____________________________________________
كانت تلك الآنسة تركض مسرعة داخل المستشفى و كعبها يطرق الأرض مرارا و تكرارا بإيقاع منتظم، متّجهة إلى مكتب الاستقبال أين توقّفت و أردفت مخاطبة الموظّفة بصوت لاهث و قلق:
«أين غرفة إيلينور هارفي؟»
بدت الموظّفة متفاجئة نوعا ما، إلّا أنّها راحت تضغط على أزرار حاسوبها بحثا عن رقم الغرفة، و سرعان ما رفعت أعينها ناحية تلك الّتي كانت لا تزال تلهث و أجابتها قائلة:
«الغرفة رقم 36»
لم تضيّع الأخرى وقتا إضافيّا، و ألقت بكلمتها بسرعة بينما تعاود الرّكض بحثا عن الغرفة:
«شكرا»
إيلينور فاقدة للوعي الآن، و هي لا تملك رقم هاتف لوسيا...لذا عليها إيجاد مكانهما بنفسها
جالت الطّابق الأرضيّ بأكمله و لكن لا أثر...
و نفس الشّيء للطّابق الأوّل...و الثّاني كذلك.
دخلت الطّابق الثّالث، و واصلت التّجوّل بحثا عن ضالّتها، لتجدها أخيرا.
الغرفة رقم 36...
كانت في منتصف الجناح الأيمن للطّابق. و هي ممتنّة بشدّة لأنّها وجدتها.
اهدئي قليلا ناتالي، هي لبست بمفردها، بل في مستشفى رفقة لوسيا...لا يمكن أن يكون الأمر خطيرا حقّا، صحيح؟
لكن ماذا لو كان كذلك؟ ماذا لو كانت على مشارف الحياة و الموت؟ الفكرة وحدها تجعل قلبها يخفق فزعا.
عندما اقتربت من الباب أكثر، تباطأت خطوات أقدامها بشكل تلقائيّ، و شعرت بثقل في أنفاسها بينما تسترق النّظر من المساحة الزّجاجيّة الصّغيرة على الباب المغلق.
هناك ممرّضتان في الدّاخل، و طبيبة أيضا، هذا مطمئن...و يمكنها رؤية لوسيا و هي تقف جانبا تراقب الوضع.
أخذت ناتالي نفسا عميقا، قبل أن تمدّ يدها ناحية مقبض الباب و تفتحه مباشرة، جاذبة بذلك أنظار سيا الّتي اتّسعت عيناها بدهشة لتتقدّم بخطوات سريعة ناحيتها.
«ناتالي؟ كيف علمتِ؟»
ألقت المعنيّة نظرة سريعة من حولها، قبل أن تستقرّ عسليّتاها على زرقاوتيّ لوسيا و تجيبها قائلة:
«تلقّيت اتّصالا»
«من المشفى؟ بهذه السّرعة؟»
«لا، بل كان من شخصــ»
لم تكد تنهي جملتها، حتّى توقّفت فجأة حالما لمحت إحدى الممرّضات -و قد بدا أنّها متقدّمة في السّنّ- تقترب منها مقاطعة إيّاها:
«هل أنتِ قريبتها؟»
أومأت برأسها قبولا و أجابت بنبرة حياديّة:
«أجل، أنا أختها الكبرى»
ابتسمت الممرّضة بخفّة تمسح بعينيها هيئة ناتالي قبل أن تردّ مستفسرة:
«فهمت...تبدين و كأنّك جئت على عجلة، ألم يكن أحد والديك قادرا على المجيء؟»
سرعان ما وجدت ناتالي نفسها تعضّ على وجنتيها من الدّاخل تحاول التّحكّم في مشاعرها.
كم تكره أن يسألها أحد هذا...لقد أتت هي، فلماذا تسأل عن شخص آخر؟
ارتخى جسدها فجأة فور شعورها بيد تحكم قبضتها على ذراعها، تجعلها تزيح عينيها ناحيتها ترى لوسيا تمسك بها و تطالعها بنظرات ذات معنى.
يمكنها استشعار بعض من الرّاحة بالفعل...هذه الفتاة تمتلك سحرا خاصّا بحقّ.
«والدانا متوفّيان»
أجابت بنبرة جافّة تطالع تلك الممرّضة، ترى كيف ظهر التّفاجئ على وجهها...و بعض من النّدم ربّما؟
نظرات الشّفقة هذه مزعجة جدّا، حتّى بالنّسبة لشخص مثلها..
تقدّمت السّيّدة أكثر منها، تأخذ يدها و تضغط عليها بخفّة قائلة:
«هل تعيشان وحدكما؟ هل لديكما أخ يساندكما؟»
تبّا...الأمر غير مجدٍ..
سحبت ناتالي يدها ببطء و حدّجت الممرّضة ببرود قبل أن تتخطّاها مصرّحة:
«أريد رؤية أختي»
مع قولها لذلك، تنحّت الممرّضة الأخرى عن طريقها، تسمح لها برؤية أختها الّتي كانت ممدّدة على سرير المشفى، غائبة عن الوعي تماما، بينما وقفت الطّبيبة هناك تراقب الوضع.
أكثر ما لفت انتباهها، كان الضّمادة الّتي وُضِعت حديثا على رأسها...لقد تلقّت ضربة قويّة كما يبدو.
«إصابتها ليست خطيرة»
نطقت الطّبيبة و هي تقف بجانبها جاذبة انتباهها، قبل أن تضيف بينما تشير لإحدى الممرّضتين بسحب كرسيّ و إعطائه لناتالي:
«قيل بأنّها وقعت من على الدّرج، و لحسن الحظّ لم تتأثّر وظائف دماغها...ستستفيق قريبا، و سيكون بإمكانها المغادرة بعدما ترتاح قليلا»
أومأت ناتالي بامتنان و هي تجلس على الكرسيّ، قبل أن تعيد عينيها ناحية إيلينور، تمدّ يدها ناحيتها و تزيح خصلة من شعرها عن وجهها.
رؤيتها على هذه الحال يؤلمها، لكنّها ممتنّة بشدّة لأنّ حالتها ليست خطرة.
«سنتركك مع أختك...بعدما تستفيق و ترتاح قليلا، أرجو أن تأتي لمكتب الاستقبال لأجل توقيع بعض الأوراق حتّى تستطيع الخروج»
تحدّثت الطّبيبة مجدّدا، جاعلة من ناتالي تهزّ رأسها قبولا و تجيبها قائلة:
«حسنا، شكرا لك»
راقبت كيف خرجت الثّلاثة بسرعة، و قد كانت مرتاحة بشدّة لذلك...قبل أن تزيح عينيها ناحية لوسيا الّتي كانت لا تزال تقف جانبا و تراقب بهدوء، و تنادي عليها:
«لوسيا، تعالي إلى هنا، لماذا تقفين جانبا؟»
افترقت شفتا الأخرى للحظة، لتضع يدها خلف رأسها بحرج و تتقدّم ناحيتها قائلة:
«لم أكن أريد اعتراض حديثك مع الممرّضة»
ابتسمت لها ناتالي بخفّة، ثمّ استقامت من مكانها و خاطبتها بامتنان:
«شكرا على مرافقتك لها، لوسيا»
«لا داعي لذلك، هي صديقتي»
قالت و هي تبادلها الابتسامة، لتضيف متسائلة:
«بالمناسبة، هل كان رايدر من اتّصل بك؟»
«رايدر؟ هل كان رايدر من أخذ هاتف إيلينور؟»
استفسرت ناتالي بتفاجئ و هي تميل برأسها للجانب، جاعلة من لوسيا تحرّك رأسها قبولا و تجيبها:
«في الواقع، أظنّ ذلك...فقد كان هو من أرسل أحدهم ليبحث عنّي في المقام الأوّل، و لم أجد هاتف إيلينور لديها حينما أردت الاتّصال بك بنفسي»
ارتفع حاجبا ناتالي بدهشة، لكنّها لم تعلّق على ذلك و اكتفت بحركة صغيرة برأسها أتبعتها بقولها:
«عودي للجامعة الآن، يمكنني التّكفّل بالباقي...لا أريدك أن تضيّعي حصصك»
زمّت المعنيّة شفاهها بتذمّر، لكنّها لم تجد بدّا من الرّضوخ لطلبها...لن يفيد بقاؤها في شيء على أيّة حال.
«حسنا، لكن اتّصلي بي حينما تستفيق»
أومأت ناتالي برأسها قبولا، و ردّت بجدّيّة:
«اذهبي لتلتحقي بدروسك بسرعة»
«أنا ذاهبة»
أجابت و هي تلتفت لتتقدّم من زاوية الغرفة تلتقط حقيبة يدها البيضاء، ثمّ تواصل السّير ناحية الباب تفتحه و تخرج بسرعة ملقية بآخر كلمات قبل أن تغلقه:
«وداعا نات نات»
ابتسمت ناتالي بخفّة على ذلك اللّقب، تراقب الباب و هو يغلق، لتسخّر بعدها انتباهها كلّه لأختها الّتي كانت ممدّدة كشخص نائم، و تبدو شاحبة نوعا ما.
ما مدى علوّ الدّرجة الّتي وقعت منها حتّى حدث هذا؟ رؤيتها هكذا تؤلمها بشدّة..
استقامت من مكانها بروّية، تأخذ بضع خطوات أقرب إلى أختها، لتنحني قليلا و تمدّ أصابعها واضعة إيّاها على عنقها.
نبضها منخفض نوعا ما، لكنّها تشعر به...هذا مريح.
أزاحت يدها من عليها، ثمّ رفعت الخصلات الّتي كانت تتدلّى على وجهها تبعدها عنه.
إن كان عليها أن ترتاح، فلا بجب أن يمنعها شيء من ذلك...ولا حتّى شعرها.
عادت ناتالي مكانها، و دفعت كرسيّها أقرب لسرير إيلينور قبل أن تجلس مجدّدا، تخرج هاتفها من حقيبة يدها و تسارع للبحث في المتصفّح عن أغذية مناسبة لتسرّع شفاءها.
ستأكلها رغما عنها ولو كانت حساء خضر...لا يمكنها تحمّل رؤيتها خاملة لفترة طويلة.
راحت تبحث في المواقع تتصفّحها واحدة بواحدة، و كلّ تركيزها منصبّ على ذلك.
«سلمون، بيض، و بروكلي»
راحت تعدّدها بأصابعها حارصة على تدوينها جميعا، قبل أن تضيف بيأس:
«آه، كيف سأقنعها بتناول البروكلي الآن؟»
هزّت راسها بقلّة حيلة، ثمّ راحت تواصل قراءة ما كتب بتركيز شديد.
"يُنصح بتناول أطعمة غنية بالأوميغا 3 مثل السمك و الجوز، و البروتينات الجيدة كالبيض و الدجاج، إلى جانب الخضروات الورقية و الفواكه الغنية بفيتامين سي مثل التوت والبرتقال. يجب شرب الكثير من الماء والسوائل، وتجنّب المقليات والسكريات والكافيين، و خصوصا الكحول، لأنها قد تؤثر سلبًا على عملية التعافي"
حسنا، هذا صعب نوعا ما...أكثر ممّا توقّعَت.
حسنا، هي تحبّ السّمك و الدّجاج، و تتناول أغلبيّة الفواكه...كما أنّها لا تتناول الكحول من الأساس، و كأيّ إنسان آخر تشرب الماء.
المقليّات؟ يمكنها الاستغناء عنها لفترة..
و لكن السّكّريّات؟ من سيتجرّأ و يمنع عنها كعك و مخفوق الشّوكولا حتّى تتعافى تماما؟ حتّى و لو لم تعترض، فستتناولها خلسة حتما.
و ماذا عن الخضروات؟ عدا الخسّ و البطاطا فهي لا تحبّ شيئا حرفيّا.
«آه، هذا مرهق بحقّ»
تمتمت باستسلام و هي تغلق الهاتف و تعيد رأسها إلى الخلف بإرهاق...فقد لتعاود الاعتدال في جلستها فور أن تبادر إلى مسامعها صوت طرق على باب الغرفة.
هل عادت لوسيا أم ماذا؟
ألقت نظرة على الباب المغلق، و لم تستطع أن تلمح أحدا من المساحة الزّجاجيّة الصّغيرة فيه، لذا نادت من مكانها بصوت مسموع:
«تفضّلي»
سرعان ما لمحت الباب يُفتح بهدوء، ليظهر من خلفه جسد شابّ ما، و الّذي ألقى بكلماته بتهكّم:
«هل أبدو لكِ كفتاة، آنسة أخت هارفي؟»
انفرجت شفتا ناتالي و هي تراه يغلق الباب خلفه و يتقدّم بضع خطوات إلى الأمام مخفيا يديه داخل جيوب بنطاله، و لم تجد نفسها سوى و هي تهمس بتفاجئ:
«رايدر؟»
لقد أخبرتها لوسيا بأنّها تعتقده المتّصل، لكنّها و رغم ذلك لم تضعه كاحتمال وارد، نظرا لما تعرفه عنه من إيلينور.
راقبته و هو يتقدّم إلى الدّاخل و أعينه مثبّتة عليها، يرمقها بحاجب مرفوع قبل أن يتساءل بنبرة حياديّة:
«تعرفينني؟»
رمشت ناتالي ببطء ثمّ أجابت بينما تعدّل غرّة شعرها المنسدلة على جانبيّ وجهها، محاولة التّأكّد أكثر من الأمر:
«ليس حقّا...ما الّذي جاء بك إلى هنا؟»
«قلت أنّي سآتي لإعادة هذا»
علّق بينما يرفع يده في الهواء و يلوّح بهاتف ما في وجهها...هاتف إيلينور.
هذا يعني أنّه كان هو الّذي اتّصل حقّا..
«لماذا لم تخبرني بأنّك كنت المتّصل؟»
«لم أعلم أنّك ستعرفينني...كما أنّها لم تكن معلومة مهمّة»
علّق بهدوء و هو يتقدّم أكثر منها، يجعلها تتبعه بعسليّتيها، تراه و هو يمدّ لها الهاتف بينما انزلقت عيناه لتقعا على إيلينور الّتي لم تكن على دراية بما يجري من حولها.
لاحظت ناتالي ذلك، و لكنّها تجاهلت الأمر و أخذت الهاتف مباشرة تخفيه داخل حقيبة يدها، قبل أن تلقي هي الأخرى نظرة سريعة على أختها.
«هل الإصابة خطيرة؟»
تساءل و هو يضع عينيه على الضّمادة الّتي كانت تغطّي موضع الجرح في رأسها، يسمع ناتالي تجيبه على الفور:
«لا، قيل بأنّها ستكون بخير عمَّ قريب»
«فهمت»
صمت بعد ذلك يرفع يده و يدفع خصلاته السّوداء الّتي وقعت على عينيه، ليصله صوت الأخرى مجدّدا و هي تتساءل:
«هل لي أن أسأل عن الّذي جرى؟ نسيت سؤال لوسيا...كيف وقعت من السّلالم؟»
«دفعتها إحداهنّ»
أجاب بكلّ بساطة رافعا كتفيه، يسمع الشّهقة الّتي فلتت منها قبل أن تردف بعدم تصديق:
«ماذا؟ لماذا؟»
سرعان ما وضع رايدر إصبعه على شفتيه كإشارة لتهدأ قليلا، و ذلك فور أن لمح تلك الّتي كانت غائبة عن الوعي تتحرّك قليلا و تئنّ بخفوت.
لماذا تبدو له هذه المرأة مختلفة عن الّذي اعتقده؟ هل هي متحجّرة القلب مع رافاييل فحسب أم ماذا؟
أخذ نفسا عميقا يعيد رأسه للخلف، ليعيد نظره ناحية الأخرى و ينطق بصوت أقلّ ارتفاعا من سابقه و كأنّه لا يريد لإيلينور أن تسمعه:
«ستستيقظ على ما يبدو...اسأليها هي»
لم يترك مجالا لناتالي حتّى تعلّق على ذلك، و انسحب بهدوء يخطو ناحية الباب، يضيف بجدّيّة:
«لا تخبريها أنّني كنت هنا»
«لما لا؟»
تساءلت تلقائيّا و قد ارتسم بعض الاستغراب على وجهها، تراه يتنهّد بثقل و هو يمدّ يده ناحية مقبض الباب.
«احترمي رغباتي رجاءً»
ألقى بذلك، قبل أن يفتح الباب مباشرة و يغادر المكان تاركا ناتالي ترمش باستيعاب لبرهة.
متوقّع منه..
.
.
༺༺༺༺༻༻༻༻
.
.
خرج رايدر من مبنى المشفى بخطوات مستعجلة، يقود ساقيه مباشرة ناحية السّيّارة البيضاء المركونة جانبا، ليفتح بابها و يدلف مباشرة إلى داخلها يجلس على المقعد الّذي بجانب السّائق.
من الجيّد أنّه يستطيع التّخفّي خلف لامبالاته، و لكنّه غير قادر على الإلقاء بهذا الشّعور الكريه خارج دواخله.
هذا كلّه بسببها...بدأ هذا الشّعور يخالجه منذ تلك اللّحظة الّتي رآها تسقط فيها، و الآن قد اشتدّ أكثر..
Flashback
داخل تلك القاعة الفارغة، جلس صاحب الأعين السّوداء على مقعده المعتاد، مرخيا رأسه على سطح المنضدة يحاول أخذ قسط من الرّاحة قبل بدء المحاضرة.
عليه الاستعداد جيّدا لكي يغادر قبل حلول الوقت، و يعاود الدّخول في منتصف الحصّة بطريقته المميّزة لكي يستفزّ أستاذ الفلسفة ذاك.
الفلسفة مزعجة، و من يدرّسها أكثر إزعاجا بكثير..
كان رايدر مستمتعا بلحظات سكونه، يحسب لحظات السّلام القليلة الّتي بقيت له قبل أن يدخل جحيم المحاضرات...لكنّ الصّوت المرتفع الّذي كان يصل مسامعه من الخارج لم يكن يساعده إطلاقا.
أصوات فتيات...لا تقولوا بأنّهنّ يتشاجرن على المرايا و مستحضرات التّجميل في هذا الوقت المبكّر..؟
حاول تجاهل أصواتهنّ و مواصلة النّوم، إلّا أنّها كانت أكثر ممّا يمكنه تحمّله.
أصدر زفرة متضايقة و هو يدفع المقعد إلى الخلف و يستقيم من مكانه بهدوء...يبدو أنّ عليه أخذ نظرة على ما يجري، فلا يعقل أن يكون الشّجار على المستحضرات بهذه الحدّة.
و لكن إن كان كذلك، فسيتخلّى عن تلك المبادئ السّخيفة و يجعلهنّ يدفعن ثمن إيقاظه من قيلولته الصّباحيّة.
ترك رايدر حقيبة ظهره على المقعد، ثمّ سار بهدوء ناحية مخرج القاعة...و مع كلّ خطوة يخطوها، كان الصّوت يتّضح أكثر فأكثر.
«أيّتها الوقحة! لا أفهم ما الّذي يراه فيكِ لدرجة أن يتجاهل حديثي له و يهرع إليك حال رؤيته لك!»
التقطت أذناه تلك الجملة، و لم تجعل سوى ابتسامة ساخرة ترتسم على شفاهه و يهزّ رأسه بقلّة حيلة.
إذا شجار على شابّ؟ حمقاوات، من يرهق نفسه لأجل أحد لا يكترث له من الأساس؟ من الصّعب ألّا يمتلك المرء عزّة نفس كما يبدو.
فور أن وصل رايدر إلى نهاية الممرّ، أصبحت السّلالم ضمن مرمى بصره، و هناك استطاع أن يرى هويّة الفتاتين.
فتاة ذات شعر طويل مجعّد، تقف خلفها فتاتان أخرتان...و قد كانت تمدّ يدها ناحية الفتاة الواقفة أمامها.
أزاح عينيه ناحيتها محافظا على ملامحه المستنكرة، تزامنا مع تلامس يد السّمراء مع معدة الأخرى...و للحظة، اتّسعت عيناه بتفاجئ حالما تعرّف عليها.
لم يكد ينهي استيعاب المشهد، حتّى لمح جسدها يهوي ألى الخلف، تبعه صرخة عالية دوت في الأرجاء.
اتّسعت عينا رايدر بصدمة يرى الفتاة السّمراء تتراجع إلى الخلف بهلع، تجول ببصرها بين الطّلّاب الّذين بدأوا بالتّجمّع فجأة.
وجد نفسه يراقب الوضع غير قادر على تخطّي صدمته، لكنّ شيئا بداخله حثّه على التّقدّم و تفقّد الوضع...الجميع هناك يشاهدون من دون القيام بأيّة حركة.
السّلالم ليست منخفضة، لذا لا بدّ و أنّ الوضع خطير.
من دون أن يفكّر أكثر، اندفع و هرع ناحية الدّرج يرى الموجودين يحدّقون بالمكان في الأسفل و يتبادلون التّمامات في ما بينهم.
«هارفي!»
صاح بصوت جهوري محاولا منع فقدانها للوعي و هو يدفع كلّ من يقف أمامه و يشقّ طريقه للأسفل حيث كان هناك بضع طلّاب آخرين بالفعل يحيطون بها.
«تنحّوا جانبا»
نطق بحدّة و هو يجثو على ركبته بجوارها، يهزّ كتفها بخفّة محاولا إيقاظها...و لكن من دون جدوى، فقد فقدت وعيها بالفعل.
ألقى نظرة سريعة على المكان في الأعلى، يرى البعض يحاولون الاتّصال بالأسعاف...و لم يعلّق هو على ذلك.
من الضّروريّ قدوم المسعفين بسرعة بما أنّها وقعت من ارتفاع كهذا.
وقعت عيناه صدفة على المكان حيث كانت تقف السّمراء قبلا، إلّا أنّها لم تكن هناك..لا هي ولا صديقتاها كنّ هناك.
لابدّ و أنّ حياة الجبناء صعبة..
أضدر تكّة بلسانه، ثمّ عاود إلقاء بصره على تلك الّتي كانت ممدّدة على الأرض أمامه كالموتى، و رأسها ينزف.
ليس بشدّة، لكنّه لا يزال ينزف..
من هذا الشّاب السّخيف الّذي أقدمت تلك الحمقاء على هذا لأجله؟
«سيصل الإسعاف في غضون دقائق»
قال أحدهم من الخلف، قبل أن يقترب شابّ آخر و ينحني بجواره متمتما بجدّيّة:
«لا يمكن انتظارهم من دون فعل شيء، علينا التّحقّق من وتيرة تنفّسها»
عقد الآخر حاجبيه باستغراب و هو يراقب الشّابّ يضع إصبعه أسفل أنف إيلينور، يتحسّس أنفاسها.
«أنفاسها ضعيفة قليلا، ضع هذه أسفل رأسها»
قالها و هو يهمّ بخلع حقيبة ظهره، يناولها لرايدر الّذي رفع رأسها قليلا و أسنده فوقها.
«لا داعي لمحاولة إيقاظها، فلا أظنّها ستستفيق بسهولة»
أضاف بجدّيّة و هو يستقيم بسرعة و ينفض يديه.
لم يعقب رايدر على ذلك، بل التفت بسرعة من حوله يبحث عن فتاة عشوائيّة، ليشير إلى واحدة بقربه قائلا:
«أنتِ، هل تعرفين صديقتها؟ لديها نمش على وجهها»
«أجل، لوسيا»
«ابحثي عنها حتّى ترافقها للمشفى»
رمشت الفتاة بدهشة، قبل أن تهزّ رأسها و تركض مبتعدة عن المكان بقلق واضح على وجهها.
راقبها رايدر و هي تغادر، ثمّ أعاد تركيزه ناحية فاقدة الوعي تلك، يدرك لتوّه بأنّ رأسها لا يزال ينزف.
بحث من حوله بسرعة عن شيء ما يوقف به النّزيف، و لكن لا شيء هناك.
حتّى المسؤولون اختفوا! ألا يظهرون سوى عند الشّجارات؟
تنهّد بقلّة حيلة، ثمّ راح يبحث داخل جيوبه لعلّه يجد شيئا ما..
بحث بسرعة في كلّ جيب لثيابه، إلى أن حالفه الحظّ و وجد منديلا قماشيّا داخل الجيب الدّاخليّ لسترته...و لم ينتظر أكثر حينما مدّ يده ببطء يبعد خصلاتها السّوداء عن موضع الجرح، و يضع المنديل فوقه ضاغطا عليه بخفّة.
يجدر بهذا أن يوقف النّزيف مؤقّتا..
«ما الّذي يجري هنا؟»
زحفت أعين الجميع -بما فيهم رايدر- ناحية مصدر الصّوت، يرون اثنين من الإداريّين يقتربان و على وجهيهما ارتسمت الدّهشة و هما يريان المنظر أمامهما.
«إيلينور!»
اخترق الأجواء هذه المرّة صوت أنثويّ مصحوب بخطوات سريعة طرقت أرضيّة الجامعة، ليلمح الجميع تلك الفتاة ذات الأعين الزّرقاء تركض بأقصى سرعتها و تنحني مباشرة عند جسد إيلينور تطالعها بفزع و تسارع لتفحّصها.
«هل اتّصلتم بالإسعاف؟»
تساءل أحد الإداريّين و هو يقترب أكثر مخاطبا رايدر الّذي أجاب من دون أن ينظر له:
«سيصلون قريبا»
همهم بتفهّم، ثمّ أشار برأسه لزميله الّذي فهم مقصده فورا.
«هيّا يا طلّاب! تفرّقوا و عودوا إلى صفوفكم، فلا شيء لتشاهدوه هنا»
بدآ في تفريق الطّلّاب، و تناقص عددهم تدريجيّا إلى أن لم يتبقَّ أحد عدا رايدر، لوسيا، الإداريّان، و إيلينور الّتي كانت لا تزال ممدّدة على الأرض.
«يا أنت! ما الّذي جرى لها؟»
صاحت لوسيا بفزع حالما أدركت ما تراه أمامها، مزيحة بصرها ناحية رايدر الّذي تنفّس بعمق محاولا كبت انفعاله.
"يا أنت"؟ هل هي جادّة؟
«سقطت من فوق السّلالم»
أجاب بهدوء يحاول الحفاظ على هيبته، مخفيا القلق الّذي كان يخالجه و هو يضغط أكثر على موضع الجرح.
«ماذا! كيف حدث ذلك؟!»
صاحت بصدمة و هي تضع يدها على كتفه و تهزّه بقوّة، تجعله يلقي نظرة جانبيّة عليها قبل أن ينقض يدها عنه مجيبا إيّاها بنفاذ صبر:
«توقّفي! ألا ترين بأنّني أحاول إيقاف الجرح؟ ولماذا تسألينني أنا؟»
طالعته لوسيا بتفاجئ من إجابته، قبل أن تبعد عينيها عنه وتمدّ يدها ناحية مكان الجرح، تبعد يده عن المنديل و تستبدلها بيدها مبرّرة بانزعاج:
«لأنّك رأيتها! لماذا قد تكون هنا الآن لو لم ترَ ما حدث؟»
لم يقاوم رايدر حركتها، و عوضا عن ذلك تموضعت عيناه عليها لثوانٍ قليلة يحلّل كلماتها..
ما علاقة رؤيته للحادث بتواجده هنا؟ يمكنه أن يجزم بأنّ أغلبيّة من تجمّعوا هنا قبل قليل لم يلحقوا برؤية تلك السّمراء حتّى..
المعذرة، و لكن إخبارها لا يشعره بالرّاحة.
«أنا لم أرها حقّا! توقّفي عن الإصرار! هذا مزعج»
ردّ و هو يدفع يدها بعيدا هذه المرّة و يواصل هو المهمّة بدلا عنها، يسمعها تشتم بصوت خفيض:
«تبّا..»
زفر بتضايق يتجاهل صوتها، يصبّ كلّ تركيزه في إيقاف النّزيف بينما يلمح ظلّيّ الإداريّين اللّذين وقفا قربهما يراقبان الوضع بصمت.
لا يريدان جذب انتباه المزيد من الأشخاص على ما يبدو..
ارتخت يد رايدر فجأة بشكل تلقائيّ حال اختراق صوت صفّارة سيّارة الإسعاف للسّكون من حولهم، يجعلهم يلتفتون و يلقون بأبصارهم من النّافذة القريبة.
«لقد وصلوا»
نبست لوسيا بهدوء و هي تستقيم من مكانها، ترى الإداريّين يراقبانهما قبل أن ينطق أحدهما قائلا:
«لا تتحرّكا، سنقود المسعفين إلى هنا»
أومأت بتفهّم، بينما تجاهله رايدر تماما، يسمع صوت لوسيا الّتي تحدّثت مخاطبة إيّاه حالهم غادر الاثنان:
«سأنزل قليلا حتّى أتفقّد الأوضاع للحظة»
لم تنتظر ردّا منه و نزلت السّلالم المجاورة تحاول رؤية ما يجري في الأسفل، تاركة إيّاه هناك بمفرده.
و أخيرا يمكنه التّوقّف عن اصطناع الهدوء..
وضع رايدر يده الحرّة على صدره يحاول تنظيم أنفاسه بسرعة قبل وصول رجال الإسعاف...صدره يعلو و يهبط بشكل ملحوظ.
لا يعلم، و لكن ينتابه الفزع و هو يرى الدّماء ترفض التّوقّف...حتّى لو لم يكن الوضع خطيرا، فاستمرار النّزيف سيجعله حتميّا كذلك.
انحنى أكثر قليلا يضع إصبعه أسفل أنفها تماما كما فعل الشّابّ قبل قليل، يلاحظ أنّ وتيرة تنفّسها قد أصبحت أفضل بقليل.
هذا بسبب تلك الحقيبة...ليتذكّر فقط أن يعيدها له فيما بعد.
وقع بصره صدفة على الجيب الجانبيّ لحقيبتها الّتي كانت ترتديها، يتردّد للحظة قبل أن يسحبه بسرعة يجده سليما تماما.
حسنا، هذا ما يسمّى بالمعجزة.
رفع رأسه بسرعة يتفقّد المكان من حوله، ليتعالى شيئا فشيئا صوت المسعفين الّذين كانوا يقتربون من هذا الطّابق...و بعدها مباشرة لمح لوسيا تظهر مجدّدا، تجعله بذلك يدسّ الهاتف في جيبه بحركة لا إراديّة تزامنا مع وقوفها قربه.
«إنّهم يصعدون»
«حسنا»
اكتفى بذلك كإجابة، يبعد يده عن إيلينور و يستقيم من مكانه بهدوء فور أن وصل رجال الإسعاف يتقدّمهم الإداريّان الّلذان أشار كلاهما إلى جسد عسليّة الأعين الملقاة أرضا.
تقدّم بضع رجال يحملون نقّالة، ليقوم اثنان آخران بحملها من على الأرض و وضعها عليها، يسارعون بترك المكان على عجلة.
«هيّا، علينا الوصول للسّيّارة بسرعة»
صاح أحدهم و هو يحثّهم على النّزول بسرعة، يفعلون ذلك بينما تبعهم الإداريّان مجدّدا تحسّبا لأيّ تجمّع آخر للطّلّاب...و لم يبقَ في ذلك المكان سوى لوسيا القلقة، و رايدر الّذي دسّ المنديل في جيبه و انحنى يحمل حقيبة الفتى، قبل أن يلتفت لها و يخاطبها قائلا:
«رافقيها، ليس تصرفا سليما تركها لوحدها على هذه الحال»
رمشت المعنيّة مرّتين باندهاش، تحدّق بتمعّن بوجه الآخر محاولة تحليل تصرّفاته.
أيّ أحد كان ليقلق إن شهد شيئا كهذا...لكن رايدر ميرفي؟ الأمر غريب إن كان هو ذلك الأحد.
دفعت سيا خصلة من شعرها الأسود خلف أذنها، ثمّ تقدّمت متخطّية إيّاه و هي تجيبه مدّعية اللّامبالاة:
«كنت سأفعل ذلك قبل أن تخبرني»
لم تنتظر ثانية أخرى، و قادت قدميها بسرعة إلى الأسفل، تغادر المبنى لاحقة بالإسعاف.
راقب صاحب الخصلات الدّاكنة الوضع من النّافذة، يرى السّيّارة تترك حرم الجامعة...ليتراجع هو إلى الخلف قليلا مغمضا عينيه بإحكام يحاول التّحكّم بنفسه.
هو لا يشعر بأنّه على ما يرام...ما هذا؟
هزّ رأسه بخفّة يحاول تصفية ذهنه، قبل أن يعيد فتح عينيه و يسحب هاتف إيلينور من جيبه بينما يسير مبتعدا عن المكان.
ليدع مهمّة إزالة الدّماء عن الأرض للمسؤولين عنها...لقد قام بما يكفي حينما غطّى على دور المسعفين.
أطلق زفرة مرتاحة حالما وجد أنّ الهاتف قد فُتح من دون عناء، ما يعني أنّ لا عائق أمامه حتّى و لو لم تكن هارفي تضع رقم أحد في جهة الطّوارئ.
لحسن الحظّ أنّها لم تضع كلمة مرور..
واصل السّير بهدوء يقصد قاعة فارغة بينما يدخل جهة الاتّصالات و يبحث بين أرقام الهواتف، و لم يتوقّف سوى حين استقرّت عيناه على اسم محدّد.
"ناتالي"
بحسب ما يذكره، فذلك اسم أختها الكبرى..
ضغط على الرّقم من دون تردّد، ثمّ رفعه إلى مستوى أذنه منتظرا أن تجيب، بينما يسمح لنفسه بالغوص في أفكاره.
هو الآن يحسّ بانقباض غريب في صدره، و قد أصبح مؤلما قليلا...هذا ليس بسبب ما جرى، صحيح؟
بصراحة، لن يستغرب من تفاجئ الآخرين لما فعله، فحتّى هو لا يمكنه تصديق ما قد قام به قبل قليل، و ما هو بصدد القيام به الآن.
لماذا لم يترك الأمر للطّلّاب الآخرين؟ كانوا كثيري العدد بعد كلّ شيء...أم أنّ ذلك فقط لكونه قد رأى المشهد كاملا؟
أيّا كان، فهو متأكّد أنّ هذا لا يشبهه إطلاقا..
لم يكن ليتخيّل نفسه و هو يفعل أيّ شيء كهذا...لا الآن ولا في أيّ وقت.
«نعم لينو»
انتشله من تفكيره ذلك الصّوت الأنثويّ الّذي صدر من النّاحية الأخرى للسّمّاعة، جاعلا منه يعضّ على وجنتيه من الدّاخل بانزعاج قبل أن يجيب بنبرة جادّة:
«ناتالي هارفي، صحيح؟»
End Of Flashback
هل كان ذلك الانقباض قلقا؟ خوفا؟ لا، هذا محال...لماذا قد يخاف لمجرّد رؤية شخص ما يسقط؟
بل ما الأمر المهمّ لهذه الدّرجة في كلّ الأحوال حتّى يصل الأمر لدفع أحدهم! شابّ؟ هل يستحقّ فتى سخيف كلّ هذا؟ ما مشكلة الفتيات؟
«رايدر يا رجل، لم تخبرني بعد ما الّذي يجري...لماذا اتّصلت بي فجأة؟ ألم يكن بإمكانك أخذ سيّارتك؟»
انتشله من تفكيره فجأة صوت ذلك الشّابّ الّذي جلس في مقعد السّائق، يجعله يرفع رأسه ببطء و يزيح عينيه ناحيته.
لقد نسي تماما بأنّ أوستن هنا...
سحقا لكلّ شيء..
«اللّوحة مغطّاة، و لم يكن لديّ وقت لإزالة الغطاء...تعلم أنّ الشّرطة لن تسمح لي بقيادتها هكذا»
أجاب محاولا إخفاء الفوضى الّتي كانت بداخله خلف نبرته غير المبالية، يسمع الحمحمة الّتي صدرت من الآخر، متبعا إيّاها بقوله:
«ماذا عن الجزء الآخر من سؤالي؟»
«أعدت غرضا ما لصاحبه و حسب»
«في مستشفى؟»
«أجل، هل لديك مانع؟»
أجاب بنبرة دفاعيّة و هو يلقي بصره من النّافذة يراقب الفراغ، يجعل بذلك أوستن يلفّ عينيه بملل و يجيب:
«قل أنّك لا تريد الإجابة فحسب»
التفت رايدر ناحيته مجدّدا يطالعه بضجر قبل أن يردف بنبرة حادّة:
«لا أريد، ارتحت الآن؟»
«نعم، أرأيت كم أنّ الأمر سهل من دون لفّ و دوران؟»
ردّ بتهكّم راسما على شفاهه ابتسامة مستقيمة، جاعلا من رايدر يدفعه من كتفه بنفاذ صبر.
هذا الفتى لا يطاق أبدا..
«ابتعد عنّي أوستن»
نبس بانزعاج واضح، يسمع التّكّة الّتي أصدرها الآخر بلسانه حينما نطق ممازحا:
«أنا في سيّارتي...لأذكّرك فقط»
«إذا سأبتعد أنا»
صرّح ببرود و هو يهمّ بفكّ حزام الأمان، و ما أن كان على وشك فتح باب السّيّارة حتّى شعر بيد أوستن تمسك بذراعه ضاغطة عليها بقوّة.
«لا، توقّف...جدّيّا، ما خطبك يا صديقي؟»
تساءل و قد استحالت نبرته من المزاح إلى قلق جادّ، يلاحظ كيف تنهّد رايدر بثقل و هو يعاود الاعتدال في جلسته متّكئا إلى ظهر المقعد، و مغمضا عينيه في محاولة لقمع تردّده، قبل أن يجيبه باستسلام:
«لا أعلم..أشعر برغبة في لكم شيء ما و حسب»
«هذا يعني أنّك لا يمكنك تفسير ما تشعر به...لنذهب إلى مكان ما إذا»
ردّ أوستن بتفهّم و هو يبعد يده من على ذراع رايدر، لتتموضع فوق مقود السّيّارة، يدير المحرّك لأجل تشغيلها بينما يلقي نظرات سريعة على الآخر يراه يهزّ رأسه رافضا الفكرة تماما.
«لا أريد أوستن، قد إلى شقّتي فحسب»
نطق بنبرة حياديّة مصرّا على قراره و هو ينظر خارج النّافذة، قبل أن يحسّ بلطمة خفيفة على كتفه تبعها صوت رفيقه المرح:
«لا تكن مفسدا للمتعة، ستحبّ المكان»
صدرت عن رايدر ضحكة جافّة محمّلة بالسّخرية، و ما لبث أن علّق قائلا:
«السّباقات لا تقام في وضح النّهار»
«هل أصبحت تكره صالة الرّياضة؟ اعتقدت تودّ لكم شيء ما...و ستكون أكياس الملاكمة مثاليّة»
سرعان ما ارتخت ملامح وجه رايدر قليلا فور سماعه لاقتراح أوستن، يزيح عينيه ببطء ناحيته و قد بدا أنّ بعضا من ضيقه قد تلاشى.
لديه الآن ما سيتخلّص به من هذا الشّعور المقيت، هذا جيّد جدّا.
«صالة ريّاضة؟ لنذهب إذا، أسرع»
أردف مباشرة و قد خفّت حدّة نبرته بعض الشّيء، ليضحك أوستن باستمتاع و يعلّق بينما يضغط على دوّاسة الوقود:
«من الجيّد أنّي استطعت تعديل مزاجك»
«أسرع فحسب يا رجل و كفّ عن الثّرثرة»
ألقى بذلك و هو يدفن مؤخّرة رأسه في ظهر المقعد مرخيا جسده، يرغم أوستن على الضّحك مجدّدا، و ذلك قبل أن يدير المقود و يغيّر مسار السّيّارة قاصدا الصّالة الرّياضيّة مباشرة.
.
.
༺༺༺༺༻༻༻༻
.
.
«أهلا، آنسة هاريسون»
نطقت ناتالي برسميّة و هي تغلق الباب خلفها و تخطو بضع خطوات مغادرة الممرّ حتّى لا تضايق أيّا من المرضى، تسمع الجواب الّذي وصلها من الجهة الأخرى للسّمّاعة:
«أهلا ناتالي، ما الأمر؟»
«أردت توضيح الأمور لأنّي غادرت بسرعة، و لديّ الآن بضع لحظات حتّى أخبرك بما جرى»
«تفضّلي، أنا أسمعك»
«تعرّضت أختي لحادث في الجامعة أفقدها الوعي، و وصلني اتّصال بأنّه تمّ أخذها للمستشفى لأنّها أصيبت في رأسها...كان عليّ الوصول بسرعة لأنّ الشّخص الوحيد الّذي كان معها كانت صديقتها، و لم أُرد منها أن تفوّت حصصها بانتظاري»
وضّحت بنفس النّبرة الحياديّة، إلّا أنّها لم تستطع إخفاء لمحة القلق الّتي تسلّلت إلى نبرتها و هي تتذكّر اتّصال رايدر.
صمتت الآنسة هاريسون للحظات، و كلّ ما كان يسمع خلالها هو صوت أنفاسها، و صوت ارتطام القلم بسطح المكتب حالما وضعته عليه، قبل أن تردّ أخيرا بهدوء:
«فهمت، ما مدى سوء الإصابة؟»
«لقد استفاقت قبل لحظات قليلة، و قالت الطّبيبة بأنّ الأمر ليس خطيرا، و لكن عليها الاستراحة لفترة حتّى تستعيد عافيتها»
أجابت بنبرة أكثر ارتياحا و هي تعدّل شعرها بيدها، بينما تتذكّر كيف بدت إيلينور بحال أفضل بقليل قبل دقائق معدودة على عكس التّوقّعات السّيّئة الّتي راودتها سابقا...و لم تكن سوى ثانيتين حتّى استفسرت المديرة مرّة ثانية:
«و كم الفترة الّتي تحتاجها للتّعافي؟»
«فترة لن تتجاوز الأسبوع»
«خذيه كإجازة إذا، و اعتني بأختك جيّدا»
اتّسعت حدقتا ناتالي و هي تسمع قرار المديرة غير مصدّقة لذلك، لتلقي بأوّل تساؤل خطر ببالها و كأنّها تذكّرها بأمر ما:
«ماذا عن العمل؟»
استطاعت سماع التّنهيدة الخافتة الّتي صدرت عن الآنسة هاريسون، تجيبها بنبرة أكثر ودّا من المعتاد:
«أنجزي بعضه بينما أنتِ في المنزل، أو لا تفعلي...أنتِ تعملين بجدّ على الدّوام في كلّ الأحوال»
«أشكرك بشدّة، آنسة هاريسون»
قالتها بامتنان و هي تحاول الإبقاء على بعض الرّسميّة في نبرتها، لتجيب الأخرى بهدوء:
«لا داعي لذلك...سأغلق الخطّ الآن»
همهمت ناتالي قبولا، لتغلق المديرة الخطّ تاركة إيّاها تزفر بارتياح...من الجيّد أنّها منحتها إجازة قبل أن تطلبها.
«آنسة هارفي؟»
لفت انتباهها فجأة صوت أنثويّ من خلفها، جعلها تلتفت ملقية نظرة على صاحبته، لتجد أنّها الطّبيبة.
دسّت ناتالي هاتفها داخل حقيبتها، ثمّ تقدّمت قليلا من الطّبيبة تسألها باستغراب:
«نعم حضرة الطّبيبة، أَمِن شيء؟»
هزّت الأخرى رأسها نافية و أجابت قائلة:
«لا، سأعيد فحص أختك فحسب حتّى أحدّد ما إذا كانت قادرة على مغادرة المشفى بحلول المساء»
أومأت ناتالي بتفهّم و نبست مشيرة بيدها إلى الأمام:
«بكلّ تأكيد، هيّا بنا»
تقدّمت الاثنتان عبر الممرّ بخطوات ثابتة، إلى أن وصلتا إلى حيث غرفة إيلينور، لتفتح ناتالي الباب مفسحة المجال للطّبيبة بالدّخول.
راقبتها و هي تسير ناحية إيلينور الّتي لم تستطع رؤيتهما بسبب السّتارة الّتي كانت تحجب السّرير عن الباب، ثمّ دخلت بعدها تقترب هي الأخرى.
«إيلينور، هل أنتِ مستيقظة؟»
تساءلت ناتالي و هي ترى الطّبيبة تمدّ يدها ناحية السّتارة، ليصلها صوتها المنهك:
«أجل، أنا كذلك»
فتحت الأخرى السّتّارة تسمح لكليهما برؤية تلك الّتي كانت ممدّدة على سرير المشفى تحدّق بالسّقف الفارغ بأعين متعبة، قبل أن تزيح بصرها ناحية الواقفة بقربها، ثمّ ناحية أختها، تدفع جسدها بصعوبة مرغمة نفسها على الجلوس.
«دعيني أساعدك»
نبست الطّبيبة و هي تمسك بإيلينور مساعدة إيّاها على تعديل وضعيّتها، لتتراجع بعدها قليلا و تردف بجدّيّة:
«سيتعيّن عليّ طرح بعض الأسئلة عليكِ للتّأكّد من السّلامة التّامّة لدماغك...أجيبيني بصدق، و أخبريني إذا ما شعرتِ بالضّغط حتّى أتوقّف عن السّؤال»
راقبت إيلينور ناتالي و هي تتقدّم أقرب قليلا منهما و تقف جانبا تراقبها ضامّة ذراعيها لصدرها تمنحها إيماءة مشجّعة، لتعيد عسليّة الأعين بصرها ناحية الطّبيبة و تهمهم قبولا:
«حسنا، أنا مستعدّة»
«جيّد؛ أوّلا، هل تتذكّرين ما حدث لك مباشرة قبل إغمائك؟»
«أجل، اعترضت طريقي فتاة ما لسبب تافه و انتهى بها الأمر و هي تدفعني من فوق الدّرج»
أجابت باستنكار حالما تذكّر ما جرى، بينما تلقي نظرة سريعة على ناتالي، ترى الصّدمة جليّة على وجهها...لم تسألها حينما استفاقت..يبدو بأنّها لم تسمع من أحد كذلك.
«فهمت»
نبست الطّبيبة معيدة انتباه الأخرى لها، تواصل أسئلتها:
«أين أنتِ الآن؟»
«في المستشفى»
«ما هو اليوم؟»
«الثلاثاء»
«هل لديك صداع، دوخة، أو غثيان؟»
«صداع خفيف، و أشعر بأنّي أريد الاستلقاء أكثر»
«هل لا تزال رؤيتك كالسّابق تماما؟ و ماذا عن صوتي؟ هل تسمعينه بوضوح؟»
«أجل لكليهما»
«هلّا تحرّكين رقبتك؟ و أخبريني إن كانت تؤلمك بشكل غير طبيعيّ»
همهمت إيلينور قبولا، و راحت تنفّذ طلب الطّبيبة و تدير عنقها يمينا و شمالا، قبل أن تتوقّف و تجيب بصراحة:
«لا تؤلم»
أومأت الطّبيبة بتفهّم، و استأنفت السّؤال قائلة:
«جيّد، و أخيرا، هل تشعرين بصعوبة و أنتِ تركّزين في إجابة أسئلتي؟»
«أشعر و كأنّ ذهني مرهق قليلا، لكنّ الإجابة كانت سهلة»
أجابت و هي تمدّ يدها ببطء ناحية رأسها تتحسّسه ببطء، لتنبس الأخرى بهدوء و كأنّها حصلت على أجوبة مرضية:
«حسنا إذا»
لم تعلّق إيلينور على ذلك، و اكتفت بمراقبتها و هي تستدير على الفور ناحية أختها، و تخاطبها هي هذه المرّة بنبرة مطمئنة راسمة ابتسامة خافتة على شفاهها:
«شقيقتك بخير، و يمكنها المغادرة بعد خمس ساعات تماما من الآن...لكن عليها بالرّاحة لبضعة أيّام حتّى تستعيد عافيتها»
همهمت ناتالي بتفهّم، لتقترب الأخرى منها أكثر بقليل و تضيف بأدب:
«هل يمكنك مرافقتي لأجل ملء الاستمارات؟ و سنتحدّث في الطّريق عن النّظام الغذائيّ الّذي تحتاجه للتّعافي»
أومأت ناتالي بخفّة قبولا، و أجابت بهدوء:
«بكل تأكيد»
سرعان ما غيّرت الطّبيبة مسارها و خطت مباشرة ناحية الباب تهمّ بالخروج، لتلقي ناتالي بكلماتها لأختها بسرعة حتّى تلحق بها:
«سأعود بعد لحظات، إن اتّصل بك أحد و كان عليكِ الإجابة، فشغّلي مكبّر الصّوت و ضعي الهاتف بعيدا عنك»
«سأفعل، شكرا ناتالي»
أجابت إيلينور مطمئنة إيّاها، ترى شقيفتها تبتسم لها بدفء قبل أن تنسحب من المكان بسرعة و تتبع الطّبيبة تاركة إيّاها بمفردها لتسترخي بهدوء.
حرّكت إيلينور جسدها بصعوبة تساعد نفسها على الاستلقاء مجدّدا، تسمح لنفسها باسترجاع ما حدث هذا الصّباح.
لماذا كان عليها أن تبدأ يومها باعتراض مزعجة كتلك لطريقها؟ هي مسالمة مع الجميع على حدّ علمها، و قد مرّت فترة منذ آخر خلاف لها مع فتاة ما...فلماذا أرادت تلك افتعال مشكلة معها من العدم؟ هي لا تنجذب لهيوغو حتّى!
أغمضت عينيها تحاول قمع الضّيق الّذي اجتاحها و هي تتذكّر كيف قامت تلك الحقيرة بدفعها، و شعور الخوف الّذي هاجمها حينما شعرت ببرودة الهواء أثناء سقوطها.
كانت تعلم بأنّها ستؤلمها، لذلك خافت أن تضرب جسدها بالأرض...لكنّ الخوف لا يجدي نفعا مع أمر محتوم..
فتحت عينيها مجدّدا فور أن التقطت أذناها صوت رنين هاتفها، تلمح شاشته تضيء بقربها باسم لوسيا..
ما هذا؟ ألدى ناتالي نظرة مستقبليّة للأحداث أو شيء من هذا القبيل؟ كيف علمت أنّ هاتفها قد يرنّ؟
مسحت بعسليّتيها اسم صديقتها، تفكّر للحظات قليلة قبل أن تنفّذ ما طلبته منها ناتالي و تجيب مبعدة الهاتف عنها قليلا، بعدما شغّلت مكبّر الصّوت:
«لينو، أهذه أنتِ؟»
بدأت لوسيا المحادثة بذلك التّساؤل المحمّل بالقلق، تسمع قهقهة متعبة للأخرى الّتي أجابتها ممازحة:
«بالطّبع، و من غيري؟»
انقطع صوت سيا للحظة، و لم تستطع إيلينور أن تسمع حتّى صوت نفسها لبضع لحظات، قبل أن تصيح فجأة بسعادة و كأنّها كانت تنتظر هذه اللّحدة منذ قرون:
«سعيدة حقّا أنّك استفقتِ، كيف تشعرين؟»
«منهكة قليلا، لكن سأكون بخير...و سأخرج بعد خمس ساعات»
أجابت عسليّة الأعين و هي تلقي ببصرها من النّافذة الّتي كانت بعيدة عنها قليلا، تشمت همهمة الأخرى:
«فهمت»
صمتت الفتاتان بعدها لثوانٍ طويلة، تفكّر كلّ واحدة منهما في شيء لتتحدّث عنه، و ذلك قبل أن تكسر لوسيا حاجز السّكون من جديد حينما تساءلت بريبة:
«كيف حدث لكِ هذا؟ هل انزلقتِ أو شيء من هذا القبيل؟»
تنهًدت إيلينور بثقل و هي تتذكّر كلّ ما جرى معها، ثمّ نبست مجيبة إيّاها:
«لا...لقد تمّ دفعي»
كلّ ما كان مسموعا تاليا هو صوت الشّهقة الّتي فلتت من لوسيا، قبل أن تتبعها بصراخها المفاجئ:
«دفعُك؟ من فعل هذا؟!»
غطّت إيلينور أذنيها بكفّيها للحظة، قبل أن تزيلهما فور أن هدأت لوسيا و تجيبها بضجر:
«مهووسة ما...تملّكتها الغيرة على هيوغو مع أنّه لا يكترث بها»
«اسمها؟»
«لا أعرفها»
«إذا شكلها؟»
«لوسيا، لا تنوين على شيء، صحيح؟»
تساءلت مضيّقة عينيها بريبة، محاولة استشعار أيّ نيّة للقيام بحركة ما في نبرة صوت سيا الّتي زفرت بيأس و أصرّت أكثر على طلبها:
«هيّا لينو، أخبريني فحسب»
تنهّدت المعنيّة بقلّة حيلة، و وجدت نفسها تجيبها باستسلام:
«فتاة سمراء، بشعر طويل مجعّد»
أجابت إيلينور بسرعة محافظة على الجدّيّة في نبرتها، تسمع صديقتها و هي تطرح آخر شكوكها و كأنّها تحاول التّأكّد من أمر ما:
«تتجوّل برفقة فتاتين أخرتين، هل أنا مخطئة؟»
«لا، لستِ كذلك»
نبست عسليّة الأعين مؤكّدة كلماتها، لتجيب الأخرى بنبرة حاسمة:
«عرفتها...تيانا»
سرعان ما اعتلت تقطيبة خفيفة جبين إيلينور الّتي تساءلت مبدية تفاجئها:
«تيانا؟ كيف تعرفينها؟»
«سمعت عنها من زملاء صفّي...مجرّد حمقاء تمثّل دور الشّخصيّة الرّئيسيّة»
ردّت الأخرى باشمئزاز و هي ترفع كتفيها بلامبالاة، متناسية حقيقة أنّ صديقتها لا تراها حاليّة، لتنبس هذه الأخيرة بتفهّم:
«أرى ذلك»
«لا تقلقي، حصلت على اسمها، و الآن ستدفع ثمن تصرّفاتها الطّفوليّة»
صرّحت لوسيا بنبرة جادّة و هي تطلق قهقهة ساخرة، لتعلّق إيلينور مترجّية إيّاها:
«سيا، لا تقدمي على تصرّفات متهوّرة رجاءً»
هي حقّا تخشى أيّ شيء يأتي من هذه الفتاة...تحرّكاتها غير متوقّعة في بعض الأحيان، و لا يمكنها أن تضمن بأنّ ما تخطّط لت ليس من ضمن هذه الأحيان البعض.
«عزيزتي، لن أوقع نفسي في المشاكل، لكنّ تلك الغبيّة ستقع فيها»
أكّدت محاولة جعل نبرة صوتها مطمئنة قدر الإمكان، إلّا أنّ الأخرى لم تستطع أن تسترخي رغم ذلك بسبب القلق الّذي لازمها.
«لوسيا، لاــ»
توقّفت فجأة حالما أصدرت المعنيّة تكّة بلسانها تحثّها على االتزام الهدوء، قبل أن تنطق بجدّيّة تامّة، مصرّة على موقفها:
«ارتاحي الآن، و اتركي الباقي عليّ...وداعا!»
ارتفع صوتها أكثر قليلا عند تلفّظها بآخر كلمة، و لم تنتظر لثانية أخرى حينما أغلقت المكالمة مباشرة.
كلّ ما استطاعت إيلينور فعله لحظتها، كان التّحديق بشاشة الهاتف مطوّلا، سامحة للقلق بأنّ يتسلّل مظهرا نفسه على ملامح وجهها...على الأقلّ فلتظهر مشاعرها قليلا حتّى تخفيها عند عودة ناتالي.
لا يمكنها جعلها تقلق بسبب تعابير وجه سخيفة..
.
.
༺༺༺༺༻༻༻༻
.
.
«تبّا تبّا تبّا! تبّا لكلّ شيء!»
صاح رايدر بسخط و هو يوجّه لكمات متتالية للمرّة الألف إلى الكيس الرّمليّ الّذي كان معلّقا أمامه، يعدّل قفّازاته للحظة قبل أن يعاود اللّكم مرّة أخرى بقوّة أكبر.
هذا لا ينجح سحقا! الشّعور المقيت ما زال ملتصقا به!
ما الّذي دهاه؟ لماذا فعل ذلك؟ لمَ هرع إليها و كأنّه الوحيد في الجامعة بأسرها بينما كان الطّلّاب مجتمعين بالفعل؟ و لماذا شعر لحظتها و كأنّ الخوف قد استولى على دواخله؟ لماذا، تبّا؟!
هل لأنّه اعتاد عليها و على رؤيتها في كلّ مكان فقط؟ أم أنّ ذلك بسبب تلك الرّسومات اللّعينة كذلك؟ كان عليه توقّع أنّ إعجابه بشيء غير مألوف له كتلك الأوراق لن ينتهي بشكل طبيعيّ.
و ها هو الآن يصارع للتّخلّص من آثار ذلك...هذا إن كان ما يحصل له بسببها طبعا.
كلّ ما يعلمه الآن، هو أنّ هذا الإحساس الغريب يجعله ينفر من نفسه، و يكرهها بشدّة.
كلّما حاول إيجاد طريقة ليتشتّت قليلا، تعود صورتها لتتشكّل أمام عينيه مجدّدا.
ذلك الخوف الّذي ظهر على وجهها و هي تدرك بأنّ لا مفرّ لها من السّقوط، ثمّ صوت صرختها حالما ارتطم جسدها بالأرضيّة القاسية...كلّ ذلك يجعل قلبه ينبض بعنف فجأة بشكل لا يمكنه التّحكّم به.
هل كان ما شعر بها في تلك اللّحظة قلقا؟ خوفا؟ لكن من ماذا تحديدا؟ من أن تتأذّى؟ لماذا عليه الاكتراث في كلّ الأحوال؟
ليفرض مبدئيّا أنّه كان خوفا -رغم أنّه لا يريد تصديق ذلك-، ماذا عن ما يخالجه الآن؟ لماذا يشعر بشيء غريب و مزعج كلّما تذكّر ما حدث رغم أنّه رآها قبل لحظات و تأكّد من أنّها ليست في خطر؟
سحقا لكلّ شيء بكافّة لغات العالم!
لا يمكنه تصديق أنّه قد استخدم عقله الآن أكثر ممّا استخدمه منذ بدء هذه السّنة الجامعيّة، و مع ذلك لم يجد تفسيرا لما يجري له.
قطع حبل أفكاره فجأة صوت ضحك قادم من على مسافة قصيرة منه، و لم يحتج الالتفات ليدرك بأنّه أوستن الّذي كان مستمتعا بمراقبته و هو يفرغ طاقته في ذلك الكيس، بينما يتناول رقائق البطاطا بسلام.
«يبدو أنّك تكبح غضبا كبيرا يا صديقي، ألا زلت لا تريد إخباري بما أزعجك؟»
نطق متسائلا بنبرة مرحة و هو يأخذ رشفة من علبة العصير الّتي كانت بجانبه، يرى كيف أسقط رايدر ذراعيه على جانبيّ جسده و هو يلهث بشدّة، ليلقي عليه نظرات قاتلة من فوق كتفه و يردف بجفاء:
«لا أريد»
عاد بعدها مباشرة لمواصلة ما كان يفعله...يضرب كيس الملاكمة بقوّة أكبر و هو يشتم مرارا و تكرارا مع كلّ لكمة يوجّهها له.
لم يكترث حتّى لصوت أوستن الّذي ردّ رافعا كتفيه بقلّة حيلة، من دون أن يبالي بتجاهل رايدر له:
«حسنا، لن أجبرك...واصل ما تفعله»
و كما توقّع، لم يتوقّف صديقه و لو لثانية واحدة من أجل سماع ما قاله؛ لكنّ ذلك لم يضايقه على الإطلاق.
هذا هو رايدر ميرفي...يتعامل مع الأشخاص حسب مزاجه، بغضّ النّظر عمّن يكونون.
لكن لا بأس الآن، فكلّ شيء به يصرخ قائلا أنّه ليس على ما يرام، لذا فليفعل ما يريد و حسب إن كان ذلك سيخفّف عنه، طالما لا يضرّ أحدا بذلك.
استمرّ أوستن في مراقبته و هو يلكم الكيس بقوّة أكبر من السّابق كأنّه يشاهد فيلما من نوع ما، بينما عاد رايدر ليغرق في دوّامة تفكيره يحاول جاهدا إيجاد أجوبة تسكت صخب عقله.
لماذا شعر بهواء بارد يلفحه حالما رأى جسدها يهوي؟ لا يعلم.
لماذا لا يزال ذلك المشهد يعيد نفسه مرغما إيّاه على تكرار ذلك الشّعور؟ لا يعلم.
لماذا كره ذلك؟ و لماذا يكره ما يشعر به الآن من غرابة و لا يستطيع تجاهله حتّى بعد أن انتهى كلّ شيء؟ لا يعلم كذلك، و لا يملك أدنى فكرة...هو حتّى لا يملك اسما لذلك الإحساس.
لا يمكن مقارنة ما تعرّضت له تلك الفتاة مع ما اعتاد أن يرى رفاقه يتعرّضون له، خصوصا في مضمار السّباق...لكنّه لم يقلق يوما عليهم، بل و كان يسخر أحيانا من أشكالهم بعد خوض الشّجارات و كأنّها لا شيء حرفيّا..
كذلك، لا يزال يذكر بأنّه قد ساعد فتاة ما قبل سنتين أو ثلاثة -رغما عنه-، و لكنّه نسي وجهها بعد ساعتين...مجرّد ساعتين فقط.
لماذا إذا الآن هو يتذكّر كلّ ما شهده بكلّ التّفاصيل و يعجز عن نسيانه؟
واصل ضرب الكيس أكثر فأكثر، آملا أن يختفي المقت الّذي يخالجه عاجلا أو آجلا...
لا يمكنه أن يبقى هكذا...هو يريد فقط أن يعود إلى اللّحظة الّتي كان فيها داخل قاعة المحاضرات و يغيّر رأيه بشأن تفقّد الوضع.
أو على الأقلّ، فليحدث شيء واحد منطقيّ قليلا و ليخرجه من أعماق هذه المشاعر الكريهة.
«رايدر! ما الّذي تفعله؟ لقد خرّبته يا رجل!»
انتشله من أفكاره صوت أوستن الّذي صرخ جاذبا انتباهه...يجعله يتوقّف على الفور و يلتفت ناحيته، ليرى عينيه مثبّتتين على الكيس بفزع..
أعاد الالتفات ببطء شديد يلقي نظراته على كيس الملاكمة ذاك...و أجل، هو يرى جيّدا سبب فزع أوستن.
لقدّ أحدث شقّا كبيرا في الكيس على ما يبدو، و قد بدأت الرّمال في التّسرّب.
شتم بصوت مرتفع و هو يزيل القفّازين اللّذين كان يرتديهما، ليمسح بظهر يده على جبينه يزيل قطرات العرق الملتصقة به، و يبعد خصلاته السّوداء عن وجهه.
«لا يبدو عليك التّحسّن حتّى بعد تمزيقك لممتلكات الصّالة»
وصل مسامعه الصّوت السّاخر لرفيقه، يجعله يستدير نحوه مجدّدا قائلا بنفاذ صبر:
«سأدفع ثمنه، لنغادر فحسب»
ألقى بالقفّازين جانبا، يتقدّم مباشرة ناحية الباب بنيّة الخروج، لكنّه توقّف فجأة حالما تساءل الآخر باستغراب:
«بهذه السّرعة؟»
ألقى عليه رايدر نظرة جانبيّة من فوق كتفه ضامّا ذراعيه إلى صدره، يجيبه بتساؤل آخر محمّل بالسّخرية:
«لماذا؟ هل كنت ستقترح عليّ أن تحلّ محلّ كيس الملاكمة؟»
رمش أوستن مرّتين بتفاجئ يستوعب ذلك، قبل أن يلفّ عينيه بملل و يهزّ رأسه بيأس قائلا:
«حسنا، لقد جننتَ كلّيّا...مبارك عليك يا صديقي»
استقام من مكانه بسرعة، يحمل معه كيس الرّقائق و علبة العصير، ليسير بهدوء ناحية رايدر، يلكم كتفه بخفّة قبل أن يتخطّاه مواصلا طريقه إلى الخارج.
راقبه رايدر و هو يتقدّم من مكتب المدرّب، يطرق الباب ثمّ يفتحه و يدلف إلى الدّاخل.
سيحدّثه بأمر الكيس لامحالة..
تنهّد بخفّة و هو يهزّ رأسه بقلّة حيلة، قبل أن يخطو برويّة إلى خارج الغرفة متمتما بصوت خفيض:
«تبّا لك أوستن..»
_aerithra_