رايدركيولا

رايدركيولا

20 0

____________________________________________

خلال وقت الغداء، و بينما كان جميع الطّلّاب يتناولون وجباتهم قبل العودة للحصص..كان هو يسير في أروقة الجامعة..

يداه في جيوب بنطاله الرّياضيّ أسود اللّون المماثل للون سترته، حيث الشّيء الوحيد الّذي كان بلون فاتح عدا بشرته هو قميصه الأبيض..

و خصلات شعره الأسود تبعثرت بطريقة جميلة بفعل نسمات الهواء المتسلّلة من النّوافذ الصّغيرة..

كان رايدر يتجوّل بين القاعات بخطوات هادئة يتفحّصها جميعها واحدة بواحدة..

و كلّ هذا فقط ليجدها..

إيلينور هارفي..

هي ليست في الكافيتيريا. و هو متيقّن من أنّ صديقتها تلك لم تأتِ اليوم. لذا يظلّ احتمال واحد، و هو أنّها تجلس بمفردها في قاعة فارغة.

تشغل نفسها بالرّسم ربّما..

لقد مرّ بالفعل على سبع قاعات و للآن لم يستطع إيجادها.

لا يعقل أنّها قد غادرت الجامعة و عادت للمنزل. لا تبدو من النّوع الّذي يتخطّى الحصص عادة رغم أنّه لاحظ أنّها لا تنتبه كثيرا.

هل يستسلم و يعود أدراجه لتناول غدائه كالبقيّة؟ هذه الفكرة بدأت تساوره. فالخاسر الوحيد إن لم يجدها هو معدته الّتي ستظلّ خاوية لما تبقّى من هذا اليوم.

لكن مهلا..

تلك القاعة هناك في نهاية الرّواق..

بابها مفتوح على عكس بقيّة الفصول الّتي مرّ بها. أيعقل أن تكون هناك؟

هل يقترب و يختلس نظرة خاطفة إلى الدّاخل؟

لعلمكم..رايدر ميرفي ليس شخصا يفكّر كثيرا قبل تنفيذ الأفكار الّتي تخطر على باله فجأة..

و لهذا..

هو بالفعل الآن يقف بجانب الباب يواري جسده خلف الجدار و يلقي بأعينه السّوداء إلى الدّاخل يمسح المكان بتركيز..

و أخيرا..

ها هي هناك في آخر الصّفّ تجلس على أحد المقاعد، إحدى ذراعيها مسندة على سطح المنضدة بينما تحمل بيدها الأخرى قلم رصاص تخطّ به على دفتر ما موضوع أمامها..

ليس نفس الدّفتر الّذي وجده سابقا في حقيبتها. هو آخر بلون أزرق باهت..

يبدو أنّها حقّا منغمسة في ما تفعله..و كأنّما هذه هي طريقتها في عزل نفسها عن العالم الخارجيّ فقط لتغرق في عالمها الخاصّ بعيدا عن الضّوضاء.

للتّوّ أدرك أنّ هذه الفتاة تبدو هادئة جدّا. سواء من ناحية مظهرها، و حتّى تحرّكاتها التّي بدأ في ملاحظتها مؤخّرا.

من ناحية منطقيّة، لو لم تكن شخصا هادئا لما استطاعت إخفاء شيء كرسوماتها تلك..

من يدري منذ متى و هي ترسمه. بالنّظر لدفترها ذاك فعلى الأقلّ بدأت ذلك منذ خمسة أشهر إن اعتبر أنّها كانت ترسم كثيرا.

كان لا يزال يقف هناك..حيث أعينه عليها بينما ذهنه في مكان آخر تماما يسترجع أحداث الأيّام الماضية..

و لم ينتبه لأنّه قد حدّق بها لفترة أطول من اللّازم سوى عندما رفعت رأسها فجأة على حين غرّة. و لحسن حظّه أنّه قد انسحب بسرعة و توارى عن ناظريها قبل أن تلاحظه حقّا..

و في هذه اللّحظة، أدرك الفتى الصّاخب بأنّه كاد ينسى سبب بحثه عنها..

و من دون لحظة تفكير أخرى، التفت بجسده ناحية الباب و سار إلى الدّاخل باندفاع..

أوّل ما وقعت عليه أعينه كان ملامح وجهها المتفاجئة، و ذلك قبل أن تدرك ما يجري و تقوم بصفع غلاف دفترها لتغلقه..

ظلّ رايدر يراقبها بنظرات هادئة بينما يسحب كرسيّا مجاورا و يجلس مقابلا إيّاها تفصلهما المنضدة..

مال بجسده إلى الأمام قليلا و عقد ذراعيه على سطحها، مكتفيا بتوجيه نظرات صامتة صوب أعين تلك الّتي بادلته بنظرات تفاجئ و استغراب..

ظلّت الأجواء صامتة لبضع ثوانٍ. و ذلك قبل أن تستقيم إيلينور بجسدها من على الكرسيّ دافعة إيّاه بعنف إلى الخلف..

أخفضت بصرها و حدّقت بأغراضها لثانيتين قبل أنّ تمدّ يديها و تبدأ في جمعها على عجلة دون أن تنبس بحرف..

و كلّ ذلك تحت نظرات رايدر غير المبالية..

أغلقت سحّاب حقيبتها ثمّ ألقتها بإهمال على كتفها..لتستدير مباشرة و تتقدّم خطوة إلى الأمام..

و قد كانت تلك الخطوة الوحيدة الّتي استطاعت أن تخطوها. فقبل أن تدرك حتّى، شعرت بيد تمسك بمعصمها..و خلال ثانيتين كانت تجلس على الكرسيّ مجدّدا بعد أن قام بسحبها، و قد وقعت حقيبة ظهرها من على كتفها لترتطم بالأرض..

أزاح رايدر يده عنها بسرعة و لم ينبس بحرف و هو يراها متصنّمة مكانها تحدّق بالفراغ أمامها عاجزة عن الكلام..

و بالنّسبة لإيلينور، فكلّ ما كانت تفكّر به في تلك اللّحظة هو ما الّذي تورّطت به توّا..

لأكثر من سنتين، كانت الأمور بخير..لماذا الآن فقط هو يلاحظ وجودها لدرجة أن يقتحم القاعة الّتي تجلس فيها بسلام؟

هي لا تملك فكرة عمَّ جاء به، و ما إن كان الأمر مجرّد صدفة...و لكنّ معرفته بوجودها على وجه هذا الكوكب كافية لتدمير ما عملت عليه..

ليس حرفيّا..فرسمه هو شيء يصعب عليها التّوقّف عنه، و لكن سيتوجّب عليها أن تكون أكثر حذرا..

انتشلها من دوّامة أفكارها صوت طرق أصابع الجالس أمامها على السّطح الخشبيّ للطّاولة..لترفع رأسها ببطء و تصوّب أنظارها له قائلة بهدوء:

«ما الّذي جاء بك إلى هنا لتقطع وقتي الهادئ؟»

تراجع رايدر بجسده إلى الخلف قليلا ثمّ خلّل أصابعه بين خصلاته الدّاكنة قبل أن يجيب بعدم اكتراث:

«ربّما شعرت برغبة في ذلك و حسب»

«حسنا، أنا ذاهبة إذا»

أشاحت بوجهها بعيدا و كانت هي على وشك الوقوف مجدّدا، و لكنّ الآخر ألقى بكلماته بسرعة مانعا إيّاها من ذلك:

«سمعت أنّك ماهرة في الرّسم. هل هذا صحيح؟»

كلماته جعلتها تتجمّد مكانها بأعين متّسعة، سامحة لرعشة خفيفة بالسّريان في أنحاء جسدها..

إيلينور هارفي..لقد قضي عليك..

وقعت أعينها عليه لتجده ينظر لها بهدوء منتظرا أن تنطق بشيء..و لم يكن لها إلّا أن قالت بضيق:

«من الّذي قال هذا؟ أيّا كان فقد كذب عليك»

«هل تلك أكاذيب كذلك؟»

تساءل بينما يسند ذراعه على ظهر الكرسيّ و يشير برأسه ناحية حقيبة ظهرها الملقاة على الأرض..

و لم يحتج الأمر ذكاءً خارقا لتدرك أنّه يقصد الدّفتر الّذي كانت ترسم عليه قبل قليل..

تتبّعت بأعينها المكان الّذي أشار إليه، و حدّقت بالحقيبة لثوان قبل أن تعيد أعينها له و تردّ بينما تتنهّد رافعة كتفيها بقلّة حيلة:

«حسنا، أنا أجيد الرّسم. هل أنت سعيد الآن؟»

للأسف، لا مهرب لها..

بما أنّه سألها مباشرة فهناك احتمالان..

إمّا أنّه حقّا قد سمع بأنّها رسّامة. و هذا أمر لا تعرفه سوى لوسيا على حدّ علمها..إلّا إن لاحظها بعض زملائها و هو أمر وارد..

و إمّا أنّه يعلم بأنّها ترسم النّاس..و الأسوأ، أنّها ترسمه..و هذا لن يكون سوى في حال رؤيته لإحدى رسوماتها..

إمّا تلك الّتي ألقتها في سلّة المهملات..و إمّا تلك الّتي اختفت من حقيبة ظهرها..

و هذا ما تدعو بشدّة ألّا يكون صحيحا..

يمكنها أن تشعر بقلبها يخفق بشدّة فقط لمجرّد التّفكير بإمكانيّة أن يكون ذلك هو ما حدث..

هزّت رأسها بخفّة نافضة عن ذهنها كلّ تلك الأفكار المزعجة، ثمّ أعادت انتباهها لرايدر الّذي تحدّث من دون مقدّمات:

«فلترسميني إذا»

«ماذا؟!»

صاحت بعدم تصديق بشكل لا إراديّ و هي تضرب بكفّيها على سطح المنضدة، جاعلة من الآخر يقطّب جبينه بنوع من الغرابة..

هل قال شيئا خاطئا؟ ألم يجدر به طلب ذلك مثلا أم ماذا؟

«ألم تسمعي حقّا أم أنّك متفاجئة لسبب ما؟ تعلمين أنّ الرّفض خيار وارد، صحيح؟»

رمشت مرّتين تستوعب كلامه قبل أن تسحب يديها تمسك بطرف قميصها و هي تشيح بأعينها بعيدا محدّقة بالفراغ:

«لقد كان طلبك مفاجئا في حال لم تكن تعلم. من الطّبيعيّ أن أتفاجأ»

«بهذا الشّكل؟ أليس ردّ فعلك مبالغا فيه قليلا؟»

تنهّدت بثقل تعيد أعينها ناحيته ثمّ أجابت بانزعاج:

«لا، ليس كذلك»

عقد رايدر حاجبيه باستنكار ثمّ غيّر من وضعيّة جلوسه و ضمّ ذراعيه لصدره بينما ظهره لا يزال مستندا على الكرسيّ

«اختصري رجاءً. هل ستقومين بذلك أم لا؟»

ظلّت إيلينور تحدّق بصمت محاولة التّفكير مليّا في ما ستفعله..

العرض مغرٍ حقّا، فلأوّل مرّة ستحظى بفرصة رسم إلهامها بشكل أقرب ممّا اعتادت عليه.

و لكن في الوقت ذاته، الأمر فيه بعض من المخاطرة..

في كلّ الأحوال، لقد تغلّبت رغبتها في الرّسم على شعور الخطر. لذا لا داعي لتضييع الوقت بالتّفكير..

«أوافق إذا. كم لديك من الوقت؟»

«نحن في صفّ واحد. إذا..حتّى انتهاء وقت الغداء ربّما؟ إلّا إن لم يكن لديكِ مانع في تخطّي الحصّة القادمة»

أجاب متسائلا لترفع هي كتفيها بعدم اكتراث قائلة بينما تشير بسبّابتها في اتّجاه جلوسه:

«لا يهمّ، لنبدأ الآن إذا دون مماطلة. هلّا تتراجع بكرسيّك إلى الخلف قليلا؟»

أومأ برأسه قبولا ثمّ دفع بجسده مقعده إلى الخلف بعيدا عن مكان جلوسها.

«هكذا؟»

تساءل بهدوء لتجيب هي على الفور رافعة إبهامها:

«أجل، تماما. و الآن فلتختر وضعيّة ما و سأعدّل عليها»

«حسنا»

تمتم قبل أن ينفّذ الطّلب و يغيّر جلسته. حيث انحنى بظهره إلى الأمام و أسند ذراعيه على ساقيه، و ختم ذلك بملامح وجه غير مبالية.

هالة الفتى السّيّء تشعّ منه الآن و بشدّة. خصوصا و أنّه يتصرّف بشكل طبيعيّ و لا يتصنّع لأجل رسمة. و هذا شيء مرضٍ كثيرا لعزيزتنا إيلينور.

مرضٍ لدرجة جعلت ابتسامة خافتة ترتسم على شفاهها من دون أن تنتبه لذلك بينما تحدّق به و بوضعيّته المثاليّة.

إلّا أنّ ابتسامتها سقطت فور أن تحدّث هو معيدا إيّاها لأرض الواقع:

«ما المضحك يا أنتِ؟ لماذا تبتسمين هكذا؟»

رمشت مرّتين تستوعب قبل أن تحرّك يدها نافية و تقول بهدوء:

«لا شيء إطلاقا. دهشت فقط لأنّه لا تغييرات لديّ في وضعيّة جلوسك»

لقد كذبت..

أجل، كانت تلك كذبة. فهي قد كانت تراقبه لأكثر من سنتين..و تلك فترة كافية جدّا لتدرك جيّدا أنّ الفتى الجالس أمامها لا يحتاج توجيهات ليبدو في صورة مثاليّة..

مثاليّة بطريقة فوضويّة..

و مثاليّة لتجسّد على الورق..

و هي تروق لها كثيرا..

«اثبت مكانك و إيّاك أن تتحرّك دون أن أطلب ذلك، سأبدأ الآن»

أضافت هي بينما تأخذ حقيبة ظهرها و تخرج منها ذلك الدّفتر الأحمر إضافة إلى قلمها الخاصّ، ليهزّ هو رأسه قبولا دون أن ينبس بحرف آخر بينما بصره موجّه ناحية المنضدة حيث قامت بفتح دفترها على صفحة فارغة رافعة قلمها استعدادا للبدء.

و كانت تلك بمثابة إشارة لها لأجل أن تُسقط قلمها على الورقة و تبدأ بالخطّ عليه بخفّة.

كانت تنقل بصرها بين رايدر و الورقة باستمرار تتأكّد من مدى تطابق ما رسمته مع الصّورة الحقيقيّة الجالسة أمامها.

و لن تنكر أنّها قد أعجبت بكونه قد ثبت مكانه حقّا و لم يتحدّث قطّ أو يسألها عمَّ إذا كانت قد قاربت على الانتهاء أم لا..

مقارنة بلوسيا، فأيّ رسّام لا يحبّ سماع التّذمّرات سيختار رسمه بدلا منها..فتلك الفتاة لا يمكنها أن تظلّ ثابتة لخمس دقائق من دون أن تتحدّث.

«هلّا تبتسم قليلا؟»

«أبتسم قليلا؟»

أعاد على مسامعها كلامها بنبرة متسائلة لتهزّ هي رأسها بابتسامة متكلّفة قائلة:

«أجل، حتّى تكون الرّسمة أجمل. ابتسم بالشّكل الّذي يريحك، لا يتحتّم أن تكون ابتسامة ودودة»

«ليكن»

أجاب من دون أن يغير وضعيّته ثمّ تنهّد بخفّة قبل أن يرسم على شفاهه ابتسامة جعلت أعين إيلينور تلمع و ابتسامة جانبيّة ترتسم على شفتيها كذلك.

ابتسامة مثاليّة تناسب فتى الفوضى..

كانت أشبه بابتسامة ساخرة أكثر منها ابتسامة طبيعيّة ودودة. و هذا تماما ما كانت تبحث عنه..

شيء يعزّز الصّورة الّتي يجسّدها و يجعلها أكثر جاذبيّة..

«مثاليّة. هذا ما كنت أتحدّث عنه»

نطقت برضى و هي تنظر له مشكّلة بإبهامها و سبّابتها دائرة بينما ترفع الثّلاثة الأخرى كتأكيد لما قالته. و لم يبدِ هو ردّا سوى أنه حرّك رأسه بخفّة محافظا على هيأته..

و لم تتردّد الأخرى في استئناف عملها..

كانت قد تركت ملامح وجهه للأخير، و ها هي الآن على وشك رسمها لأجل أن تكتمل اللّوحة..

أوّل ما بدأت به كان ابتسامته، محاولة نسخ تلك التّفاصيل بشكل دقيق دون إهمال أيّ منها..

و للحظة واحدة..

توقّفت يدها عن الرّسم..

و تثبّتت أعينها عليه..

للمرّة الأولى منذ لاحظته تدرك مدى جمال أسنانه..

تحديدا أنيابه تلك..

هي أطول من باقي أسنانه و أكثر حدّة، بشكل يجعله يبدو كمصّاص دماء من فلم خياليّ..

هو أفضل من دراكولا من ناحية المظهر..لذا لا يمكنها أن تشبّهه به..

مصّاص دماء فريد يحتاج لاسم فريد كذلك..

رايدركيولا ربّما؟ مزيج من اسمه و اسم دراكولا. يبدو كاسم جميل حقّا كانت لتستخدمه لو كانا مقرّبين.

لكن في هذه الحالة هي إلى حدّ الآن لم تخاطبه باسمه حتّى. لذا ستحتفظ بذلك الاسم لنفسها فحسب.

«هل هناك خطأ ما؟»

انتشلها ذلك الصّوت من دوّامة أفكارها لتدرك فجأة بأنّها قد اندمجت مع عملها لدرجة لم تلاحظ أنّها دقّقت في تفاصيله أكثر من اللّازم.

«لا، كنت أحاول رسم ملامحك بشكل دقيق فقط»

أجابت بشكل اعتياديّ بينما تهزّ رأسها نفيا، ثمّ عادت لإتمام الرّسم بعدما همهم متفهّما.

كانت نصف ساعة أخرى تقريبا قد مرّت بالفعل حينما ألقت إيلينور بقلمها فجأة على سطح الطّاولة و تراجعت بكرسيّها إلى الخلف صائحة بارتياح:

«انتهيت أخيرا !»

كانت تلك بمثابة إشارة لرايدر حتّى يتحرّك أخيرا، و أوّل ما قام به كان أنّه مدّد ذراعيه قليلا قائلا بتذمّر:

«أشعر أنّ جسدي يكاد يتشنّج»

ضحكت إيلينور بخفّة ثمّ نطقت بينما ترفع الدّفتر في الهواء:

«لكنّ النّتيجة تستحقّ صدّقني»

حدّق بالدّفتر للحظة قبل أن يستقيم من مكانه و يقترب منها بخطوات متثاقلة..

«أرِني»

طلب بهدوء و هو يشير لدفترها، لتفتحه على صفحة الرّسم و تمدّه له قائلة:

«تفضّل، هذا هو»

أخذه منها دون أن ينطق بكلمة و راح يحدّق بهدوء بينما راقبته إيلينور منتظرة ردّة فعله.

أطال النّظر و بدا للحظة و كأنّه شارد تماما، لذا ما كان على الأخرى سوى أن استقامت هي كذلك من مكانها و رفعت يدها لتفرقع أصابعها أمام وجهه قائلة:

«أنت. أفِق، ما بك؟»

رمش بتفاجئ و هو يرفع أعينه و يوجّهها صوب خاصّتها، و ما لبث أن تمتم بعدم تصديق:

«أنتِ موهوبة حقّا..إيلينور»

فلتت ضحكة من ثغر المعنيّة معبّرة عن سعادتها باعترافه..

هي تعلم أنّها ماهرة في الرّسم. جميع من يعرف أنّها ترسم قد قال ذلك..

و رغم هذا، و لسبب ما، شعرت أنّه من اللّطيف أن تسمع ذلك لمرّة أخرى..

و من مصدر إلهامها نفسه..

لقد أشاد بموهبتها، و هذا حقّا يسعدها..

مدّت يدها ناحية الدّفتر و أخذته برفق قائلة:

«لحظة فقط، دعني أمزّق الورقة من الدّفتر حتّى تستطيع الاحتفاظ بها»

قامت بذلك بينما تتبّع هو بأعينه كلّ حركة تقوم بها..لينطق متسائلا فور أن مدّتها له:

«ألن توقّعي عليها؟»

عقدت حاجبيها بعدم فهم و تساءلت بدورها:

«أوقّع عليها؟ لماذا؟»

«لا أعلم. ألا يضع الرّسّامون عادة توقيعاتهم على أعمالهم؟»

«أقوم بهذا حينما أحتفظ بها. أتريد أن أضع توقيعي؟»

«إن لم تمانعي، أجل. حتّى يصدّقني النّاس حينما أقول أنّكِ رسمتِني بعدما تشتهرين»

غمز في آخر كلامه جاعلا منها تميل برأسها إلى الجانب مندهشة من كلماته غير المتوقّعة.

رايدر يبدو مختلفا لسبب ما. و كأنّه ليس نفس الشّخص الّذي اعتادت مراقبته من بعيد.

ربّما لم تكن مطّلعة على كلّ جوانبه و حسب..

و من دون سابق إنذار، أصدرت ضحكات خفيفة و هي تهزّ رأسها بقلّة حيلة:

«أيّا يكن»

التفتت و حملت قلمها من على المنضدة ثمّ وقّعت الورقة بسرعة قبل أن تعطيها له مجدّدا..

و أخيرا، أخذها هذه المرّة من دون تعليقات أخرى ثمّ التفت مباشرة بنيّة المغادرة بينما يلوّح قائلا:

«شكرا على هذا، أراكِ في الأرجاء هارفي»

خرج بعدها مباشرة من الباب تاركا إيّاها بمفردها كما كانت قبل أن يأتي قبل قرابة السّاعتين..

فقط لتعود للجلوس على مقعدها تفكّر مليّا في ما حدث..

و في هذه اللّحظة فقط..أدركت العديد من الأشياء..

إيلينور هارفي، سيكون اعترافك له بأنّك ترسمينه أرحم من كلّ هذا. فهو على الأرجح قد أصبح يعلم بكلّ شيء، أو على الأقلّ بعض الأشياء..

لماذا قد يأتي ليطلب أن ترسمه؟ هل سمع ذلك حقّا من أحدهم كما يقول؟

و الأهمّ من هذا..التّوقيع! لقد وقّعت على الورقة و لا مهرب لها في حال وقعت رسمتها المختفية تلك في يده!

إيلينور هارفي، لقد انتهى أمرك..

في نفس الوقت، كان هو يسير في الرّواق بخطوات بطيئة و جلّ تركيزه منصبّ على الرّسم الّذي يحمله بيده..

رغم أنّه قد رآى رسوماتها من قبل، إلّا أنّ هذه شيء مختلف تماما..

و كأنّها صورة التقطت بواسطة كاميرا و ليست رصاصا على ورق..

«هذه الفتاة شيء آخر تماما..لست نادما على تفويتي لغداء اليوم»

تمتم بينما يواصل سيره، قبل أن ينزل ببصره إلى موضع التّوقيع و يضيف بابتسامة جانبيّة:

«نفس التّوقيع. لن تستطيع الإنكار لاحقا»

.

.

༺༺༺༺༻༻༻༻

.

.

اليوم الاثنين، صحيح؟ و لا دروس موسيقى في هذا اليوم.

هذا يعني أنّ قاعة الموسيقى فارغة تماما، و هذا تماما ما يحتاجه أحدهم ليأخذ قيلولة صغيرة قبل أن يلتحق بالدّرس التّالي.

دخل صاحب البنطال الرّياضيٌ القاعة و هو يتثاءب معبّرا بذلك عن التّعب الشّديد الّذي كان يشعر به.

لم يكن هو من رسم و رغم ذلك يشعر بعظامه كلّها تؤلمه..

أهذا بسبب جلوسه كالصّنم لمدّة ساعتين؟ على الأرجح نعم.

اختار أحد المقاعد الخلفية و اتّخذ مكانه عليه يستند بجذعه إلى الأمام واضعا رأسه على سطح الطّاولة الصّلب.

غير مريح البتّة، و لكن سيفي بالغرض مؤقّتا حتّى ينال قسطا من الرّاحة..

ترك رايدر الرّسم الّذي كان بحوزته على السّطح الخشبيّ بجانب رأسه، ثمّ أغمض أعينه و قد منحه الهدوء السّائد راحة لا مثيل لها.

و لكن يقال أنّ دوام الحال من المحال. و يجب أن يتمّ تعكير صفو كلّ لحظة هادئة و لو كان عن طريق الصّدفة.

فحينما كان رايدر على وشك السّماح لنفسه بالمغادرة إلى عالم الأحلام، أعاده لأرض الواقع صوت خطوات مزعج لشخص ما قد دخل قاعة الموسيقى..

لم يتردّد و رفع رأسه من دون أن يفكّر في إخفاء انزعاجه ثمّ وجّه بصره ناحية الصّوت ليلمح أحدهم..

شابّ متوسّط القامة ذو شعر أشقر و أعين بلون القهوة.

كان يتقدّم بهدوء ناحية رايدر الّذي اكتفى بتوجيه نظرات حادّة له قبل أن ينطق مبديا استنفاره:

«تفضّل بالخروج يا هذا»

قال و هو يشير برأسه ناحية المخرج خلف الشّابّ الّذي ابتسم بخبث و أجابه حالما وقف أمام طاولته مباشرة:

«لأتحدّث معك قبلا و بعدها سأغادر يا ميرفي»

«لم أرك قبلا و لست مهتمّا بما ستقوله»

أجابه على الفور و هو يستقيم من مكانه بانزعاج قبل أن يتقدّم لأجل تخطّي الشّابّ. و ما أن كان على وشك الخروج من الباب حتى سمع صوته مجدّدا:

«رسم جميل. هل أهداه لك أحدهم؟»

أغلق رايدر عينيه بقوّة يحاول التّحكّم بأعصابه قبل أن يلتفت بسرعة و يخطو نحو الفتى الّذي ظلّ ينظر للورقة بيده. و الّتي مدّ رايدر يده ناحيتها و حاول أخذها منه.

لم يفلتها الشّابّ و ظلّ يشدّ بيده على الورقة، فما كان من رايدر إلّا أنّه قد جرّب سحبها منه بالقوة.

و كالعادة، لم يفكّر في تشغيل عقله ليحسب حسابا لما قد يسبّبه ذلك..

أفلت الفتى الورقة بسرعة و هو يضحك بخبث قبل أن يتراجع بسرعة إلى الخلف و يغادر على الفور دون أن ينبس بكلمة. تاركا بذلك فتى الفوضى يحدّق بما بين يديه بسخط عارم.

«سحقا له! أقسم أنّه لن ينجو منّي إطلاقا!»

صاح بصوت مرتفع محمّل بالغضب و هو يراقب الرّسم الّذي لا زال لم يصدّق بأنّه حصل عليه ممزّقا لنصفين بين يديه..

لماذا كان عليه القدوم و إزعاجه هكذا؟ هو لا يعرفه حتّى و لم يرَ وجهه من قبل أبدا!

«سحقا لجميع من في هذه الجامعة! حمقى!»

صاح مجدّدا قبل أن يشدّ بقوّة على ما بيده و يسير مغادرا القاعة هو الآخر

.

.

༺༺༺༺༻༻༻༻

.

.

في النّاحية الأخرى، كانت إيلينور تتجوّل عبر الأروقة بحثا عن أحدهم..

لقد نسيت تماما أن تأخذ صورة للرّسم قبل أن تعطيه لرايدر من أجل أن تحتفظ بها، و الآن عليها إيجاده لتطلب منه ذلك.

يا للسّخرية، تحاول تجنّبه دائما و لكنّ الصّدف دوما تجبرها على ملاقاته وجها لوجه.

و على ذكره، ها هي تراه يسير في الاتّجاه المعاكس لها..و ملامح وجهه لا تدلّ على أنّه بخير بتاتا.

توقّفت مكانها و راقبته يقترب شيئا فشيئا..و لم يبدُ عليه أنّه لاحظ وجودها.

كان يسير بخطوات سريعة كأنّه يحاول السّيطرة على غضبه. خصوصا و أنّه يشدّ على قبضة يده بقوّة.

و على ذكر ذلك، الورقة بيده كما يبدو..

اعتقدت لوهلة أنّه سيلمحها حينما يقترب أكثر و يتوقّف. و لكنّه فاجأها حينما واصل السّير متخطّيا إيّاها و كأنّها لم تكن تقف هناك.

و من دون تفكير التفتت خلفها و نادت بصوت مسموع:

«يا أنت!»

سرعان ما لاحظت أنّه توقّف مكانه و ظلّ متصنّما للحظات قبل أن ترتخي قبضته و يصدر زفير طويلا، ثمّ نظر لها من فوق كتفه قائلا:

«ماذا هناك؟»

أقال ماذا هناك؟ هل هذا أسلوبه في التّعامل مع من يقدّم له معروفا؟ و كأنّه ليس نفس الشّخص الّذي كانت برفقته قبل قليل.

حسنا، هذه هي طباع "الفتى السّيء" في كلّ الأحوال..و ستتجاوزها لسبب واحد فقط.

لأنّ ذلك من ضمن ما يجعلها تعتبره فنّا أكثر من كونه مجرّد كائن بشريّ..

أخذت نفسا عميقا ثمّ أجابته بهدوء:

«هلّا تقترب للحظة؟ أريد طلب شيء»

لاحظت كيف أنّ حاجبيه قد انعقدا استغرابا لطلبها، و لكنّه رغم ذلك قد التفت و سار بهدوء مقتربا نحوها. و فور أن وقف أمامها أردف بتساؤل:

«ها أنا ذا. أرجو أن يكون الأمر مهمّا»

«الرّسم..»

فور نطقها بذلك بعفويّة، شعر رايدر بضيق يجتاح كيانه و هو يتذكّر ما فعله ذلك الأحمق قبل لحظات. و تمنّى لو يلمحه الآن صدفة لينقضّ عليه و يهشّم عظامه.

و لكنّه هزّ رأسه بخفّة محاولا تناسي ذلك مبدئيّا و أجابها بهدوء:

«ما به؟»

«نسيت أن ألتقط صورة له قبل أن أعطيك إيّاه. أريد أن أحتفظ بعملي، لذلك أرجو أن تمنحني الورقة للحظة فقط و سأعيدها لك»

حسنا..هو لم يتوقّع ذلك..

لقد خشي أن تسأله حول الرّسم و قد حدث ما هو أسوأ..

طلبها يقتضي رؤيته..و لكن لماذا الآن تحديدا؟

أشاح بوجهه بعيدا عنها و زفر بضجر قبل أن يجيبها قائلا:

«لا يمكنني ذلك»

ضيّقت عينيها بعدم فهم و هي تفكّر في مقصده من ذلك تحديدا..ثمّ سألته مستفسرة:

«لا أفهم. لماذا لا يمكنك؟ سأعيده لك لا تقلق»

«الأمر ليس كذلك»

«ماذا هناك إذا؟»

شدّ على قبضته بقوّة و قد ازداد شعور الغيظ بداخله ثمّ مرّر أصابعه على خصلاته السّوداء قبل أن يحني رأسه و يتنهّد بثقل قائلا:

«لا شيء..»

نبس بذلك و لم ينتظر أكثر حينما التفت على الفور و واصل السّير بسرعة ناحية المخرج..

لم يعد بمقدوره التّنفّس داخل الجامعة أكثر..

سيعود للمنزل لهذا اليوم و سيتدبّر أموره غدا..

و بالنّسبة لإيلينور، فقد كانت منصدمة حرفيّا من تصرّفه الغريب..

كان وقحا رغم أنّها قد قدّمت له خدمة من دون مقابل..و في نفس الوقت ظلّت تفكّر في هيأته الغريبة..

لقد اختلفت هالته قليلا و لم تغفل عن أنّ هناك خطبا ما..

رايدر ميرفي الّذي تعرفه لم يكن ليتصرّف هكذا، بل كان إمّا سيوافق أو سيرفض بكلّ بساطة و يغادر.

أمّا الآن، فقد بدا أنّه رفض طلبها بشكل غير مباشر.

أو ربّما فقط كان متردّدا حول أمر ما لسبب لا تزال تجهله.

الفتى السّيّء متردّد؟ كانت لتكون تحفة فنّيّة جميلة لو كان لديها وقت لرسمه و هو على تلك الحال.

على كلّ حال، يبدو أنّ لا خيار آخر لها عدا نسيان الأمر كلّيّا..فكما يبدو هناك أمر يزعجه و هي تعذره لذلك.

في النّهاية، من الصّعب أن يتحكّم المرء في ذهنه عندما يكون مشتّتا.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فوضى وسكينة

المؤلف _aerithra_
2025/10/31 مستمرة
قائمة الفصول (26)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة