هيوغو الّذي كان مندهشا نوعا ما، إلّا أنّ ابتسامة جانبيّة قد ارتسمت على شفاهه حين نطق متحدّيا:

«لا تأخذ الأمر بشكل شخصيّ عندما تخسر»

«أنت تحلم، لست هاويا مثلك يا فتى»

أجاب رايدر و هو يضحك بسخرية قبل أن يشير بيده إلى جميع الموجودين و يضيف:

«إسأل أيّ شخص هنا، و ستعلم جيّدا من أكون...لقد تدرّبت كثيرا لأجل أن أحترف في مجال السّباقات، و من النّادر أن أخسر واحدا»

مرّر هيوغو بصره على الموجودين، و خصوصا الأشخاص القليلين الّذين اجتمعوا حولهما؛ ثمّ أعاد عينيه نحو رايدر و أجاب مستهزئا:

«أحقّا؟ يبدو أنّ خسارتك ضدّي ستؤلم أكثر ممّا توقّعت»

منحه رايدر ابتسامة متكلّفة، ثمّ أشار له بعينيه بعيدا و قال:

«فلتذهب لسيّارتك الآن، و انتظر حتّى يتمّ إعلان دورنا...لا نريد أن تحدث مشاكل بسبب تجوّل طفل في الأرجاء دون رقابة»

كان الأشقر على وشك الإلقاء بردّه، إلّا أنّ صوت آريس الّذي عاد لتوّه قد منعه من ذلك:

«رايدر»

نطق جاذبا أنظار المعنيّ نحوه، و الّذي تساءل باستغراب:

«ما الأمر؟ هل اعترض ليون؟»

واصل آريس التّقدّم إلى أن وقف أمام رايدر مباشرة، و أجاب بينما يهزّ رأسها نافيا:

«لا، لقد وافق على تغيير الجدول الّذي أعدّه، و ستتسابق مع هذا الفتى»

«اسمي هيوغو يا هذا!»

التفت الاثنان بسرعة ناحية هيوغو الّذي بدا منزعجا نوعا ما، لكن سرعان ما تجاهلا الأمر حينما أضاف آريس بجدّيّة:

«لكنّكما ستكونان أوّل من يتسابق»

«ماذا؟»

صاح الآخران في الوقت ذاته، ليتبادلا نظرات سريعة قبل أن ينطق هيوغو من الخلف:

«و متى سيبدأ السّباق؟»

رفع آريس رسغه ينظر لساعته، ثمّ أعاد عينيه لهيوغو و أجاب بقلق:

«سبع دقائق..عليكما اتّخاذ مواقعكما بسرعة»

لم يضف أحد أيّ حرف إضافيّ، و سرعان ما هرع كلّ من رايدر و هيوغو إلى سيّاراتيهما يقودان باتّجاه خطّ البداية حيث كان الكثيرون مجتمعين على جانبيّ المضمار يستعدّون للتّشجيع و إطلاق الهتافات.

يمكن للجميع سماع اسم رايدر من الآن..

و بذكره، كان هو داخل سيّارته الحمراء عند خطّ البداية يشدّ على المقود بإحكام بعدما ربط حزام الأمان..

يمكنه الشّعور بالأدرينالين يتدفّق داخل دمائه قبل أن يبدأ حتّى...فهذه اللّيلة، عليه حقّا أن يهزم ذلك الأشقر المبتذل مهما كان الثّمن.

ألقى نظرة خاطفة على ساعة هاتفه، ليجد أنّ الدّقائق السّبع قد انقضت، و الوقت قد حان تماما لبدء السّباق.

جال ببصره بسرعة حوله يرى الجميع يهتفون باسمه، و اسم خصمه، بينما كان باهت الشّعر يعدّل من وضع قفّازاته قبل أن يتوقّف فور أن تقدّم رجل أسود البشرة بشعر إفريقيّ ناحية المضمار، ليقف في منتصفه مقابلا إيّاهما و بيده مسدّس.

رفع يده في الهواء كإشارة ليستعدّ المتسابقان، و قد منح كلّ منهما إيماءة له كدليل على استعدادهما.

«تأهّب! استعداد! انطلاق!»

و مع صراخه بالكلمة الأخيرة، ضغط على الزّناد مطلقا رصاصته في الهواء لتنطلق السّيّاراتان تزامنا مع ذلك بأقصى سرعتهما.

تعالت أصوات الحشود المشجّعة أكثر بينما ترتفع أصوات احتكاك العجلات بالأرض مخلّفة وراءها عواصفا من الغبار المتطاير.

و لكن داخل تلك السّيّارات، كلّ ما كان يسمعه المتسابقان هو صوت هدير المحرّك و بضع هتافات لم تبدُ لهما بنفس العلوّ الّذي كانت عليه.

اشتدّت قبضة رايدر على المقود أكثر و ضغط على أسنانه بقوّة بينما يتجاوز المنعطفات...و قد نجح في تخطّي هيوغو بالفعل منذ أوّل بضع ثوانٍ.

«لم تتخلّص منّي بعد، لذا لا داعي لتسعد!»

التفت برأسه بسرعة ليلمح سيّارة الأشقر تسير بمحاذاته، قبل أن يزيد هيوغو من سرعته و يتخطّى رايدر الّذي ضغط أكثر على الدّوّاسة يزيد من سرعته هو الآخر.

«ذلك الفتى هيوغو ليس سيّئا حقّا في هذا»

كان القائل آريس و هو يخاطب الشّابّ الواقف بجانبه، الّذي همهم موافقا إيّاه.

«أنت محقّ، لديه بعض المهارات»

ضحك رايدر بقوّة و هو يرى سيّارة هيوغو تنحرف قليلا لتصطدم بالحافّة قبل أن تعود للمسار الصّحيح، و لكنّ ذلك تحوّل لسخط فور أن شعر باهتزاز سيّارته إثر اصطدام الآخر بها.

«ما الّذي تفعله أيّها الأهوج!»

صاح بانفعال موجّها كلامه لذاك الّذي ضحك برضا بينما يكاد يلحق به.

«أحاول الفوز كما ترى!»

زاد كلّ من المتسابقين من سرعتهما ليصبح كلاهما في الصّدارة بفروق متفاوتة كلّ بضع لحظات...و لا زالت الحشود تهتف باسميهما.

كلّ منهما يريد الفوز لأجل إذلال الآخر..

و لكنّ النّصر لا يكون سوى لشخص واحد، و على أحدهما تحقيقه..

كان الشّابّان قد وصلا إلى المرحلة الأخيرة من السّباق حينما تعالت الأصوات أكثر فأكثر مشتعلة بالحماسة...و حينها فقط شعر رايدر بسيّارته تقفز فور مروره على نتوء ما.

سحقا! لا بدّ و أنّها صخرة ما، و قد قامت بتبطيئه!

راقب كيف سبقه هيوغو و هو يلقي عليه نظرات ساخرة، جاعلا من غضبه يزداد بجنون و هو يضغط بقوّة أكبر على الدّوّاسات يزيد من سرعته.

خطّ النّهاية قد أضحى داخل مرمى بصره و لا يجدر به قطعه متأخّرا..

سيفوز يعني أنّه سيفوز...و لن تلوّث سمعته بأخبار عن خسارته ضدّ طفل بشعر أشقر.

أخذ شهيقا طويلا قبل أن يحبس أنفاسه و يركّز بصره أكثر على خطّ النّهاية الّذي برز أمامه، لا يفكّر بشيء سوى تحقيق النّصر...و لم يزفر سوى عندما قطعه مسندا جبينه على المقود و صدره يعلو و يهبط بينما يحاول التقاط أنفاسه.

«تعادل!»

ضرب رأسه بخفّة على المقود فور سماعه للنّتيجة الّتي تمّ التّصريح بها للتّوّ، و شتم تحت أنفاسه من دون أن يغيّر وضعيّته.

توقّفت السّيّارتان مكانهما، ليكون أوّل من يترجّل من خاصّته هو هيوغو الّذي و رغم النّتيجة، إلّا أنّه قد بدا مستمتعا لأنّهما قد حقّقا التّعادل بدل أن يفوز رايدر.

اجتمع بضع أشخاص حوله يسألونه عن الأجواء في المضمار و رأيه حيال النّتيجة، و قد كان يجيبهم بينما يلقي نظرات جانبيّة ساخرة ناحية رايدر الّذي قرّر لتوّه فتح باب السّيّارة و النّزول منها.

«لقد كنت رائعا يا رجل!»

التفت برأسه على الفور ناحية مصدر الصّوت ليلمح مجموعة من الشّباب يتقدّمهم آريس الّذي اقترب منه بسرعة و رفع كفّه في وجهه جاعلا منه يفعل ذلك هو الآخر و يبادله التّحيّة رغم اعتراضه على الكلام الّذي التقطته أذناه.

«أدائي كان سيّئا اليوم آريس...ألا ترى أنٌي قد حقّقت التّعادل مع ذلك المزعج؟»

نطق بعدم رضا و قد كانت نبرته حادّة و معبّرة عن الغضب الّذي راوده؛ لكنّ آريس لم يلقِ بالا لذلك و لطمه على ذراعه بقوّة مصرّحا:

«بل كان أداؤك مذهلا كالعادة...لم يكن ذنبك أنّ صخرة قد اعترضت طريقك، ما الّذي كنت قادرا على فعله مثلا؟ أكنت تنوي إيقاف سيّارتك و النّزول لإبعادها ثمّ العودة لمواصلة السّباق؟»

«آريس..»

ابتلع المعنيّ ريقه بصعوبة من النّبرة التّهديديّة و النّظرات القاتلة المصوّبة ناحيته، و أردف محاولا تلطيف الأجواء:

«اسمع يا صاح، ما أردت قوله هو أنّ أداءك قد كان مذهلا حقّا كالعادة لذا لا داعي لتنزعج»

تنهّد رايدر بثقل محاولا التّحكّم بأعصابه، و دعك جبينه بأصابعه بخفّة بينما يجيب بنفاذ صبر:

«أتعلم ما أردت أنا قوله؟ الزم الصّمت آريس لأنّ كلّ ما تقوله لا يزيد الطّين إلّا بلّة»

رفع رأسه للأعلى يأخذ نفسا عميقا ينظر للنّجوم بينما يشدّ على خصلاته السّوداء بإحكام، قبل أن ينزل ببصره قليلا ناحية آريس مجدّدا متجاهلا الجميع من حوله و ينطق بضجر.

«تعبت، سأغادر»

التفت بعدها مباشرة قاصدا سيّارته من دون أن يكترث لآريس الّذي ناداه من خلفه.

لحسن حظّه أنّ آريس هذا يتفهّمه كثيرا و يتحمّل تصرّفاته المزاجيّة غير المبرّرة..

توقّف رايدر مكانه فجأة فور أن لمح هيوغو يعترض طريقه فجأة، ليتبادل كلّ منهما نظرات محمّلة بالبغض قبل أن ينطق الأشقر بسخرية:

«صحيح أنّه تعادل، و لكنّي سعيد لأنّك لم تفز»

لفّ الآخر عينيه بضجر و حاول تخطّيه بلا مبالاة قائلا:

«جيّد، و الآن ابتعد عن طريقي»

تراجع هيوغو إلى الخلف قليلا مانعا رايدر من التّقدّم مجدّدا و أردف قائلا:

«لا تقلّ أنّك تشعر بالسّوء للنّتيجة و تريد العودة للمنزل»

أصدر الآخر زفرة عميقة ثمّ أجاب بنفاذ صبر و هو يتقدّم ناحيته:

«ليس لديّ سباق آخر لهذه اللّيلة و لا رغبة لي بالبقاء أكثر لرؤية وجهك القبيح، هل هذا يكفيك؟ و الآن ابتعد عن طريقي»

دفعه جانبا من دون أن يعترض هيوغو، و دلف إلى سيّارته مباشرة يشغّل المحرّك قبل أن يقود مغادرا المكان تحت نظرات الجميع.

سيقولون أنّه غادر في بداية اللّيلة لأنّه غضب من تحقيق نتيجة التّعادل مع شابّ ما، و لكن من يهتمّ لما يقوله النّاس؟

هو يغادر لأنّه يشعر برغبة في المغادرة، و لن يرغم نفسه على البقاء لإرضاء رغبات أحد...خصوصا بوجود أحدهم هناك.

التّفكير به وحده يجعله يرغب بالاستفراغ..

و لكن لا..

عليك الانتظار قليلا بعد رايدر، ستصل إلى الشّقّة قريبا و يمكنك الاستفراغ بقدر ما تشاء حتّى تنسى أنّ هناك أشقرا مبتذلا يعيش على وجه هذه الأرض.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فوضى وسكينة

المؤلف _aerithra_
2025/10/31 مستمرة
قائمة الفصول (26)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة