____________________________________________
كانت شوارع مدينة فانكوفر هادئة بشكل جميل هذه اللّيلة، باعثة شعورا جميلا بالأمان لسكّانها الّذين كان جميعهم يغطّون في نوم عميق.
جميعهم ما عدا بضع أشخاص يجدون اللّيل ملاذا لهم، كفتى سيّء هارب من سيّارات شرطة؟
«تبّا لهم..»
تمتم رايدر بانزعاج و هو يدير المقود و يغيّر مسار سيّارته للمرّة العاشرة بعد المئة محاولا تضليلهم...و لكنّ هؤلاء الأوغاد لا يريدون الابتعاد!
جال ببصره بسرعة حول المكان يطالع كلّ زاوية بينما يلقي نظرات سريعة من المرآة الجانبيّة للسّيّارة يرى الأضواء ذات الألوان المؤذية للعين، و يحاول تحمّل صخب صفّارات الإنذار الّتي تكاد تفجّر أذنيه.
هل يجب عليهم إحداث كلّ هذه الضّجّة؟ كلّ ما فعله هو أنّه خاض سباقا، ليس و كأنّه قد قتل أحدهم و فرّ هاربا.
ضغط رايدر على الدّوّاسة أكثر يمرّر بصره بين الطّريق و المرآة، قبل أن يشرع في تنفيذ ما بذهنه.
إن أراد تضليلهم و لو قليلا، عليه الانعطاف في لحظة لن يتوقّعوها، و تركهم يواصلون التّقدّم للأمام من دون أن يستطيعوا العودة للخلف.
أمامه منعطف بالفعل، و طريق آخر مستقيم كذلك، أي أنّ هذا هو التّوقيت المناسب..
زاد رايدر من سرعته بشكل أكبر يسمع ارتفاع دويّ صفّارات الإنذار أكثر، قبل أن يدير المقود فجأة يوجّه سيّارته لطريق آخر تماما.
و كما توقّع، فلم تتسنَّ الفرصة للشّرطة حتّى ينعطفوا كذلك، و قد سلكوا طريقا مغايرا لتوّهم.
فتح رايدر النّافذة أكثر، و أخرج رأسه يطلّ محاولا مسح المكان من خلفه..و يبدو أنّه هنا لوحده الآن.
زفر براحة و أدخل رأسه مجدّدا يعيد تركيز بصره على الطّريق أمامه، لتتّسع أعينه و يرتبك فجأة حالما وقع بصره عليها..
ماذا؟ هارفي؟ ليس وقتا مناسبا إطلاقا..
«سحقا!»
ضغط رايدر على الفرامل بكامل قوّته يحاول إيقاف السّيّارة قبل أن تصطدم بها، و لحسن حظّه فقد توقّفت في اللّحظة الأخيرة تزامنا مع سقوط إيلينور أرضا من شدّة الصّدمة.
سحقا! ما الّذي تفعل هذه هنا في وقت كهذا؟
صفع رايدر باب سيّارته و هرع ناحيتها يتفقّدها، ليجدها جاثية على ركبتيها تحدّق بمقدّمة السّيّارة بعينين متّسعتين.
من المنطقيّ أن تكون على هذه الحال...لقد رأت شريط حياتها أمام عينيها للتّوّ.
«هارفي، هل أنتِ بخير؟»
صاح بفزغ و هو يجثو على ركبتيه كذلك يتفحّص وجهها بعينيه، لكنّه لم يحصل على أيّ ردّ منها.
«هارفي!»
صاح بصوت أعلى جاعلا منها تدير وجهها ناحيته بسرعة، و قد بدأت معالم الصّدمة تتلاشى عن وجهها تدريجيّا.
«رايدر؟»
تمتمت باستفهام ليهمهم قبولا و يجيب:
«أجل، هذا أنا...هل أنتِ بخير؟ هل أصبتِ»
هزّت رأسها بهدوء نافية، و لم يتسنّ للآخر النّطق بشيء آخر بسبب صوت سيّارات الشّرطة الّذي اخترق طبلة أذنه.
يبدو بأنّهم استطاعوا اللّحاق به..
«تبّا لهم..»
نبس بقلق و هو يمسح المكان خلفه بعينيه؛ يمكنه رؤية الأضواء الزّرقاء القادمة من بعيد.
أعاد بصره ناحية إيلينور، و أردف محاولا عدم إرعابها:
«اسمعي، أعدك أنّني سأشرح لاحقا، لكن عليك الآن الصّعود إلى السّيّارة»
«ماذا؟!»
صاحت بدهشة ليشير هو لها بخفض صوتها و يضيف:
«سيّارات الشّرطة تلاحقني، و لا يمكنني تركك هنا في هذا الوقت...سأجيب عن كلّ أسئلتك لاحقا، و لكن ثقي بي و حسب»
استطاعت إيلينور لحظتها أن تلمح الأضواء الّتي كانت تقترب منهما، و ما كان منها سوى أن ضغطّت على ساقها ترغم نفسها على الوقوف.
«هيّا بسرعة إذا»
فتح رايدر الباب الخلفيّ للسّيّارة و أشار لها بالدّخول قائلا:
«اعتبريني كسائق أجرة و اركبي في المقعد الخلفيّ؛ لا يزال عليّ الحفاظ على الاحترام اتّجاه الفتيات»
رفعت حاجبيها بدهشة من تصريحه؛ هذا الشّابّ يدهشها في كلّ مرّة بتصرّفاته الّتي تناقض كلّ نظرة سابقة أخذتها عنه.
«منذ متى تعرف الاحترام؟»
تمتمت بعدم تصديق ليزفر هو بنفاذ صبر بينما يعيد رأسه للخلف، قبل أن ينظر لها مجدّدا و يقول:
«لست دنيئا لدرجة تجعلني أقلّل من احترام النّساء، هيّا فقط فالشّرطة تكاد تلحق بنا»
«تكاد تلحق بك وحدك، لن أسامحك إن تورّطت معك»
صرّحت ساخرة بينما تتّخذ مكانها في المقاعد الخلفيّة للسّيّارة، حيث أغلق رايدر الباب و هرع باتّجاه معقد السّائق صافعا الباب خلفه.
«لا أعلم إن كنتِ تصابين بالدّوار بسهولة، لكن حاولي ألّا تستفرغي فحسب لأنّي لست في مزاج لتنظيف السّيّارة»
«انطلق فحسب قبل أن تورّط كلينا، تذكّر أنّه لا يزال عليك التّبرير لاحقا»
و تزامنا مع انتهائها من عبارتها، ضغط رايدر على الدّوّاسة بقوّة لتنطلق السّيّارة بسرعة جاعلة من رياح قويّة تتسلّل عبر النّوافذ المفتوحة.
«أغلق النّوافذ يا هذا!»
صاحت إيلينور بصوت كان من الصّعب سماعه وسط الأصوات المختلطة لهدير المحرّك و احتكاك العجلات بالأرض، ما جعل رايدر يطلق ضحكة مرتفعة قبل أن يجيبها بنفس النّبرة:
«توقّفي عن التّذمّر و استمتعي بالشّعور الجميل!»
«أيّ شعور؟ تكاد الرّياح تقتلع وجهي!»
لم يعقب رايدر و اكتفى بالضّحك بخفّة بينما ينقل بصره بين الطّريق أمامه و المرآة الجانبيّة للسّيّارة متفحّصا المكان من خلفه.
«يبدو أنّنا أضعناهم»
نبس بارتياح و هو يرفع زجاج السّيّارة قليلا مقلّلا بذلك تدفّق الهواء إلى الدّاخل.
ألقى نظرة خاطفة على إيلينور الجالسة خلفه، ليجدها محنية رأسها للأسفل.
«يا أنتِ؛ لقد أغلقت النّوافذ، يمكنك رفع رأسك»
زفرت الأخرى بضجر بينما تستقيم في جلستها موجّهة نظرات حادّة لرايدر الّذي رفع حاجبيه بدهشة و هو يراقبها قبل أن ينفجر ضاحكا.
«ما المضحك يا هذا؟»
تمتمت بانزعاج ليجيبها بينما يعيد بصره للطّريق:
«شعرك؛ تبدين كمن تعرّض لصعقة كهربائيّة»
عقدت حاجبيها بعدم فهم و دسّت يديها في جيب سترتها تخرج هاتفها و تتفقّد هيأتها في الكاميرا الأماميّة.
سقط فكّها بصدمة و سارعت لتعديل خصلاتها المبعثرة تحت صوت ضحكات الآخر الّذي أردف:
«بما أنّه يبدو بأنّنا قد أضعنا الشّرطة، سنتّجه إلى مبنى شقّتي أوّلا في حال استطاعوا اللّحاق بنا»
التفت بسرعة و غمزها بينما يواصل:
«كي لا أورّطك طبعا...و سنتحدّث خارجا قبل أن أعيدك لمنزلك»
«لكن-»
حاولت الاعتراض على ذلك إلّا أنّه بتر عبارتها قائلا:
«سنتحدّث لاحقا هارفي»
زفرت الأخرى بضيق بينما تتراجع بجسدها إلى الخلف مسندة رأسها على زجاج السّيّارة…و لم ينطق أيّ منهما بكلمة أخرى طوال الطّريق..
.
.
༺༺༺༺༻༻༻༻
.
.
«وصلنا»
أزاحت إيلينور عينيها ناحية رايدر الّذي ركن السّيّارة أمام أحد المباني السّكنيّة، ثمّ ترجّل منها بسرعة لتفعل هي المثل مغلقة الباب خلفها.
«ماذا الآن؟»
تساءلت هي مميلة برأسها إلى الجانب قليلا، و دفع هو خصلاته السّوداء إلى الخلف قبل أن يجيب:
«أوّلا، هل أصبتِ؟ أعني..عندما كدت أصدمك؟»
نزلت ببصرها تتفقّد ثيابها بسرعة و تتحسّس ذراعيها، ثمّ ردّت نافية:
«لا، أنا بخير تماما...و الآن، تفضّل و اشرح لي ما الّذي يجري، و لماذا كانت الشّرطة تلحق بك؟»
تقدّم هو قليلا يستند بظهره على هيكل السّيّارة بينما تبعته هي بأعينها.
رفع عينيه يحدّق بالسّماء المرصّعة بالنّجوم قبل أن يجيب متحاشيا النّظر لها:
«لم تكن تلحق بي وحدي...الأمر و ما فيه هو أنّني كنت أخوض سباق سيّارات ليليّ و اقتحمت الشّرطة المكان»
تنهّد بعمق و واصل:
«لقد أمسكوا بالكثير ممّن كانوا يشاهدون، و لحقوا بنا نحن المتسابقين كذلك»
أعاد بصره لها و فتح ذراعيه مبتسما:
«لكن كما ترين، لقد نجحت في الإفلات منهم»
صفعت إيلينور جبينها بخفّة بينما تهزّ رأسها بيأس متجاهلة حقيقة أنّ الواقف أمامها كان يخوض سباقا غير قانونيّ، ثمّ أردفت:
«و ماذا لو حفظوا أو صوّروا لوحة السّيّارة أيّها الذّكيّ؟»
ارتفعت زاوية شفاه رايدر مشكّلة ابتسامة جانبيّة، ثمّ أجاب قائلا:
«شكرا على المديح، لقد قمت بتغطيتها»
لفّت الأخرى عينيها بضجر ثمّ انخفضت بجسدها تتّخذ جلستها على الأرض.
«متهوّر..لم أعلم بأنّك تفعل مثل هذه الأمور»
استقام بجسده يعقد ذراعيه إلى صدره معترضا على كلامها:
«لماذا؟ هل أبدو كالفتى الصّالح الّذي يجتهد في دراسته و يعود للمنزل قبل غروب الشّمس؟ أنا شابّ و لست أحد التّيليتابيز يا فتاة»
افترقت شفتاها بدهشة من كلامه المفاجئ، و وجدت نفسها تضحك بخفّة على ذلك جاعلة منه يزفر بقلّة حيلة.
«على كلّ حال، ما الّذي كنتِ تفعلينه في الخارج ليلا؟ الوقت متأخّر»
باغتها بسؤاله جاعلا منها تشهق بهلع مغطّية فمها بيديها بينما تشيح بعينيها بعيدا.
كادت تنسى الأمر تماما!
«ما الأمر؟»
تساءل مجدّدا جاعلا منها تعيد بصرها له و تجيب بقلق:
«ناتالي تعاني من صداع حادّ، لذا اضطررت للخروج و البحث عن صيديليّة مفتوحة لأجل شراء بعض المسكّنات، لكنّني نسيت الأمر تماما و ستقلق عليّ»
«من ناتالي؟»
تنهّدت بخفّة من السّؤال الّذي لم يكن في محلّه، و أجابت بيأس:
«أختي الكبرى»
«ألا يمكنها الاتّصال؟»
«ليست بحالة تسمح لها بفتح عينيها حتّى»
انخفض هو الآخر ليجلس على الأرض ضامّا ساقيه لجسده، بينما يسند ظهره إلى هيكل السّيّارة خلفه.
«ألا تمتلكين أخا ليخرج بدلا منك؟ ماذا عن والدك؟ ألم يكن قادرا على البحث عن دواء لابنته؟ المكان خطير ليلا»
رمشت إيلينور مرّتين تستوعب سؤاله هذا و تطالعه بتفاجئ، قبل أن تشيح بوجهها بعيدا و تضمّ ساقيها لصدرها بقوّة تشعر بالغصّة الّتي تشكّلت في حلقها حينما فتحت فمها للإجابة:
«توفّي كلاهما قبل سنتين في حادث سيّارة، و معهما أمّي إن كنت تتساءل...لذا نعم، إنّهما أنا و ناتالي فحسب، و لا أحد غيرنا»
افترقت شفتا رايدر بدهشة حال سماعه لذلك...إذا ثلاثتهم ماتوا معا بحسب كلامها.
هو قطعا لم يتوقّع أنّ يكون الأمر هكذا..
هذا يعني أنّها تعيش مع أختها فقط؟ أي تلك الآنسة الّتي رآها رفقتها في المقهى ذلك اليوم؟ و نفسها الّتي تعمل مع رافاييل؟
«أتقصدين أنّكما أنتما الاثنتان فقط في المنزل؟ تعيشان بمفردكما؟»
تساءل بعدم تصديق و قد ظهرت الصّدمة على ملامح وجهه، لتقابله الأخرى بإيماءة خافتة و هي تعيد بصرها له مؤكّدة بصوت منخفض:
«أجل، منذ سنتين...»
«آسف إذا لذكرهم الآن، لم أكن أعلم»
سحقا، ما الّذي يقوله؟ هل تأثير اللّيل قويّ لهذه الدّرجة؟ هو متأكّد من أنّه لم يكن ليقول شيئا كهذا لو كان الوقت نهارا..
«لا، لا مشكلة حقّا...أنا أتذكّرهم من حين لآخر في كلّ الأحوال»
أجابت بهدوء مطمئنة إيّاه بينما تهزّ رأسها بخفّة نافية، ليسود بعدها صمت رهيب اكتفى خلاله كلاهما برفع رأسه للأعلى و مراقبة النّجوم.
و قد كانت جميلة حقّا، و لامعة.
استطاع الاثنان الشّعور بنسمات الهواء المنعشة و هي تداعب بشرتهما و تبعثر خصلاتهما الدّاكنة، باعثة في كلّ واحد منهما شعورا لطيفا بالدّفء و الأمان..
و كأنّ اللّيل هو المهرب الوحيد من صخب الصّباح...و كأنّه هو الملاذ.
أغلقت إيلينور عينيها للحظات تستشعر نسيم اللّيل، قبل أن تفتحهما مجدّدا و تزيح بصرها ناحية ذلك الفتى الّذي جلس على مقربة منها بأعين مغمضة كذلك.
كانت خصلاته السّوداء تغطّي بعضا من وجهه، و لتوّها لاحظت بأنّ شعره قد طال أكثر بقليل ممّا كان عليه..
«ازداد طول شعرك، ألم تفكّر بقصّه؟»
هربت تلك الكلمات من بين شفاهها فجأة، جاعلة منها تدرك ما تفوّهت به متأخّرة. فقد كان رايدر يحدّق بها بالفعل بهدوء و كأنّه يحلّل كلماتها.
«أتظنّين؟ هل هو مبالغ فيه؟»
تساءل بجدّيّة و هو يثبّت عينيه على خاصّتها، لتحمحم هي منظّفة حلقها و تجيب موضّحة:
«ليس كذلك، لقد قدّمت ملاحظة لا غير»
«فهمت، إذًا طال أكثر من اللّازم»
تمتم بينما يمدّ ذراعه و يسندها على ركبته المثنيّة، سامحا للصّمت بأن يحلّ في الأرجاء مجدّدا، قبل أن تكسره هي حينما تحدّثت مجدّدا متحاشية النّظر له:
«ماذا عن عائلتك أنت؟ هل لديك إخوة أو ما شابه؟»
لم يعقب هو على ذلك لحظتها، ما جعلها تفكّر لوهلة بأنّه لا يريد الإجابة على ذلك فحسب.
نقلت أعينها نحوه، لتجده يراقبها بابتسامة جانبيّة على شفاهه، أتبعها بقوله:
«قلتِ أنّكِ تعيشين مع أختك، أنا أعيش مع أخي الأكبر رافاييل»
افترقت شفتاها بدهشة، و ما كادت تعلّق على ذلك حتّى واصل:
«انفصل والدي عن والدتي حينما كان عمري سنة، و عمر رافي ثمانية سنوات...تخلّى عنّا و إلى حدّ الآن لم نسمع خبرا عنه...أمّا والدتي، فقد توفّيت عندما كنت في الخامسة، و حزنت عليها رغم أنّها لم تكن أمّا مثاليّة، لكنّها على الأقلّ بقت و لم تكن وضيعة كطليقها الّذي لست أعرف شكل وجهه حتّى»
صمتت إيلينور حينما وجدت نفسها عاجزة عن الكلام، و هربت كلّ الكلمات منها..
حزنت على فقدانها لثلاث من أفراد عائلتها و هي بعمر التّاسعة عشرة، و لكنّ الجالس هنا قد قضى ستّ عشرة سنة تقريبا من دون والدين...مع أخيه فقط الّذي لا يكبره سوى بسبع سنوات.
و هو الآخر كان صغيرا حينما فقد والديه..
قد تتفهّم قليلا حال أمّ أجبرت على تربية صبيّين بمفردها، و لكن أن يتخلّى أب عن ابنيه و يبعدهما عنه لدرجة تجعل أصغرهما لا يعرف وجهه...هذا كثير، و تصرّف صبيانيّ من شخص بالغ.
«آسفة لسماع هذا، يبدو أنّ حالك أسوأ منّي حتّى»
نطق بذلك و هي تدعك حبينها بأصابعها محاولة التّخفيف عن نفسها.
لقد حزنت على هذا أكثر من حزنها على نفسها..
تأثير اللّيل قويّ جدّا..
«لا داعي، لا أفكّر بذلك من الأساس، لأنّي تخطّيته كاملا...لم تعد لي حياة غير حياتي مع أخي، و أنا سعيد حقّا بها»
صرّح و هو يرفع كتفيه بعدم اكتراث متجنّبا النّظر لها، جاعلا من عسليّة الأعين تميل برأسها للجانب قليلا و تطالعه للحظة قبل أن تتمتم بصوت خافت:
«محظوظ لأنّك حصلت على أخ مثله»
«أتفق معك، رافي هو الأفضل»
أزاح أعينه السّوداء ناحيتها بهدوء و تابع متسائلا:
«تعلمين بأنّه يعمل مع شقيقتك، صحيح؟ بخصوص تعاون أو شيء من هذا القبيل»
رمشت إيلينور تبادله النّظرات، قبل أن تعود بذاكرتها للوراء قليلا و تجيب بإدراك:
«تقصد أنّه المطوّر الّذي سمعت ناتالي تتحدّث مع مديرتها بشأنه سابقا؟»
«أجل، و على ذكرها، كنتِ تبحثين عن مسكّن آلام، أليس كذلك؟ لديّ علبة جديدة في الأعلى سأحضرها بسرعة قبل أن أقلّك للمنزل»
نطق و هو يستند بكفّه على الأرض يدفع نفسه للوقوف بينما تتبعه إيلينور بعينيها مجيبة:
«ألا توجد صيدليّة؟ سأشتري واحدا فحسب»
«الوقت متأخّر، لن تجدي واحدة سوى بصعوبة»
بتر كلّ حبل أمل لها بهذا التّصريح، و لم يتبقَّ لها سوى خيار واحد إن أرادت أن ترتاح ناتالي.
«حسنا إذا، سأكون هنا»
تمتمت بهدوء بينما تبعد أعينها و تثبّتها على الأرضيّة أمامها، تسمع همهمة خفيفة صدرت من رايدر، تبعها صوت خطواته و هو يسير مبتعدا.
من النّاحية الإيجابيّة، لقد وجدت مسكّنا لناتالي..
بالمناسبة، هذا الفتى يصدمها في كلّ مرّة، و يؤكًد لها أكثر بأنّه من الصّعب جدّا توقّع تصرّفاته مهما اعتقد المرء أنّه يعرفه.
لو قصّ عليها أحدهم الموقف الّذي تمرّ به الآن، لجزمت بأنّ رايدر سيتذمّر منها بشدّة حينما تعترض طريق سيّارته بدلا من القلق، و لعلّه كان سيتركها بمفردها هناك.
احترام نساء؟ لم تتوقّع ذلك، خصوصا و أنّها لم تلمح من قبل أيّ تعاملات له مع الفتيات في الجامعة عدا السّطحيّة منها، ما جعل من الصّعب عليها تصوّر الطّريقة الّتي قد يعامل بها فتاة و أرغمها على الجزم بأنّه سيكون وقحا بشكل مبالغ فيه.
و أمّا عن هذه اللّحظة، فلم تكن لتجرؤ حتّى على تخيّل أن يفعل أيّا ممّا فعله.
هذا الفتى غريب، أو ربّما فقط شخصيّته أعمق بكثير ممّا اعتقدت هي، و ممّا استطاعت اكتشافه من مجرّد مراقبته طيلة أكثر من سنتين.
لكن لا مشكلة، هي رسّامة، صحيح؟ شاءت أم أبت، سيكشف رسمها عنه جوانبه الّتي يحاول أن يخفيها، من خلال ملامح وجهه، و وضعيّات جلوسه.
الرّسم ليس أمرا بسيطا و سطحيّا لهذه الدّرجة، و هذا أحد ميزات أن تكون فنّانا موهوبا.
«لحسن حظّك أنّ رافي كان نائما، خذي هذه»
انتشلها من تفكيرها فجأة ذلك الصّوت الذّكوري، لتجد نفسها تلتفت مباشرة و تلمح علبة ما تطير في الهواء ناحيتها.
أمسكتها بسرعة ثمّ أبعدت عينيها عنها تلمح رايدر الّذي كان يسير ناحية السّيّارة واضعا يديه داخل جيوب بنطاله الرّياضي.
ما سرّ هذه السّراويل؟ أهي مريحة لتلك الدّرجة حتّى يحبّها بشدّة؟
«شكرا لك، لن أنسى مساعدتك»
تمتمت بامتنان بينما تستقيم من مكانها، تراه يفتح الباب الخلفيّ للسّيّارة و يومئ لها بخفّة:
«لا مشكلة، سآخذك لمنزلك الآن...و حاولي ألّا تخرجي في وقت كهذا مرّة أخرى، المكان خطر»
لم تعقب هي على ذلك، و تقدّمت بعدما نفضت الغبار عن ثيابها، تجلس على المقعد الخلفيّ و تراه يتقدّم للجلوس في مقعد السّائق قبل أن يغلق الباب خلفه و يشغّل السّيّارة.
ضغط على دوّاسة الوقود، و بدأ القيادة قائلا:
«عنوانك؟»
حدّقت به إيلينور لبضع ثوانٍ قبل أن تعطيه عنوان منزلها، ثمّ تلقي بصرها من النّافذة تراقب الطّريق خارجا و تستمتع بهدوء المدينة.
طوال الدّقائق العشرين الّتي استغرقها الأمر للوصول، كان كلّ ما ساد بينهما هو سكون رهيب، اكتفى كلّ واحد منهما خلاله بمراقبة الأرجاء في الخارج و الغرق في تفكيره.
«أهذا هو منزلك؟»
كسر فجأة ذلك الصّمت الطّويل صوت رايدر الّذي تساءل بهدوء جاذبا انتباه إيلينور الّتي أجابت بينما تنظر للمنزل:
«أجل، شكرا»
ألقت بذلك و هي تسارع في فتح الباب، لتترجّل من السّيارة بسرعة مغلقة إيّاه خلفها، ترى رايدر يقوم بنفس الشّيء.
«سأدخل للمنزل الآن، وداعا»
وقف الآخر قرب سيّارته واضعا يديه داخل جيوبه يراقبها و هي تلتفت مباشرة فور أن نطقت بكلماتها ببعض من التّوتّر، بينما يفكّر فيما إذا كان عليه الحديث عن الّذي يدور بذهنه.
الفرصة قد لا تتكرّر، لذا لمَاذا لا يفعل؟
«انتظري لحظة»
ألقى بكلماته يراها تتوقّف فجأة و تلتفت له تطالعه باستغراب، ليضيف مباشرة:
«هل لي بسؤال؟ مجرّد فضول»
أمالت برأسها للجانب قليلا تفكّر في كلّ الاحتمالات الّتي طرأت بذهنها، و أردفت بتردّد:
«بكلّ تأكيد»
صدرت تنهيدة عميقة عن رايدر الّذي تراجع بجذعه إلى الخلف قليلا، يستند به على هيكل السّيّارة، ثمّ نطق رافعا رأسه إلى السّماء:
«ذلك الأشقر، أنتما صديقان، صحيح؟»
«هيوغو؟ أجل، لماذا؟»
أجابت و هي ترفع حاجبها متفاجئة من السّؤال الغريب، ليضيف الآخر بجدّيّة معيدا تثبيت نظراته عليها:
«مجرّد أصدقاء عاديّين؟ أم أنّ هناك مشاعر أخرى بينكما؟»
شعرت إيلينور بالصّدمة من سؤاله ذاك، و افترقت شفتاها لثانية تستوعب ما التقطته أذناها، قبل أن تهزّ رأسها بقوّة تنفي ذلك بشدّة:
«مشاعر؟ لا إطلاقا...هيوغو كأخ أصغر لي، و هو من طلب صداقتي في المقام الأوّل»
سرعان ما ارتسمت على شفاه رايدر ابتسامة جانبيّة فور سماعه لذلك، أتبعها بضحكة ساخرة و هو يفكّر مليّا في إجابتها.
إذا لا فرصة للأشقر في كلّ الأحوال كما يبدو...هو يريد بشدّة تسجيل كلامها ليُسمعه إيّاه و يسخر منه كيفما يشاء.
يا له من متوهّم..هذا إن كان يحبّها حقّا.
«ألم تلحظي بأنّ تصرّفاته كانت غريبة مؤخّرا أو ما شابه؟»
تساءل مرّة أخرى محافظا على جدّيّة الموقف، بينما في داخله يتشوّق لمعرفة جواب هذا السّؤال.
رغم آخر شجار له مع باهت الشّعر ذاك، إلّا أنّ شعورا بداخله يجعله لا يستطيع الجزم بحقيقة ما إذا كان تصرّف الأشقر نابعا عن مجرّد غيرة أصدقاء، و رغبته في ألّا يجول هو حولها و حسب بسبب كرهه له، أم أنّه حقّا يمتلك مشاعر ناحيتها.
و إن كان الخيار الثّاني، فيسكون من دواعي سروره إغاظته بكافّة الطّرق الممكنة...خصوصا و أنّ هذه العسليّة الواقفة أمامه قد أوضحت بأنّها لا تهتمّ لأمره بتلك الطّريقة.
«لا، تصرّفاته عاديّة، هل هناك شيء لا أعرفه؟»
ضيّقت عينيها بشكّ في نهاية كلامها، تجعل من رايدر يلفّ عينيه بضجر و يستقيم في وقفته قبل أن يفتح باب السّيّارة بسرعة.
لوّح بيده للجانبين نافيا ذلك، ثمّ صرّح بعدم اكتراث بينما يشرع في الرّكوب في مقعد السّائق:
«إطلاقا، سمعت شيئا ما و أردت التّأكّد و حسب»
أغلق الباب خلفه، ثمّ فتح النّافذة يلقي عليها نظرات أخيرة راسمة ابتسامة متكلّفة على وجهه:
«سأغادر، ادخلي منزلك مباشرة»
بادلته إيلينور بابتسامة مشابهة لخاصّته، ثمّ أجابت بينما تلتفت و تتقدّم من باب منزلهم:
«ما الّذي قد أفعله غير ذلك؟»
لم يعقب على كلامها و راقبها بهدوء و هي تفتح الباب و تدخل مغلقة إيّاه خلفها، قبل أن يزيح بصره ناحية الطّريق أمامه و يصدر تكّة ساخرة بلسانه.
«لا أجد كلمات لقولها حتّى...غريبة»
أدار بعدها المفتاح مشغّلا السّيّارة، ثمّ ضغط على دوّاسة الوقود يقرّر العودة للشّقّة مباشرة.
ليتمنّى فقط ألّا يكون رافي قد استيقظ..
.
.
༺༺༺༺༻༻༻༻
.
.
«شكرا على إيصالي»
نطق رايدر بهدوء و هو يفكّ حزام الأمان؛ و سرعان ما التفت لأجل التّرجّل من السّيّارة، إلّا أنّه تراجع في اللّحظة الأخيرة و استدار ناحية شقيقه قائلا بجدّيّة:
«إيّاك و القلق بشأني، فلم تنجح الشّرطة في الإمساك بي كما ترى...كما أنّك ستدفعني بالمقابل إلى القلق بشأنك بخصوص العمل الّذي يكاد يجعلك تجنّ، و هذا كثير على عقلي المزدحم هذا»
أشار في نهاية كلامه إلى رأسه، ثمّ خرج قبل أن يتسنّى للآخر الرّدّ حتّى...ما جعل هذا الأخير يضحك بخفّة على كلامه.
هل يحاول هذا الصّغير الآن جعله يصدّق بأنّه لا يريد التّفكير بأمره هو حتّى يجعله يتوقّف عن فعل ذلك بالمقابل؟
يبدو أنّه قد نسي بأنّ فارق العمر بينهما هو سبع سنوات؛ و خدع كتلك لا تنطلي على رافاييل ميرفي.
قطع حبل أفكاره فجأة صوت رنين هاتفه…ما جعله يخرجه من جيب سترته يتفقّد هويّة المتّصل..
إنّها مديرة شركة نوفابيكسل..
سحقا، من الجيّد أنّها تتّصل و إلّا لكان قد نسي أنّ لديه اجتماعا مهمّا هناك هذا المساء..
في النّاحية الأخرى، كان رايدر يسير متجاهلا جميع من حوله و هو يقترب ناحية مبنى الجامعة..
ليس في مزاج لفعل شيء عدا الجلوس بمفرده داخل قاعة المحاضرات و انتظار وصول البروفيسور.
من المرعب أن يرى أحدهم رايدر ميرفي يقوم بأمر كهذا؛ و لكنّ المعجزات تحدث أحيانا..
أخرج هاتفه من جيبه يطالعه للحظات قبل أن يقرّر الاتّصال بآريس...عليه معرفة ما الّذي جرى ليلة أمس معهم.
ضغط على الرّقم و رفع الهاتف لمستوى أذنه بانتظار أن يردّ، و بالفعل لم تكن سوى ثوانٍ قليلة حتّى وصله صوت الآخر:
«رايدر، ما الأخبار يا صديقي؟ يبدو أنّك قد استطعت الهرب من الشّرطة»
تكّ رايدر لسانه بينما يضحك بسخرية مجيبا إيّاه:
«بصعوبة، و لكنّي نجوت...أرى أنّك أنت الآخر على ما يرام»
«الهروب اختصاصي يا رجل، لن يمسكوا بي مهما حاولوا»
«جيّد لك إذا»
ساد الصّمت للحظة كلّ ما كان يسمع خلالها هو أنفاسهما قبل أن يعاود آريس الحديث و كأنّه تذكّر لتوّه:
«بالمناسبة، لقد أمسكوا بالكثيرين ليلة أمس، و من بينهم كايل روسو»
رفع رايدر حاجبيه بعدم تصديق و أصدر ضحكة مستمتعة بينما يردف مستفسرا:
«أنت متأكّد؟ هذا رائع حقّا! أحبّ رؤية ذلك الأحمر يقع في المشاكل»
«أعلم أعلم، و لهذا أخبرتك..على كلّ حال، يجب أن أذهب الآن، اعذرني»
«لا مشكلة، أراك في وقت لاحق»
قطع الاتّصال مباشرة قبل أن يرفع رأسه للأعلى يحدّق بالسّماء الملبّدة بالغيوم...يبدو أنّها ستمطر قريبا.
المنظر يعجبه، لن يكذب و يقول العكس..
لو كانت هنا، فمن المؤكّد أنّ حال السّماء هذا سيستهويها و يدفعها لرسمها كما تفعل مع كلّ ما يعجبها..
حرّك رأسه بخفّة يقوم بتصفية ذهنه بينما يواصل السّير؛ لتقع عيناه على ثاني أسوأ ما قد يراه في حياته بعد وجه السّيّد براين في بداية الصّباح..
زفر بضجر و هو يعاين شكل الأشقر المبتذل الواقف أمامه، ثمّ واصل تقدّمه متخطّيا إيّاه تماما من دون أن يفكّر بتضييع ثانية أخرى عليه.
«هل قرّرت أن تلعب دور المتعالي أيّها الوغد الــ»
كان رايدر على وشك إطلاق العنان لغضبه؛ فهو بالطّبع لن يسكت على ترّهات ساذج كذاك مهما كان السّبب...لكنّ ما جعله يلتفت في هذه اللّحظة لم يكن سوى استغرابه من توقّفه المفاجئ عن الحديث.
و كما توقّع، لم يتوقّف من تلقاء نفسه..
بل كانت هي...مجدّدا.
«هيوغو، ما الّذي تفعله؟ ألم يكتفِ كلاكما من الشّجار لتفتعل مشكلة أخرى؟ الجميع قد سمع بما حدث أمس»
حسنا...على الأقلّ هي تعلم بأنّه من بدأ
لاحظ كيف أشاح الأشقر بوجهه بعيدا حينما منحته نظرات معاتبة، و في تلك الثّانية اعتراه شعور جميل بلذّة النّصر.
هو طفل حقّا، و لن يغيّر هذا مهما حاول إظهار نفسه كشخص ناضج أمامها.
كان على وشك رسم ابتسامة شماتة على وجهه، لكنّه فشل في ذلك حينما نقلت أعينها العسليّة ناحيته.
ما خطب هذه المزعجة الآن؟ لماذا تنظر له هكذا؟ لقد بدأ يشعر بالنّدم لأنّه ساعدها ليلة أمس.
وجد نفسه يلتفت أمامه متفاديا إطالة النّظر لها؛ ثمّ رفع قدمه مستأنفا السّير نحو وجهته بينما يلقي بتعليق ساخر بغية استفزاز الأشقر:
«من يصمت بمجرّد نظرة ما هو إلّا طفل حضانة صغير»
لم يضيّع ثانية أخرى في ذلك المكان و سرعان ما اختفى عن أنظار الآخرين.
زفر هيوغو بضجر معبّرا عن اغتياظه من سخرية رايدر، أمّا إيلينور فقد عقدت حاجبيها باستغراب و التفتت تنظر للأشقر قائلة:
«لازلت لا أفهم ما قصّتكما أنتما الاثنان لتتلذّذا بإزعاج و أذيّة بعضكما...ألا يمكن أن تكونا على وفاق؟»
«لا تشغلي بالك بذلك...أتريدين المرور على الكافيتيريا قبل الالتحاق بصفوفنا؟»
تساءل بحماس مغيّرا الموضوع، لتحرّك هي رأسها نافية و تجيبه بأسف:
«ربّما لاحقا؛ لديّ محاضرة الآن، و معلّم الفلسفة يصل مبكّرا في العادة لذا يتعيّن عليّ الذّهاب»
همهم الآخر بتفهّم و أردف:
«لا مشكلة، أسرعي و التحقي بصفّك حتّى لا تتأخّري»
لوّحت له مودّعة إيّاه و التفتت مغادرة المكان تقصد قاعة المحاضرات.
حسنا، كان ذلك أفضل عذر لديها حتّى لا تحرج هيوغو..
كيف ستخبره أنّها لن تستطيع مرافقته لأنّ أهمّ شيء الآن بالنّسبة لها هو اللّحاق برايدر؟
الفنّانة بداخلها تدفعها للمسارعة بتجسيد تلك اللّوحة الّتي رأتها قبل قليل..
هناك نوع من المشاعر لم تستطع تفسيره بعد؛ و هو يليق جدّا بهالته.
من المبهر أن ترى الفتى السّيّء يجرّب مشاعر مختلفة؛ و كلّ منها يجب أن يتمّ الاحتفاظ به كلوحة فنّيّة للأجيال القادمة.
قد يصبح موناليزا العصر القادم إن استمرّ هكذا..
.
.
༺༺༺༺༻༻༻༻
.
.
وقفت إيلينور على عتبة مدخل قاعة المحاضرات تسترق نظرات سريعة إلى الدّاخل.
و لحسن حظّها لم يكن هناك سوى بضع طلّاب يعدّون على الأصابع، بما فيهم صاحب الهالة المثيرة للاهتمام الّذي جلس لتوّه على أحد المقاعد يلقي بحقيبة ظهره على سطح المنضدة أمامه متبعا إيّاها برأسه الّذي أرخاه فوقها.
من الجيّد أنّه لم يرها..
راقبت كيف أغمض عينيه يسمح لنفسه بالاستسلام للنّوم، و قد بدا لها من هذه المسافة أنّه يرتدي سمّاعات أذن.
محال أن يشغّل موسيقى صاخبة إن أراد الاسترخاء...هل هو يستمع إلى تهويدة ما قبل النّوم أو ما شابه؟ غريب حقّا.
مدّ يده ببطء يزيح خصلة من شعره عن وجهه، و لتوّها لاحظت بأنّ شعره قد أصبح أقصر بقليل من البارحة...هل استمع لها و قام قصّه حقّا؟ متى وجد الوقت لفعل ذلك من الأساس؟
هزّت إيلينور رأسها بقلّة حيلة تجول ببصرها في الأرجاء لمرّة أخيرة قبل أن تتشجّع و تخطو إلى داخل القاعة بهدوء متّجهة صوب مقعدها المعتاد.
أفضل مكان قد تختاره للحصول على زاوية مناسبة للرّسم، رغم أنّه ليس أفضل مكان لشخص يعتبر المحاضرات أولويّة له.
حدّقت به بتمعّن لثوانٍ قليلة تتأكّد من أنّه لن يفتح عينيه فجأة و يمسك بها متلبّسة، ثمّ رسمت على شفاهها ابتسامة رضا، تسمح ليديها بالتّسلّل إلى داخل حقيبة ظهرها الّتي وضعتها جانبا، و سحب الأغراض الّتي تحتاجها.
قلم، ممحاة، و دفترها الأحمر المفضّل..
جدّيّا، لا يمكنها تخيّل أن تأتي للجامعة من دون أن تحضر معها ذلك الدّفتر؛ حتّى أنّها نادرا ما تخرجه من الحقيبة خوفا من نسيانه.
لا فرصة أخرى لترسمه إن لم تفعل خلال الوقت الّذي ينصت فيه البقيّة لثرثرات الأساتذة، لذا عليها استغلالها بحكمة.
قلّبت عسليّة الأعين بين صفحات الدّفتر تتخطّى عشرات الرّسوم السّابقة، لتتوقّف فور أن استقرّت على ورقة فارغة.
هذه الصّفحة هي ضحيّتها التّالية من دون شكّ.
مرّرت لسانها بسرعة على شفتها السّفليّة تبلّلها، قبل أن ترفع عينيها ناحية ذلك الوسيم النّائم و تمعن النّظر له لبضع لحظات تحاول إيجاد النّقطة المناسبة للبدء.
كانت ثوانيَ معدودة حتّى حملت قلم الرّصاص بين أصابعها و راحت تخطّ على الصّفحة البيضاء تصبّ كلّ تركيزها على ما تفعله، متجاهلة كلّ الأشياء و الأشخاص من حولها.
في تلك القاعة، لم تكن ترى سوى شيئين...دفترها، و إلهامها.
أكثر ما هي شاكرة لحصولها عليه بعد ناتالي، هو موهبتها هذه...لا يمكنها حتّى تصوّر يوم واحد في حياتها لو لم تكن رسّامة.
حياة بموهبة أخرى؟ هي قطعا لا تريدها، فهي لن تلبّي رغبتها في تجسيد الصّورة الفنّيّة الّتي تراها كلّ يوم.
استمرّت إيلينور في الرّسم عازلة كلّ حواسّها الأخرى عن العالم الخارجيّ، تنقل بصرها باستمرار بين دفترها و رايدر الّذي كان لا يزال على وضعيّته.
يبدو مثاليّا، و جذّابا بشكل مفرط...فقط لو يبقى هكذا لوقت إضافيّ حتّى تنتهي من رسم الجزء الأساسيّ. فلو استيقظ الآن، سيفسد كلّ شيء حرفيّا..
و على ذكر جاذبيّته، لا تظنّ أنّها قد تخبره بذلك يوما، لكنّ عرض الأزياء قد يليق به و سيوفيه حقّه كقطعة فنّيّة...خطرت لها تلك الفكرة مؤخّرا بينما كانت تتصفّح مواقع التّواصل.
و ذلك طبعا كعمل ثانٍ بعد عمله كمصدر إلهام لها.
اتّسعت ابتسامة إيلينور شيئا فشيئا و هي ترى التّقدّم الّذي أحرزته خلال نصف ساعة فقط، و وجدت نفسها تتأمّل عملها بتمعّن قبل أن تواصل ما تفعله بحماس هادفة لإنهاء الرّسمة في أسرع وقت ممكن.
لا ضمان لها بأنّ رايدر لن يقرّر الاستيقاظ الآن فجأة و يضرب بتعبها عرض الحائط.
راحت تنقل يدها بخفّة هنا و هناك تضيف بضع تفاصيل حتّى لا تنساها لاحقا، ثمّ رفعت رأسها مجدّدا لأجل أن تتحقّق من مدى تطابقها مع ما تراه.
و حينها فقط، تجمّد جسدها فجأة و شعرت برعشة خفيفة تسري من خلاله، تجعلها تغمض عينيها بقوّة و تشتم نفسها داخليّا لأنّها اتّبعت رغبتها و أتت بتفسها إلى هنا.
لقد رآها..
أعينه السّوداء تلك كانت تطالعها بهدوء مريب...لا يزال على نفس وضعيّته، و لكنّ الفرق الوحيد هو أنّه فتح عينيه، و قرّر مراقبتها و حسب.
هل كان يعلم منذ البداية أو شيء من هذا القبيل؟ لماذا في كلّ مرّة تكون هي أوّل من تقع عيناه عليها؟ هذا ليس عدلا!
أعادت فتح عينيها ببطء تسترق بضع نظرات له، و لم يزح خاصّته عنها بعد.
كم هذا موتّر حقّا، و غير مريح بتاتا!
و لسبب ما، وجدت نفسها عاجزة عن قطع التّواصل البصريّ بينهما...و كأنّ رغبة داخليّة اجتاحتها دافعة إيّاها للاحتفاظ بصورته داخل ذاكرتها، كتعويض عن جهدها الّذي ضاع عبثا.
و مرّة أخرى، هو استمرّ في التّحديق..
هل هو يعتبر هذا تحدّيا من نوع ما؟
امتدّت يدها ببطء شديد إلى دفترها تنوي إغلاقه، و لكنّها توقّفت فجأة قبل أن يتسنّى لها فعل ذلك، و هذا حالما لمحته يرفع يده بهدوء و يصنع إشارة بيده.
شيء مثل "استمرّ" أو "واصل"؟ هل هذا معقول أم أنّها أخطأت الفهم؟ هل هي تتخيّل الآن؟
كرّر حركته بلا مبالاة لتراه يعاود إغماض عينيه مباشرة و كأنّه لم يرَ شيئا.
إذا ظنّها في محلّه، و هو يطلب منها المواصلة..
لكن سحقا! لا يمكنها فعل ذلك إطلاقا!
صفعت دفترها بسرعة مغلقة إيّاه، لترى رايدر يفتح عينيه مجدّدا حينما وصله الصّوت.
لم تكترث لذلك و دفعت أغراضها جانبا قبل أن تلقي برأسها هي الأخرى على السّطح الخشبيّ أمامها، محاولة تجاهل ما يجري.
هي قطعا لن تواصل الآن..
أغمضت عينيها بقوّة تحاول منع نفسها من التّفكير، و لكنّ كلّ ذلك قد فشل في لحظة واحدة حالما شعرت بيد تسحب شيئا ما من فوق منضدتها.
اتّسعت عيناها فجأة بإدراك و رفعت رأسها ناقلة بصرها نحو ذلك الشّابّ الّذي وقف بجانبها، تراه يمسك دفترها بيده و يقلّب بين صفحاته بحرّيّة إلى أن استقرّ على إحداها و توقّف عن البحث.
لاحظت كيف تنقّلت عينا رايدر متفحّصة كلّ تفصيلة في الرّسم، قبل أن يلقي بهما عليها يطالعها بنظرات لم تستطع تفسيرها.
مشاعره الآن غير واضحة.
«لم تمضِ أربع و عشرون ساعة على مسامحتي لكِ حتّى؛ بدأت أشكّ في أنّك اعتذرتِ فقط حتّى لا أمنعك من القيام بهذا»
ألقى بتلك الكلمات بهدوء بينما يعيد إغلاق الدّفتر و يضعه على المنضدة مجدّدا، ثمّ دسّ يديه داخل جيوب بنطاله و أضاف مبعدا نظره عن تلك الّتي عجزت عن الكلام:
«هل تنتظرين فقط اللّحظة الّتي أغفل بها حتّى تتاح لك الفرصة لرسمي؟ و أنا حتّى لا أعلم شيئا عن دوافعك خلف هذا من الأساس»
عاود النّظر لها من دون أن يضيف شيئا، مترقّبا ردّة فعلها...و لم تكن سوى ثوانٍ قليلة حتّى أجابت بينما تستقيم من مكانها و تواجهه بأعينها:
«لأوضّح كلّ شيء إذا...أوّلا، اعتذاري السّابق كان حقيقيّا، و لم أكن لأتراجع عنه حتّى لو استمررت في منعي من رسمك...و ثانيا، دوافعي خلف ما أفعله ليس مهمّا حقّا لتعرفه، و لو أردت إخبارك حتما لن أفعل في وقت و مكان كهذا»
ارتفعت زاوية شفاهه مشكّلة ابتسامة ساخرة، ثمّ انحنى بجذعه إلى الأمام قليلا ينخفض ليصبح وجهه في مستوى خاصّتها، ملقيا كلماته بنبرة واثقة:
«لكنّك ستخبرينني؛ و لست آخذ رأيك في هذا لأنّه حقّي...أنا فقط أنتظر أن تزيد رغبتي في اكتشاف ذلك، و حينها ستتحدّثين»
تراجعت هي خطوة للخلف من دون أن تقطع التّواصل البصريّ، تراه يستقيم في وقفته مجدّدا و يستدير عائدا لمكانه من دون أن يضيف كلمة أخرى، تاركا إيّاها عاجزة عن الكلام.
ليس يأخذ رأيها؟ هل يعتقد بأنّه يستطيع جعلها تتحدّث إن لم تكن هي راغبة بذلك؟
ثقته بنفسه و بقدراته مرتفعة جدّا، أكثر من اللّازم.
لفّت إيلينور عينيها بملل تعاود الجلوس على مقعدها، ثمّ أخرجت هاتفها من جيب بنطالها الواسع تقرّر قضاء بقيّة الوقت في تصفّحه متمتمة بغيظ:
«مغفّل»
.
.
༺༺༺༺༻༻༻༻
.
.
على رأس المنضدة الّتي توسّطت قاعة الاجتماعات تلك، جلست تلك الآنسة واضعة ساقا فوق الأخرى تراقب بهدوء جميع الجالسين من حولها في انتظار مرور الدّقائق المتبقّية قبل بدء اجتماع اليوم.
الاجتماع الثّاني للنّقاش حول لعبة شركة نوفابيكسل الجديدة، و مراقبة تطوّرها.
على يسار الآنسة هاريسون مباشرة، جلست ناتالي باعتدال تتفقّد هاتفها و تراجع كلّ رسائل البريد الإلكترونيّ الّتي تلقّتها سابقا، محاولة ألّا تستسلم للشّعور السّيّء الّذي ينتابها في هذه اللّحظة.
لقد عانت بشدّة من صداع ليلة أمس، و لحسن الحظّ أنّ إيلينور كانت معها، و أتت لها بمسكّن آلام ليخفّف عنها.
و رغم أنّه لم يكفِ لإيقاف الصّداع كليّا، لكنّه على الأقلّ خفّفه بالدّرجة الّتي سمحت لها بالخلود للنّوم...و اليوم، ها هي الآن تجلس وسط قاعة الاجتماع بذهن مرهق متمنّية أن ينتهي عملها مبكّرا اليوم حتّى تعود و تنام أكثر.
رأسها بات أثقل من أن تتحمّل وزنه فوق كتفيها، و عيناها تخزانها من حين لآخر.
فليختفِ هذا الشّعور المزعج فحسب، و حينها سيتحسّن يومها بشكل أكبر..
على يمين الآنسة هاريسون، و على المقعد المقابل تماما لخاصّة ناتالي، كان ذلك الرّجل ذو البذلة الرّسميّة يجلس مرخيا جسده على ظهر الكرسيّ، بينما يراقب الأرجاء بشرود، ملقيا بضع نظرات من حين لآخر على تلك الّتي لم تبدُ له على ما يرام.
ناتالي تبدو مريضة قليلا، و التّعب البادي على وجهها يكفي لجعل أيّ أحد يدرك ذلك.
ألم تنم بشكل جيّد؟ أهذا بسبب العمل؟
أخذ نظرة سريعة من حوله يرى المديرة تستقيم من مكانها و تتقدّم من أحد الأدراج في زاوية الغرفة بحثا عن شيء ما، بينما بقيّة فريق عملها منشغلون بالنّقاش فيما بينهم.
تردّد للحظة، و لكنّه وجد شفتيه تتحرّكان من دون إرادة منه.
«آنسة هارفي»
تمتم بصوت وصل مسامعها، محاولا الحفاظ على الرّسميّة في نبرته، يراها ترفع بصرها عن هاتفها و تحدّق به بأعينها العسليّة.
و لم تكن ترتدي نظّارات اليوم..
«نعم سيّد ميرفي؟»
أجابت بنفس النّبرة محافظة على نظرتها الهادئة، ليتشجّع هو و يواصل سامحا للقلق بالتّسلّل لنبرة صوته:
«هل أنتِ بخير؟ تبدين متعبة، و شاحبة قليلا»
«أنا بخير سيّد ميرفي»
ألقت بذلك بهدوء تعيد تثبيت عينيها على شاشة الهاتف، تجعله يزفر بيأس و يراقب المديرة تتقدّم مجدّدا و تجلس مكانها.
يبدو بأنّ ناتالي تصرّ على تعسير الأمور عليه.
«حان وقت الاجتماع، أرجو أن تعيروني انتباهكم فضلا»
صدح صوت الآنسة روزالين في الأرجاء جاذبا أنظار جميع الجالسين ناحيتها، لتحمحم منظّفة حلقها و تواصل:
«اليوم سنعقد ثاني اجتماع لنا بخصوص لعبتنا الجديدة "أصدقاء المقهى"...و سنناقش خلاله التّطوّرات الّتي أحرزناها في الفترة الماضية بمساعدة السّيّد ميرفي، إضافة لأيّ أفكار، تغييرات أو تصوّرات جديدة تودّون اقتراحها»
أزاحت أعينها البنّيّة ناحية الجالس على يمينها، تشير بيدها له بينما تضيف مخاطبة إيّاه:
«سيّد ميرفي، أرجو أن تتفضّل و تعرض علينا التقدّم الّذي أحرزته...آلة العرض جاهزة»
أومأ رافاييل برأسه قبولا ثمّ استقام من مكانه يحمل حاسوبه الشّخصيّ قبل أن يتقدّم و يقف قرب المديرة الّتي دفعت جهاز العرض ناحيته، سامحة له بتولّي الباقي.
أخذ رافاييل نظرة سريعة على ملفّات الحاسوب يختار أحدها، ليسارع بربط جهازه بالآلة و يشغّلها سامحا للصّورة بالظّهور على الشّاشة الكبيرة خلفه.
جهّز كلّ ما يحتاجه بسرعة محنيا ظهره، قبل أن يستقيم مجدّدا و يجول ببصره حول الجالسين بادئا حديثه:
«خلال الفترة الماضية، عملت بجدّ لأجل إتمام أكبر قدر من العمل، و هذه كانت النّتيجة المبدئيّة»
ضغط على أحد الأزرار لتظهر خلفه صورة تحمل عدّة أرقام مكتوبة بلون أبيض، إلّا أنّ بعضها كان بالأحمر، ثمّ واصل:
«قسّمت اللّعبة إلى عدّة مراحل -أو أيّام كما قلنا سابقا- و جعلت عددها ثلاثمئة و خمسة و ستّين مرحلة كلّها مترابطة ببعضها، بحيث كلّ واحدة هي تكملة لما قبلها»
قطع حديثه يأخذ نفسا عميقا قبل أن يتابع موضّحا:
«الأرقام البيضاء تمثّل الأيّام العاديّة حيث يعمل اللّاعب في المقهى بشكل طبيعيّ مع اختلافات بسيطة كلّما تقدّم أكثر، أمّا الأرقام الحمراء، فهي المراحل الصّعبة الّتي تحتوي على تحدّيّات تصعّب فوز اللّاعب، و هي تأتي كلّ عشرة أيّام كما لاحظتم، أي أنّ المرحلة العاشرة مثلا، ستكون أصعب من سابقاتها، و من جميع المراحل الأخرى الّتي تسبق العشرين، و هكذا»
«و أين تكمن الصّعوبة سيّد ميرفي؟»
كان ذلك التّساؤل صادرا عن رجل من فريق الشّركة، جاعلا من أنظار الجميع تتّجه نحوه حينما أجاب رافاييل موضّحا:
«في العديد من الأشياء، كضغط الزّبائن، كثرة الطّلبات، و سرعة انقضاء وقت الانتظار...لن يكون من المستحيل النّجاح، و لكنّه سيكون عسيرا»
«فهمت»
ابتسم الآخر برضا ثمّ راح يواصل شرح عمله:
«هذا بالنّسبة للمراحل، و قد ضمّنت كلّ ما تمّ إرساله لي عبر البريد الإلكترونيّ ممّا ذكرتموه في الاجتماع السّابق...اللّاعب في البداية هو النّادل و الطّبّاخ في نفس الوقت، و لكنّه سيبدأ في الحصول على شخص واحد ليساعده بعد اجتيازه لكلّ مرحلة بلون أحمر كمكافأة له»
مدّ يده ناحية الحاسوب يضغط زرّا آخر و يغيّر الصّورة قبل أن يستمرّ في الشّرح:
«كما ترون، فقد ضمّنت اللّون الورديّ كشكل مبدئيّ، لكن سيتاح خيار تغيير شكل المقهى مقابل الأموال الّتي يجمعها اللّاعب، كما أنّني غيّرت الموسيقى في النّسخة الّتي أنا بصدد العمل عليها، لأجعلها طفوليّة و حماسيّة في آن واحد...استمعوا لها»
انحنى بخفّة و ضغط زرّا آخر يسمع صوت الموسيقى تتردّد في الأرجاء، ليوقفها بعد ثوانٍ معدودة.
«أحببتها، إنّها مناسبة تماما»
كانت تلك الآنسة هاريسون الّتي رفعت رأسها تطالع الواقف قربها و هي تهزّ رأسها بخفّة مؤكّدة على كلامها، تجعل من الآخر يبتسم بامتنان قبل أن يضغط على زرّ آخر و يعاود الحديث:
«من ناحية أخرى، يمكنكم أن تروا بوضوح في هذه الصّورة هنا، بأنّني قد حسّنت بشكل كبير من جودة الرّسم، و كذلك مع التّحريك بحيث يسهل على اللّاعب التّحكّم بشخصيّته و التّنقّل بسلاسة كذلك»
لاحظ كيف تبادل الجالسون نظرات الإعجاب فيما بينهم، يجعلونه يسارع لتغيير الصّورة مجدّدا، لتظهر هذه المرّة خمسة شخصيّات بارزة، و أربع أخرى بحجم أصغر في الخلفيّة.
«و آخر شيء قمت به، هو أنّني أضفت أربع شخصيّات أخرى، و صوّرتها بحجم أصغر من البقيّة لأنّها زبائن فرعيّة يحصل عليها اللّاعب كلّ واحدة على حدة كلّما تخطّى خمسة و عشرين مرحلة...و هم رجلان و امرأتان»
رفع يده للأعلى مشيرا ناحية الشّاشة يينما يحدّق بها، و أضاف:
«ذو الشّعر الأحمر و الأعين الخضراء هو إيريك، ذو الشّعر الأسود و الأعين الزّرقاء يدعى فيليب، ذات الشّعر البنّيّ و الأعين البنّيّة هي ماريا، و أخيرا ذات الشّعر الأشقر و الأعين الزّرقاء تدعى زوي»
أعاد توجيه بصره ناحية الجالسين يراهم يطالعون الصّورة بإعجاب، ثمّ أزاح بصره ناحية المديرة يراها تراقب فريق عملها بهدوء، و من دون أن يدرك، انزلقت عيناه ناحية تلك الّتي كانت تجلس مكانها تطالع الصّورة كذلك من دون أن تبدي على وجهها أيّة تعابير.
هي ليست بخير إطلاقا، و الهالات الخفيفة أسفل عينيها تزيد من إصراره على رأيه.
«ما رأيك ناتالي؟ بعد كلّ ما عرضه السّيّد ميرفي إلى الآن، ما الّذي ترينه أنتِ»
اتّسعت أعين رافاييل قليلا و خفق قلبه بقوّة حالما رنّ اسم ناتالي في أذنه، ثمّ وجد نفسه يواصل التّحديق بها بانتظار جوابها.
لاحظ كيف أبعدت عينيها من على الشّاشة و أزاحتهما ناحية الآنسة هاريسون تحدّق بها للحظات قليلة قبل أن تجيب بهدوء:
«التّقدّم الّذي تمّ إحرازه خلال هذه الفترة الوجيزة مبهر بحقّ، و هو في المستوى المطلوب بحسب رأيي الشّخصيّ»
حسنا، رغم أنّ ملامح وجهها و نبرة صوتها لم تظهر أيّ إعجاب، إلّا أنّ قلب رافاييل قفز من مكانه بعد كلماتها تلك.
لقد مدحته...عمله تحديدا، و لكنّه هو من أنجزه، أليس كذلك؟ إذا سيعتبر أنّها قامت بمدحه بشكل غير مباشر.
هو يمنع ابتسامته من شقّ وجهه بصعوبة...لا يمكنه تحمّل ثمن لفت الأنظار الآن و إثارة تساؤلات الجالسين.
«أتّفق معك»
علّقت الآنشة روزالين مؤكّدة، ليصدح بعدها صوت ذكوريّ محوّلا انتباه الجميع ناحية صاحبه:
«المعذرة، لكن بعيدا عن الشّخصيّات الثّانويّة، أليست تلك الشّخصيّة هناك في المقدّمة هي هايدي؟ ألم تكن ذات شعر أصهب و أعين عسليّة؟ لماذا شعرها أسود الآن؟»
تصنّم رافاييل مكانه للحظات يرى كيف سارع الجميع للتّحديق بالشّاشة مجدّدا يلاحظون لتوّهم الشّخصيّة الّتي كان يفترض أن تكون ذات شعر أصهب و أعين عسليّة، و الّتي أصبحت الآن بشعر أسود بدلا من ذلك.
سحقا..
حمحم رافي منظّفا حلقه و هو يرى الاستغراب الّذي ارتسم على وجوه الجميع من دون استثناء، و أتبع ذلك بقوله محاولا إخفاء توتّره:
«أحقّا؟ لا بدّ و أنّني أخطأت و حسب...سأتذكّر و أغيّرها في وقت لاحق»
خاطب بكلامه الرّجل الآخر الّذي أومأ بتفهّم، و ما كاد ينطق بشيء حتّى عدل عن ذلك فور أن سبقه الصّوت الأنثويّ:
«لا داعي، اتركها كما هي...أعجبتني»
انتقلت الأنظار بسرعة ناحية المديرة الّتي حافظت على ملامحها الهادئة و رفعت كتفيها بلا مبالاة مصرّحة:
«أعتقدها جميلة، لذا لا فائدة من تغييرها»
رمش رافاييل مرّتين يحلّل كلماتها، و ردّ فعلها غير المبالي، ثمّ همهم قبولا قائلا:
«حسنا إذا»
من الجيّد أنّها فعلت ذلك، هي لا تعرف حجم المعروف الّذي قدّمته له الآن.
ابتسم رافاييل بخفّة معبّرا عن رضاه، ثمّ صرّح خاتما حديثه:
«و بهذا، انتهى عرضي...شكرا على الاستماع»
منح الجميع إيماءة خافتة قبل أن يشرع في إغلاق حاسوبه يستمع للتّساؤل الّذي طُرح فجأة:
«ألا ترى أنّ ما قمت به هو عمل أكبر من أن تنجزه في وقت قصير سيّد ميرفي»
تساءلت إحدى أعضاء الفريق، تجعل الجميع يتبادلون النّظرات فيما بينهم يتساءلون عن ذلك.
راقبهم رافاييل بهدوء يمرّر بصره عليهم واحدا واحدا، بما في ذلك ناتالي الّتي اكتفت بالمراقبة بصمت، ثمّ حمحم جاذبا انتباههم و هو يجيب قائلا:
«صحيح يا آنسة، هو كذلك و لم تخطئي...و لكن لأوضّح الأمور، فأنا قد عملت من دون انقطاع خلال الفترة الّتي مضت، و قضيت غالبيّة وقتي و أنا أعمل على تطوير اللّعبة من أجل أن أنتهي من كلّ هذا»
استقرّت عيناه عليها يراها ترمش للحظات تستوعب ذلك قبل أن تهزّ رأسها بتفهّم مصرّحة:
«فهمت الآن»
ساد صمت قصير بعد ذلك، حمل خلاله رافاييل حاسوبه و عاد ليجلس مكانه تزامنا مع نطق الآنسة هاريسون:
«بعد أن قدّم لنا السّيّد ميرفي ما لديه، أريد أن أستمع لأي أفكار أخرى لديكم»
تبادل الجالسون بضع نظرات يفكّرون مليّا في الأمر، و لم تكن سوى لحظات قليلة حتّى نطقت امرأة أخرى منهم:
«فكرتي ليست مبتكرة، و لكن ماذا لو أضفنا خاصّية تسمح باختيار اللّاعب لشكله قبل بدء اللّعبة؟ و يتعيّن عليه إنفاق بعض من أرباحه في المقهى حتّى يغيّره مجدّدا؟»
«سأضيفها»
نبس رافاييل و هو يضرب قبضته على السّطح الخشبيّ فور انتهائها من جملتها، و أضاف مؤكّدا:
«الفكرة جيّدة، أحببتها...ما رأيك آنسة هاريسون؟»
وجّه نظره ناحية المديرة يجدها تحدّق به بصمت للحظات قبل أن تهزّ رأسها قبولا.
«أجل، أتّفق معك»
منحها ابتسامة خافتة، لتواصل هي مخاطبة البقيّة:
«أيّ أفكار أخرى؟»
لم يعقب أحد على كلامها، و انتظرت هي بضع لحظات تمرّر بصرها على الجالسين بترقّب تراهم ملتزمين الصّمت، ما جعلها تعود بظهرها إلى الخلف قليلا و تنطق بتفهّم:
«إذا انتهينا كما يبدو»
أدارت وجهها إلى اليسار ناحية ناتالي تجعلها تنتبه لها، ثمّ أردفت مخاطبة إيّاها:
«ناتالي، لا تنسي إرسال تفاصيل هذا الاجتماع إلى السّيّد ميرفي...أثق بك»
«ثقتك في محلّها حضرة المديرة»
أجابت بهدوء مطمئنة الأخرى الّتي أومأت برأسها قبل أن تدفع مقعدها إلى الخلف و تردف بصوت جهور تطالع الجميع:
«و بهذا نختم اجتماعنا لليوم، و يمكن لجميعكم العودة لأعمالهم»
أنهت كلماتها و هي تستقيم من مكانها، جاعلة بذلك الجميع يفعلون المثل، قبل أن يتقدّم أفراد فريق العمل من الباب و يغادروا القاعة فورا تاركين كلّا من المديرة، رافاييل، و ناتالي في الدّاخل.
«شكرا على عملك الجادّ سيّد ميرفي»
نطقت الآنسة هاربسون حاذبة انتباه الآخر الّذي أومأ بخفّة قائلا:
«هذا واجبي آنسة هاريسون»
انزلقت عيناه بسرعة يلقي نظرة خاطفة على ناتالي الّتي وقفت جانبا و قد كان التّعب باديا عليها، ثمّ وجد نفسه يتقدّم أكثر من المديرة بينما يردف بصوت خفيض:
«آنسة روزالين، هل لي بالإشارة لشيء؟»
عقدت الأخرى حاجبيها باستغراب، و رغم ذلك هزّت رأسها قبولا بينما تنصت لرافاييل الّذي واصل بجدّيّة:
«سكرتيرتك، الآنسة هارفي...لا تبدو بخير إطلاقا، انظري لوجهها فقط...أقترح أن تمنحيها بقيّة اليوم إجازة، و سأدفع أنا أجرها خلال ساعات غيابها»
ألقى بكلّ ذلك دفعة واحدة، جاعلا من المديرة ترفع حاجبها بعدم فهم، قبل أن تزيخ بصرها ببطء ناحية ناتالي تراها تعبث بهاتفها.
و حقّا بدت متعبة قليلا...كيف لم تلحظ ذلك قبلا؟
عاودت إلقاء نظراتها على الواقف أمامها ترسم ابتسامة خافتة على شفتيها تجيبه مطمئنة بينما تحاول الحفاظ على بعض الرّسميّة:
«لا داعي، سأدعها تغادر اليوم من دون أن أخصم راتبها...شكرا لاهتمامك بصحّة موظّفيّ سيًد ميرفي، لم أعلم أنّك شابّ مراعٌ لهذه الدّرجة»
رمش للحظات يستوعب ذلك، و لم يكد ينطق حتّى لمح الآنسة هاريسون تلتفت خلفها و تنادي بصوت مرتفع:
«ناتالي، تعالي للحظة»
رفعت المعنيّة عينيها عن شاشة الهاتف و ألقتهما ناحية مديرتها، قبل أن تخكو بسرعة ناحيتها و تجيب برسميّة:
«نعم، آنسة هاريسون»
«هل أنتِ بخير ناتالي؟ أأنتِ مريضة؟»
تساءلت ببعض من القلق، لتجيبها الأخرى نافية:
«لا، أنا بخير»
رفعت المديرة عينيها بسرعة ناحية رافاييل الواقف بجانبها، ترى كيف رفع حاجبيه بدهشة جاعلا منها تستلطف الوضع قبل أن تردف مشيرة بيدها له:
«هذا الشّابّ هنا يقول بأنّك تبدين متعبة، و أنا أوافقه تماما...لذا ستأخذين بقيّة اليوم إجازة مدفوعة، و هذا أمر»
رمشت ناتالي مرّتين معبّرة عن دهشتها، ثمّ نقلت عينيها ببطء ناحية رافاييل الّذي كان يطالع الآنسة هاريسون بعدم تصديق، لتعاود النّظر لمديرتها و تجيب بامتنان:
«أشكرك على اهتمامك حضرة المديرة»
ابتسمت المعنيّة برصا بينما تضمّ ذراعيها لصدرها معلّقة:
«عليك شكر السّيّد ميرفي، فهو من أشار للأمر»
همهمت قبولا، ثمّ وجّهت بصرها ناحية ذاك الّذي كان عاجزا عن الكلام من الصّدمة، قائلة بهدوء:
«أخبرتك أنّني بخير سيّد ميرفي، و لكن شكرا على القلق»
منحته إيماءة خافتة في نهاية كلامها، تسمع الضّحكة الخافتة الّتي تسلّلت من بين شفاه الآنسة هاريسون الّتي اكتفت بالتزام الصّمت.
ناتالي ستظلّ ناتالي..
«اعذريني إذا آنسة هاريسون، سأغادر كما طلبتِ»
أضافت عسليّة الأعين بهدوء و هي تطالع مديرتها الّتي أومأت بتفهّم قائلة:
«بكلّ تأكيد، ارتاحي جيّدا»
راقب الاثنان ناتالي و هي تخطو لخارج القاعة، قبل أن تختفي تماما عن ناظريهما...ليكون أوّل ما يسمع بعد ذلك هو زفرة مرتاحة من رافاييل، لافتا بذلك انتباه الآنسة هاريسون الّتي التفتت ناحيته و علّقت:
«اعذر ناتالي، فهي تتحدّث مع غالبيّة الرّجال بهذا الشّكل...هي متحفّظة نوعا ما و لا تحبّ الخروج عن إطار الرّسميّات»
«أتفهّم ذلك، لكن ألن يصعّب هذا عليها الدّخول في علاقة عاطفيّة مستقبلا؟»
أجاب و هو يحدّق بشرود ناحية الباب، يستمع لردّ الأخرى:
«في الواقع، هي لا تبدو لي كشخص يفكّر في أيّ شيء آخر عدا العمل...بعد شقيقتها الصّغرى طبعا»
أومأ رافاييل بتفهّم يعيد بصره ناحية المديرة، ثمّ أردف منهيا النّقاش:
«فهمت...في كلّ الأحوال، سأغادر أنا كذلك»
«إلى اللّقاء، أراك في الاجتماع القادم»
بعد تلفّظها بذلك، انسحب رافي بهدوء يسارع في المغادرة هو الآخر لأجل العودة للشّقّة.
عليه الاستعداد بسرعة من أجل الالتحاق بفريق عمله هو، ليتعاون معهم على إنجاز الجزء الأصعب من العمل الّذي ينتظره، ليواصل ما تبقّى في الأيّام القليلة المقبلة بمفرده.
_aerithra_