____________________________________________
«مستعدّ للاجتماع سيّد ميرفي؟»
كان ذلك صوت الآنسة روزالين الّتي منحت رافاييل نظرات جادّة تراه يحدّق بباب القاعة المغلق قبل أن ينقل أعينه لها و يهمهم قبولا:
«أجل، آنسة هاريسون»
«جيّد إذا»
نطقت بذلك قبل أن تمدّ يدها إلى المقبض تديره و تفتح الباب مباشرة.
خطت تتقدّم إلى الدّاخل و كعبها يطرق الأرض يجعل أعين جميع الجالسين تتّجه ناحيتها ثمّ ناحية رافاييل الّذي كان يسير بمحاذاتها.
وقف جميع من في القاعة يتبادلون النّظرات فيما بينهم، و يتهامسون حول الرّجل الجديد الّذي سيعمل معهم، خصوصا و أنّ المعلومات الّتي حصلوا عليها سابقا عنه كانت محدودة.
اتّخذت المديرة مقعدها على رأس المنضدة الطّويلة حيث جلس فريق العمل على جانبيها، و جلست ناتالي على أقرب مقعد من مديرتها جهة اليسار.
أشارت الآنسة هاريسون لرافاييل بالجلوس على أقرب مقعد لها جهة اليمين، تحديدا المقعد المقابل لخاصّة ناتالي، و لم يتردّد هو في فعل ذلك تحت نظرات الجميع المحمّلة بالفضول بشأنه.
مديرتهم ليست شخصا يتعاون مع أيّ كان، لذا الأمر يثير استغرابهم بشكل جدّيّ.
رفع رافي عينيه يمرّر نظرة خاطفة على الأشخاص السّتّة الّذين كانوا يجلسون على جانبيّ الطّاولة، ثمّ انتقلت عيناه إلى الجالسة أمامه بتلقائيّة لتستقرّ عليها.
لم يبدُ عليها أنّها اكترثت بأمره و هي تثبّت بصرها على الآنسة هاريسون الّتي كانت تقلّب بيديها بعض الملفّات استعدادا للبدء، و قطعا لم تعلم بالعنف الّذي ضرب قلبه به و هو ينظر لها في هذه اللّحظة.
تلك النّظّارات الّتي كانت ترتديها الآن منحتها مظهرا أكثر نضجا، و كما لاحظ آخر مرّة، كانت ملامحها هادئة و كأنّها لا تعرف الابتسام.
«إذا..»
صوت المديرة صدح في أرجاء القاعة يجعل من أبصار الكلّ تتّجه ناحيتها، و هي أخذت نظرة سريعة تتفحّص الجميع قبل أن تواصل:
«اليوم أوّل اجتماع بخصوص اللّعبة الجديدة لشركتنا، و الّتي ستكون لعبة لطيفة و بسيطة هدفها تحسين مزاج من يلعبها لا غير»
مدّت يدها تشير ناحية رافاييل و تابعت بهدوء:
«و قبل أن نبدأ، أعرّفكم على السّيّد رافاييل ميرفي، الشّخص الّذي سيكون المطوّر الرّئيسيّ لهذه اللّعبة»
سرعان ما ارتفعت الهمسات في القاعة جاعلة من الآنسة هاريسون تراقب الوضع بصمت لبضع لحظات قبل أن تنطق جاذبة انتباههم مجدّدا:
«أعلم أنّكم مستغربون من عقدي تعاونا معه هو و فريق عمله النّاشئ، لكن ليكون بعلمكم، مهارات الفرد لا تقاس بالمرتبة الّتي هو فيها، فالكثير من المواهب مظلومة و تستحقّ أن ترى النّور...و مهارات السّيّد ميرفي هي أحدها»
انتقل بصرها مباشرة إلى رافاييل الّذي منحها إيماءة ممتنّة، قبل أن يردف:
«شكرا على ثقتك، آنسة هاريسون...سأبذل قصارى جهدي»
«واثقة بهذا سيّد ميرفي»
وجّهت انتباهها بعدها إلى جميع الموجودين و أردفت بصوت جهور:
«أرجو منكم الآن الاطّلاع على الملفّات الموضوعة أمام كلّ واحد منكم، خمس دقائق ستكون كافية و بعدها لنناقش الأمر»
تبادل الجميع إيماءات سريعة قبل أن تمتدّ أياديهم إلى الملفّات يتصفّحونها باهتمام، بما في ذلك ناتالي الّتي كانت تعلم كلّ التّفاصيل بالفعل، و رافاييل الّذي قضى اللّيل كاملا يعاود قراءة الملفّ مرارا و تكرارا.
انقضت الدّقائق الخمس، و تلك كانت إشارة الآنسة روزالين الّتي وقفت من على مقعدها تجعل بذلك الأعين تصوّب ناحيتها.
شبكت كفّيها خلف ظهرها، ثمّ أردفت:
«حان وقت النّقاش حول التّفاصيل»
مدّت يدها إلى سطح الطّاولة تلتقط جهاز تحكّم، ثمّ التفتت خلفها تقابل الشّاشة الكبيرة، لتضغط على زرّ التّشغيل، و تظهر فجأة صورة لطيفة لشخصيّة أنثويّة ثلاثيّة الأبعاد ترفع يديها في الهواء بخلفيّة ورديّة، و فوقها كُتب "أصدقاء المقهى"
التفتت المديرة مجدّدا ناحية فريق عملها، لتجد أنّ كلّهم يتهامسون بفضول فيما بينهم ما عدا رافاييل و ناتالي.
لقد لاحظت بالفعل أنّهما على نفس المستوى من الجدّيّة تقريبا.
«كما ترون، اللّعبة ستكون باسم "أصدقاء المقهى"، و ستكون لعبة حيث اللّاعب هو الطّبّاخ و النّادل في نفس الوقت، و عليه خدمة زبائن و الحصول على أموال كافية لتحسين شكل مقهاه، و جودة الطّعام»
أخذت نفسا تلقي نظرة خاطفة على الشّاشة تضغط زرّا آخر، ثمّ تابعت حالما ظهرت رسمة تحتوي على أشكال شخصيّات:
«لقد حدّدت شكلا مبدئيّا للعملاء، و يمكننا تحسين جودته و ربّما إضافة بعض التّغييرات لاحقا، الأهمّ الآن هو الفكرة و بعدها سنحسّن كلّ شيء»
«هل هذا كلّ شيء آنسة هاريسون؟ خمس شخصيّات فقط؟»
نطق أحد الجالسين باستفسار و هو يوجّه نظراته للمديرة الّتي سرعان ما أجابت:
«وضعت خمس شخصيّات مبدئيّا فقط، لأنّ هذا كلّ ما سيحصل عليه اللّاعب من عملاء في المراحل الأولى، و كلّما تقدّم أكثر، حصل على مزيد من الزّبائن و استطاع تطوير عمله»
التفتت تشير بيدها إلى الشّاشة و تابعت:
«الشّخصيّة الأولى آيكو، فتاة بشعر أسود و أعين سوداء...الشّخصيّة الثّانية، آنا، فتاة كذلك بشعر أشقر و أعين خضراء...الثّالث فتى يدعى مايكل، شعر بنّيّ و أعين زرقاء...الرّابع مارك، شعر أشقر و أعين بنّيّة، و الخامسة هايدي، صهباء بأعين عسليّة...أردت تنويع الأشكال، ما رأيكم؟»
استفسرت تجول ببصرها حول الجالسين، ليصلها صوت رافاييل الجالس قربها:
«أرى أنّ الفكرة المبدئيّة جيّدة جدّا، و مع بعض العمل الإضافيّ ستكون أفضل...لكن الأهمّ الآن هو الأفكار، سأتولّى أمر التّحسينات في وقت لاحق»
لم تكد تجيبه حتّى أردف أحد أفراد فريق عمل الشّركة يردّ على كلامه:
«سيّد ميرفي، أردت سؤالك عن الّذي ستشمله تحسيناتك...أهي في جودة الصّور و حسب؟»
انتقلت الأعين إلى الرّجل فجأة قبل أن تزاح إلى رافاييل الّذي دفع خصلاته البنّيّة إلى الخلف و أردف بهدوء و ثقة:
«تحسيناتي ستشمل كلّ الجوانب، الصّور، التّحريك، ربّما أشكال بعض الشّخصيّات إن أردتم تغييرها أو إضافة أخرى لأجل المراحل المتقدّمة...إضافة إلى الجوّ العامّ للّعبة كالألوان و الموسيقى و غيرها، و حتّى الخيارات المتاحة للمستخدم»
«فهمت»
كان ذلك كلّ ما تفوّه به قبل أن تستأنف المديرة حديثها مجدّدا:
«حسنا سيّد ميرفي، سنتحدّث إذا حول الأفكار المبدئيّة لكلّ الجوانب الّتي ذكرتَها الآن، و كما أخبرتك سابقا، لك حرّيّة إضافة أو حذف أيّ شيء على أن تطلعني بما تفعله»
«عُلم آنسة هاريسون»
أجاب مهمهما قبل أن يزاح بصره بتلقائيّة ناحية هاتفه الموضوع بقربه فور شعوره باهتزازه.
حمله بسرعة يسترق النّظرات مستغلّا فرصة صمت المديرة، ليرفع حاجبه باستغراب عندما وجد أنّ بريدا إلكترونيّا قد وصله للتّوّ.
"هذا عملي سيّد ميرفي"
كان ذلك كلّ ما احتوته رسالتها كردّ على خاصّته يوم أمس..
كان عليه توقّع شيء كهذا منها..
ارتفعت أعينه بتلقائيّة ناحيتها ليجدها تغلق هاتفها و تضعه جانبا توجّه نظراتها إلى الآنسة روزالين الّتي عادت لتفقّد الملفّ مجدّدا.
لقد قرأت ردّه للتّوّ كما يبدو..
«حسنا إذا، استمعوا إليّ رجاءً، و خصوصا أنت سيّد ميرفي»
كان ذلك صوت المديرة الّتي رفعت رأسها تنظر لجميعهم قبل أن تعود و تلتفت ناحية الشّاشة خلفها تضغط أحد الأزرار و تتابع بجدّيّة:
«لقد عملت على محاكاة بسيطة للفكرة الّتي بذهني...ليس متقنا، إنّما هو مجرّد مقطع ليوضّح لكم الصّورة الّتي في ذهني أكثر، لذا اعذروني»
اشتغل المقطع، و أنظار الكلّ صوّبت ناحيته بينما يستمعون لحديث الآنسة هاريسون:
«في البداية، هناك الموسيقى الهادئة في الخلفيّة، و الّتي تمنح اللّاعب شعورا مريحا منذ البداية»
ارتفعت يدها تشير إلى الشّاشة بينما يتواصل عرض المقطع و أضافت:
«تظهر بعدها لافتة مكتوب عليها "اليوم الأوّل" و هي نفسها المرحلة الأولى، حيث يجد اللّاعب نفسه خلف مكتب الدّفع بانتظار وصول زبائن»
أشارت ناحية باب المقهى الّذي ظهر في المقطع و واصلت:
«ياتي الزّبون الأوّل و يقدّم طلبه، فيضغط اللّاعب على زرّ الموافقة ما يجعل الزّبون يذهب للجلوس على أحد المقاعد و يظهر بجانبه مؤقّت يحدّد مدّة انتظاره، و كلّما طالت المدّة زاد غضب العميل و قلّ الثّمن الّذي يدفعه، و إذا انقضى الوقت فإنّه يغادر مباشرة، و هذا يؤثّى على قدرة اللّاعب على التّقدّم في المراحل»
لاحظت كيف أبدى فريقها إعجابهم بالفكرة، و كان ذلك جليّا في تعابير وجوههم و هم يترقّبون سماع المزيد.
«عندما يجهّز اللّاعب الطّلب يتقدّم من طاولة زبونه و يضعه أمامه و عندما ينتهي العميل من الأكل سيأتي و يدفع ثمّ يغادر...و مع تقدّم المراحل سيزداد عدد الزّبائن و تقلّ الفترة الّتي تفصل بين قدوم كلّ عميل و العميل الّذي يليه، ما يشكّل تحدّيا حقيقيّا بالنّسبة للمستخدم»
أضافت موضّحة أكثر:
«في المرحلة الأولى، لن تكون سوى طاولة واحدة و مقعد واحد، و سيعمل اللّاعب على جني المال و توسيع مقهاه...إضافة إلى أنّ شكل المطعم بسيط جدّا، مزيج من اللّون البنفسجيّ الفاتح و الأبيض من دون زخرفات، و ستتاح خيارات أكثر للزّينة عند بلوغ المراحل الأعلى»
رفعت سبّابتها تزامنا مع انتهاء المقطع، و نطقت بجدّيّة:
«و كتفصيل إضافيّ، الزّبائن الّذين دائما ما يخرجون راضين، سيكونون أكثر من ترونهم لأنّهم سيعاودون زيارة المقهى»
وضعت جهاز التّحكّم على سطح الطّاولة و عادت للجلوس مكانها تشبك كفّيها على سطحها بينما تطالع الجميع بترقّب قائلة:
«هذه فكرتي الأساسيّة، ما رأيكم؟ هل لديكم أيّة إضافات لها؟»
ألقى رافاييل نظرة خاطفة على البقيّة يراهم يتهامسون فيما بينهم، ما جعله يستغلّ الفرصة و ينطق مخاطبا المديرة:
«أحببت الفكرة، لكنّي فكّرت في أنّه من الممكن استبدال الموسيقى الهادئة بأخرى تحمل مزيجا من الطّفوليّة و الحماسة، أظنّها تناسب الأجواء أكثر»
حدّقت به الآنسة هاريسون للحظات تفكّر مليّا في ما قاله، ثمّ أومأت بهدوء:
«فكرة جيّدة»
التفتت ناحية ناتالي تجذب انتباهها و تساءلت قائلة:
«ما رأيكِ أنتِ ناتالي؟ أترين أنّ موسيقى طفوليّة و حماسيّة في آن واحد ستكون ملائمة؟»
دفعت الأخرى نظّاراتها على جسر أنفها ترفعها بخفّة قبل أن تميل برأسها قليلا و تلقي نظرة خاطفة على رافاييل الّذي دقّ قلبه كطبل في تلك الثّانية، ثمّ أعادت تركيزها للمديرة تجيبها مبدية رأيها:
«الموسيقى الهادئة كانت فكرة رائعة، و لكن بما أنّ هذا الخيار متاح كذلك، فأعتقده مناسبا لأجواء لعبة تحمل بعضا من المرح كهذه»
«أتّفق أنا أيضا»
«و أنا»
«الفكرة جيّدة»
كانت تلك الكلمات الّتي صدرت عن البقيّة جاعلة من ابتسامة خافتة ترتسم على شفاه رافاييل الّذي شعر بالرّضا لأنّ فكرته نالت استحسانهم.
لم تكن سوى ثوانٍ قليلة حتّى نطقت امرأة من الفريق:
«آنسة روزالين، كانت لديّ فكرة أيضا...ماذا لو كان هناك زبون صعب الإرضاء؟ لرفع مستوى التّحدّي قليلا، و بالطّبع ستكون هناك جائزة إذا ما نجح اللّاعب في خدمته، كمضاعفة المال الّذي يحصل عليه منه»
«أحببت الفكرة»
أجابت من دون تردّد مفرقعة أصابعها في الهواء، ثمّ دقّت عنقها ناحية رافي و خاطبته بجدّيّة:
«آمل أن تأخذ هذا التّفصيل بعين الاعتبار عندما تبدأ العمل، لأنّه أعجبني»
همهم الآخر قبولا و أردف برسميّة:
«فهمت، لا داعي للقلق»
التفتت بسرعة تنظر لناتالي هذه المرّة موجّهة كلماتها إليها:
«ناتالي، هل حاسوبك الشّخصيّ معك؟»
هزًت المعنيّة رأسها نافية و أجابت قائلة:
«لم أدخله معي للقاعة»
أومأت المديرة بتفهّم و أردفت مجدّدا:
«لا بأس، دوّني الملاحظات المهمّة الّتي تمّ ذكرها في اجتماع اليوم في هاتفك مبدئيّا و أرسليها إلى السّيّد ميرفي هذا المساء رجاءً»
«عُلِم آنسة هاريسون»
ابتسمت المعنيّة بخفوت شديد قبل أن تعيد توجيه انتباهها إلى فريقها و تصرّح بصوت جهور:
«أهذا كلّ شيء؟ هل لدى أحدكم شيء آخر ليقوله؟»
عمّ الصّمت المكان، و لم تكن هناك سوى نظرات تبادلها الجميع فيما بينهم.
«انتهى الاجتماع إذا، و يمكن لكلّ واحد منكم العودة لعمله»
صرّحت بينما تستقيم من مكانها جاعلة الجميع يفعل المثل، ليشرع السّتّة في المغادرة فور أن أشارك بيدها إلى الباب مغلقين إيّاه خلفهم.
مدّت المديرة يدها إلى جهاز التّحكّم على الطّاولة و قامت بإطفاء الشّاشة فورا، ثمّ ألقت به على سطحها مجدّدا و صوّبت تركيزها على الاثنين الموجودين قربها.
توجّهت نظراتها ناحية رافاييل مباشرة و أردفت بينما تقترب منه بهدوء إلى أن وقفت أمامه مباشرة:
«أتمنّى أن تكون الكثير من الأشياء توضّحت أكثر بعد أوّل اجتماع...ستكون هناك اجتماعات أخرى بكلّ تأكيد لنناقش المزيد من الأفكار بالإضافة إلى التّقدّم المحرز، سترسل لك ناتالي مواعيد الاجتماعات دوما مسبقا...و إن كانت هناك مشكلة، لا تتردّد في إرسال رسالة أو الاتّصال مباشرة»
ظهرت على شفتيه ابتسامة بسيطة يلقي عينيه بسرعة على ناتالي الواقفة في الخلف، و التقت أعينهما للحظة قبل ان تزيحها ناحية مديرتها.
عاود النّظر للآنسة هاريسون بدوره و أردف بينما يهزّ رأسه بخفّة قبولا:
«سأفعل، لا داعي للقلق»
.
.
༺༺༺༺༻༻༻༻
.
.
كانت إيلينور تسير في ممرّات الجامعة بمفردها تنعم بالسّلام بينما تراقب المكان في الخارج عبر النّوافذ الّتي مرّت عليها.
الجوّ جميل اليوم حقّا، و مريح للأعصاب بشكل غير متوقّع..
ربّما تقترح على هيوغو رسمه الآن بما أنّ لا شيء لديها لتفعله، لقد وافقت على ذلك في كلّ الأحوال.
لا حصّة لديها الآن، و بما أنّ هاتف لوسيا مغلق على ما يبدو فستتّجه إلى جهتها في المبنى و تقصد صفّها بحثا عنها.
لتأمل فقط ألّا يكون لديها درس أو محاضرة الآن..
زفرت بثقل تبعد بصرها عن النّافذة و توجّهه أمامها، ترى بضع طلّاب من صفوف أخرى يسيرون في الاتّجاه المعاكس لها.
بضع فتيان و فتيات..
يبدو أنّها ليست الوحيدة الّتي تبحث عمَّ تفعله الآن.
توقّفت إيلينور عن السّير فجأة حالما لمحت مفتاح منزلهم يقع من جيبها محدثا صوتا على الأرضيّة، ما جعلها ترمش للحظة قبل أن تنخفض بجسدها إلى الأرض تلتقطه، لتدسّه في جيب سترتها مغلقة سحّابه و تستقيم مجدّدا بسرعة تتقدّم إلى الأمام.
تأوّهت بألم حال إحساسها بشيء صلب صدم رأسها، تلاه صوت ذكوريّ ساخر رنّ في أذنها:
«ألا يمكنك النّظر حولك قبل أن تتحرّكي؟»
تراجعت بضع خطوات إلى الخلف ترفع عينيها إلى الواقف أمامها، لتجد فتى طويل القامة ببنية قويّة و شعر محلوق...و لم يبدُ مسالما إطلاقا.
نبرته ساخرة، لكنّ نظراته ساخطة..
و قطعا لا وقت لها لتتعامل مع شخص مثله، لذا..
أشاحت إيلينور ببصرها بعيدا عنه تثبّته على نهاية الممرّ أمامها، و لتوّها لاحظت الشّابّ الآخر الّذي وقف خلفه قليلا ينقل بصره بينها و بين صديقه من دون أن يبدي ردّة فعل، كان أقصر منه قليلا و أضعف بنية، يربط خصلاته الدّاكنة على شكل ذيل حصان قصير.
أبعدت عينيها عنه هو الآخر و تقدّمت متخطّية إيّاهما من دون أن تنبس بحرف.
تفضّل أن تصرف وقتها على ما يستحقّ بدلا من إهداره في جدال لا فائدة منه مع شخص على الأرجح يعتقد نفسه لا يقهر.
لقد رأته جيّدا، و هي تعرف أمثاله و الطّريقة الغبيّة الّتي يتصرّفون بها مع غيرهم كأنّهم في القمّة و الجميع أسفلهم.
«يا فتاة، أنا أتحدّث معك!»
صوته وصلها من خلفها، و تكاد تجزم أنّه الآن قد التفت يراقبها بانزعاج.
لفّت عينيها بضجر و استمرّت في السّير، و ذلك قبل أن تتوقّف فجأة حال شعورها بأصابع أحدهم تشدّ على كتفها بقوّة.
«قلت أنّي أتحدّث معك، من أنتِ لتتجاهلي كلامي؟»
صوته احتدّ يلقي بكلماته قرب أذنها يجعلها تغمض عينيها بقوّة ببعض من التّوتّر و تفتحهما مجدّدا تنفض ذراعها محرّرة كتفها من قبضته.
«و من تكون لترغمني على الاستماع لك؟ أنت تحدّثت و أنا قرّرت تجاهلك، لا أريد مشاكل لا داعي لها»
نبست تحدّق به بهدوء تضغط على كلّ كلمة تقولها مؤكّدة عليها، لتعقد حاجبيها باستغراب تراه يطلق ضحكة مسموعة كأنّها ألقت نكتة لتوّها.
«لقد أوقعتِ نفسك في واحدة بالفعل»
سقطت ملامحها فجأة و هي تسمع ذلك، و وجدت نفسها تتراجع للخلف ببطء شديد تحاول توسيع المسافة بينهما، لكنّه كان يخطو خطوة إلى الأمام مع كلّ واحدة تتراجع بها إلى الخلف، يحاول بذلك إخافتها.
حسنا، هي لن تكذب...ليست خائفة منه، و لكنّها تخشى أن يفعل شيئا متهوّرا و يحاول ضربها خصوصا و أنّ الممرّ فارغ بشكل مفاجئ الآن.
ألم يكن هناك بضع طلّاب قبل لحظات؟
اتّسعت عيناها تراه يرفع قبضته في الهواء استعدادا ليهوي بها على وجهها كما يبدو، و بتلقائيّة وجدت نفسها تلتفت راكضة بأقصى سرعتها مصدرة صوتا مرتفعا بطرقات حذائها على الأرض.
لم تكد تصل لنهاية الممرّ حتّى، حينما سمعت صوته من خلفها:
«تهربين؟ جدّيّا؟ يمكنني أن أجدك في أيّ وقت إن أردت ذلك»
«هارفي!»
صدح ذلك الصّوت الحادّ بعد انتهاء الفتى من كلماته مباشرة جاعلا من الشّابّين ينقلان بصرهما ناحيته، و فعلت إيلينور المثل تنظر أمامها لتتوقّف فجأة عن الرّكض قبل أن تصطدم به.
رايدر..
ما الّذي جاء به إلى هنا؟
«لا تنظري إليّ، نسيت هاتفي في الفصل و كنت ذاهبا لأخذه»
نطق بلا مبالاة يتجنّب صنع تواصل بصريّ بينهما، و اكتفى بتوجيه أعينه الحادّة ناحية الشّابّين، تحديدا الفتى ذا الشّعر المحلوق.
«واصلي طريقك»
كان ذلك كلّ ما ألقى به بصوت منخفض قبل أن يتخطّاها و يتقدّم إلى الأمام مخرجا يديه من جيوب بنطاله.
وقف أمام الفتى الضّخم مباشرة ينظر لعينيه قبل أن ينطق قائلا بجدّيّة:
«رون، ما الّذي يحدث هنا؟ من متى يقدم شابّ على أذيّة فتاة؟»
طالعه المدعوّ رون بتفحّص من الأعلى إلى الأسفل قبل أن يجيبه بنبرة مماثلة:
«منذ أن أصبحنَ مزعجات، لا تلمني بينما لم ترَ كيف اصطدمت بي و تقدّمت من دون أن تعتذر حتّى»
«أنتَ جادّ؟ كلّ شيء له حدود، لا يمكنك ضرب فتاة مهما كان السّبب»
ألقى بكلماته يطالع الواقف أمامه بنظرات احتقار، متجاهلا تماما الفتى الّذي كان واقفا قربه.
هو على الأرجح أحد الأشخاص الّذين يتسكّعون معه فقط لأنّه يخشى منه أو ما شابه، لذا لا يهمّه أمره.
«منذ متى و أنت تكترث بأمر الفتيات؟ كانت تستحقّ ذلك كثمن لوقاحتها»
احتدّت نظرات رايدر و هو يستمرّ في التّحديق بالمدعوّ رون محاولا التّحكّم بنفسه حتّى لا يفقد أعصابه الآن، حيث شدّد من إغلاق قبضته و زفر بضجر يرفت عينيه للأعلى متمتما:
«لم أرك على وشك ضرب فتاة من قبل، و لو رأيت لتدخّلت...مهما كان العذر، ليس رجلا من يمدّ يده على فتاة»
ارتفع حاجب محلوق الشّعر بدهشة من الكلام الّذي سمعه، و لوهلة أراد تصديق أنّه لم يسمع جيّدا، إلّا أنّ الكلمات كانت واضحة تماما.
«ما الّذي تقصده بهذا ميرفي؟»
نطق بانزعاج واضح، و قد بدا كشخص مستعدّ للانقضاض على فريسته في أيّ لحظة.
على رايدر تحديدا في حالته هذه...و لكنّ هذا الأخير اكتفى برفع طرف شفاهه باشمئزاز مصرّا:
«الّذي فهمته، لا تنتظر أن أتراجع عن كلامي»
«لا تمثّل دور المنقذ بينما الجميع يعلم بأنّك أكثر شخص في هذه الجامعة يفتعل المشاكل مع غيره، ما أفعله هو شيء لا يذكر إن قارنت نفسي بك»
أنهى كلماته السّاخطة و هو يشير له بسبّابته الّتي كادت تلامس صدره...و ذلك فقط جعله..
يضحك..
أجل، هذا مضحك جدّا...الأحمق الّذي أمامه مضحك جدّا.
و من بين كلّ ما قاله الآن لم يركّز سوى مع أوّل كلمتين..
يمثّل؟ نكتة جيّدة لدرجة يكاد يفقد الوعي.
رايدر ميرفي يمثّل؟ لا بدّ و أنّ القائل أحمق من عائلة الحمقى، فآخر ما قد يفعله هو أن يمثّل دور شخص لا يشبهه.
هو ليس أحدا إلّا نفسه الّتي خُلق ليكونها..
إن أقدم على فعل شيء، فذلك نابع عن قناعاته الشّخصيّة و بعض ما زرعه رافي به منذ طفولته..و ليس لأنّه يريد أن يظهر كشخص جيّد.
هو لا يكترث إن كان جيّدا أم سيّئا، رغم أنّ الجهة الّتي يصنّف فيها واضحة، المهمّ لديه هو أنّه يتصرّف على سجيّته و حسب.
و لا يمثّل لأجل أحد..
تقدّم رايدر خطوة إلى الأمام يجعل سبّابة رون تلامس صدره، و قد ثبت الآخر مكانه و كأنّه يريد أن يثبت له بأنّ لا نيّة له في التّراجع.
أمسك صاحب العيون السّوداء بمعصم ذلك الضّخم يخفض ذراعه تحت نظراته المستفهمة.
يبدو أنّه لا يزال يحاول فهم ما يفعله رايدر..لكنّه سيدرك متأخّرا.
«من المفترض أنّ علاقتي بك جيّدة رون، و لم أكن أفكّر في إفسادها...لكن بما أنّك تريد ذلك بشدّة، فسأؤكّد لك ما قلته عن أنّي أكثر من يسبّب المشاكل»
كلّ ما كان مسموعا تاليا بعد تلك الكلمات السّاخرة، هو صوت اصطدام العظم بالعظم حالما هوى رايدر بقبضته على فكّ الواقف أمامه يجعله يتراجع إلى الخلف.
«لم أكن لأضربك من أجلها، لكنّي فعلت الآن من أجلي أنا، لأنّك أزعجتني»
وضع الآخر يده على مكان الضّربة ينظر لرايدر بعدم تصديق، قبل أن تحتدّ تعابيره و يتقدّم مباشرة منه يردّ له الضّربة..
«هذا حتّى لا تتجرّأ مجدّدا على لمسي»
بصق رايدر الدّماء من فمه على الأرض، و قد لاحظ اجتماع بضع طلّاب قربهم يراقبون بقلق ما سيحدث تاليا.
كان على وشك الاندفاع، إلّا أنّ شعوره بأحدهم يمسك بسترته جعله يعدل عن ذلك و يلقي بنظرات من فوق كتفه يلمحها تقف خلفه و تطالعه بأعين جادّة.
ألم يطلب منها متابعة طريقها؟ لماذا لا تزال هنا إذا؟
«لا داعي ليَكبر الأمر أكثر، هناك طلّاب و سيراكم أحد المسؤولين من دون شكّ»
نبست بهدوء تشدّ بإحكام على سترته تظهر له بذلك مدى جدّيّتها، جاعلة منه ينظر لها لبضع ثوان ثمّ للطّلّاب من حولهم.
سحقا لها، كان سيردّ عليها بانفعال قائلا أنّه لا يفعل هذا لأجلها و لا داعي لتتدخّل، ثمّ كان سيطلب منها المغادرة.
و بقدر ما يريد فعل ذلك و إخراج كلّ ذرّة غضب يشعر بها الآن، إلّا أنّه لن يكون حقيرا و يصرخ محرجا إيّاها أمام كلّ هؤلاء الطّلّاب المزعجين.
كم عددهم؟ عشرة؟ خمسة عشر؟ متى وصلوا في كلّ الأحوال؟ قبل لحظات قليلة فقط كان الممرّ خاليا.
وجد رايدر نفسه يتنهّد بخفوت قبل أن يلقي نظرة مشمئزّة على الواقف أمامه، ثمّ التفت بهدوء واجه إيلينور و انحنى بجسده قليلا ليقابل وجهه خاصّتها جاعلا منها تفلته و تراقبه بهدوء، ليهمس بصوت سمعته هي وحدها:
«أيّا كان ما سأفعله بعد هذه الثّانية، فهو لأجل تعليم هذا الوغد الّذي يقف خلفي ألّا يجرؤ على تخطّي حدوده معي، و ليس لأجلك، فقد أبعدته عنكِ و هذا يكفي...لذا استمعي لكلماتي هذه المرّة و غادري المكان، أنتِ حقّا لا تريدين رؤية ما سيحدث»
استقام في وقفته مجدّدا يراها ترمش مرّتين تستوعب ما قاله...و ألقت نظرة سريعة على الطّلّاب من حولهم تراهم ينظرون ناحيتهم و لم يبدُ أنّهم قد سمعوا ذلك.
حسنا، هي ممتنّة نوعا ما لأنّه لم يقل ما قاله بصوت مرتفع.
لم تبدِ أيّ ردّ فعل على ذلك، و اكتفت بالتّراجع خطوة إلى الوراء هامسة بدورها:
«شكرا على المساعدة»
«أنا رجل، و كنت سأفعل هذا لأيّ فتاة في نفس الموقف»
أجاب بصوت خافت قبل أن يلتفت مباشرة و يخطو إلى الأمام محكما إغلاق قبضته.
لقد لاحظ لتوّه أنّ صاحب الشّعر المربوط الّذي كان برفقة ذلك الأخرق قد تراجع إلى الخلف حيث بقيّة الطّلّاب..
يا له من جبان..
«تريد الشّجار إذا يا أصلع؟ سيعلّمك مفتعل المشاكل الّذي تحدّثت عنه كيف يتمّ خوض الشّجارات»
صاح بسخط بينما يدفع الفتى ليقع أرضا يعتليه و يسدّد له لكمات متتالية لوجهه بينما يحاول الآخر صدّها بذراعيه.
«لا أحد يتخطّى حدوده معي، أتفهم؟ و من يفعل ذلك يدفع ثمن تهوّره! بما أنّك تدّعي معرفتي لهذه الدّرجة، فلا بدّ و أنّك تعلم بأنّ لا أحد يخيفني!»
أنهى كلامه بلكمة أخيرة لأنفه جعلته ينزف، و قبل أن يدرك ذلك، دفعه المدعوّ رون بعيدا عنه ليصبح هو فوقه يسدّد له اللّكمات.
«احرصوا على إبقاء جميع المعلّمين و المسؤولين بعيدا عن هنا! لا أريد أن يعترضني أحد و أنا ألقّن ميرفي هذا درسا، أفهمتم؟!»
صاح بصوت مرتفع بينما يواصل تسديد اللّكمات، يرى بعض الواقفين يغادرون أماكنهم لتفقّد الأرجاء.
يبدو أنّ هذا الضّخم الأحمق يخيفهم حقّا...جبناء.
كان رايدر رافعا ذراعيه أمام وجهه يحاول صدّ اللّكمات رغم أنّه قد تلقّى بعضها بالفعل، و راح يتنقّل ببصره في الأرجاء يفكّر في طريقة ليتخلّص من فارغ العقل هذا.
حاول دفع الفتى من فوقه لكنّ الآخر عاود تثبيته على الأرض، و لم يكن منه إلّا أن قرّر تنفيذ ما خطر بباله للتّوّ.
لم يكن يريد أن يصل لهذا الحدّ، و لكنّ هذا الضّخم هنا مصرّ على أن يتمّ تلقينه درسا قاسيا.
سحب رايدر ساقه بصعوبة يثنيها و رفعه قدمه إلى مستوى صدر رون يركله بحذائه الرّياضيّ بقوّة جاعلا منه يتأوّه بألم، و استغلّ الثّانيتين الّتي تشتّت فيهما بسبب الألم ليمدّ ساقه يضعها فوق كتف الآخر يسحبه للأسفل.
حرّر ساقه الأخرى و لفّها حول ذراعه، ليضيّق عليه الخناق يعقد قدميه ببعضهما و يثني ركبتيه فجأة بقوّة جعلت الفتى يطلق صرخة عالية من فرط الألم.
أعاد رايدر ثني إحدى ساقيه منزلا إيّاها لمستوى صدر رون مجدّدا يركله مبعدا إيّاه عنه...و لم يقوَ هذا الأخير على المقاومة من شدّة الألم الّذي كان يشعر به، حيث ظلّ مستلقيا على الأرض يئنّ ممسكا بذراعه.
«لم أكن أريد كسر ذراعك، و لكنّك استحققت هذا»
نبس باحتقار و هو يستقيم من مكانه يمسح الدّماء عن وجهه بظهر كفّه و يطالع رون باشمئزاز.
«أين صديقه الجبان ذاك؟»
تساءل بحدّة و هو يمرّر بصره على الواقفين الّذين كان عددهم قد قلّ بالفعل، إلى أن وقع بصره على صاحب الشّعر المربوط الّذي حاول التّخفّي، و أشار له بيده قائلا:
«أنت، تعال إلى هنا و ساعد صديقك هذا على المغادرة، لأنّه على الأرجح سيظلّ اليوم بطوله هنا إن لم تفعل...ذلك لن يروقه، صحيح؟ لا يريد أن يعلم الجميع بأنّ رايدر ميرفي كسر ذراعه»
وجد الآخر نفسه يتقدّم بخطوات سريعة من محلوق الشّعر الّذي استند بجسده على الجدار خلفه يضغط على أسنانه بقوّة، ثمّ أمسك بذراعه السّليمة يعينه على الوقوف هامسا:
«هيّا رون، لنخرج من الجامعة...عليك أن تذهب إلى المستشفى من أجل فحص ذراعك»
نفض المعنيّ يده بقوّة بعدما استقام يحدّجه بنظرات حادّة قائلا:
«سنتحدّث في وقت لاحق عن تركك لي، مايك»
أدار رأسه بعدها ناحية الجهة حيث وقف رايدر يراقبه بهدوء عاقدا ذراعيه أمام صدره، و وجهه مملوء بالكدمات و مغطّى بالدّماء، ثمّ نبس محذّرا:
«كانت تلك حركة غادرة ميرفي، ستدفع ثمن هذا»
لفّ الآخر عينيه بضجر ثمّ التفت للجهة الأخرى يلتقط حقيبة ظهره الّتي وقعت منه سابقا، قبل أن يسير مبتعدا ناحية الصّفّ من أجل استعادة هاتفه ملقيا بكلماته من دون مبالاة:
«أجل أجل، أيّا كان»
اختفى من المكان بسرعة تاركا الجميع يتهامسون حول الّذي شهدوه للتّوّ.
لقد سمعوا عن شجارات أعنف من الّتي رأوها سابقا، و هذه المرّة الأولى الّتي يحصلون فيها على عرض حيّ لأحدها.
بصق رون الدّماء الّتي كانت في فمه، ثمّ وجّه بصره للطّلّاب القليلين الّذين لم يغادروا بعد و صرّح بحدّة:
«إيّاكم أن يسمع أحد بالشّجار الّذي حدث الآن، و إلّا لن يمرّ الأمر على خير، مفهوم؟»
رآهم و هم يتبادلون النّظرات فيما بينهم، و لم ينتظر أكثر قبل أن يتقدّم للأمام تاركا المكان بينما يحاول تحمّل الألم الّذي كان يضرب كلّ جزء في ذراعه، و بجانبه يسير مايك الّذي أمسك به يمنعه من السّقوط..
.
.
༺༺༺༺༻༻༻༻
.
.
قرب بوّابة الجامعة، وقفت إيلينور تراقب الطّلّاب بملل و هم يخرجون، على أمل أن تجد لوسيا.
لقد اتّصلت بها لتوّها و طلبت منها أن تنتظرها، و ها هي ذي تنفّذ طلبها و تنتظر أن تظهر بين هؤلاء الأشخاص الكثيرين.
لقد خرج الكثيرون بالفعل، و لا أثر لها بعد.
«مفاجأة!»
انتفض جسد إيلينور بفزع حالما رنّ ذلك الصّوت الصّاخب في أذنها فجأة.
و نعم، كانت لوسيا...متى خرجت من المكان؟
«سيا! لقد أفزعتني»
صاحت عسليّة الأعين متذمّرة و هي تلتفت تلطم كتف لوسيا بخفّة، جاعلة منها تضحك بخفّة قبل أن تمدّ ذراعيه تلفّهما حولها بقوّة ممازحة:
«آسفة، نسيت أنّك تخافين بسهولة»
«لوسيا..»
اشتدّ ضحك المعنيّة و هي ترى النّظرات الجانبيّة المغتاظة الّتي منحتها لها إيلينور، ثمّ ضربت كتفها مبرّرة:
«كنت أمزح، لا تأخذي الأمر على محمل الجدّ يا فتاة»
«أنا أمزح كذلك»
نطقت ضاحكة هي الأخرى، لتضيف فورا:
«بالمناسبة، سنخرج مساء الغد للتّجوّل، صحيح؟»
«أجل، ستكون أمسية رائعة أنا متأكّدة من ذلك»
أجابت سيا مبتسمة قبل أن تواصل زافرة بانزعاج و هي تلفّ ذراعها حول عنق إيلينور:
«أتمنّى فقط ألّا يفسدها ثيو»
عقدت عسليّة الأعين حاجبيها بعدم فهم و أردفت متسائلة:
«ثيودور؟ لماذا قد يفسدها؟ قلتِ أنّه سيأتي معنا في سيّارته فقط ليمرّ على مكان عمله»
«صحيح، و لكنّ الخطّة تغيّرت، و ذكنت على وشك إخبارك...المزعج يريد دعوتنا لتناول العشاء في مطعم بعد انتهائنا من التّجوّل، و قد تحدّث إلى مالك المحلّ بالفعل ليسمح له بالمغادرة مبكّرا»
«ماذا؟»
نبست إيلينور بتفاجئ و هي تحرّر عنقها من ذراع لوسيا الّتي رفعت كتفيها بقلّة حيلة و أردفت مبرّرة:
«أخبرني هذا الصّباح، لكن إن كانت لديك مشكلة فسأخبره بأنّي لا أريد»
رمشت الأخرى للحظات تستوعب ذلك قبل أن تبتسم باتّساع و تلوّح بيديها نافية:
«لا، ليس هذا ما قصدته...سيكون ذلك لطفا منه»
لم تكد لوسيا تردّ على ذلك، حتّى ارتسمت تقطيبة خفيفة على حاجبها قبل أن تلتفت خلفها فور سماعها لصوت أحدهم ينادي:
«يا إيلينور!»
التفتت المعنيّة كذلك تطالع القادم باستغراب، و لم تحتج النّظر مطوّلا حتّى عرفت من يكون.
الشّعر الأشقر وحده كفيل بالتّعريف به...هيوغو.
راقبته الاثنتان و هو يقترب منهما مبتسما، و استطاعت إيلينور الشّعور بعينيّ لوسيا الّلتين اتّجهتا ناحيتها تطالعانها بانتظار رؤية ردّ فعلها.
وجدت نفسها ترفع طرفيّ شفاهها مشكّلة ابتسامة هادئة فور أن وقف أمامهما، أتبعتها بقولها:
«هيوغو؟ كيف حالك؟»
دسّ الآخر يديه في جيوب سترته يركل بقدمه الهواء و يبادلها الابتسامة مجيبا إيّاها:
«أنا بخير، ماذا عنكِ؟»
«بأفضل حال؛ هل هناك أمر ما؟»
ألقى هيوغو نظرة سريعة على لوسيا الّتي وقفت قربها تراقبه بأعينها الزّرقاء، و منحها ابتسامة سريعة بادلته إيّاها قبل أن يصبّ تركيزه على إيلينور مجدّدا مستفسرا:
«بخصوص الرّسم، أردت سؤالك عمَّ إذا وجدتِ وقتا لي»
وجدت المعنيّة نفسها تلتفت بسرعة تلقي نظرة على سيا الّتي كانت تراقبها و الاستغراب جليّ على وجهها.
تذكّرت لتوّها بأنّها قد نسيت إخبارها بأمر هيوغو، حتما ستعتقدها تخفي الأشياء عنها مجدّدا...و بصراحة، كادت تنسى وعدها له بسبب انشغالاتها هذه الفترة.
لطمت جبينها بخفّة تلوم نفسها على ما أوقعتها فيه، ثمّ أعادت بصرها لهيوغو تنظر له للحظات قبل أن تنبس متأسّفة:
«أعتذر منك حقّا هيوغو، لكنّي منشغلة قليلا هذه الفترة...أعدك أنّي لن أنسى أمرك، و سأفي بوعدي حالما أجد الوقت»
حدّق الآخر بها بهدوء يجول في تفاصيل وجهها لبضع ثوانٍ، قبل أن يهزّ رأسه أخيرا قبولا و يردف بتفهّم:
«فهمت، سأكون بانتظار ذلك إذا»
اتّسعت ابتسامته و هو يتراجع إلى الخلف بخطوات بطيئة بينما يلوّح لها مصرّحا:
«أراكِ في الأرجاء إيلينور! وداعا! وداعا كذلك يا صديقة إيلينور!»
لوّحت له بالمقابل تراه يختفي عن مرمى بصرها تدريجيّا، ليلفت انتباهها فجأة صوت قهقهة لوسيا الواقفة جانبها، تجعلها تدقّ عنقها ناحيتها و تمنحها نظرات مستغربة.
«ما الأمر سيا؟»
تساءلت مستفسرة، ليصلها ردّ الأخرى فورا و هي تسند مرفقها على كتفها تطلق تصفيرة إعجاب:
«من هذا الوسيم هنا؟ لم تخبريني عنه من قبل»
«هيوغو، لقد سمعتِ اسمه منّي سابقا، ألا تذكرين؟»
ربّتت لوسيا على كتف إيلينور بخفّة قبل أن تتحرّك لتقف أمامها مباشرة تضمّ ذراعيها إلى صدرها:
«أذكر أنّك قطعتِ الخطّ فور أن رأيته يتقدّم ناحيتك، و لكنّك لم تخبريني أيّ شيء آخر عنه عزيزتي لينو»
امتدّت يد المعنيّة إلى مؤخّرة رأسها تخلّل أصابعها في خصلاتها السّوداء المنسدلة على ظهرها، ثمّ أجابت مبرّرة:
«صدّقيني لقد نسيت ذلك، هيوغو هو طالب سنة أولى في تخصّص الفلسفة مثلي، أراد أن نصبح أصدقاء فوافقت...هذا كلّ ما في الأمر»
«و الرّسم؟»
«مثلما أخبرتك عن رايدر، هيوغو رآني و أنا أرسم و طلب منّي تخصيص وقت له»
أطلقت لوسيا ضحكة ساخرة تغيّر من وضعيّة وقوفها، بحيث تميل بجسدها إلى الأمام قليلا واضعة يديها على خصرها، و وجهها قريب من خاصّة إيلينور، ثمّ همست بخبث:
«فهمت، لكن إن أردتِ رأيي، هذا الشّابّ لا يبدو لي كما تقولين»
«ما الّذي تعنينه؟»
تساءلت الأخرى بعدم فهم تدفع جبين لوسيا بإصبعها مبعدة إيّاها قليلا، لتستقيم الأخرى في وقفتها و ترفع ذراعيها في الهواء كدليل على استسلامها قبل أن تردّ بقلّة حيلة كأنّ الأمر واقع لا يمكن تغييره:
«تقولين أصدقاء، و لكنّ نظرات رأس الموز هذا لا تروقني..لا يبدو لي بأنّه يراكِ كمجرّد صديقة عاديّة عزيزتي»
«توقّفي عن سخافتك سيا، الأمر ليس كذلك»
أصرّت إيلينور على رأيها، و لكنّ الاقتناع لم يبدُ على تلك الّتي أجابت قائلة:
«بل هو كذلك، سيطمح لأكثر من الصّداقة، و ستتذكّرين كلامي حينما يحدث هذا»
رمشت إيلينور مرّتين تستوعب مدى جدّيّة لوسيا و هي تقول ذلك، و لم يكن لها سوى أن تنهّدت بيأس تصفع جبينها بخفّة و تهزّ رأسها:
«تعلمين؟ انسي أمره و حسب...دعينا نمرّ على مقهى ما قبل أن نعود للمنزل»
أمسكتها من ذراعها تسحبها خلفها، و لم تقاوم الأخرى حينما سارت خلفها تضحك باستمتاع.
عسليّة الأعين هنا تراه كصديق حتما، و لا شكّ للوسيا بذلك...لكنّها لا تملك القدرة على معرفة طريقة تفكير الآخرين، خصوصا الفتيان.
هي مقتنعة بأنّ صداقة شابّ مع فتاة لن تنتهي إلّا بوقوع أحدهما، و هذا الشّخص لن يكون إيلينور بكلّ تأكيد، لذا هي تخشى عليها من ذلك الفتى الغريب.
«سأرغمك على أخذ مشروب غازيّ ليكون بعلمك»
صاحت من خلفها ممازحة، جاعلة من إيلينور تلفّ عينيها بضجر و تواصل السّير من دون أن تعقب على ذلك.
.
.
༺༺༺༺༻༻༻༻
.
.
كانت الشّمس قد شارفت على الغروب، و قلّ صخب الشّوارع منذرا بقرب حلول اللّيل.
لن يخرج من الشّقّة اللّيلة كما يبدو..
فكّر رايدر في ذلك بينما يخرج من الحمّام يجفّف خصلاته الطّويلة المبلّلة بالمنشفة الّتي كان يحملها، و قد كان يتجنّب قدر الإمكان أن تصل قطرات المياه العالقة بشعره إلى ثيابه الّتي ارتداها لتوّه.
آخر ما يريده هو أن يستيقظ مريضا بسبب ذلك في حال تسلّلت نسمات باردة من النّافذة أثناء نومه.
تقدّم قاصدا غرقة النّوم مباشرة، ليتوقّف عند عتبتها فور أن لمح رافاييل يجلس على سريره واضعا حاسوبه الشّخصيّ فوق ساقيه، و قد بدا بأنّه غارق في عمله تماما.
لقد تذكّر لتوّه بأنّ عليه إخباره بالأمر اليوم، فليس بإمكانه إخفاء حصوله على عمل عنه...لا يمكنه أن يجعل علاقتهما هكذا.
لا بأس، فرافاييل لا يملك شيئا لفعله في كلّ الأحوال إن ظلّ هو مصرّا على قراره، خصوصا و أنّه قد تمّ قبوله و انتهى الأمر.
حمحم رايدر ينظّف حلقه قاصدا بذلك جذب أنظار رافي الّذي لم يبدُ بأنّه لاحظه حتّى الآن إلّا عندما رفع عينيه ببطء يطالعه للحظات قبل أن ينطق متسائلا:
«أنهيت الاستحمام؟»
همهم رايدر قبولا و دلف إلى الدّاخل يقصد الطّاولة ذات الأدراج في الزّاوية قبل أن يجيب باشمئزاز:
«أجل، و نجحت في إزالة رائحة أحمق ما عنّي»
«سعيد بسماع هذا...ما الّذي ستفعله الآن؟»
تساءل مجدّدا و هو يرى شقيقه يفتح الدّرج السّفليّ و يخرج منه مجفّف شعر...و لم يتردّد الآخر في إجابته بينما يربط المجفّف بمصدر كهرباء و يوجّه عينيه نحو رافاييل:
«سأجفّف شعري حتّى لا أمرض»
همهم شقيقه بتفهّم يراه يواصل ما يفعله، ليشغّل المجفّف يجعل صوته يدمّر سكون المكان.
عاد رافاييل للتّحديق بشاشة حاسوبه باهتمام، بينما اكتفى رايدر بمراقبة المكان عبر النّافذة الّتي كانت في النّاحية المقابلة له، يرى المنظر الآسر للغروب بينما يعمل على تجفيف خصلاته.
المنظر جميل حقّا و يستحقّ أن يتمّ الاحتفاظ به، ليت هاتفه قربه الآن...لقد تركه في الحمّام فوق ملابسه.
ولعت أمامه فجأة صورة فتاة ما بشعر أسود و أعبن عسليّة، جاعلة منه يشتم نفسه بصوت منخفض.
لو شهدت على هذا لرغبت برسمه حتما..
سحقا لها، لماذا هو يتذكّرها الآن فقط في حين أنّ لديه أمورا أهمّ ليقلق بشأنها؟
كالحديث مع رافي حول موضوع الوظيفة الجزئيّة؟
الأمر مزعج حقّا..
هزّ رأسه بخفّة ينفض صورتها عن ذهنه، لتتطاير بعض القطرات عن شعره حول المكان مبلّلة الأرضيّة.
ليركّز على ما لديه الآن فقط.
«رافاييل، هل أنت مشغول؟ أريد الحديث إليك بشأن أمر ما»
نطق من دون مقدّمات يتحاشى النّظر لأخيه الّذي اتّجهت أعينه ناحيته مباشرة يجيب مبتسما:
«لديّ عمل لأقوم به، و لكن لديّ كذلك بضع دقائق لأجل أخي...ما الأمر؟»
أخذ رايدر نفسا عميقا يفكّر في ما يريد قوله، و كيفيّة صياغته.
هو قطعا لن يتراجع بما أنّه قد بدأ العمل جديّة.
«وجدت عملا جزئيّا في أحد المطاعم القريبة من الجامعة...لقد تحدّثت مع المالك و اتّفقت معه على موعد مناوبتي»
ألقى بما لديه مباشرة يرى تغيّر تعابير وجه رافي الّذي سقطت ابتسامته و قطّب حاجبيه بانعدام رضا، تلاه النّبرة المستفهمة الّتي نطق بها قائلا:
«ماذا؟ ألم نتحدّث في هذا الأمر سابقا؟»
ركل رايدر باطن وجنته بلسانه مغمضا عينيه، قبل أن يطفئ المجفّف و يضعه جانبا ثمّ يخطو أقرب لسرير رافاييل:
«أجل، لكنّي كنت مصرّا على ذلك»
أصدر الآخر زفرة طويلة يدعك جبينه بأصابعه، ليعيد رفع رأسه يلقي بنظرات جادّة على أخيه الأصغر قائلا:
«هل أنت متأكّد تماما من أنّك تفعل هذا لأنّك تريده و حسب؟»
عقد رايدر حاجبيه بنوع من الاستغراب، و لوهلة فكّر في مدى احتماليّة أن يكون سؤال رافي مفخّخا، فهو لم يتوقّع ردّ فعل هادئ لتلك الدّرجة إطلاقا.
«أجل، أنا أريد فعل ذلك...لو لم أرد لما فكّرت به»
أجاب بريبة يترقّب حركة رافاييل التّالية، و الّذي أغلق حاسوبه يتنهّد بخفّة قبل أن يرفع يده يعيد خصلاته البنّيّة إلى الخلف قائلا:
«أنت عنيد حقّا...لا بأس إذا، من أنا لأمنعك من فعل ما تريد في كلّ الأحوال؟ لن تضرّ أحدا، لذا مبارك عليك حصولك على العمل»
افترقت شفتا رايدر للحظة يطالع رافاييل بعدم تصديق..هل هذه مزحة أم ماذا؟
«أحقّا؟ أنتَ جادّ؟»
نبس بدهشة جاعلا من الآخر يميل برأسه للجانب قليلا و يرفع أحد حاجبيه مستفسرا:
«لم أفهم، ما الّذي قد أمزح بشأنه تحديدا؟ قلت مبارك عليك»
«أنت حقّا رائع رافي، لا تخيّبُ ظنّي بك إطلاقا»
ردّ و هو يزفر بارتياح بينما يرسم ابتسامة جانبيّة على شفتيه، يرى رافاييل يهزّ رأسه قبولا و هو يبتسم بدوره، قبل أن يشير له برأسه ناحية سريره:
«شكرا على الإطراء، لكن تفضّل بالجلوس أوّلا، لأنّي أريد أن تخبرني ببعض التّفاصيل...متى بحثت عن العمل، موعد مناوبتك، موقع المطعم، و هذه الأشياء»
«حسنا، لا مشكلة»
أجاب من دون تردّد و هو يلقي بثقله على السّرير يستلقي عليه تاركا ساقيه تتدلّيان ملامستين الأرضيّة، ليضيف رافي بجدّيّة مؤكّدا على كلّ كلمة يقولها:
«و لعلمك، أنا قادر على التّكفّل بكلّ ما يحتاجه كلانا، لذا فلتعلم أنّ بإمكانك الاستقالة متى ما أردت ذلك، و لن تكون هناك مشكلة»
همهم رايدر بتفهّم ثمّ تحدّث و هو يحاول منع نفسه من التّثاؤب:
«لا أظنّني سأفعل، لكن شكرا لك»
_aerithra_