هانتر

هانتر

16 0

____________________________________________

خرج رايدر من الحمام و هو يجفّف خصلاته السّوداء بالمنشفة، و قد كانت أوّل وجهة له هي غرفته هو و رافي..

منذ حديثه إلى ذلك الأشقر و هو لا يبدو على ما يرام إطلاقا...رغم أنّه بدا و كأنّه يحاول تمثيل أنّ كلّ شيء بخير.

حتّى أنّه طلب عنوان ذلك الوضيع! هو فقط يرفض الإقرار له، و لنفسه بأنّه متأثّر لسماع كلّ ما قاله ذلك الأشقر.

رافاييل الآن في الغرفة يدّعي انشغاله بعمله، لكن من البديهيّ أنّه منغمس في التّفكير، فلحظات شروده تكفي كدليل.

و كأخ أصغر، يتعيّن عليه التّخفيف عنه بأيّ طريقة..

هو يتفهّم رافاييل بشكل كلّيّ، فلقد كان طفلا واعيا حينما رحل ذلك الرّجل، و قد عاش برفقته سنوات كان يناديه فيها "أبي"؛ فلا عجب أن تعود له ذكريات سيّئة عند سماعه عنه بعد عشرين سنة كاملة و هو يعلم جيّدا أنّ والده لا يكترث لأمره إطلاقا.

أمّا بالنّسبة لرايدر، فهو نفسه لا يكترث بأمر ذلك الرّجل و حقيقة إن كان والده أم لا؛ فهو لم يمتلك قطّ ذكريات عنه، و بالكاد أخبره رافي بأيّ شيء.

حتّى والدته لم تكن تحبّ الحديث عنه قبل وفاتها، و بعد رؤيته لصورة الأمس أصبح مستغربا من كيف قبلت الزّواج من شخص قبيح مثله.

لذا فهو لا يهتمّ و حسب..

الشّيء الوحيد الّذي يزعجه في هذه الفوضى كلّها، هو أنّ له ابنا مزعجا أصغر منه بسنتين، و يفترض أن يكون أخاه غير الشّقيق.

هو لا يريد أخا آخر غير رافاييل..

و لماذا من بين كلّ الأشخاص في العالم كان عليه أن يكون ذلك الأشقر المبتذل؟

لقد بدأ يكره نفسه فقط لحقيقة أنّ رابطة دم تربط بينه و بين طالب السّنة الأولى المغفّل و المستفزّ ذاك.

أبعد رايدر المنشفة عن رأسه و حرّكه بخفّة يزيل تلك الأفكار عن ذهنه برفقة قطرات الماء العالقة بخصلاته، ثمّ أطلّ برأسه يسترق النّظر إلى داخل الغرفة بحثا عن صاحب الشّعر البنّيّ.

«رافي، أنت هنا؟ أيمكنني الدّخول؟»

تساءل و هو يلمح سرير شقيقه فارغا، يزيد بذلك من استغرابه...لقد كان يجلس هناك حينما ذهب هو للاستحمام.

«و لماذا لا يمكنك؟»

شعر رايدر برعشة خفيفة تسري في جسده فور سماعه لذلك الصّوت يأتي من خلفه. و قبل أن يلتفت ناحيته، حتّى تخطّاه رافاييل و دخل الغرفة مضيفا:

«ما هذه اللّباقة المفاجئة؟ ليست غرفتي بمفردي في كلّ الأحوال»

لم يعقب الآخر على ذلك و تقدّم بهدوء يتبع أخاه الّذي ألقى بجسده على السّرير مباشرة.

«لقد كنت أغيّر ثيابي، فقد أنهيت العمل للتّوّ؛ اذهب لتفعل ذلك أنت أيضا و تخلد إلى النّوم»

جلس رايدر على حافّة سريره و انحنى بظهره إلى الأمام قليلا قائلا:

«ألم تنظر إليّ أم أنّك مشتّت لهذه الدّرجة؟ لقد خرجتُ من الحمّام للتّوّ»

أزاح الآخر أعينه ناحيته ببطء يمعن النّظر به ثمّ عاود النّظر إلى السّقف الفارغ مجيبا:

«لم ألحظ ذلك فقط»

هو ليس على ما يرام...و أكثر حتّى ممّا كان رايدر يتصوّر.

يبدو أنّه غرق في أفكاره أكثر من السّابق، و لابدّ و أنّه يفكّر في ما سيفعله بخصوص الأمر.

تبّا رافي، لماذا لا يتجاهله و حسب...ليس مهمّا لتلك الدّرجة.

استقام هذا الأخير من مكانه ملقيا بالمنشفة على السّرير ثمّ اقترب من شقيقه بهدوء قبل أن يسحب ذراعه بسرعة مرغما إيّاه على الجلوس باعتدال.

«لستَ على ما يرام رافي، أرى ذلك بوضوح؛ لنتحدّث في ما يزعجك»

حدّق به المعنيّ للحظة يمسح ملامحه، ثمّ هزّ رأسه نافيا:

«إقامة حديث تحتاج موضوعا؛ و لا موضوع لدينا»

«إن كنت ترى أنّ ذلك الرّجل ليس مهمّا لدرجة اعتباره موضوعا، فلماذا تزعج نفسك؟»

تساءل رايدر و هو يفلت يد رافاييل الّذي رقّت نظراته قليلا و هو يتفحّص وجه أخيه الأصغر، قبل أن يزفر بيأس و يردّ مبرّرا:

«رؤية تلك الصورة جعلت ذكرياتي القديمة تُعرض في ذاكرتي رغما عنّي؛ هذا كلّ ما في الأمر...سأكون بخير قريبا لذا لا تقلق»

هو يكذب..

رايدر يدرك جيّدا أنّ رافاييل لا يقول الحقيقة، أو على الأقلّ لا يقولها كاملة.

هو يعرفه جيّدا، و لا شيء قد يوصله لهذه الحالة عدا مشاكل العمل، أو أيّا كانت المشكلة الّتي تعترض طريق "أخيه الأصغر"...لذا فهو عمليّا قلق بشأنه أكثر من نفسه.

رغم هذا، ذلك لا يعني أنّ رافاييل لم يتأثّر ذاته بالأمر، لكنّه لا يفكّر فقط بنفسه.

«رافاييل؛ أنت لست متضايقا لأجلي، صحيح؟»

تساءل بجدّيّة يترقّب ردّ فعل الآخر الّذي لم يجبه، و اكتفى بالإشاحة بنظره بعيدا يتهرّب من الإجابة.

لا يمكنه قول شيء الآن...إن أكّد له شكوكه، فلن يتقبّل رايدر ذلك قطعا..

هو لم يكن قطّ أخا أكبر، و لم يمرّ بمثل تجربته، لذا فهو لا يدرك أنّ شخصا مثله سيفكّر به و بمشاعره قبل نفسه حتّى.

لقد أمضى عشرين سنة و هو يعتني به، و بعض منها كان رفقة أمّهما قبل أن تتوفّي...إذ كان ذلك كفيلا بجعله بمثابة عِوض عن الأب المهمل الّذي لم يره ابنه الأصغر قطّ..

ذلك الشّخص الّذي لم يظهر حتّى في أكثر الأوقات الّتي كانا بحاجته فيها، و لا في أهمّ لحظات حياتهما.

و الآن، عليهما التّعامل مع حقيقة أنّه منشغل بأسرته الجديدة، و أصبح أبا لشابّ آخر يفترض أن يكون أخاهما.

لكنّ التّفكير في التّعامل مع الأمر غير مجدٍ حقّا، لأنّه و بناء على ما يعرفه عن رايدر؛ فهو متيقّن من أنّه و هيوغو لن يتّفقا قطّ، و لا في أغرب الأحلام...خصوصا بعد آخر ما اكتشفاه، رغم أنّ لا ذنب ولا علاقة لأحد بهذا الموضوع عدا رين.

مع هذا، ذلك ليس سبب خلافاتهما على أيّة حال، بل مجرّد قطرة إضافيّة في كأس على وشك أن يفيض، لذا فليفعلا ما يشاءان بما أنّهما بالغان.

و هو حتما سيكون دائما في صفّ رايدر، لذا...المعادلة واضحة.

لا أحد سيجرؤ على أذيّة رايدر و لو بكلمات.

«رافي»

انتشله من تفكيره صوت صاحب الأعين السّوداء الّذي لوّح بيده أمام وجهه محاولا جذب انتباهه.

«أنت بخير؟ أين شردت؟»

أضاف بنوع من القلق جاعلا من الآخر يبتسم بخفوت و هو يفكّر قليلا..

عند التّدقيق في الأمر، لا يبدو أنّ رايدر قد كلّف نفسه عناء التّفكير بالأمر حتّى، و هو هنا يكاد يجنّ بسبب أفكاره...هذا جيّد حقّا، و سيزيح الكثير عن كاهل كليهما.

«لا شيء..دعنا ننم، و أعدك أنّ كلّ شيء سيكون على ما يرام غدا...نحتاج لقسط من الرّاحة فقط»

حدّق رايدر به للحظات يحاول تحرّي مدى صدق كلامه؛ و لم يجد مفرّا من الانصياع لطلبه.

هزّ رأسه قبولا ثمّ تقدّم ليطفئ الأنوار قبل أن يعود لسريره و يستلقي مباشرة.

«اسمع»

نطق فجأة و هو يصوّب نظره للفراغ في الأعلى؛ ليصله صوت الآخر الّذي كان يفعل المثل:

«ماذا؟»

«أعرفك جيّدا و ربّما أكثر من نفسك حتّى؛ لكنّي لن أضغط عليك لتعترف بنفسك…كلّ ما سأطلبه منك هو أن تستمع لكلّ الأمور العشوائيّة الّتي سأقولها من دون أن تجيب على ذلك، حسنا؟ ثمّ نم من دون أن تعلّق على شيء لأنّني سأندم على قول أشياء محرجة لاحقا»

«حسنا»

ساد بعدها الصّمت تلك الغرفة المظلمة؛ و لم تكن سوى ثوانٍ قليلة قبل أنّ يكسره صوت رايدر مجدّدا:

«رافاييل، كلانا يعلم أنّ تركه لنا يعني أنّه لا يعترف بنا كأبناء له؛ فلماذا نعترف به كوالد لنا؟ ألن يكون من الأسهل أن نعتبره مجرّد شخص عشوائيّ كبقيّة النّاس الّذين نلتقيهم؟ لا علاقة و لا رابطة غبيّة تعكّر صفو حياتنا؛ و الأهمّ، لا أخا إضافيّا من العدم لا نعلم عنه شيئا»

لم يردّ رافاييل على ذلك كما طلب منه تماما، ما جعل رايدر يضيف بينما يفكّر:

«أنا لم أتأثّر لمعرفة أيّ شيء من هذا، لذا إيّاك و التّفكير بي...لم أخبرك، و لكنّي لم أتوقّع أنّه تخلّى عنّا من دون سبب؛ كان من البديهيّ أنّه قد أنشأ عائلة جديدة غبيّة مثله»

تنهّد بملل ثمّ واصل:

«أنا لم أعش معه ما يجعلني أحزن لإنجابه ابنا آخر يهتمّ به؛ و لا أملك ذكريات تجعلني أكنّ له مشاعر ابن لأبيه، أو أعتبره جزءا منا...و أقول هذا لأنّي أعلم جيّدا بأنّك تحزن لأجلي أكثر ممّا تحزن لأجل نفسك؛ لذا فلتطمئنّ، أنا لا أمنح الأمر أيّ اهتمام، و لا يزعجني كلّ هذا و لو بمقدار ضئيل..و أتمنّى ألّا يزعجك أنت كذلك أمر من لا يستحقّ أن تكترث له»

ساد الصّمت مرّة أخرى، حيث كان رايدر يمعن التّفكير في الكلمات الحكيمة الّتي قالها.

في الواقع، لم يكن يعلم بأنّ لديه بعضا من الحكمة في ذلك العقل الفوضويّ..

لقد بدأ يشعر بالفعل أنّه عجوز هرم يتفوّه بالتّرهات..

زفر بخفّة محاولا إيجاد كلمات أخيرة ليختم بها حديثه ذاك، و لم يكن له سوى أن قال و قد ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة:

«أنتَ العائلة الوحيدة الّتي أحتاجها، رافاييل»

.

.

༺༺༺༺༻༻༻༻

.

.

«أحضرت الشّاي و الكعك!»

صاحت إيلينور بحماس و هي تدخل غرفتها ترى لوسيا تبتسم متدلّية من فوق السّرير بينما ساقاها فوقه قائلة:

«ماذا عن السّكّر؟ لا أحبّ الشّاي مرّا»

لفّت الأخرى عينيها بضجر بينما تضع ما بيدها جانبا و أجابت واضعة يديها على خصرها:

«أحضرته كذلك»

«رائع!»

صاحت بسعادة و هي ترفع يديها للأعلى، قبل أن تنزلق و تقع مرتطمة بالأرض.

«مؤلم!»

صاحت مجدّدا قبل أن تعتدل في جلستها على الأرضيّة، بينما تمسح بيدها على ظهرها تحاول تخفيف الألم.

كلّ ما صدر من الأخرى كان ضحكة شماتة قبل أن تعلّق ساخرة:

«تستحقّين ذلك»

«تبّا لك»

انفجرت الفتاتان ضاحكتين، لتسحب إيلينور صينيّة الشّاي و تضعها بينهما، تقوم بصبّه بسرعة من الإبريق إلى الكؤوس:

«أضيفي السّكّر بنفسك»

نبست و هي تضع الإبريق جانبا و تأخذ قطعة من كعك الشّوكولا و تحشرها في فمها.

لا شيء يضاهي هذا الطّعم!

«سخيفة، و كأنّ إضافة السّكّر ستجعلك تقعين في حبّ ذلك الفوضويّ»

تصنّمت عسليّة الأعين مكانها فجأة و نقلت عينيها ببطء ناحيتها لوسيا ترمقها بنظرات قاتلة، جاعلة منها تضحك بخفّة موضّحة:

«أعني أنّ ذلك هو شيء لا تريدين حدوثه...وكأنّك لم تضعي السّكر خشية أن يحدث»

أشارت لها بسبّابتها و أضافت بخيبة أمل:

«أنتِ لا تجيدين المزاح عزيزتي»

«تسمّين هذا مزاحا؟»

«لماذا؟ هل أنتِ واقعة في حبّه حقّا؟»

«سحقا لكِ سيا»

نبست بنفاذ صبر و هي تمدّ يدها ناحية سريرها تأخذ وسادة و ترمي لوسيا بها، تجعلها بذلك تتراجع بجسدها إلى الخلف مستلقية أرضا.

«أمسكتها!»

صاحت ضاحكة و هي تدفع نفسها للجلوس مجدّدا، قبل أن تردف بابتسامة جانبيّة مغيّرة الموضوع:

«ما رأيك أن نلعب لعبة الأسئلة؟»

انعقد حاجبا إيلينور فجأة، و وجدت نفسها تدفع جسدها إلى الخلف قليلا مجيبة بريبة:

«أسئلة؟ لست متأكّدة...عليّ توخّي الحذر من كلّ تحرّك لك»

منحتها الأخرى ابتسامة خبيثة، لتعلّق رافعة كتفيها بقلّة حيلة:

«عليك القلق إن لعبنا لعبة التّحدّيات...لكن لا شيء مخيف في الأسئلة»

معها حقّ نوعا ما...لكن من يعلم أيّ أسئلة تدور في ذهنها؟ لديها الكثير من التّوقّعات، و لا ترغب في التّفكير بها و حسب.

هل تثق بلوسيا؟ قطعا لا، فالفتاة مجنونة حرفيّا.

«ليكن إذا، لكنّي لا أريد أيّ أسئلة غريبة»

تنهّدت في نهاية كلامها رافعة يديها باستسلام، قبل أن تتغيّر نظراتها لأخرى حادّة و هي تشير ناحيتها بسبّابتها مضيفة:

«إن كنتِ تريدين الخروج من هذا المنزل بسلام طبعا»

رمشت المعنيّة تطالع إيلينور بتفاجئ، قبل أن تقهقه بقوّة و هي تلوّح بيدها في الهواء:

«دعينا من التّهديدات و هيّا نبدأ اللّعبة»

صفّقت عسليّة العينين بيدها معبّرة عن حماستها، و أردفت من دون أن تترك مجالا لتعليقات لوسيا:

«سأبدأ أنا...ما اسم آخر شابّ أُعجِبتِ به؟»

ارتفع حاجب الأخرى بتفاجئ من السّؤال، لكنّها سرعان ما ابتسمت بجانبيّة و علّقت:

«حدّدي الفترة الزّمنيّة»

«لا يهمّ، أخبريني من هو آخر شخص، و لو كان قبل عشر سنوات»

«هانتر»

توقّف الزّمن للحظة عند ذكر ذلك الاسم، يجعل من الدّماء تتجمّد في عروق إيلينور، لتضيف لوسيا بنبرة جادّة و دافئة حالما لاحظت ذلك:

«جدّيّا، لا أحد استطاع جذب انتباهي كما فعل هو، رغم أنّه لم يحاول حتّى...تعلمين أنّي أحببته حقّا، و لم يكن مجرّد إعجاب»

أحبّته...هذا صحيح.

لوسيا أحبّت هانتر رغم أنّه لم يكن يبادلها الحبّ، و دوما ما كانت تأتي لمنزلهم بحجّة لقائها، فقط من أجل أن تراه و تمدح مظهره متوارية خلف ستار الأخوّة.

هو كان مدركا لمشاعرها، و قد كان يعاملها جيّدا...لكنّه فقط لم يستطع أن يراها شيئا آخر عدا أخت أخرى له.

تماما كما يراها ثيودور هي..

لم تتحدّثا في الأمر حقّا بعد وفاته، و تجنّبتا مواضيع الماضي قدر الإمكان حتّى لا تعيدا فتح الجروح، لذا اعتقدت أنّها قد تكون تخطّت ذلك...لكن عند التّفكير مليّا، من الحماقة أن تفكّر في أنّ صديقتها قد تُعجب بأحد آخر بعد هذا كلّه و تحبّه كما فعلت مع شقيقها.

مالت إيلينور برأسها للجانب قليلا ببطء، ثمّ همهمت قبولا متمتمة:

«فهمت..»

ساد السّكون بين الفتاتين لبضع لحظات...و لتوّها، لاحظت لوسيا أنّ ذكرها لهانتر لم يزد الأمور إلّا غرابة. عليها حقّا التّفكير مليّا في المرّة القادمة، كان بإمكانها الكذب حتّى.

لكن ما عساها تفعل؟ ستشعر بالنّدم إن كذبت بشأن وقوعها لشخص بعده.

أخذت نفسا عميقا، قبل أن ترسم ابتسامة متّسعة على شفاهها و تفرقع أصابعها في وجه إيلينور تجذب انتباهها مجدّدا صائحة بحماس:

«دوري الآن...رايدر، أم هيوغو؟»

انفرجت شفتا إيلينور بعدم تصديق، تتراجع بجسدها إلى الخلف و تركل الهواء متذمّرة:

«آه سيا، رفضت الأسئلة الغريبة مسبقا»

«ليس سؤالا غريبا، لا تجادلي...لا يعقل أنّ كليهما لا يثيران إعجابك و لو قليلا»

«لوسيا..»

نبست بنبرة صارمة و هي تدفع نفسها للجلوس مجدّدا، ترى كيف بدأت المعنيّة ترمش و هي تطالعها ببراءة قائلة:

«هيّا لينو، فكّري بعقل فنّانة على الأقل، و ليس بعقل فتاة عاديّة»

صمتت إيلينور للحظة تحدّق بعينيّ لوسيا محاولة استيعاب طلبها.

عقل فنّانة؟ إن فكّرت بتلك الطّريقة، فإجابتها جاهزة منذ زمن.

«رايدر»

أجابت من دون تردّد، ترى كيف ارتفع حاجبا لوسيا بإعجاب واضح قبل أن تردف متسائلة مجدّدا:

«لماذا هو؟ هيوغو أكثر لطفا معك»

«طلبتِ منّي التّفكير بعقل فنّان...و هذه هي إجابتي، لأنّه أكثر جذبا لانتباه رسّام من هيوغو»

«ألهذا دفتركِ مليء بصوره؟»

شعرت إيلينور بالاختناق فجأة و وجدت نفسها تسعل بقوّة بينما تضرب على صدرها بخفّة...سحقا، هل رأته؟

«ماذا؟ ما الّذي‌ــ»

«رأيته حينما كنتِ تحضّرين الشّاي»

قاطتها بابتسامة ماكرة اعتلت شفاهها، ترى كيف أنّ الأخرى لفّت عينيها بملل و علّقت معاتبة:

«تبّا لك سيا، عليك الإقلاع عن عادة تفتيش أغراضي»

«لست أفتّش، بل أتأكّد من أنّ صديقتي الصّدوقة لا تخفي عنّي أسرارا»

زفرت إيلينور بملل تأخذ رشفة من كوبها، ثمّ أردفت محاولة تبرير موقفها:

«ليس سرّا حقّا، فقط أراه من زاوية فنّيّة لا غير...أقسم لك»

«صدّقتك، أنتِ لستِ خفيفة لهذه الدّرجة»

أجابت لوسيا ضاحكة باستمتاع في نهاية كلامها، لترسل لها غمزة دليلا على مزاحها، ترى كيف هزّت رأسها بقلّة حيلة قبل أن تستأنف الحديث:

«دعينا من هذا الآن، حان دوري لأسألك»

همهمت الأخرى قبولا تستعدّ لتلقّي السّؤال، و بالفعل لم تنتظر إيلينور أكثر حتّى نبست بريبة:

«بأيّ فرصة، هل ما زلتِ تحتفظين بصورتي من المدرسة الابتدائيّة؟»

أمنعت التّحديق بوجه سيا محاولة دراسة تغيّرات ملامحها بدقّة، لكنّ المعنيّة لم تكلّف نفسها عناء التّمثيل و أجابت من دون تردّد ترمقها بنظرات ماكرة:

«تلك الصّورة المدرسيّة الّتي بدوتِ فيها مريعة؟ أين كان شعرك مبلّلا و منفوشا بعدما وقعتِ في بركة مياه في طريقك؟ بكلّ تأكيد جميلتي»

«أظنّني طلبت منكِ تمزيقها»

«كيف أمزّق صورة بتلك الرّوعة؟ لا تنفكّ ترفع معنويّاتي في كلّ مرّة أنظر لها»

لفّت إيلينور عينيها بضجر و علّقت بانزعاج:

«حمقاء»

«شكرا، دوري الآن لأسأل...أخبريني شيئا لا أعرفه عن ناتالي، و ليكن شيئا يستحقّ»

رمشت المعنيّة بتفاجئ للحظة، تستوعب سؤال لوسيا، و ما لبثت أن أومأت برأسها مجيبة:

«حسنا دعيني أفكّر..»

انحنت بظهرها إلى الخلف تستند بيديها على الأرضيّة رافعة رأسها للأعلى، ثمّ راحت تفكّر مليّا و تسترجع كلّ معلومة تعرفها عن ناتالي.

لوسيا تعرف كثيرا من الأشياء عنهما، لذا عليها إيجاد شيء لم تخبرها به قبلا.

راقبتها الأخرى للحظات و هي تفكّر مليّا قبل أن تضرب كفّيها ببعضهما حالما قرّرت الإجابة:

«في الواقع، ناتالي دوما ما تصدّ أيّ رجل يحاول التّقرّب منها...أكاد أجزم بأنّها ستموت عزباء، لكن لا تخبريها بذلك»

افترقت شفتا لوسيا بدهشة لحظتها، و كأنّها لم تتوقّع سماع ذلك قطّ، و ما كادت تنطق بكلمة، حتّى استوقفها صوت خطوات ما قريبة منهما.

التفتت الفتاتان ناحية مصدر الصّوت، تلمحان ناتالي تقف عند عتبة الغرفة تستند بجسدها على إطار الباب ضامّة ذراعيها إلى صدرها. و قد كانت عيناها مثبّتتين على أختها فحسب حينما أردفت بلامبالاة:

«سمعتك عزيزتي...لماذا تريدينني أن أضيّع وقتي هكذا؟ أنا في السّابعة و العشرين من عمري، و لست بحاجة إلى علاقة لن تنتهي بزواج»

دفعت جسدها من على إطار الباب، ثمّ ألقت غمزة سريعة للوسيا الّتي بادلتها بابتسامة، قبل أن تلتفت و تسير ناحية غرفتها مضيفة:

«سأذهب لتغيير ثيابي، واصلا اللّعب»

راقبتها الاثنتان و هي تبتعد شيئا فشيئا، إلى أن دخلت غرفتها مغلقة الباب خلفها، لتلتفت الفتاتان مجدّدا تحدّقان ببعضهما قبل أن تنفجرا ضاحكتين.

ملأ صوتهما أرجاء المنزل، لتمسح لوسيا بطرف إصبعها دمعة كانت عالقة في زاوية عينها و تعلّق قائلة:

«أتّفق معها...إن كانت لا تريد المخاطرة بتضييع وقتها هباءً، فهذا‌ــ»

توقّفت فجأة عن الحديث حالما تبادر إلى مسامعها صوت رنين جرس المنزل، جاعلا من تقطيبة خفيفة تعتلي جبينها و هي ترى إيلينور تنظر لها بحيرة.

إنّها الحادية عشر ليلا، و ليسوا بانتظار أحد على حدّ علمها..

«الجرس؟ من قد يأتي في هذه السّاعة؟»

نبست باستغراب و هي تستقيم من مكانها بسرعة، تتبعها لوسيا بعينيها متسائلة:

«أيعقل أن يكون ثيودور؟ فلم أخبر أحدا سوى أمّي بأنّني سأبقى عندك»

«لا أظنّ...كان ليتّصل بدلا من البحث عنكِ هنا»

كانت وجهة نظرها منطقيّة، ترغم الأخرى على الاقتناع بها، إذ كان كلّ ما صدر منها هو همهمة دلّت على موافقتها.

ألقت عسليّة الأعين نظرة سريعة على الممرّ تلمح باب غرفة ناتالي مقفلا...لا زالت تغيّر ثيابها كما يبدو.

طرقت بقدمها الأرضيّة مرارا و تكرارا لبضع ثوانٌ، قبل أن تزيح عينيها نحو صديقتها و تردف:

«لحظة فقط سيا، سأتفقّد الباب و أعود بسرعة...افعلي أيّ شيء عدا تفتيش أغراضي»

استدارت مباشرة تخطو ناحية باب الغرفة، تسمع التّكّة السّاخرة الّتي أصدرتها المعنيّة بلسانها قائلة:

«سأفتّش إذا»

«مزعجة»

ألقت بذلك و هي تسارع للنّزول، طارقة في طريقها باب ناتالي:

«سأرى من على الباب»

لم تنتظر ردّا منها و نزلت السّلالم بسرعة، تدنو من باب المنزل بخطوات سريعة، قبل أن تمدّ يدها ناحية المقبض و تديره.

كانت عسليّتاها مثبّتتين أمامها، بانتظار رؤية هويّة الشّخص الّذي قرّر قصد منزلهم في هكذا وقت...و ما أن وقعت عيناها عليه، حتّى افترقت شفاهها بصدمة.

«لوكاس؟»

همست بغير تصديق و هي ترى شابّا ذا شعر بنّيّ و أعين خضراء يقف أمامها راسما ابتسامة بسيطة على وجهه و هو يلوّح بيده:

«أهلا إيلينور، مرّ وقت»

تنقّلت عيناها على وجهه تتفحّص ملامحه جيّدا، ثمّ نزلت تتفقّد هيئته ترى كيف كان يقف أمامها بطوله ممسكا بكيس ما بيده.

«وقت طويل جدّا...ما الّذي جاء بك في هذه السّاعة لوك؟»

تساءلت و هي لا تزال غير مصدّقة لما تراه أمامها، تلاحظ كيف ردّ دافعا بيده خصلات شعره:

«أيمكنني الدّخول؟ هل ناتالي هنا أيضا؟»

انتبهت إيلينور لتوّها بأنّها كانت تقف مغلقة الطّريق، و سرعان ما حمحمت بإحراج و تنحّت جانبا تفسح له المجال ليدخل قائلة:

«أجل، إنّها كذلك»

دخل الشّابّ بتردّد، و راح يجول بأعينه الخضراء حول المكان يمسحه جيّدا، و كأنّ ألفيّة قد مرّت منذ آخر مرّة دخله فيها.

«لم يتغيّر هذا المنزل إطلاقا»

علّق و هو يرى عسليّة الأعين تتقدّم أمامه بعدما أغلقت الباب، لتلقي عليه نظرات سريعة مجيبة إيّاه:

«تقصد شكله؟ لا، لا يزال تماما كما كان في الماضي»

أشارت له بيدها ليتقدّمها، و أضافت:

«تفضّل إلى غرفة الضّيوف، سأنادي ناتالي لنتحدّث»

«حسنا»

تمتم بينما يسير بخطوات سريعة ناحية الغرفة، يتقدّم من أقرب أريكة له ليجلس مباشرة تحت نظرات تلك الّتي أمعنت النّظر به و هي تفكّر في مدى واقعيّة ما تراه الآن.

لوكاس هنا بعد كلّ هذه المدّة؟ لوكاس الّذي كان أقرب صديق لأخيها يطرق بابهم في وقت كهذا؟ هذا غير قابل للتّصديق حقّا.

هزّت رأسها بخفّة تنفض كلّ ذلك عن ذهنها حالما لمحته يخرج هاتفه و يشرع في تصفّحه، ثمّ خرجت إلى ممرّ الطّابق السّفليّ و راحت تنادي بأعلى صوتها:

«ناتالي، انزلي بسرعة!»

«قادمة!»

أجابت بنفس النّبرة المرتفعة، تجعل من إيلينور تتنهّد بخفّة قبل أن تستدير و تدخل غرفة الضّيوف مجدّدا.

«هل يروق لك أن آتيك ببعض الشّاي، لوك؟»

نبست جاذبة انتباه ذاك الّذي رفع رأسه ببطء يبعد عينيه عن الشّاشة السّاطعة و يلقيهما صوب الواقفة أمامه، يجيبها بامتنان:

«أشكرك حقّا، لكنّي مستعجل...ربّما في المرّة القادمة»

«ليكن إذا»

أومأ الآخر لها راسما ابتسامة صغيرة على ثغره، قبل أن يصدح صوت أنثويّ قربهم جاذبا انتباه كليهما:

«ما الأمر؟ من كان على‌ـــ»

تثبّت نظر الاثنين فورا على ناتالي الّتي تصنّمت مكانها فجأة عند مدخل الغرفة، عيناها متّسعتان و فمها مفتوح بينما تطالع الجالس على الأريكة بعدم تصديق

«لوكاس..»

نبست بدهشة و هي تجرّ ساقيها ببطء إلى الدّاخل، تمرّر عينيها على كامل جسده بتفحّص.

هذا...غير متوقّع بتاتا.

«إنّه أنا!»

نبس مقهقها و هو يفتح ذراعيه جاعلا من الأخرى تنقل بصرها ناحية إيلينور الّتي كانت تراقب بصمت، و تدفعها للجلوس على الأريكة المقابلة لتفعل هي المثل.

ارتسمت ابتسامة بسيطة على وجه ناتالي، و سرعان ما أردفت مجدّدا مخاطبة لوكاس:

«مرّ وقت طويل، كيف حالك و حال عائلتك؟»

«بخير، شكرا على سؤالك»

أجاب و هو يبادلها الابتسامة، ليضيف مباشرة:

«والداي بصحّة جيّدة، أمّا أخي الأصغر فقد سافر قبل أشهر قليلة إلى الصّين لأجل الدّراسة»

«مثير للاهتمام، سعيدة حقّا بسماع هذا»

«شكرا...ماذا عنكما؟ كيف هي أحوالك أنتِ و إيلينور»

تساءل باهتمام و هو ينحني إلى الأمام مسندا ذقنه على قبضته، لتجيبه المعنيّة على الفور:

«كما ترى، لا نزال نعيش في هذا المنزل، أنا أعمل، و لينو تدرس...أحوالنا بخير حقّا»

«هذا جيّد جدّا»

منحته إيماءة خافتة، ثمّ استأنفت الحديث مجدّدا متسائلة:

«بالمناسبة، ما الّذي جاء بك إلى فانكوفر؟ ألست تعيش في تورونتو؟»

«في الواقع، لقد عدت إلى منزلي القديم»

«ماذا؟!»

صاحت الأختان في آن واحد، تجعلان من لوكاس يضحك بخفّة و هو يمرّر بصره بينهما، قبل أن يردف موضّحا:

«كما سمِعتما، قرّر والداي العودة إلى هنا مؤخّرا...تمّ نقل أبي مجدّدا بسبب عمله»

تبادلت كلّ من إيلينور و ناتالي النّظرات فيما بينهما، لتردّ هذه الأخيرة بتفهّم:

«أرى ذلك...أهلا بك مجدّدا إذا»

منحها ابتسامة امتنان، قبل أن يفرقع أصابعه فجأة حالما تذكّر أمرا ما:

«بالمناسبة، لقد زرت قبور السّيّد و السّيّدة هارفي فور عودتي، و هانتر كذلك...اشتقت له حقّا»

ابتسمت ناتالي شاكرة، بينما شعرت إيلينور بوخزة في صدرها عند ذكره لهم، لكنّها حاولت إخفاء ذلك حينما وجّهت سؤالها له:

«هذه أوّل مرّة تزور قبره بعد الجنازة، أليس كذلك؟»

على حدّ علمها فالمرّة الوحيدة الّتي عاد لوكاس فيها إلى هذه المدينة، كان يوم الجنازة، و لم تسمعا شيئا عنه بعدها حتّى هذه اللّحظة.

كانا ملازمين لبعضهما على الدّوام، و حتّى اتّصالاتهما كانت غير قابلة للعدّ..

لا تزال تتذكّر اليوم الّذي عاد فيه هانتر إلى المنزل متذمّرا من أنّ صديقه المقرّب سينتقل إلى تورونتو و لن يكون بإمكانهما اللّقاء بكثرة كما اعتادا...لكنّه لم يعلم بأنّهما سيلتقيان في وقت لاحق، و أنّه حينها سيكون أحدهما أسفل التّراب و الآخر يذرف الدّموع فوقه.

صداقتهما كانت أشبه بصداقتها مع لوسيا، و ربّما أفضل بكثير حتّى.

«أجل، تعلمين أنّي أتيت مسرعا حالما سمعت الخبر و حضرت جنازتهم...و قد عدت إلى تورونتو بعد فترة قصيرة من ذلك، و ها أنا ذا الآن»

أجاب بينما يعاود الاعتدال في جلسته، مخلّلا أصابع يده بين خصلات شعره، و هو يستمع لكلمات إيلينور:

«فهمت...ماذا عن الجامعة؟ ألا زلت ترتادها، أم أنّك قد تخرّجت بالفعل؟»

لاحظت الفتاتان كيف اعتلت حمرة طفيفة وجهه فور إلقاء ناتالي بذلك التّساؤل، لتمتدّ يده إلى مؤخّرة عنقه يدعكه بإحراج مجيبا:

«في الواقع..بخصوص هذا...توقّفت عن الدّراسة»

ارتسمت معالم الدّهشة على وجه الأختين بسبب تصريح لوكاس الّذي أشاح بعينيه بعيدا محاولا إخفاء خجله، يسمع تساؤل ناتالي:

«أحقّا؟ ما السّبب؟»

«شعرت فقط أنّ الدّراسة ليست لي، لكنّني سأجد شيئا لأفعله عمَّ قريب»

برّر معيدا عينيه ناحيتها يحاول إظهار مدى جدّيّته، لتهزّ الأخرى رأسها بتفهّم و تجيب بصدق:

«أتمنّى أن تنجح في ذلك»

«شكرا لك ناتالي»

بعد تلك الكلمات، ساد صمت قصير و تصاعد التّوتّر في أرجاء الغرفة.

كانت الأختان تطالعان الجالس أمامهما بهدوء و تحاولان التّفكير في شيء آخر للحديث حوله، بينما كان هو يعبث بأصابعه محاولا تخفيف الإحراج الّذي انتابه و هو يشعر بنظراتهما عليه.

لقد مرّ وقت طويل منذ آخر مرّة تحدّث إليهما، و هذا موتّر حقّا.

«أظنّنا سنراك كثيرا إذا»

كسرت إيلينور جدار الصّمت بكلماتها، تجعل الأعين تتّجه ناحيتها، قبل أن يهمهم لوكاس قبولا و يردف بنبرة جادّة:

«تعرفان منزلي، صحيح؟ إن كنتما بحاجة لأيّ مساعدة اطرقا بابي من دوني تردّد، سأكون سعيدا حقّا بذلك»

«شكرا لك لوك، المثل لك أيضا»

ردّت ناتالي بنبرة ممتنّة، فأفلتت منه قهقهة بسيطة حاول بها تجاوز الإحراج، ثمّ قال مغيّرا الموضوع:

«بالمناسبة، جئت لأجل شيء ما»

امتدّت يده مباشرة ناحية الكيس المتموضع بجانبه، يحمله و يقف من مكانه ليمدّه نحو ناتالي الّتي نظرت له باستغراب قبل أن تأخذه منه، تسمعه يتابع:

«وجدته هذا الصّباح في غرفتي...إنّه لهانتر، من الأيّام الّتي كنّا نتدرّب فيها على الملاكمة في الصّالة»

فتحت الكيس تحت نظرات كلّ من لوكاس و إيلينور، تلمح الغرض الموجود بداخله.

«قفّازات الملاكمة؟ ظننته قال بأنّه أضاعهم»

صرّحت ناتالي بذهول و هي تتأمّل محتوى الكيس قبل أن تمتدّ أصابعها إلى داخله، تسمع ردّ الفتى:

«حتّى أنا اعتقدت ذلك، لكنّي وجدتها أسفل سريري..اسمه مكتوب عليها»

حملت أحد القفّازين و راحت تقلّبه بين يديها ببكء شديد، إلى أن استقرّت عيناها على ذلك الاسم المكتوب بخطّ يد مألوف لها.

"هانتر هارفي"

«إنّه هو حقّا، شكرا على إعادته»

هزّ رأسه بخفّة و أجاب بهدوء:

«لا داعي لشكري»

كان صوتاهما واضحين تماما و هما يتحدّثان، إلّا أنّ إيلينور لم تكن تسمع شيئا من ذلك...فقد كان كلّ تركيزها منصبّا على تلك القفّازات لدرجة عزلتها عن العالم الخارجيّ.

قفّازات أخيها..

و لوهلة، عادت لها بعض الذّكريات الّتي كانت مخزّنة في زاوية مهجورة من عقلها.

أيّام المدرسة الثّانويّة، حينها كان هو طالب جامعة...لا تزال تذكر كيف كان يأتي ليقلّها في آخر المساء رفقة لوكاس مدّعيا بأنّه قد خرج لتوّه من الجامعة.

لكنّ المعدّات الرّياضيّة الّتي كان يضعها بقربه، و رائحة ثيابه كانت تفضحه في كلّ مرّة جاعلة منه يتوسّل لها لكيلا تخبر والديهما بأنّه تهرّب من حصصه مرّة أخرى لأجل التّمرين.

"ما الفائدة من أن أقضي ساعات مع الكتب إن لم أمتلك بنية قويّة؟"

كانت تلك العبارة الّتي لطالما ردّدها ليبرّر موقفه في كلّ مرّة يكتشف أبواهما أمره...و بالطّبع، لم تكن هي من تفضحه، بل لوكاس..

كان يفترض بها أن تكون ذكريات لطيفة...ذلك النّوع الّذي كلّما تذكّرته تدخل نوبة من الضّحك، لكن انتهى بها الأمر كذكرى تثير شعور الاختناق بداخلها.

هذان القفّازان تحديدا، كانت قد رافقته يوم قرّر شراءهما...في تلك الأثناء كان قد أخبرهم جميعا بأنّه يريد تجربة الملاكمة، و طلب منها مساعدته على اختيار واحد يناسبه.

صورته و هو يرتديهما و يسألها عن رأيها بشكله لا تزال محفورة في ذهنها لحدّ الآن...و هذا يؤلم بشدّة.

يؤلمها أنّها لن تستطيع عيش تلك الذّكريات مجدّدا، و لا الابتسام بسببها..

سمحت إيلينور لنفسها بالغرق في تفكيرها أكثر فأكثر، و لم تنتبه بأنّ دموعها قد بدأت في الانهمار رغما عنها، سوى حالما شعرت بيد دافئة تحطّ على وجنتها، معيدة إيّاها لأرض الواقع.

«إيلينور..»

داعب أذنها صوت ناتالي النّاعم، يجعلها ترفع عينيها ببطء من على القفّاز و تحدّق بوجهها، ترى كيف بدت قلقة.

قلقة لأنّها كانت تدرك سبب بكائها..

تنقّلت عينا لوكاس بين الفتاتين، و قد كان هو الآخر قد لاحظ نظرات إيلينور للقفّازات، ما جعله يقف من مكانه و يتقدّم ببطء ناحيتها.

«إيلينور، أنا آسف، لم أقصد أن‌ــ»

توقّف مكانه فجأة قبل أن يصل لها، يراها تهزّ رأسها بخفّة نافية:

«لا، لا بأس حقّا»

قاطعته بصوت خفيض و هي تستقيم من مكانها هي الأخرى، تلقي نظرة سريعة على لوكاس، ثمّ على ناتالي، قبل أن تخطو ناحية مخرج غرفة الضّيوف متمتمة:

«أعتذر، سأصعد لغرفتي»

لم تنتظر ردّا منهما، و واصلت طريقها مباشرة إلى الخارج، تصعد السّلالم قاصدة غرفتها.

هي تريد أن تبكي بشدّة، و بأعلى صوتها لأجل أن تتخلّص من هذا الاختناق الّذي يكاد يقتلها.

تفتقده بشدّة، و تفتقد والديها و جميع ذكرياتهم معا...لماذا كان يجب على هذا أن يحدث؟

مسحت الدّموع من عينيها مفسحة المجال لأخرى جديدة، فقط لتتوقّف مكانها حالما لمحت لوسيا تخرج من غرفتها.

كادت تنسى أمرها تماما..

كانت تسير حاملة بيدها غرضا لم تستطع رؤيته جيّدا، و حال أن لمحت طيفها نبست بوجه مبتهج:

«إيلينور، لقد وجدتُ‌ـــ»

تصنّمت مكانها فجأة، و لم تقوَ على مواصلة حديثها ما أن وقعت عيناها على وجه إيلينور، ترى أنفها محمرّا و سيلا من الدّموع ينهمر من عسليّتيها.

اتّسعت عيناها بصدمة، و وجدت نفسها تقترب منها بخطوات سريعة تضع يدها على كتفها.

«لينو؟ ما الأمر؟ ماذا جرى؟»

تساءلت بقلق قبل أن تمسك بذراعها و تسحبها خلفها إلى غرفتها، لتقترب إيلينور من سريرها و تجلس عليه مستمعة لتساؤل لوسيا مجدّدا:

«أخبريني ماذا جرى؟ هل للأمر علاقة بالطّارق؟»

جلست قربها تضع يدها على ذراعها محاولة فهم ما يجري، و لم يكن من الأخرى سوى أن مالت برأسها للجانب تسنده على كتفها باستسلام.

راقبتها لوسيا بهدوء بينما تلفّ ذراعها حولها و تمسح على ظهرها برفق محاولة التّخفيف عنها...لكن لم يبدُ بأنّها تشعر بتحسّن.

بقيت الاثنتان على تلك الحال لبضع دقائق، فضّلت خلالها لوسيا أن تمتنع عن السّؤال و تكتفي بالسّماح لصديقتها بأن تبكي قدر ما تريد...فإن كان هذا سيخفّف عنها، لتواصل فعله..

كانت بضع ثوانٍ أخرى حتّى حرّرت إيلينور نفسها من ذراع الأخرى و ألقت بجسدها إلى الخلف تستلقي فوق السّرير محدّقة بالسّقف.

تبعتها لوسيا بزرقاوتيها، و قبل أن تفكّر في قول شيء حتّى وصلها صوت أنثويّ من خلفها:

«إيلينور»

التفتت ذات النّمش بسرعة تلمح ناتالي تقترب بهدوء ناحيتهما، و لم تفكّر حتّى حينما تساءلت بحيرة:

«ما خطبها؟ هل حدث شيء؟»

رفعت ناتالي كتفيها بقلّة حيلة و أجابت بصوت خفيض وصل مسامعها:

«عاد لوكاس صديق هانتر، و أعاد غرضا يخصّه..»

افترقت شفتا لوسيا بتفاجئ، و لم تحتج شرحا لتفهم الباقي...إيلينور حسّاسة جدّا تجاه كلّ ما يذكّرها بألفريد هارفي، آنجيلينا ميلر، و صاحب الأعين الخضراء، هانتر هارفي...و هذا حقّا ليس جيّدا لها.

تنحّت جانبا تسمح لناتالي بالجلوس مكانها، تراها تستلقي بجانب إيلينور و تحدّثها بهدوء:

«لينو، أتريدين أن آخذ إجازة غدا لنخرج قليلا؟ قد يساعدك هذا في تصفية ذهنك»

«أريد النّوم فحسب...سأكون بخير بحلول الغد»

أجابت بهدوء و دموعها تواصل النّزول على وجنتيها، تجعل من أختها تستفسر مجدّدا:

«متأكّدة؟»

أومأت برأسها قبولا، تجعل كلّا من ناتالي و لوسيا تتبادلان نظرات القلق، قبل أن تلتفت انتباههما مجدّدا حينما وجّهت كلامها لهذه الأخيرة:

«سأنام أنا على الأرض، خذي سريري»

لم تكد المعنيّة تفكّر في الاعتراض، حتّى نهضت الأخرى من مكانها و تحرّكت مباشرة نحو كومة الأفرشة الّتي جهّزتها سابقا، تأخذ بطّانيّة و تستلقي هناك مخفية نفسها أسفلها.

هي آسفة حقّا، لكنّها تحتاج بعض الوقت الآن لتحاول تخطّي حزنها للمرّة الألف.

أغمضت عينيها تشعر بنظرات الأخرتين عليها، قبل أن تسمع صوت ناتالي:

«فلترتاحي لوسيا...ستكون بحال أفضل يوم غد»

«شكرا نات»

سرعان ما سمعت إيلينور صوت خطوات شقيقتها و هي تمشي إلى الخارج، ملقية بآخر كلماتها بنبرة هادئة:

«ليلة سعيدة إيلينور، ليلة سعيدة لوسيا»

أغلقت بعدها الباب مباشرة، تاركة الفتاتين لتناما بسلام...و قد بدا بأنّ لوسيا قد فضّلت التزام الصّمت حتّى لا تزعجها.

هي قطعا لن تزعجها بما أنّها تريد التّخفيف عنها ليس إلّا...لكنّها لا تريد سوى الخلود إلى النّوم بأقصى سرعة حتّى تتوقّف أفكارها عن خنقها.

لم تسِر اللّيلة كما خطّطتا لها، لذا سيتعيّن عليها تعويضها في المرّة القادمة.

.

.

༺༺༺༺༻༻༻༻

.

.

كان نسيم الصّباح المتسلّل من النّوافذ يبعث الرّوح و يعيد النّشاط للأجساد الخاملة الّتي كانت تتجوّل في أرجاء الجامعة، تنتظر أن يحين موعد أولى الحصص.

و عبر ذلك الممرّ السّاكن حيث لم يكُن يُرى أحد، كانت فتاة بشعر أسود منسدل و أعين عسليّة تسير بهدوء قاصدة قاعة المحاضرات.

محاضرة الفلسفة مملّة بحقّ، لكن رغم ذلك عليها الحضور.

الشّيء الوحيد الّذي يبقي معنويّاتها مرتفعة هو أنّها ستستطيع رسم رايدر من دون أن يلاحظها.

يستحيل أن يلحظها بين كلّ أولئك الطّلّاب إن لم يتعمّد النّظر لها، و لن يشتبه حتّى بأنّها ترسمه بينما السّيّد براين يثرثر.

ارتسمت ابتسامة خافتة على شفاهها بمجرّد أن خطرت لها تلك الفكرة، قبل أن تهزّ رأسها بقلّة حيلة.

لا يمكنها التّحكّم بأفكارها حقّا، و هذه إحدى مشكلات أن تكون رسّاما.

سحبت هاتفها بسرعة تتفقّد السّاعة، و قد كان هناك متّسع من الوقت قبل المحاضرة...قد تقضيها بإصلاح رسوماتها القديمة ربّما.

أعادت إخفاء الهاتف داخل جيبها، ثمّ واصلت طريقها إلى القاعة تصعد السّلالم بخطوات سريعة، لتتوقّف فجأة حالما لمحت أمامها ثلاث فتيات يقفن عند أعلى الدّرج و يحدّقن بها بنظرات حادّة.

هذا مبتذل، يمكنها بالفعل توقّع أنّ السّمراء الّتي تقف في المنتصف هي القائدة أو أيّا كان ما يطلقنه عليها.

أبطأت من خطواتها قليلا تواصل الصّعود، إلى أن وصلت للأعلى تراهم يواصلن مراقبتها، و قد لاحظت القتاتين الأخرتين تتبادلن نظرات سريعة.

من يهتمّ لمثل هؤلاء أساسا؟

لفّت عينيها بضجر و هي تسير متخطّية إيّاهنّ، لكنّها تراجعت إلى الخلف لا إراديّا حالما شعرت بيد ما تسحبها من حقيبة ظهرها.

كيف تجرؤ على ذلك؟

«أبعدي يدك عنّي، لا أظنّنا مقرّبتين لتضعي يدك عليّ»

نبست إيلينور بحدّة و هي تنفض يد الفتاة عنها، ترى كيف ظهر الانزعاج على ملامح وجهها حينما ردّت قائلة:

«و لن أكون كذلك معك بكلّ تأكيد»

«ابتعدي عن طريقي، لست في مزاج للشّجار مع شخص مثلك»

نبست عسليّة الأعين بلامبالاة تتقدّم بنيّة مواصلة طريقها، إلّا أنّها توقّفت فجأة حالما ألقت الأخرى بكلماتها بكِبَر:

«شخص مثلي؟ عزيزتي، أنا فتاة لن تصبحي مثلها مهما حاولتِ...لا تغترّي بنفسك فقط لأنّ هيوغو يوليك بعض الاهتمام»

لحظة، هل قالت هيوغو؟ أتقصد نفس الهيوغو الّذي تعرفه هي؟ يبدو ذلك حقّا..

يا للسّخريّة، لقد كان عليها توقّع ذلك...إذا هذا كلّه كان لأجل هيوغو، و عليها الآن التّعامل مع معجبة مهووسة؟

وجدت إيلينور نفسها تتراجع ببطء إلى الخلف، قبل أن ترفع حاجبها بسخرية و تجيبها:

«إن كنتِ تعترضين طريقي لأجله، ألن يكون من الأسهل أن تقصديه مباشرة؟ أم أفهم أنّك تترجّينني أن أخبره بأنّ هناك حمقاء ما مهووسة به؟»

«أيّتها الوقحة! لا أفهم ما الّذي يراه فيكِ لدرجة أن يتجاهل حديثي له و يهرع إليك حال رؤيته لك!»

صاحت تلك الفتاة بسخط تضرب بقدمها على الأرض جاعلة من الواقفة أمامها تطالعها باشمئزاز و هي تلمح الفتاتين الواقفتين خلفها تتراجعان بضع خطوات للخلف.

ما الّذي تقوله هذه المجنونة؟ أيعقل أنّها رأتها من قبل؟

فكّري قليلا إيلينور، لا بدّ و أنّكِ رأيتها في مكان ما بما أنّها تتحدّث هكذا.

مهلا...هي تتذكّر الآن

ذلك اليوم، في حديقة الجامعة حيث التقت بهيوغو...لقد لمحت من بعيد هذه الفتاة تتحدّث إليه، و قد تركها بسرعة و كأنّه لم يكن مهتمّا بكلامها.

و لحظتها كان قد التفت و رآها هي..

إذا هذه المختلّة هنا تعتقده معجبا بها؟ أم أنّها تظنّهما معجبين ببعضهما؟ هراء حقّا..!

ارتفع حاجبا إيلينور ببطء شديد معبّرة بذلك عن دهشتها من التّفاهة الّتي ألقيت على مسامعها، ما جعلها تحرّك رأسها بغير تصديق و هي تدفع خصلاتها السّوداء إلى الخلف:

«هل أنتِ مجنونة أم متوهّمة؟ ألا ترين بأنّنا مجرّد صديقين عاديّين؟ لا داعي لتهويل الأمور بهذا الشّكل لأنّك لا تقومين بشيء سوى إظهار نفسك بمظهر إنسان غبيّ بتفكير غير سويّ»

مالت برأسها للجانب قليلا تشير بسبّابتها ناحية تلك الّتي واصلت توجيه نظرات قاتلة لها بأعينها البنّيّة، لتواصل باحتقار:

«و شيء كهذا لن يثير حتّى انتباه فنّان، لأنّه غير جذّاب مطلقا بأيّ طريقة كانت...فما بالك بشابّ عاديّ؟»

أحسّت السّمراء بهواء بارد لفح صدرها من شدّة الإحراج، تبعه ارتفاع حرارة جسدها الّذي اشتعل غضبا مخلّفا احمرارا طفيفا اعتلى وجهها، و سرعان ما لمحت إيلينور يد الفتاة تمتدّ ناحيتها، قبل أن تصيح فجأة بصوت مرتفع ساخط:

«فلتذهبي إلى الجحيم أيّتها الأفعى!»

شعرت بيدها تتموضع في منتصف معدتها، تدفعها بقوّة جاعلة من عينيها تتّسعان و شفتيها تفترقان بصدمة...و الشّيء التّالي الّذي استشعرته حواسّها، كان الإحساس المخيف لجسدها و هو يهوي إلى الخلف.

إنّها تسقط من على السّلالم، سحقا..

أطلقت صرخة لا إراديّة من شدّة الألم حالما ارتطم جسدها بالأرضيّة بقوّة، تشعر باهتزاز رأسها الّذي ضرب البلاط القاسي.

تعالت الأصوات من حولها تدريجيّا، تسمع بضع صرخات في المكان أوّلها كانت لتلك الفتاة السّمراء ذات الشّعر المجعّد، و تلمح بضع أجساد تحوم من حولها رغم أنّها بالكاد كانت قادرة على التّمييز بينهم.

تبّا، كانت سقطة مؤلمة، و لا تزال تؤلم حدّ الموت...وكأنّ إحدى عظامها كُسرت أو شيء من هذا القبيل.

لا، بل و كأنّ مطرقة هوت على رأسها و قامت بتهشيمه...الشّعور لا يطاق، و قد بدأت تشعر بالدّوار بالفعل.

سرعان ما أصبحت رؤيتها ضبابيّة، ترى المكان من حولها يختفي تدريجيّا، و بدأت الأصوات الّتي تعالت قبل قليل في التّلاشي شيئا فشيئا، لتشعر و كأنّها تغرق قاع المحيط.

هل هي تفقد وعيها الآن؟ و ما هذا الشّيء الّذي تشعر به على وجهها..؟ مياه؟ لا مستحيل، من أين ستأتي المياه.

أصدرت أنينا خافتا تشعر بألم حادّ ضرب رأسها، و قد كان آخر ما اخترق طبلة أذنها قبل أن تستسلم للواقع و تفقد وعيها، هو صوت ذكوريّ حادّ صدح في الأرجاء فجأة:

«هارفي!»

.

.

༺༺༺༺༻༻༻༻

.

.

في مكتبها، كانت ناتالي تجلس على المقعد الجلديّ تضع حاسوبها أمامها منغمسة تماما في عملها.

يتعيّن عليها مراجعة كلّ الملفّات السّابقة، و الملفّات الأخرى الّتي تلقّتها من بعض موظّفي الشّركة، و ليس لديها وقت كبير لإنجاز كلّ هذا.

العمل مرهق بحق!

سرعان ما وجدت نفسها تتراجع بجسدها إلى الخلف مستندة على ظهر الكرسيّ و رافعة رأسها للأعلى تحدّق بالثّريّة المعلّقة في منتصفه.

صحيح أنّ اليوم قد بدأ لتوّه، لكن متى سينتهي؟ هي لا تفكّر هكذا عادة، و لكنّها لسبب ما لا تملك أيّ طاقة للمواصلة.

أصدرت ناتالي نفسا عميقا، قبل أن تعاود الاعتدال في جلستها من أجل مباشرة عملها...لكنّها لم تكد تضع يدها على لوحة المفاتيح، حتّى لفت انتباهها شاشة هاتفها الّتي أضاءت فجأة تجعلها تنقل أعينها إلى جانب المكتب و تطالعها باستغراب محاولة قراءة اسم المتّصل.

«إيلينور؟»

همست بتفاجئ و هي ترى اسم أختها يضيء الشّاشة في وقت كهذا، رغم أنّه يفترض بها أن تكون في منتصف المحاضرة الآن.

هل نسيت إنجاز أمر ما كالمرّة الماضية أو ما شابه؟ هي لن تعود مبكّرا اليوم، لذا لن تستطيع مساعدتها حتما.

مدّت يدها مباشرة تضغط على زرّ الإجابة و تشغّل مكبّر الصّوت، تباشر في بدء الحديث بينما تستأنف تفحّص الملفّات المعروضة على شاشة الحاسوب:

«نعم لينو»

«ناتالي هارفي، صحيح؟»

تجمّدت أصابعها فجأة تتوقّف عن ضغط الأزرار فور أن التقطت أذناها صوتا ذكوريّا قادما من الجهة الأخرى للسّمّاعة بدلا من صوت أختها.

ارتسمت تقطيبة خفيفة على جبينها أظهرت استغرابها من الأمر، لكنّها لم تفضّل أن تجزم بحدوث شيء، و اكتفت بالحمحمة لتنظّف حلقها، قبل أن تجيب بنبرة رسميّة:

«من معي؟»

«عليك الذّهاب للمستشفى حالا، أُختك في طريقها إلى هناك في سيّارة الإسعاف، و معها صديقتها»

تكّ لسانه قبل أن يصدر تنهيدة طويلة مضيفا بجدّيّة تامّة:

«إنّها مصابة و فاقدة للوعي، لذا يفضّل أن تُسرعي»

بعد تلك الكلمات، لفحت برودة مفاجئة جسد ناتالي الّتي قرع قلبها بفزع من التّصريح الّذي سمعته.

هل قال أختها؟ أختها إيلينور؟ ما هو هذا المكروه الّذي حدث لها و أوصلها للمشفى؟! أيعقل أنّه أمر خطير؟

لكن لحظة، تمهّلي ناتالي...لا تعلمين من هو هذا الشّابّ الّذي يحدّثك حتّى، و الأهمّ من ذلك أنّه يتّصل من هاتف إيلينور.

ما الّذي يضمن لها أنّه لا يضمر شرّا؟ هي لا تعرفه، و لم يمنحها اسما حتّى.

«المعذرة، لكن من أنت؟ و ماذا يفعل هاتف إيلينور بحوزتك إن كانت صديقتها معها؟»

نبست بنبرة جديّة مشكّكة، و هي تضيّق عسليّتيها بشكّ منتظرة جواب الفتى الّذي زفر بيأس و أجابها مباشرة بضجر:

«هذا ما خطر لك؟ ليس "ما مدى خطورة إصابتها؟"؟ أنتِ سيّئة في لعب دور الأخت»

صمت للحظة سامحا للتّوتّر باجتياحها أكثر فأكثر، قبل أن يردف مجدّدا:

«على كلّ حال، لن تعرفيني حتّى و لو أخبرتك...سآتي للمشفى لاحقا و أعيد الهاتف لك، لكن عليك الذّهاب الآن»

رغم أنّها لم تكن تملك أيّ توقّع عن هويّة ذلك الشّاب، إلّا أنّ الجدّيّة الّتي التمستها في نبرة صوته جعلتها تهزّ رأسها قبولا مع علمها أنّه لا يراها، قبل أن تجيب و هي تدلّك أصابعها محاولة إخفاء قلقها:

«حسنا إذا، سأفعل...شكرا على الاتّصال بي و إخباري»

كلّ ما سمعته بعد ذلك كان نفسا عميقا صدر من الشّابّ، أتبعه بتصريحه المباشر:

«سأغلق الخط»

لم تكد تنبس بكلمة أخرى، حتّى لمحت الخطّ يُغلق مباشرة من دون تردّد.

هل تعتبره نبيلا أم وقحا؟ كيف يغلق الخطّ في وجهها مباشرة؟ أين الاحترام؟

أخذت نفسا عميقا تهدّئ به نفسها، قبل أن تحمل هاتفها من على سطح المكتب، و تغلق حاسوبها بسرعة بينما تستقيم من مقعدها.

لا وقت للمماطلة..

حملت حقيبة يدها تدسّ هاتفها بداخلها، ثمّ خطت من دون تردّد إلى خارج المكتب تقصد خاصّة المديرة.

لولا أنّها مرغمة على إطلاع المديرة لكانت قد خرجت من دون أن يسمع أحد بأمرها...سيعطّلها هذا، لكن ما باليد حيلة.

طرقت الباب بخفّة، و لكنّها لم تنتظر سماع الجواب و فتحت الباب مباشرة تدخل، لتردف من دون مقدّمات تلمح عينيّ المديرة تطالعانها باستغراب:

«آنسة هاريسون، لديّ حالة طارئة و عليّ المغادرة حالا...سأشرح لكِ الوضع لاحقا»

رمشت المعنيّة ببطء تستوعب ذلك بينما تمرّر بصرها على هيئة ناتالي.

يمكنها أن تلاحظ بوضوح أنّ لديها ظرفا مستعجلا، خصوصا من مشيتها و خطواتها السّريعة غير المعتادة.

همهمت قبولا و أجابت بينما تشير بيدها ناحية الباب:

«بالتّأكيد، اذهبي و سأستمع لكِ حينما تكونين متفرّغة»

أومأت ناتالي برأسها بينما تتراجع إلى الخلف برويّة، قبل أن تلتفت خلفها و تخطو مهرولة إلى الخارج قاصدة سيّارتها.

أمور المستشفى لا يجب الاستهانة بها...خصوصا إن كان ذلك يخصّ إيلينور.

فتحت باب السّيّارة تدخل بسرعة، لتخرج مفاتيحها و تشغّلها قاصدة المستشفى مباشرة.

ليكن خيرا رجاءّ..

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فوضى وسكينة

المؤلف _aerithra_
2025/10/31 مستمرة
قائمة الفصول (26)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة