دموع

دموع

22 0

____________________________________________

كانت سماء مدينة فانكوفر ملبّدة بالغيوم صبيحة هذا اليوم منذرة بأمطار قريبة، حيث التزم أغلب سكّان المنطقة منازلهم عدا أولئك الّذين خرجوا قاصدين مدارسهم و جامعاتهم، أو مقرّ عملهم.

«تكاد تمطر»

نطق رايدر بهدوء و هو يطلّ بعينيه خارج نافذة السّيّارة مخاطبا رافاييل الّذي اكتفى بإصدار همهمة تكاد لا تسمع، جاعلا منه يلتفت ناحيته بسرعة يراقبه باستغراب.

«رافي؟»

نطق مجدّدا محاولا جذب انتباه ذاك الّذي واصل الغرق في تفكيره بينما يقود السّيّارة.

«رافاييل!»

بعد تلك الصّرخة، انتفض المعنيّ بفزع ينقل بصره بسرعة ناحية رايدر ليجده يحدّق به بحاجب مرفوع ضامّا ذراعيه إلى صدره.

مرّر بصره على المكان من حوله ثمّ عادت عيناه لتستقرّ على شقيقه الأصغر بينما يحمحم قائلا:

«ما الأمر؟ لماذا تصرخ هكذا؟»

أصدر رايدر تكّة بلسانه يمنع نفسه من الضّحك ثمّ أجاب:

«أصرخ؟ ربّما فعلت لأنّني ناديتك مرّتين و لم تلتفت لي»

«أحقّا؟»

أومأ الآخر برأسه قبولا و قال:

«أجل، حقّا»

زفر رافاييل بضيق و مدّ يده إلى جبينه يدعكه محاولا بثّ بعض من الرّاحة لعقله، ثمّ أردف بينما ينفض رأسه بخفّة:

«أعتذر إذا، يبدو أنّي شردت»

«بماذا؟»

وجّه بصره فورا ناحية رايدر مجدّدا بعدما أزاحه عن الطّريق ليجده يحدّق به بنظرة خبيثة جاعلا منه يبادله بأخرى تهديديّة قائلا:

«مجرّد أمور تخصّ العمل، لا داعي لكلّ هذا»

أعاد الآخر رأسه للخلف بينما يطلق ضحكة ساخرة ثمّ نظر لرافاييل مجدّدا.

«قلت عمل؟ مثل الّذي كنت تفكّر به في المقهى؟»

همهم رايدر مدّعيا التّفهّم و أضاف:

«فهمت ما تلمّح إليه، إذا أنت تستخدم كلمة "عمل" كلقب لتلك الآنسة حتّى لا أكشفك...حيلة ذكيّة، و لكنّني أذكى»

زفر رافاييل بنفاذ صبر و هو ينقل بصره بين رايدر و الطّريق أمامه ثمّ أردف مهدّدا:

«هل تريد مواصلة طريقك إلى الجامعة سيرا؟ أم أنّك ستصمت؟»

رفع الآخر حاجبيه بدهشة ثمّ لفّ عينيه بضجر بينما يعود بجسده إلى الخلف مستندا على ظهر الكرسيّ.

ارتدى قلنسوّة سترته السّوداء مخفيا وجهه تماما ثمّ ضمّ ذراعيه إلى صدره و علّق متذمّرا:

«أنت حقّا لا تملك حسّ فكاهة؛ مزعج»

لم يعقب رافي على ذلك و اكتفى بالتزام الصّمت بينما يواصل القيادة.

ساد صمت قصير بين الأخوين حيث كلّ ما كان يُسمع خلال تلك الدّقائق القليلة هو صوت اصطدام قطرات المطر الخفيفة بالهيكل المعدنيّ للسّيّارة، إلى أن كسره رافاييل بقوله:

«اسمع، أتذكر هارفي تلك؟ فتاة واجب الفلسفة الّتي تحدّثت عنها؟»

وجّه رافي نظرات جانبيّة لشقيقه محاولا ألّا يحيد بصره عن الطّريق، لكنّه و بسبب القلنسوّة الّتي كان رايدر يرتديها، لم يستطع أن يلمح الانكماش الّذي اعتلى وجهه مع نظرات الاشمئزاز الّتي وجّهها للفراغ أمامه، و ذلك قبل أن يجيبه بلا مبالاة:

«ما بها؟»

«اتّضح أنّ تلك الآنسة الّتي كانت برفقتها هي شقيقتها الكبرى»

همهم قبولا بينما لا يزال على وضعيّته و أردف محاولا مجاراة رافي:

«أحقّا؟ و كيف علمت؟»

«شقيقتها هي سكرتيرة الآنسة هاريسون، مديرة شركة نوفابيكسل للألعاب...و على ما يبدو هي نفسها من ستكون حلقة الوصل بيني و بين المديرة»

سرعان ما رفع رايدر رأسه يحدّج أخاه بنظرات متفاجئة قبل أن يصيح باندهاش:

«ماذا؟! هل أنت جادّ؟»

عقد رافي حاجبيه باستنكار و نطق بغير رضا:

«لا، أنا أكذب...لماذا سأخبرك بهذا إن لم يكن حقيقيّا؟»

تكّ رايدر لسانه و هو يعود لوضعيّته السّابقة ثمّ أردف بينما يطلق ضحكات مرتفعة يسخر من رافاييل:

«يبدو أنّه قد كان مقدّرا لكما أن تلتقيا قبل أن تراها في المقهى حتّى...هذه هي الفتاة المناسبة لك من دون شكّ؛ حتّى أنّ أعينك أشعّت بالقلوب فور رؤيتك لها»

صفع كتف شقيقه المنزعج بقوّة ثمّ علا بصوته أكثر محاولا إغاظته:

«متشوّق لأشهد على قصّة حبّك السّخيفة رافي؛ فقط عدني ألّا تجعلها مبتذلة رغم معرفتي بأنّ هذا سيكون صعبا عليك»

أنهى كلامه بضحكة ساخرة، ثمّ انخفض صوته لدرجة الهمس    و نبس مخاطبا نفسه:

«آمل فقط ألّا تكون كشقيقتها»

كلّ ما كان مسموعا تاليا هو صوت تأوّه رايدر الّذي تلقّى ضربة بمفاتيح المنزل على رأسه، تلاه الصّوت الصّارم لرافاييل:

«توقّف عن التّصرّف كالأطفال رايدر...لا أحبّها، و لست معجبا بها، و ليست نوعي المفضّل من النّساء حتّى»

أصدر رايدر صوتا متألّما مجدّدا و صاح بانفعال ممسكا برأسه:

«أتريد امرأة لا تفهم المزاح مثلك؟ لماذا ضربتي بالمفاتيح سحقا لك!»

رفع رافاييل حاجبه بهدوء يوجّه نظرات حادّة لشقيقه قبل أن يجيبه ضاغطا على كلّ حرف:

«هلّا تكرّر ما قلته؟»

جعّد الآخر أنفه باستنكار و أشاح بوجهه بعيدا يحدّق من خلال النّافذة من دون أن يعقب على ذلك جاعلا من أخيه الأكبر يهزّ رأسه بقلّة حيلة بينما يركن السّيّارة.

«جيّد، لقد وصلنا بالمناسبة»

همهم رايدر من دون أن ينبس بكلمة، و كان على وشك فتح الباب لأجل الخروج لولا أنّه امتنع عن ذلك فور تذكّره لأمر ما.

التقط حقيبة ظهره من المقعد الخلفيّ ثمّ صوّب تركيزه لرافاييل قائلا بنبرة جادّة:

«تذكّرت أمرا للتّوّ، كنت أريد إخبارك به قبل أيّام و لكنّي نسيت»

أزال الآخر يده من على المقود و وضعها على ساقه بينما يجيب باهتمام:

«كلّي آذان صاغية، ما هو؟»

«راودتني الفكرة قبل مدّة، و أظنّني مصرّا على ذلك...أنا أودّ إيجاد عمل»

رفع رافاييل حاجبيه بصدمة من التّصريح المفاجئ، جاعلا من الآخر يلحظ ذلك و يضيف موضّحا:

«أريد البحث عن عمل بدوام جزئيّ لأزاوله بعد الجامعة، على الأقلّ حتّى أتخرّج و أستطيع العثور على وظيفة مناسبة»

سكن مكانه و هو يرى رافاييل يهزّ رأسه نافيا، و لوهلة ظنّه سيرفض مباشرة لولا أنّه تفاجأ بالرّدّ القلق الّذي صدر عنه:

«ما الّذي جعلك تفكّر في العمل فجأة؟ هل بدر منّي تقصير في حقّك دون أن ألحظ و لم ترد إخباري بذلك؟ أم أنّك تريد توفير المال لأجل شيء ما؟ إن كان كذلك، أخبرني عنه و سأتدبّر الأمر بنفسي»

«ليس كذلك، لكن بدأت أشعر حقّا بأنّه لم يعد لائقا أن أكون عالة عليك بينما كلّ ما يفصلنا هو سبع سنوات، أريد المساعدة بدل المبالغة في الاعتماد عليك»

أشاح بوجهه بعيدا في نهاية كلامه متحاشيا نظرات رافي الّذي أجاب فورا مؤكّدا على رأيه:

«و إن كنت أنا من يريد الاعتناء بأخي الأصغر حتّى لا يرهق نفسه بشيء عدا الدّراسة -رغم أنّي لم أرك تفتح كتابا منذ المدرسة الإعداديّة حيث فقدت السّيطرة عليك-؟ ألا يحقّ لي؟ سبع سنوات ليس فارقا عمريّا صغيرا لعلمك و يمكنني معاملتك كطفل صغير من دون أن تعترض، لذا لا أوافق على عملك رايدر»

زفر المعنيّ بضيق قبل أن يفتح باب السّيّارة بعنف ممسكا بحقيبة ظهره، بينما يلقي بكلماته بغيظ:

«تبّا لك رافي»

و حينها خرج مباشرة صافعا الباب خلفه، ليتقدّم ناحية مبنى الجامعة من دون أن يلتفت خلفه حتّى، ما جعل رافاييل يبتسم بخفوت و هو يراقبه متمتما بصوت خافت:

«لستَ أخا أكبر، لذا لن تفهم هذا»

.

.

༺༺༺༺༻༻༻༻

.

.

سار رايدر في الممرّ بهدوء، يداه في جيوب بنطاله، و يضع سمّاعات رأسه متجاهلا كلّ ما حوله.

لقد وصل باكرا اليوم بسبب عمل رافي، و لا مزاج له لفعل شيء الآن عدا مواصلة نومه داخل الصّفّ.

لا زال غير قادر على فهم سبب رفض رافاييل لرغبته في إيجاد وظيفة رغم أنّه قد كبر بالفعل و لم يعد طفلا.

هذا مزعج حقّا..

حالما وصل، وقف يحدّق بالباب بهدوء لبضعة ثوانٍ قبل أن يقرّر بأنّه ليس في مزاج لتنفيذ دخوله المعتاد.

فتح الباب بشطل طبيعيّ، ثمّ سار إلى الدّاخل و هو يتثاءب غير مكترث بما إن كان هناك طلّاب آخرون بالدّاخل أم لا..

من يهتمّ للآخرين في نهاية المطاف؟

مدّد ذراعيه في الهواء و هو يجول ببصره حول المكان بسرعة، و قد اعتقد لوهلة أنّ المكان فارغ تماما حتّى وقعت عيناه عليها.

كانت إيلينور تجلس في مكانها المعتاد، و قد بدا أنّها كانت تعبث بهاتفها قبل دخوله نظرا لأنّه كان لا يزال بين يديها و هي تراقبه الآن.

رفع طرف شفته باستنكار و هو يراها، ثمّ أزاح بصره بعيدا   و تقدّم من مقعده يجلس عليه بهدوء متجاهلا وجودها تماما.

لقد كان يفعل ذلك دوما قبل أن يتعرّف عليها...أعني، هو لم يتحدّث معها قطّ سابقا، لذا لن يشكّل الأمر فارقا لديها، و هو سيرتاح أكثر.

في نهاية المطاف، توسعة دائرة معارفك هي أسوأ ما قد تقترفه في حقّ نفسك..

من يدافع بذلك الشّكل عن شخص مبتذل التقاه قبل يومين كأقصى تقدير؟

رايدر ميرفي قد يتسامح مع أيّ شيء عدا ما يمسّ كبرياءه، و استنقاص أحدهم لما يزعجه يعتبر من ضمن ذلك.

حمل هاتفه يغيّر الأغنية لأخرى هادئة حتّى تساعده على النّوم، ثمّ ألقى برأسه على سطح المنضدة يغمض عينيه و يستسلم لتعبه.

في النّاحية الأخرى، كانت إيلينور جالسة في آخر الصّفّ تواصل مراقبة ذلك الّذي يبدو بأنّه قد قرّر أخذ قيلولة قبل وصول البروفيسور.

ما قصّة تلك النّظرة الّتي منحها لها عند دخوله؟ هل ضرب رأسه بشيء ما في طريقه إلى هنا؟

على كلّ حال، ليفعل ما يحلو له، و لتفعل ما يحلو لها..

وضعت الهاتف على سطح الطّاولة و مدّت ذراعها ناحية حقيبة ظهرها تخرج الدّفتر الأحمر منها.

فتحته على صفحة فارغة، ثمّ أخذت قلمها و بدأت تخطّ عليه بخفّة تمرّر أعينها بين الورقة و رايدر الّذي بدا مستغرقا في النّوم.

ليبقَ كذلك لوقت أطول قليلا حتّى لا يفسد الرّسم، و ليفعل ما يريده بعد ذلك..

واصلت إيلينور نسخ صورة إلهامها على الورق مراعية أدقّ التّفاصيل لدرجة كادت تلتصق عيناها بالورقة.

رفعت بصرها ناحية رايدر مجدّدا، لتفترق شفتاها بنوع من المفاجأة.

لقد حرّك رأسه قليلا، و هو ينظر مباشرة لها الآن..

لقد رآها، و قد أدرك أنّها ترسمه من دون شكّ..

عضّت إيلينور على شفتها السّفليّة بارتباك غير قادرة على قطع التّواصل البصريّ بينهما...و لكنّه قام بالمهمّة و أشاح بعينيه بعيدا قبل أن تراه يستقيم من مكانه و يتقدّم بخطوات ثابتة ناحية أحد المقاعد الخلفيّة في الزّاوية، حيث وقف أمام الشّابّ الّذي كان جالسا هناك، و استطاعت أن تدرك بأنّه يحدّثه حول أمر ما.

لقد أشار له للتّوّ ناحية مقعده السّابق..

سحقا، هل سيبدّل الأماكن معه؟ و لقد استقام الفتى الآخر بالفعل، أي أنّه وافق..

يا لهذا الحظّ العاثر!

راقبت الفتى و هو يتقدّم ليجلس مكان رايدر، ثمّ نقلت أعينها ناحية هذا الأخير لتجده قد اتّخذ جلسته في ذلك المقعد البعيد و كأنّه يتقصّد منعها من رسمه.

أم أنّه حقّا أراد ذلك؟ لكن لماذا؟

كان بإمكانه أن يأتي لها مباشرة و يخبرها أنّه لا يريد منها رسمه، لذا ما الحاجة لهذه الألعاب الملتوية؟ تبديل أماكن؟ هل هو جادّ؟

زفرت إيلينور بضجر قبل أن تصفع دفترها مغلقة إيّاه بقوّة جعلت رايدر ينتبه لذلك قبل أن يتجاهل الأمر، ثمّ ألقت به داخل حقيبتها و أسندت رأسها على سطح الطّاولة بنيّة أخذ قيلولة قبل وصول البروفيسور.

.

.

༺༺༺༺༻༻༻༻

.

.

«أجل، أجل سيا...يوم الأربعاء المقبل، صحيح؟»

تساءلت إيلينور بينما تعدّل من وضع الهاتف قرب أذنها و هي تسير عبر الممرّ غير ملقية بالا للطّلّاب المنتشرين من حولها، ليصلها صوت لوسيا من الجهة الأخرى للسّمّاعة:

«سأتّصل بك في كلّ الأحوال قبل وصولي لباب منزلكم، لقد وافق ثيودور على إعارتي سيّارته»

«لديك أخ رائع حقّا»

«إنّه مزعج في كثير من الأحيان، لكن شكرا...و بالمناسبة، سيأتي معي عندما آتي لأقلّك لأنّه سيمرّ على المتجر الّذي يعمل به لمزاولة نوبته المسائيّة»

همهمت إيلينور بتفهّم و أجابت قائلة:

«فهمت، لا مشكلة إطلاقا...و ستكون فرصة رائعة لنلتقي بما أنّنا لم نرى بعضنا كثيرا مؤخّرا في الجامعة»

تنهّدت لوسيا بيأس و أجابت موافقة إيّاها:

«هذا كلّه بسبب اختلاف تخصّصاتنا و جداول حصصنا، إضافة لازدياد الضّغط علينا هذه السّنة»

«لا بأس، سنعوّضها بتلك الأمسية»

«بكلّ تأكيد»

كانت إيلينور على وشك استئناف الحديث، إلّا أنّها توقّفت للحظة و هي تلمح من بعيد شابّا بشعر أشقر و أعين بنّيّة يلوّح لها بينما يقترب منها.

«لينو؟ ألا تزالين على الخطّ؟»

أعادت انتباهها فورا لحديث لوسيا، ثمّ أجابتها على عجلة:

«سأعيد الاتّصال بك لاحقا سيا، هيوغو قادم ناحيتي و لا أريد أن يوجّه لي أسئلة كثيرة»

سرعان ما أتاها الصّوت المستفهم للأخرى الّتي تساءلت بصوت مرتفع:

«مهلا! من هو هيو-»

قطعت إيلينور الاتّصال قبل أن يتسنّى للوسيا إنهاء جملتها تزامنا مع وقوف هيوغو أمامها.

«مساء الخير»

ابتدأ الحديث بابتسامة مشرقة على وجهه، جاعلا من الأخرى  ترسم ابتسامة كذلك بينما تردّ قائلة:

«أهلا هيوغو، هل هناك أمر ما؟»

مطّ شفتيه بعبوس بينما يهزّ رأسه نافيا، ثمّ أردف:

«الأصدقاء لا يحتاجون سببا لإلقاء التّحيّة على بعضهم كما أظنّ...و لكن بما أنّك جئت على ذكر الأمر، فسأحبّ أن تسدي لي خدمة لو لم تمانعي»

عقدت إيلينور حاجبيها باستغراب ممّا سمعته..

هل قال خدمة؟ لم يمضِ أسبوع حتّى على معرفتها به و هو الآن يريد أن تنفّذ له طلبا؟ لتأمل فقط أن يكون أمرا معقولا.

«يعتمد الأمر على ما ستطلبه منّي»

أجابت موضّحة ليلقي هو بكلماته مباشرة:

«لقد ارتبكت قليلا عند شرح مدرّس مادّة الفلسفة لمحاضرة اليوم؛ و بما أنّك أكبر منّي بسنتين، و قد درستِ سابقا ما أدرسه أنا الآن، فكّرت في أنّك قد تستطيعين مساعدتي قليلا لفهم الأجزاء الّتي اختلطت عليّ»

أشاح بأعينه بعيدا في نهاية كلامه بينما امتدّت يده إلى رقبته يدلّكها بتوتّر، ثمّ أضاف قبل أن يتسنّى لها الحديث:

«لن يأخذ الأمر أكثر من نصف ساعة، أعدك»

وقفت عسليّة الأعين مكانها تراقبه متصنّمة بينما تفكّر مليّا في طلبه.

حسنا؛ في الحقيقة، هو لم يطلب الكثير...و لكنّ إجابتها ستعتمد على ما إذا كان لديها وقت فراغ أم لا.

و وقت الفراغ بالنّسبة لشخص مثلها هو كلّ وقت لا تمتلك حصصا فيه، و لا تستغلّه لتجسيد فتى مصنوع من الفوضى على الورق.

و بالمناسبة، لقد كادت تنسى بأنّ هيوغو طالب سنة أولى و يصغرها بعامين لولا أنّه ذكر ذلك الآن...

سرعان ما لاحظت كيف بدأت قدمه تطرق أرضيّة الممرّ بتوتّر، و حينها أدركت بأنّ صمتها قد طال أكثر من اللّازم.

حدّقت بعينيه لثانيتين قبل أن تعتلي وجهها ابتسامة خفيفة و تجيبه محرّكة رأسها قبولا:

«حسنا، لا مشكلة»

صمتت للحظة تستوعب أمرا ما ثمّ أضافت بإدراك رافعة سبّابتها بينما تواصل التّحديق به:

«تذكّرت للتّوّ؛ ليس لديّ دروس خلال السّاعة المقبلة، لذا إن كنت متفرّغا كذلك فسأساعدك الآن»

راقبت كيف بدأ توتّره بالتّلاشي تدريجيّا، ليبتسم بخفوت و هو يدفع خصلاته الذّهبيّة إلى الخلف قبل أن يجيب بامتنان:

«أنا متفرّغ الآن كذلك...أشكرك حقّا على قبول مساعدتي إيلينور»

همهمت بتفهّم و أجابته قائلة:

«على الرّحب و السّعة»

صمتت للحظة تعيد خصلة من شعرها خلف أذنها ثمّ أضافت بينما تتقدّم إلى الأمام:

«يمكننا الجلوس عند النّافورة الّتي تتوسّط الحرم الجامعيّ، فالمكان مريح هناك بالنّسبة لي»

تبعها هيوغو بأعينه قبل أن يدسّ يديه في جيوب بنطاله و يتبعها بينما يجيبها رافعا كتفيه:

«بكلّ تأكيد، لا مشكلة لديّ»

.

.

༺༺༺༺༻༻༻༻

.

.

في منتصف الحرم الجامعيّ حيث كان العديد من الطّلّاب منتشرين في الأرجاء، جلست إيلينور قرب النّافورة ممسكة بقلم و دفتر ملاحظات هيوغو الّذي كان ينصت باهتمام شديد لما تقوله بينما يتبع حركة أصابعها.

«هل فهمت هذه النّقطة؟»

باغتته بسؤالها جاعلة منه يرفع عينيه لوجهها بسرعة، قبل أن يبتسم بخفّة و يجيبها قائلا:

«قليلا»

«قليلا؟»

كرّرت متسائلة ليوضّح هو أكثر:

«لقد استطعت استيعاب ما كنتِ تقولينه قبل لحظات، و لكن أعتقدني بحاجة لسماعه مجدّدا...هلّا تعيدين الشّرح رجاءً؟»

تنهّدت بخفّة قبل أن تومئ برأسها قبولا و تزيح عسليّتيها ناحية الدّفتر تكرّر على مسامع هيوغو ما شرحته له قبل قليل.

و لكنّه هذه المرّة، و بدلا من الإنصات لها ليفهم أكثر، انشغل بأمر آخر تماما...فبينما هي تتحدّث و تدوّن له الملاحظات، لم يزح هو بصره عنها.

لم يستطع فعل ذلك..

اعذروه، و لكنّ وجه إيلينور هارفي ليس منظرا يمكنه رؤيته في أيّ وقت لذا...ليستغلّ الفرصة ما دامت متاحة له.

واصلت هي الشّرح بينما لم يسمع هو كلمة ممّا كانت تقوله..ليأمل فقط ألّا تباغته بسؤال ما، لأنّه حينها لن يملك إجابة على أيّ شيء يخصّ الفلسفة.

ما هو رأيها به يا ترى؟ لقد قبلت صداقته، لذا فمن غير المعقول أن تكرهه.

لكن، و بكلّ صراحة؛ أيّ شيء سيهون ما دامت لا تراه كطفل سنة أولى..

ما الّذي كان سيحدث للعالم مثلا لو أنّه ولد قبل سنتين فقط من الآن ولم يكن أصغر سنّا منها؟ هي سنتان فحسب، و لكنّه لا يعلم بعد إن كانت نوع الفتيات الّلائي لا يتقبّلن أن يرتبطن برجال أصغر منهنّ و لو كان الفارق أشهرا، أم أنّها لا تهتمّ بذلك.

على كلّ حال، هو سيبحث عن طريقة لإيجاد جواب لكلّ سؤال يراوده...و لصنع أجوبته الخاصّة ليستبدل بها الأجوبة الّتي لا تروقه.

و الأمر سيبدأ من رايدر ذاك..

الأمر مربك قليلا و لا يبدو واضحا، لكنّ شعورا بداخله يخبره بأنّ في هذا الأمر أمرا ما.

لم تبدُ علاقتهما كالأصدقاء، لذا ذلك لم يكن سبب رسم إيلينور له حتما.

و لا يبدو بأنّ أيّ علاقة تربطهما بحسب ما رآه في الأيّام السّابقة.

هو يعلم بأنّهما في صفّ واحد، و لكنّه ليس الوحيد الّذي يدرس معها...لذا آخر توقّع له، هو أن يكون رايدر يحبّ إيلينور سرّا رغم أنّ هذا غير متوقّع منه؛ لكن بالعودة ليوم أمس، هذا هو الشّيء الوحيد الّذي يفسّر ردّ فعله العدائيّ اتّجاهه، و وصوله لدرجة إلقاء كلام جارح كذاك لها بسبب عتابها له.

بكلّ صراحة، هذا أقلّ ما قد يتوقّعه أيّ أحد من فتى مثله...شخص لا يكترث بمشاعر من حوله مهما قرّبهم منه، و لا يصلح للحبّ بتاتا بأيّ شكل من الأشكال.

ذاك ما اعتاد سماعه عنه منذ دخوله الجامعة، و يبدو أنّ كلّ الشّائعات صحيحة...هو لا يندم إطلاقا على اتّباعه لحدسه ذلك اليوم و إزعاجه بتمزيق الرّسم رغم أنّه لم يخطّط لذلك.

و لكنّه يستحقّ ما حدث في نهاية المطاف..

و بالمناسبة، يبدو أنّه سيتعيّن عليه مراقبة الوضع من بعيد حتّى يتأكّد من أنّ ذلك الشّابّ لن يستميل إيلينور ناحيته مجدّدا، فهو لا يستحقّها.

هي تستحقّ شخصا أفضل منه...و هذا الشّخص سيكون هيوغو أندريس من دون شكّ.

«هيوغو؟»

انتشله صوتها ذاك من دوّامة تفكيره، ليجدها تحدّق به بحاجبين معقودين.

سحقا، لقد كان يحدّق بوجهها كلّ هذا الوقت...كيف لم ينتبه لأنّه قد شرد أكثر من اللّازم؟

حمحم بإحراج ينظّف حلقه بينما يعتدل بجلسته، ثمّ أشاح بصره بعيدا عنها و أجاب مدّعيا الجهل:

«ما الأمر؟»

«بماذا كنت تفكّر؟ هل سمعت ما كنت أقوله حتّى؟»

«أجل، كنتِ تتحدّثين حول أشياء تخصّ الفلسفة»

«لا، كنت أوجّه إليك أسئلة حول ما تحدّثت عنه»

نبرتها بدت جادّة لدرجة جعلته يعيد توجيه عينيه ناحيتها بسرعة و محاولا اصطناع الثّبات بينما يردف متهرّبا حتّى لا يقع في ورطة أكبر:

«ألم تنقضي النّصف ساعة بعد؟ أظنّها انقضت، و لم يعد بإمكاني أخذ وقت أكثر من هذا منكِ»

وقف و هو يلقي نظرات خاطفة على ساعة يده - و الّتي كانت متوقّفة أصلا-، ثمّ انحنى يلتقط دفتره و قلم الحبر خاصّته قبل أن يرسل غمزة سريعة لإيلينور الّتي ظلّت جالسة على وضعيّتها تراقب بدهشة تصرّفات هيوغو الغريبة.

«أراك في الأرجاء إيلينور، وداعا»

صاح بينما يلوّح لها و هو يتراجع إلى الخلف تدريجيّا، قبل أن  يستدير كلّيّا و يهرول تاركا المكان، و تاركا الفتاة في صدمة ممّا يحدث..

هل ضرب رأسه؟ ما قصّة هؤلاء الفتيان اليوم؟

راقبته متصنّمة إلى أن تلاشى و اختفى تماما عن مرمى بصرها، ثمّ هزّت رأسها متنهّدة بقلّة حيلة بينما تستقيم من مكانها تنفض الغبار عن ثيابها.

ألقت نظرة سريعة تتفقّد المكان من حولها، ثمّ قرّرت السّير باتّجاه المبنى قاصدة الصّفّ.

.

.

༺༺༺༺༻༻༻༻

.

.

«لقد عدت!»

صدح صوت إيلينور في أرجاء المنزل بينما تغلق الباب خلفها و تحمل حذاءها لتضعه على الرّفّ قبل أن يصلها صوت ناتالي من الأعلى:

«أهلا بك، كيف كان يومك لينو؟»

تقدّمت الأخرى تصعد الدّرج إلى الطّابق العلويّ متتبّعة صوت ناتالي بينما تجيبها:

«كان جيّدا، ماذا عن يومك أنتِ؟»

«كان يوما عاديّا»

ردّت إيلينور رافعة كتفها بعدم اهتمام بينما تدخل غرفة شقيقتها لتجدها هناك منشغلة بطيّ ملابسها و ترتيب أغراضها.

«ما الّذي تفعلينه؟»

تساءلت و هي تجول ببصرها في أرجاء الغرفة تتفحّصها بينما تستمع لجواب أختها الّتي لم تتوقّف عمَّ تفعله:

«شعرت برغبة في ترتيب غرفتي، و عليك فعل المثل قريبا لينو»

«أنا؟ لماذا؟ غرفتي مرتّبة»

ردّت مستفهمة و هي تتقدّم من السّرير لتجلس عليه، جاعلة من ناتالي تتوقّف للحظة تلقي عليها نظرة من فوق كتفها قبل أن تواصل عملها:

«ظاهريّا فقط...افتحي الأدراج و ستفهمين قصدي»

«سأرتّبها بعدما أغيّر ملابسي»

«جيّد، و أخبريني عندما تكونين على وشك التّخلّص من أيّ شيء»

«حسنا، سأذهب لغرفتي الآن»

همهمت ناتالي قبولا، لتكون تلك إشارة إيلينور الّتي استقامت من مكانها و سارت إلى الخارج قاصدة غرفتها المجاورة لخاصّة ناتالي.

دخلت مغلقة الباب خلفها، ثمّ ألقت بحقيبة ظهرها على سريرها بينما تتقدّم من خزانة ملابسها.

بحثت بين الملابس عن شيء مريح لترتديه...ثياب رياضيّة مثلا ستكون خيارا رائعا.

«وجدتها»

تمتمت مبتسمة بينما تسحب بذلة رياضيّة رماديّة اللّون، ليقع على إثر ذلك غرض ما و يرتطم بالأرض محدثا صوتا لفت انتباه إيلينور الّتي تتبّعت بعينيها مصدر الصّوت لتلمح إطارا ما ملقى قرب قدمها.

عقدت حاجبيها باستغراب للحظة ثمّ انحنت قليلا تلتقطه، ولحسن الحظّ لم ينكسر.

تفحّصته تتأكّد من سلامته ثمّ قلبته لتتّضح لها الصّورة المحتواة به..

لقد نسيت تماما بأنّها قد وضعتها هنا..

أمعنت النّظر جيّدا لتفاصيلها، من السّماء السّاكنة و الخلفيّة الّتي كانت حديقة ألعاب مفعمة بالحياة.

وصولا إلى الأشخاص الثّلاثة الّذين رقّت أعينها حالما وقعت عليهم..

رجل متوسّط القامة بشعر بنّيّ و أعين عسليّة، و ملامح وجه جادّة؛ على يساره وقفت امرأة أقصر طولا منه بقليل، ذات شعر أسود و أعين خضراء...و ابتسامة لطيفة تذيب القلب.

والداها..

انتقلت عيناها بعدها إلى الشّاب المبتسم صاحب الشّعر الأسود والأعين الخضراء الّذي وقف بينهما..

كان الأطول في الصّورة...فتى امتلك نفس والديها، و لم يمتلك نفس لون أعينها الّذي ورثته هي و ناتالي عن والدهم.

هانتر هارفي، شقيقها الّذي كان يكبرها بعامين...شابّ مرح شغوف بالحياة و ذو أحلام و طموحات كثيرة.

أو على الأقلّ، كان كذلك..

في الواقع، هي لا تزال تذكر جيّدا اليوم الّذي التُقطت فيه هذه الصّورة..

حينها كانت ناتالي قد غادرت لشراء بعض المياه، و ظلّت إيلينور الّتي لبّت طلب أخيها و التقطت له هذه الصّورة مع والديهم..

كان سيكون ذكرى سعيدة لو أنّه لم يكن نفس اليوم الّذي فقدت فيه ثلاثتهم و كادت تفقد حياتها، و ناتالي كذلك لولا أنّ أجلهما لم يحن بعد..

ليتهم عاشوا و توفّيت هي..

لقد ماتوا قبل التحاقها بالجامعة بشهر كامل...و ابتدأت مسيرتها الجامعية و هي لازالت لم تتخطّ فقدان ثلاثتهم.

و لم تنجح في تخطي ذلك إلى حدّ الآن..

ربما لهذا السبب انجذبت لفتى الفوضى في المقام الأول لتتخذ منه إلهاما لها..

لأنه كان يعكس كلّ شكل ممكن للفوضى التي كانت بداخلها آنذاك.

ألم..

وحدة..

فراغ..

و ضياع..

ربّما اختلفت فوضاه عن فوضاها في نقطة ما، و لكنّها تظلّ فوضى في نهاية المطاف..

شعرت إيلينور فجأة بشيء ساخن ينزل على طول وجنتها..و لم تتمكّن من كبحه.

هي تبكي..

و لا يمكنها التّحكّم بذلك..

خارت قواها فسمحت لجسدها بالوقوع لتتّخذ مكانها أرضا تضمّ ساقيها لجسدها واضعة رأسها بين ركبتيها، تتمسّك بتلك الصّورة بإحكام كأنّها حبل نجاتها الوحيد حتّى لا تنهار كلّيّا.

من القاسي أن يفقد شباب في مقتبل العمر ثلاثا من أقرب النّاس إليهم فجأة.

الأمر يبدو كحلم أحيانا...كيف قضت تلك الأوقات الجميلة كأنّها ستستمرّ للأبد، و الآن باتت تشعر كأنّ تلك الأوقات لم تمرّ عليها قطّ.

«إيلينور؟ ألا تزالين في غرفتك؟»

رفعت المعنيّة رأسها فجأة فور سماعها لصوت ناتالي الّتي اقتربت خطواتها شيئا فشيئا...و سارعت لمسح دموعها بكمّ سترتها تزامنا مع فتح الباب و ظهور أختها من خلفه.

«لينو؟ ما الّذي تفعلينه؟»

تساءلت باستغراب و هي تقترب قليلا، ليوقفها صوت إيلينور المختنقة بدموعها:

«لا شيء، إن كنتِ بحاجتي فيمكنك انتظاري بالأسفل وسآتي بعد لحظات»

لم تنجح في جعل صوتها يبدو طبيعيّا، و امتنعت عن النّظر لناتالي حتّى لا تراها على تلك الحال.

و لكنّ الأخرى استشعرت شيئا غير طبيعيّ، و اقتربت أكثر تجلس على الأرضيّة بجانب شقيقتها و تقرّبها إليها تحسّ باهتزاز جسدها، تلاه الشّهقات الخافتة الّتي صدرت عنها.

حدّقت بها ناتالي بنظرات حائرة للحظات و أردفت بقلق:

«ما الأمر؟ أخبريني حتّى-»

قطعت جملتها حالما لاحظت الشّيء الّذي كان بيد إيلينور؛ وافترقت شفتاها بإدراك و هي تمعن النّظر بتلك الصّورة.

زحفت عيناها ببطء تعود للنّظر لأختها، لتجد أنّ شهقاتها قد بدأت تخفّ شيئا فشيئا، و لم يكن لها سوى أن ربّتت على ظهرها بخفوت تخبرها بذلك أنّها معها.

«لم يكن لدينا شيء لنفعله في كلّ الأحوال...لو كانت هناك طريقة لإنقاذ حياتهم لما تردّدت في فعل ذلك»

تمتمت بخفوت ترمي بصرها من النّافذة المقابلة، لتعيده بسرعة إلى تلك الّتي نطقت بانكسار:

«أنا أشتاق لهم ناتالي...أشتاق لأمّي و أبي، و أشتاق لهانتر»

«هل تريدين النّوم في غرفته اللّيلة؟»

تساءلت بهدوء و هي تواصل التّربيت على ظهرها، لتهزّ الأخرى رأسها قبولا:

«أجل»

«المفتاح في غرفتي، سأفتح باب الغرفة لاحقا و يمكنك النّوم هناك...لكن عديني ان تتوقّفي عن البكاء، فهذا يؤلمني»

رفعت إيلينور رأسها قليلا و أدارته ناحية ناتالي، لتتبادل الاثنتان النّظرات لثوانٍ قليلة قبل أن تنطق:

«أحبّك ناتالي»

افترقت شفتا المعنية تستوعب للحظة قبل أن تبتسم بخفوت و تضمّ شقيقتها إلى صدرها بقوّة:

«و أنا أحبّك أيضا إيلينور»

أبعدتها عنها قليلا تحدّق بوجهها المحمرّ، ثمّ أردفت بصوت هادئ:

«ما الّذي تريدينه على العشاء؟ أم تريدين الخروج قليلا والأكل في مطعم ما حتّى تشعري بتحسّن؟»

صمتت إيلينور لبرهة تبادل شقيقتها النّظرات بينما تفكّر مليّا، ثمّ نطقت مشيحة بأعينها بعيدا:

«لا أريد الخروج...ليكن طعاما حارّا و حسب»

وجدت ناتالي نفسها تقهقه بخفّة بينما تستقيم من مكانها مرغمة الأخرى على فعل المثل.

«لن تتخلّي عن الطّعام الحارّ تحت أيّ ظرف إذا»

مدّت يدها تمسح الدّموع المتبقّية عن وجه إيلينور ثمّ أضافت برفق:

«هيّا عزيزتي، اغسلي وجهك بمياه باردة و اتبعيني إلى المطبخ حتّى تختاري ما تريدين أن أعدّه لك تحديدا»

أومأت الأخرى برأسها قبولا لتمنحها ناتالي ابتسامة أخيرة قبل أن تلتفت و تغادر الغرفة بينما تقول مؤكّدة على طلبها:

«أنا أنتظرك»

اختفت بعدها عن مرمى بصر الأخرى، تاركة إيّاها تقف في منتصف الغرفة بضياع..

ظلّت على تلك الحال للحظة ثمّ وجدت نفسها تعيد ما بيدها إلى الخزانة و تسير إلى خارج غرفتها قاصدة الحمّام..

لا يمكنها جعل ناتالي تنتظر كثيرا..

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فوضى وسكينة

المؤلف _aerithra_
2025/10/31 مستمرة
قائمة الفصول (26)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة