____________________________________________
صباح جديد و يوم جديد تعيشه إيلينور كباقي أيّامها العاديّة..
فتحت ستائر غرفتها و رتّبت سريرها بسرعة ثمّ توجّهت إلى الحمّام لأجل الاغتسال..
دقائق معدودة حتّى خرجت و هي ترتدي الثّياب الّتي ستخرج بها اليوم..
قميص أبيض و سروال أسود واسع..
شعرها الأسود الطّويل كان لا يزال رطبا..لذا جلست على كرسيّها أمام المرآة و أخرجت مجفّف الشّعر خاصّتها لتبدأ بتجفيف شعرها خصلة بخصلة..
فور انتهائها أعادته لمكانه و صفّفت شعرها في شكل ذيل حصان مرتفع و تركت بضع خصلات تتدلّى على بشرة وجهها البيضاء بحريّة..
حملت حقيبة ظهرها و وضعت فيها كلّ ما تحتاجه لليوم..
دفاتر..
أقلام..
و دفتر الرّسم خاصّتها..
أجل..دفتر الرّسم هو أهمّ ما في حقيبتها..
ألقت نظرة أخيرة على نفسها تتفحّص شكلها في المرآة قبل أن تخطو خارج غرفتها و تنزل السّلالم باتّجاه المطبخ..
«ناتالي»
صدح صوتها في الأرجاء و هي تنادي شقيقتها الكبرى الّتي سرعان ما أجابت:
«جاهزة بهذه السّرعة؟ تعالي إذا الإفطار جاهز»
دلفت إيلينور المطبخ لتلمح المائدة الّتي جهّزتها شقيقتها..
مرّرت أعينها العسليّة على الفطائر السّاخنة و كعك الشّوكولا الّذي كان موضوعا عليها..لتردف بامتنان بعدما وجّهت نظرها لناتالي الّتي كانت تراقبها باسمة..ترتدي ثياب العمل و شعرها الأسود منسدل بحرّيّة على كتفيها:
«شكرا ناتالي...لكن متى جهّزتِ كلّ هذا؟»
أشارت لها شقيقتها بالجلوس لتفعل ذلك و هي تسمعها تجيب بهدوء:
«استفقت أبكر من المعتاد اليوم لا غير...أتمنّى أن ينال إعجابك»
«سيفعل بكلّ تأكيد»
ردّت و هي تحمل قطعة كعك و تحشرها داخل فمها، و فور أن ابتلعتها نطقت برضى:
«لذيذ جدّا...لا أتوقّع أقلّ من ذلك منك أنتِ»
ربّتت ناتالي على ظهرها كدليل على امتنانها و اتّخذت مكانا بجانب إيلينور..
«إنّها السّابعة و النّصف بالفعل، ألستِ متأخّرة عن الجامعة؟»
رفعت إيلينور كتفيها بعدم اكتراث ثمّ أجابت:
«لا يهمّ...أكثر ما سأحصل عليه هو محاضرة من المدير عن أهمّيّة الانضباط»
أصدرت ناتالي ضحكة خفيفة لتنطق و هي تهزّ رأسها بقلّة حيلة:
«لكن تعلمين بأنّ عليك الوصول في الوقت المحدّد لينو»
«لماذا؟ أنتِ تذهبين للعمل متأخّرة أحيانا كذلك»
«تعلمين جيّدا بأنّه لا مجال للمقارنة، لذا توقّفي عن وضع أعذار واهية و هيّا إلى الجامعة»
زفرت إيلينور بحنق ثمّ حملت جسدها من على الكرسيّ بثقل قائلة:
«سأذهب...سعيدة الآن؟»
أومأت ناتالي برأسها برضى ثمّ ردّت ممازحة:
«تنقصك ابتسامة»
«هل ستقلّينني؟»
«إن كنت تريدين ذلك، فلا مانع لديّ»
سرعان ما رسمت إيلينور ابتسامة واسعة على شفتيها جاعلة من الأخرى تقهقه باستلطاف:
«حسنا إذا، هكذا؟»
«أجل، تماما...احرصي على الابتسام هكذا دوما»
همهمت بتفهّم ثمّ اقتربت من شقيقتها الكبرى لتجذبها من يدها مرغمة إيّاها على الوقوف، ثمّ بدأت تدفعها خارج المطبخ تحت نظرات ناتالي المندهشة:
«هيّا إذا أسرعي و إلّا سأتأخّر»
«ألم تقولي للتّوّ بأنّه لا مشكلة لديك؟»
توقّفت إيلينور عن دفعها سامحة لها بالالتفات ناحيتها...حيث تبادلتا النّظرات للحظة قبل أن تجيبها لينو قائلة و هي تعقد ذراعيها لصدرها:
«ألستِ من قالت بأنّ عليّ الوصول في الوقت المحدّد؟»
«أجل، و لكن-»
لم تسمح لها ذات الأعين العسليّة بالمواصلة و قاطعتها بسرعة بينما تواصل دفعها:
«هيّا بنا إذا»
.
.
༺༺༺༺༺༺༻༻༻༻༻༻
.
.
في السّيّارة، كانت ناتالي تقود سيّارتها بهدوء مصوّبة جلّ انتباهها على الطّريق أمامها. بينما كانت إيلينور مريحة رأسها على زجاج النّافذة تحدّق بكلّ ما يقع عليه ناظرها..
كانت لحظات ساد فيها الصّمت المكان قبل أن تقطعه إيلينور قائلة بتساؤل:
«ناتالي..هل يمكنني طلب شيء منكِ؟»
«بكلّ تأكيد»
أجابتها شقيقتها من دون أن تزيح بصرها عن الطّريق لتواصل الأخرى:
«أنا حقّا أرغب في الحصول على رخصة قيادة خاصّة بي...هلّا تسمحين لي بذلك؟»
«لينو...لديّ سؤال. متى آخر مرّة سألتني هذا؟»
أشاحت المعنيّة ببصرها بعيدا عن شقيقتها و تمتمت بغيظ:
«يوم أمس..»
«و ماذا كان ردّي؟»
«قلتٌ بأنّكِ تريدين منّي أن أركّز على دراستي فقط لأنّك ستتكفّلين بكلّ شيء و لن أحتاج لقيادة سيّارة...و لن تسمحي لي بذلك حتّى أتخرّج»
«فتاة جيّدة»
نطقت ناتالي بنبرة راضية و هي تبتسم. بينما عادت إيلينور للتًحديق من خلال نافذة السّيّارة و هي تحاول كتم انزعاجها..
«عذر سخيف»
تمتمت بصوت خافت ظنّا منها أنّ ناتالي لن تسمعها..و لكن سرعان ما وصلها صوتها المتسائل:
«ماذا قلتِ؟»
أدارت وجهها ناحية شقيقتها بسرعة و أردفت بتوتّر بينما تلوّح بيديها نافية:
«لا...لا شيء»
همهمت الأخرى بتفهّم قبل أن تنطق مجدّدا و هي تقوم بركن سيّارتها:
«لينو، لقد وصلنا»
ترجّلت الاثنتان من السّيارة، لتتبادلا عناقا سريعا و تودّع إحداهما الأخرى:
«فلتحظي بيوم جيّد لينو...سأكون هنا لأقلّكِ بعد انتهاء الدّوام»
«أنتِ أيضا ناتالي...سأكون بانتظارك»
عادت ناتالي لسيّارتها و قامت بتشغيلها لتقود مبتعدة عن مبنى الجامعة...بينما وقفت إيلينور هناك تراقبها إلى أن اختفت تماما عن مرمى بصرها، لتلتفت بعدها مباشرة و تسير إلى داخل المبنى.
كانت تمشي في الرّواق بهدوء قاصدة قاعة المحاضرات...فأوّل حصّة لها ليوم الثّلاثاء ستكون محاضرة الفلسفة مع السّيّد براين.
وقفت أمام الباب المفتوح و اختلست نظرة سريعة إلى الدّاخل، لتزفر بارتياح حالما لاحظت بأنّ البروفيسور لم يصل بعد.
دخلت بهدوء محاولة عدم لفت الأنظار و توجّهت ناحية أحد المقاعد الخلفيّة الشّاغرة.
المقعد المثاليّ لها لتتمكّن من رؤية كلّ الطّلّاب...ما سيسهّل عليها عملها..
استقرّت على الكرسيّ واضعة حقيبة ظهرها على سطح المنضدة. ثمّ بدأت في إخراج الأغراض الّتي تحتاجها.
أوراق ملاحظاتها، قلمها الأسود، أقلام التّحديد الملوّنة..و أخيرا، دفتر رسمها و قلم الرّصاص المفضّل لديها..
ما أجمل أن تكون فنّانا...خصوصا عندما يكون لديك مصدر الإلهام المناسب..
ألقت بأعينها على المقعد الخاصّ بإلهامها لتجده فارغا...ألم يصل بعد؟ حسنا، هذا ليس غريبا في الواقع..
لفت انتباهها بعدها صوت فتح باب القاعة، تبعه صوت رجوليّ صدح في الأرجاء:
«هدوء رجاءً. لست في مزاج لتحمّل ثرثرتكم اليوم يا طلّاب، لذا دعوا هذه المحاضرة تمرّ بسلام ثمّ ثرثروا كما تشاؤون»
كان ذلك الصّوت يعود للسّيّد براين الّذي دخل بثقة يسير بخطوات ثابتة متخطّيا الصّفوف ناحية مكتبه حيث وضع حقيبة يده على سطحه و بدأ في إخراج الأغراض الّتي يحتاجها.
لحظات قليلة حتّى عاود الحديث مجدّدا:
«بما أنّنا في أوّل الصّباح. و جميعنا متعبون و لم نحظَ بالقدر الكافي من النّوم، فسأحاول جعل هذه المحاضرة خفيفة عليكم. سأسمح لكم بأخذ آخر ربع ساعة منها كاستراحة لتتحدّثوا أو تفعلوا أيّا كان ما تريدونه»
تعالت أصوات الطّلّاب تعبيرا عن إعجابهم باقتراحه، ثمّ عاودت الانخفاض تدريجيّا بعدما علا صوته مرّة ثانية:
«لكن لا أرغب بسماع أصواتكم خلال شرحي»
وصلت مسامعه أصوات خفيفة معبّرة عن موافقتهم، لتنقطع فجأة فور سماع الجميع لصوت قويّ لصفع باب القاعة.
التفت كلّ الموجودين بما فيهم السّيّد براين ناحية مصدر الصّوت، ليلمحوا فتى طويل القامة يتقدّم بهدوء واضعا إحدى يديه في جيب بنطاله الأسود بينما باليد الأخرى كان يمسك بحقيبته الملقاة على كتفه بإهمال.
تقدّم عبر الصّفوف متخطّيا إيّاها تحت أنظار الجميع المندهشة و جلس على مقعده المعتاد.
ألقى بحقيبته على سطح المنضدة بطريقة مهملة ثمّ وضع ساقا فوق ساق و هو يمرّر يده على خصلات شعره الأسود المبعثر الّذي وصل طوله لرقبته، بينما يعبث بأزرار قميصه المفتوحة باليد الأخرى.
لم تبد عليه أيّ علامات اكتراث، و ذلك ما زاد من غضب البروفيسور الّذي انفجر فجأة صارخا في وجهه:
«رايدر ميرفي! ما هذا التّصرّف غير اللّائق!»
منحه الفتى نظرات هادئة و أجابه بينما يرفع كتفيه بعدم اكتراث:
«أيّ تصرّف تقصد؟ لا أظنّني فعلت شيئا خاطئا»
زادت برودة أعصابه من اشتعال السّيّد براين الّذي زاد من حدّة نبرته حين أضاف باستنكار:
«إن تغاضينا عن طريقة دخولك الهمجيّة، فحتّى هيأتك لا توحي بأنّك طالب قادم للجامعة لأجل الدّراسة! لا تقل لي بأنّك لا ترى ذلك أيضا يا ميرفي!»
رفع الفتى رأسه للأعلى و أطلق نفسا متضايقا قبل أن يردّ معيدا أعينه صوب البروفيسور:
«أيّا يكن. أليس لديك درس لتقديمه؟»
كان واضحا بأنّ البروفيسور قد طفح كيله. و لكن في نفس الوقت لم يكن يريد خوض جدال مع طالب طائش في وسط حصّته. و لذلك وجد نفسه مضطرّا لتجاهله بحيث اكتفى بإلقاء كلمات أخيرة قبل أن يبدأ في تقديم المحاضرة:
«لن أكرّرها في كلّ مرّة. فلتحرص على الانضباط ميرفي، فالأمور لن تظلّ على حالها إن لم تصلح من نفسك قريبا»
قلب عينيه بملل من الكلمات الّتي أصبحت تتكرّر على مسامعه بشكل يوميّ ثمّ عاد للتّحديق بهدوء بينما لا يزال على وضعيّته.
سرعان ما ابتعدت أعين الجميع عنه و صوّبوا انتباههم لشرح السّيّد براين.
الجميع ما عدا إيلينور...
إلهامها قد وصل أخيرا، فكيف لا تنتبه له؟
أجل. رايدر ميرفي هو إلهامها..
لكن، هل تستجيب لرغبتها في إمساك القلم و الخطّ على دفترها؟ أم تنتظر حتّى يمنحهم معلّم الفلسفة الرّبع ساعة الّتي وعدهم بها ليرتاحوا؟
قرار صعب حقّا...لكن، لا مشكلة في القيام بالأمرين معا، صحيح؟
فتحت إيلينور دفترها على صفحة فارغة و حملت قلمها تشير به ناحية رايدر كطريقة خاصّة بها لقياس الأبعاد و الزّوايا حتّى يسهل عليها الرّسم.
وضعيّته مثاليّة بامتياز..
ثوان قليلة حتّى امتدّت يدها اليمنى لدفترها تخطّ عليه بكلّ تركيز و مهارة...تحدّق تارة بالمعلّم محاولة استيعاب شرحه. و تارة أخرى تحدّق بإلهامها محاولة تجسيده على أوراقها..
رفعت أعينها مجدّدا ناحيته لتجده لا يزال يوجّه بصره للبروفيسور.
لكن...لماذا الآن؟!
لقد غيّر من وضعيّة جلوسه و أفسد عليها رسمتها!
لم ترسم سوى نصفها، فكيف ستكملها الآن؟ ما هذا الحظّ العاثر؟
لماذا الآن من بين كلّ الأوقات؟ في العادة يثبت مكانه لوقت يكفيها لأجل إنهاء رسمتها فلماذا أفسدها الآن؟!
«آنسة هارفي، هل هناك مشكلة؟»
نقلت أعينها العسليّة بسرعة ناحية البروفيسور الّذي كان يحدّق بها بحاجبين معقودين. و قد جعل ذلك الجميع يلتفتون لها ليعلموا ما الأمر، بما فيهم رايدر..
«لا...لا مشكلة سيّدي»
«إذا فلتنتبهي أكثر و توقّفي عن التّصرّف كطفل حضانة ابتعد عن والدته»
هذا ما كان ينقصها. إهانة من السّيّد براين لها..
لو يعلم ما جرى الآن لما تفوّه بحماقته تلك...يستحقّ ما حدث له قبل قليل و بجدارة. هي الآن ممتنّة بشدّة لرايدر لأنّه تسبّب في إحراجه..
ستعتبره ردّا مسبقا على ما قاله لها الآن حتّى لا تشعر بالإحراج و حسب.
نقلت بصرها بسرعة لرايدر لتجد أنّه لا يزال يحدّق بها..لقد لاحظها، هذا صحيح. و لكن ليس بالشّكل الّذي كانت لتريده..
في الواقع، هي لم ترد أصلا أن يلاحظها...فملاحظته لها ستجعلها أكثر عرضة ليكتشف ما تفعله.
سيكون عليها محاولة التّخفّي أكثر من الآن فصاعدا إن أرادت أن تحافظ على إلهامها كما هو من دون أيّ تعقيدات.
ألقت نظرة أخرى على الرّسمة أمامها. لا شكّ بأنّها ستلقيها في سلّة المهملات لاحقا..
لا يمكنها مواصلة رسمها أو إنهاؤها بعد الآن..
عادت لتصوّب نظرها و تركيزها على السّيّد براين الّذي كان يقدّم محاضرته بكلّ تفانٍ. و قرّرت بأنّ عليها الآن الاستماع له بما أنّها لن ترسم..
.
.
༺༺༺༺༺༺༻༻༻༻༻༻
.
.
خرجت إيلينور من الصّفّ بعد انتهاء آخر حصّة لهم لهذا اليوم..
كان مزاجها جيّدا بشكل غير اعتياديّ. فقد استطاعت تعويض الرّسم الّذي تخلّصت منه و لم تقم بإنهائه هذا الصّباح بواحد آخر..
لحسن الحظّ أنّ رايدر قد ثبت في مكانه في المحاولة الثّانية..
ذلك الفتى قد خلق ليكون لوحة فنّيّة..
و على ذكره، ها هو الآن يسير عبر الممرّ شاقّا طريقه إلى الخارج غير مكترث لما حوله..
راقبته إيلينور لبرهة إلى أن اختفى عن مرمى بصرها. لتدرك لحظتها أنّها هي الأخرى عليها المغادرة.
ناتالي تنتظرها، و لا يمكنها أن تتأخّر عليها..
فور خروجها من مبنى الجامعة، لمحت سيّارة شقيقتها مركونة على جانب الطّريق بينما هي تجلس بداخلها تتصفّح هاتفها.
لاحظت وجود إيلينور من على بعد بضعة أمتار و راقبتها و هي تقترب لتدخل السّيّارة و تغلق الباب خلفها.
«على رسلك يا فتاة، ستخلعين الباب»
نبست ناتالي ممازحة و هي تدّعي القلق جاعلة من الأخرى تقهقه بخفّة على كلامها دون أن تردّ على ذلك.
«كيف كان يومك؟»
تساءلت باهتمام بينما تضع يديها على مقود السّيّارة و تحاول تشغيلها.
«كان جيّدا. الأيّام تتشابه بصراحة و لا شيء جديد»
ردّت بهدوء لتلقي الأخرى بسؤال آخر بعدما بدأت القيادة:
«ماذا عن ذلك الفتى الّذي ترسمينه دوما؟»
«ماذا عنه؟»
ظهر طيف ابتسامة على شفتيّ ناتالي الّتي أصدرت ضحكة ساخرة قبل أن تتمتم:
«هل حضر اليوم؟ هل رسمتِه؟ هل حدث شيء ما بخصوصه؟ هل يجب عليّ طرح كلّ سؤال على حدى؟»
حدّقت إيلينور بشقيقتها بحاجب مرفوع و لم تدرك حينما فلتت من بين شفتيها ضحكة خافتة:
«أنتِ فضوليّة حقّا ناتالي. لقد حضر الحصص و قمت برسمه بالفعل، في المحاولة الثّانية طبعا. غير ذلك، ما الّذي قد يحدث؟ تعلمين بأنّني لست مهتمّة به بتلك الطّريقة. هو مجرّد إلهام لي فحسب»
مرّرت الأخرى أعينها بسرعة بينها و بين الطّريق أمامها ثمّ ضيّقت أعينها بشكّ و نطقت بنبرة بدت مشكّكة كذلك:
«لا أعلم. يصعب عليّ تصديق أنّكِ لست مهتمّة به حقّا.»
«أنا مهتمّة بشكله و بالصّورة الفنّيّة الّتي يجسّدها. و بهذا أعني "هالة الفتى السّيّء". و ليس به كشخص»
حاولت إيلينور إقناعها بذلك. لكنّ ناتالي اكتفت بهزّ رأسها بخيبة أمل و هي تردف ممثّلة الأسف:
«سيّء، يبدو بأنّ فتانا هذا غير محظوظ»
رفعت لينو كلا حاجبيها بنوع من الدّهشة ثمّ أزاحت ببصرها لتنظر خارج النّافذة و هي تتحدّث بصوت خافت:
«ليس و كأنّه مهتمّ بي»
سرعان ما جاءها ردّ شقيقتها الكبرى:
«من يدري؟»
لم تعلّق إيلينور على ذلك و اكتفت بالتزام الهدوء و المراقبة من خلال نافذة السّيّارة.
مرّت عدّة دقائق لم تتفوّه أيّ واحدة منهما بحرف واحد، إلى أن قرّرت ناتالي الإلقاء بالسّؤال الّذي تبادر إلى ذهنها فجأة:
«ما الّذي ترينه فيه. أعني رايدر، لقد قلتِ بأنّه فتى سيّء. أيّ نوع من الإلهام و الفنّ ترينه في شخص كهذا؟»
تحدّثت بنبرة مستفسرة من دون أن تزيح أعينها عن الطّريق أمامها. و في الواقع، قد نال سؤالها اهتمام إيلينور الّتي أدارت رأسها ناحيتها و حدّقت بشقيقتها و هي تجيب بابتسامة خافتة:
«إنّه يجسّد نوعي المفضّل من الفنّ. الفوضى»
لم تعقب الأخرى على كلامها لذا واصلت موضّحة كلامها أكثر:
«تعرفين ذلك النّوع من اللّوحات الّتي تجعلك تشعرين بالسّكينة فور رؤيتها؟ ليس بسبب ألوانها بل بسبب محتواها المنظّم و المرتّب بشكل لا يرهق العين...في المقابل، هناك كذلك نوع اللّوحات الّتي تجعل بعض النّاس لا يفضّلون النّظر لها بسبب الأشكال العشوائيّة و المتداخلة ببعضها الّتي تحتويها و الفوضى الّتي تعكسها...بالنّسبة لي، أفضّل النّوع الثّاني الّذي يسمح لك باكتشاف أبعاد أخرى للّوحة إضافة إلى ما تجسّده بذاتها»
أخذت نفسا عميقا قبل أن تضيف و هي تعيد بصرها إلى النّافذة:
«و هذا هو ما يمثّله رايدر تماما في نظري..فنّ من نوع الفوضى»
ساد السّكون للحظات بعد انتهائها من عبارتها. و اعتقدت لوهلة بأنّ أختها لم تقتنع بكلامها، لذا كانت على وشك الحديث مجدّدا إلّا أنً ناتالي منعتها:
«وجهة نظرك الفريدة مبهرة حقّا. أحببت كيف أنّك لا تميلين لكلّ ما يجسّد السّكون كما يفعل الأغلبيّة. و رغم ذلك، كيف تكون الفوضى جميلة؟ لا أفهم هذا»
«لأنّها حقيقيّة، و تجسيد للواقع بحذافيره. حتّى و لو لم تكن ظاهرة دوما، فالفوضى في كلّ مكان. في عقول النّاس، و في أرواحهم. و حتّى في أماكنهم الخاصّة الّتي لا يراها سواهم. ألم تلاحظي قبلا بأنّ أغلب النّاس لا يهتمّون بترتيب غرفهم و يؤجّلون ذلك باستمرار حينما يكونون الوحيدين الّذين يدخلونها؟»
أومأت ناتالي برأسها دليلا على اتّفاقها مع كلام إيلينور الّتي واصلت الحديث قائلة:
«بينما السّكون و النّظام هو مجرّد غطاء يخفي الحقيقة...يخفي الفوضى. و ليس سوى طريقة ليتوارى الأشخاص خلفها..»
لاحظت إيلينور انعقاد حاجبيّ شقيقتها. و كان ذلك بمثابة دليل على شعورها بالحيرة. و لذلك أردفت الأخرى موضّحة أكثر:
«أنا لا أقول أنّ السّكون غير موجود. هو كذلك و لكنّه نادر...نادر جدّا. أمّا ما نراه دوما هو مجرّد ستار يواري نقيضه. فالواقع يستحيل أن يبنى على النّظام و الهدوء فحسب»
و أخيرا ارتخت ملامح ناتالي و ظهرت ابتسامة هادئة على شفتيها و هي تنطق بذهول:
«ذكيّة و مبهرة كعادتك لينو.»
منحتها المعنيّة ابتسامة ممتنّة لتضيف ناتالي مرّة أخرى بتساؤل:
«أنتِ ترين رايدر كتجسيد للفوضى...لكن ماذا عنكِ...بطريقة تفكيرك هذه، كيف ترين نفسك؟»
حدّقت إيلينور بشقيقتها بنظرات متفاجئة نوعا ما. فسؤالها لم يكن متوقّعا و لم تحسب له حسبانا..
رفعت أعينها للأعلى قليلا محاولة التّفكير، و قد كانت ناتالي تنتظر بصبر و يداها لا تزال على المقود الجلديّ تركّز مع الطّريق أمامها.
كانت بضع لحظات حتّى أخذت إيلينور نفسا عميقا جدّا و باشرت الحديث بهدوء بينما تغرق في أفكارها و تنتقي الكلمات المناسبة:
«أنا..أظنّني أجسّد كلّ ما سبق..»
ضيّقت ناتالي أعينها بعدم فهم و هي تمنح إيلينور نظرة سريعة قبل أن تعيد أعينها بسرعة للنّافذة الأماميّة جاعلة من الأخرى تضيف موضّحة:
«إن قصدتِ شكلا، فجوابي سيكون السّكينة...و إن قصدتِ مضمونا، فأنا لست معصومة من الصّراعات النّفسيّة...أمّا إن قصدتِ كلاهما، فأنا لوحة واضحة لغرفة أحدهم بأغراض مبعثرة في الأرجاء. عناصرها مرتّبة، و لكن فوضويّة في آن واحد»
مجدّدا، ظهر الانبهار على ملامح تلك الّتي كانت على وشك النّطق لولا أنّ لينو قد سبقتها:
«الفرق بيني و بين رايدر هو أنّني أجسّد مزيجا من الاثنين. بينما هو يجسّد فوضى بحتة قلبا و قالبا..»
«أكاد لا أصدّق أنّ فارق العمر بيننا هو ستّ سنوات...ما تتحدّثين عنه هو أمر لم يخطر على بالي قطّ»
تمتمت بانبهار و هي تركن السّيّارة أمام المنزل قبل أن تزيل يديها أخيرا من على المقود و تدير رأسها ناحية إيلينور الّتي كانت لا تزال تحدّق أمامها بشرود مردفة:
«لم تصادفي موقفا يجعلك تفكّرين به و حسب. حتّى أنتِ تملكين أفكارا لم تخطر ببالي كذلك. أنا متيقّنة من هذا»
نقلت بصرها مباشرة بعدها صوب شقيقتها لتجدها تبتسم لها بخفّة. بادلتها بابتسامة مماثلة صادقة ثمّ ترجّلت كلاهما من السّيّارة لأجل الدّخول إلى المنزل.
فور أن أغلق الباب و نزعت كلاهما حذاءها، كانت ناتالي على وشك التّقدّم إلى الدّاخل. إلّا أنّها تراجعت قليلا لتطرح على شقيقتها سؤالا آخر:
«لينو، لديّ سؤال أخير»
رفعت المعنيّة نظرها صوب ناتالي بعد أن وضعت حذاءها في مكانه:
«بكلّ تأكيد، تفضّلي»
«ذلك الفتى..لقد قلتِ أنّكِ رسمته في المحاولة الثّانية. ماذا حدث في المحاولة الأولى؟»
عبست إيلينور حينما تذكّرت رسمها الّذي أفسد بسبب تغيير رايدر لوضعيّته، ثمّ نطقت بأسف:
«لم أستطع إنهاءها لأنّه غيّر من وضعيّته. لذا قمت بإلقائها في سلّة المهملات»
هزّت ناتالي رأسها بتفهّم ثمّ أردفت محاولة التّخفيف عنها بينما تربّت على ظهرها بخفّة:
«لا بأس. على الأقلّ استطعت تعويضها بأخرى»
«معكِ حقّ»
تمتمت مبتسمة لتبادلها شقيقتها و تضيف قائلة بينما تسبقها للدّاخل:
«هيّا أسرعي لنتناول شيئا ما»
«قادمة»
_aerithra_