فتى سيّء نبيل

فتى سيّء نبيل

19 0

____________________________________________

كانت السّاعة قد تجاوزت منتصف اللّيل بالفعل عندما أصبح كلّ ما يُرى في الأفق هو ضياء القمر و النّجوم...و أضواء المطاعم و المحلّات الّتي تعمل بدوام كامل.

و قد كان ذلك بمثابة الوقت المثاليّ لأيّ شخص يريد النّوم، أو الحصول على قسط من الرّاحة للغرق بين أفكاره..

لعلّ ذلك كان السّبب الّذي جعل رايدر يتّخذ من سطح هذه البناية تحديدا مكانا له ليصفّي ذهنه بعد يوم طويل..

لأنّه هادئ، و بعيد عن ضوضاء البشر...و لا أحد يأتي هنا في هذا الوقت، لذا لن يزعجه أحد.

حتّى فتى مثله يحتاج لبضع لحظات هادئة خلال يومه..و هذا ما لا يفهمه الكثير. فمن الصّعب أن يكون يومك كلّه بين النّاس من دون أن تختلي بنفسك قليلا.

خصوصا عندما يكون لديك ما تفكّر به، و ما عليك اتّخاذ قرار بشأنه..

تنهّد رايدر بخفّة و هو يعود بجسده إلى الخلف قليلا يستند على كفّ يده اليسرى، بينما يمسك باليمنى ورقة ما بإحكام خشية أن تطير مع نسمات الهواء الّتي تمرّ بين الحين و الآخر.

لم يكترث لشعره الّذي بعثرته الرّياح، و لا لتلك القطّة البيضاء الّتي تسلّقت السّور و جلست قربه.

كلّ ما سمح له بأن يشغل باله الآن كان تلك الورقة الّتي كانت بيده...الشّيء الوحيد الّذي كلّما رآه ظهرت صورة تلك الفتاة أمام عينيه.

ليس نادما لاحتفاظه بهذه الرّسمة، إضافة إلى الأولى الّتي وجدها في سلّة المهملات ذلك اليوم؛ فهذه تحفة فنّيّة بحقّ..

تحفة فنّيّة بغضّ النّظر عن أيّ شيء متعلّق بصاحبتها..

واصل رايدر التّحديق بتمعّن بالرّسم لدرجة لم ينتبه للابتسامة الخافتة الّتي ارتسمت على شفتيه.

ابتسامة دافئة يستحيل أن يظهرها لأحد...و لكنّها ظهرت الآن دون رغبة منه.

سحقا..هو يخشى الاعتراف بهذا و لكن...لقد أصبح مدمنا على فنّها..

مدمنا بشكل يدعو للقلق..

أصدر ضحكة يائسة و هو يزيح أعينه السّوداء ناحية القطّة بجانبه..ثمّ مدّ يده ببطء يمسح على ظهرها.

«لا أريد الحديث عن ما يدور ببالي لأحد، لذا يبدو أنّ الأمر سينتهي بي أتحدّث إليك يا قطّة حتّى لا أشعر بأنّي جننت لأنّي أحاور نفسي»

تمتم بينما يداعب فراءها يجعلها تحرّك رأسها و قد بدا الرّضا عليها.

لن يصدّق أحد هذا، و لا حتّى رافي...و لكنّ الأمر سينتهي به حقّا يحاور قطّة.

هزّ رأسه بقلّة حيلة، لتعود إليه ملامحه المعتادة مباشرة حالما استأنف حديثه:

«أضحيت أستصعب النّوم من دون أن أقضي بضع لحظات أتأمّل ما نسجته أصابعها و أنبهر في كلّ مرّة من حقيقة أنّه من الممكن أن يتواجد شخص بهذه الموهبة العظيمة و الفريدة»

رفع رأسه إلى السّماء يطالع النّجوم اللّامعة بشرود، و واصل:

«لم أظنّ قطّ أنّ الرّسم قد يكون شيئا يجذب انتباهي...ربّما حدث هذا فقط لأنّ كلّ رسمة رأيتها كانت لي، أتظنّين ذلك أيضا؟ لو أنّ ما رأيته كان رسومات لأشخاص آخرين، هل كنت سأحبّ ما أراه كما أفعل الآن؟ أعني...رسوماتها؟»

صمت لبرهة يعيد التّفكير مليّا في ما قاله بما أنّ القطّة لم تكن ستجيبه في كلّ الأحوال، ثمّ زفر متمتما:

«أظنّ أنّ ذلك هو الاحتمال الأصوب، فقد رأيت الكثير من الرّسّامين سابقا على مواقع التّواصل، و دائما ما كنت أتخطّى مقاطعهم»

أطلق زفرة طويلة في نهاية كلامه يعيد ناظره للقطّة الّتي يبدو أنّها قد نامت بالفعل..

هل شعرت بالملل من حديثه؟ تبّا لها إذا..

لكن، و ليكون منصفا...حتّى هو عليه فعل المثل و النّزول للشّقّة في الأسفل حتّى ينام، خصوصا و أنّ رافاييل قد يستفيق في أيّ لحظة، و حتما سيقلق إن لم يجده.

كان رايدر على وشك الالتفات و القفز من فوق سور السّطح، إلّا أنّه عدل عن ذلك في اللّحظة الأخيرة فور أن طرق ذهنه مشهد مساء الأمس..

سحقا..لقد تعكّرت ليلته.

تنفّس بعمق يحاول تحرير عقله من ضغط الأفكار ثمّ عاود الجلوس بسكون مكانه، ليشعر على الفور بشيء ما يحتكّ بذراعه..

نقل بصره ناحيته ليجد أنّ القطّة قد استيقظت، و قد كان ذلك الوقت المناسب تماما..

«ما الأمر؟ هل راودتك فكرة مزعجة مثلي تماما؟»

نبس بخفوت و هو يراقبها، ليواصل الحديث ملقيا بكلّ ما يغضبه:

«أخبرتكِ عن الرّسّامة، و لكنّي لم أخبركِ عن الّذي فعلته لتدافع عن أشقر مبتذل...لقد صرخت في وجهي و استهانت بما يزعجني قائلة أنّي أكبّر المواضيع...صحيح أنّ سمعتي ليست جيّدة، و الجميع يحكمون دوما على أنّني المخطئ في كلّ شجار أخوضه، لكنّي أكره ذلك و أكره أن يأتي ذلك من شخص ظننته مختلفا و لو قليلا»

تنهّد يشيح بأعينه للأفق أمامه و قرّر أن يصمت قليلا..

لن يكذب، هذه القطّة قد أعجبته كثيرا، فهي لا تعترض على آرائه و لا تقاطعه قائلة أنّه مخطئ...و هذا يروقه كثيرا.

سحب ذراعه يبعدها عنها، و راح يربّت بيده على رأسها بينما يضيف موضّحا:

«أعلم أنّك قد تفكّرين في السّبب الّذي يجعلني أنزعج من ذلك، و لكنّ فضولي حول هويّة الرّسّام أوّلا، و سبب رسمها لي ثانيا، قد جعلني أكتشف بعض الجوانب منها..قليلا منها فقط، و قد كنت غبيّا لدرجة اعتقدتها مختلفة عن غيرها في نقطة ما...لكن اتّضح أنّها كانت تخفي أكثر ممّا أظهرت»

ضحك بسخرية في نهاية كلامه، سخر من نفسه لأنّه تجرّأ و اتّبع فضوله بخصوص فتاة عشوائيّة لا يعرف عنها شيئا..

«أنا لا أهتمّ لها، و ليس هذا سبب غضبي من الّذي جرى...لا أعلم حتّى ما الّذي كنت أنتظره...لكنّي سأتخطّى قريبا عندما أعتاد على تجاهلها مجدّدا كما لطالما فعلت، أنا لا أتجاهل أيّ إهانة أو استخفاف بي، و لن تكون هي استثناء»

عاد برأسه للخلف قليلا سامحا لنسمات الهواء المنعشة بالوصول لعنقه، مرخيا بذلك قبضتيه و متناسيا لحقيقة أنّه كان يمسك بالورقة.

و قد طارت منه الآن..

«سحقا..»

اشتدّ فكّه بغضب و وجد نفسه يقفز من على سور السّطح إلى الدّاخل، لينزل السّلالم بسرعة من دون أن يفكّر و يخرج من المبنى باحثا بأعينه عن الورقة.

لا بدّ و أنّها طارت بعيدا، و سيكون إيجادها ضربا من المحال...لكن ليس عليه تركها تضيع منه مهما كلّفه الثّمن، فقد حصل عليها بصعوبة، و على الأرجح لن تتاح له الفرصة لأخذ غيرها.

مسح ببصره المكان من حوله على أمل أن يجدها، فقط ليزفر بنوع من الارتياح حالما لمحها على الأرض بعيدا عنه قليلا.

كان على وشك التّقدّم من أجل التقاطها، إلّا أنّه توقّف مكانه فجأة و هو يرى أحدا ما ينحني ليمسك بها.

من هذا و من أين ظهر؟ أيّا كان، ليس الوقت المناسب له..

كانت ملامح الشّابّ غير ظاهرة بسبب الظّلام، و بعده عن أيّ عمود إنارة...حيث كلّ ما كان واضحا هو الطّريقة الّتي تطايرت بها خصلات شعره بفعل نسمات الهواء؛ ما جعل رايدر يتقدّم من دون تفكير، لعاود التّوقّف مرّة ثانية

«هذا أنت؟»

تساءل بازدراء و هو يرى هيوغو يقف على بعد قليل منه يراقبه بهدوء ببنما يمسك بيده الرّسم الّذي تفحّصه بإمعان.

لماذا و من بين آلاف الأشخاص كان عليه مصادفته هو و في هذا الوقت؟ أهو غير محظوظ لهذه الدّرجة؟

لم يفكّر رايدر مرّتين عندما اندفع بسخط ناحية الأشقر صائحا بانزعاج:

«أبعد يدك القذرة عن أشيائي و أعد الورقة لي يا هذا!»

راقبه الآخر باشمئزاز و هو يقترب منه، ثمّ مدّ يده يعطيها له من دون تردّد معلّقا:

«لم أكن لأعيدها لك لولا أنّ لا نيّة لي بالاحتفاظ بصورك»

«جيّد لك»

تمتم بعدم اكتراث بينما يخطف الورقة من يد هيوغو و يلتفت للمغادرة من دون أن يفكّر في قضاء ثانية أخرى قربه.

قولوا أنّه مجنون، و لكنّه قد أصبح حسّاسا للشّقر منذ أن قابله...كلّ شخص بشعر فاتح أضحى يذكّره بذلك الطّفل، و هذا مزعج بشكل جدّيّ.

و على ذكر ذلك، لما أصبح يظهر أمامه كثيرا و في كلّ مكان؟ أينوي جعله يجنّ بسببه؟ هذا كثير، فرؤيته له في الجامعة وحدها أكثر من كافية...في المرّة القادمة، لن يمرّ الوضع بسلام من دون شكّ.

لصبره حدود، و هذه الحدود أرقّ من الشّعرة.

اختفى رايدر من المكان فور أن دخل المبنى السّكنيّ، تاركا بذلك هيوغو الّذي كان يراقبه بملامح استنكار.

ألم يمزّق الرّسم ذلك اليوم؟ لم يكن يعلم أنّ رايدر هذا يمتلك واحدا آخر.

لماذا؟ هذا ليس عادلا بتاتا...كيف يملك رسما من إيلينور و هو لا يفعل بعد؟ مزعج حقّا..

ليتها تسرع و تجد وقتا لترسمه، فلم يعد بإمكانه الانتظار أكثر من هذا...خصوصا بعد هذه اللّيلة.

هزّ هيوغو رأسه بخفّة ينفض الأفكار المزدحمة عن ذهنه، ثمّ دسّ إحدى يديه في جيب بنطاله و مرّر الأخرى على خصلاته الشّقراء قبل أن يقرّر تناسي ما جرى و يواصل السّير متخطّيا الشّارع بسرعة.

و في النّاحية الأخرى، كان رايدر قد وصل لتوّه إلى باب الشّقّة، حيث أخرج مفاتيحه من جيب بنطاله الرّياضيّ و فتح الباب قبل أن يدلف للدّاخل محاولا عدم إصدار أيّ صوت.

«أهلا بعودتك. ظننتك ستقضي اللّيلة خارجا»

تصنّم مكانه فور أن وصله الصّوت المستهزئ لرافاييل من خلفه، ليلتفت بسرعة ناحية مصدر الصّوت يلمح أخاه يقف عند عتبة غرفة النّوم عاقدا ذراعيه عند صدره و يطالعه بحاجب مرفوع.

«رافي؟ أهلا، كيف حالك؟»

نطق رايدر محاولا تلطيف الأجواء ، ليجيبه الآخر فورا:

«كنت سأكون بخير لو أنّني لم أستيقظ على صوت صراخك خارجا...ما الّذي كنت تفعله؟ هل جننت؟»

تك رايدر لسانه بينما يشيح بوجهه بعيدا ليتفادى الإجابة؛ وسرعان ما وصله صوت رافاييل الّذي أضاف فور أن لمح ما بيده:

«ما هذا الّذي أنت ممسك به؟ أعطني إيّاه»

تقدّم بسرعة من شقيقه و بصره مثبّت على الورقة، ليمدّ يده و يأخذها مباشرة جاعلا من رايدر يفلتها من دون تردّد خشية أن تتمزّق إن قاوم.

«هذا؟ إنّه أحد الرّسومات الّتي وجدتها في حقيبة ظهرك سابقا»

تمتم رافي بدهشة و هو يطالع الرّسمة بأعين متّسعة، قبل أن يرفع بصره ناحية شقيقه الّذي زفر بضيق يشتم تحت أنفاسه.

«أين كنت؟ و لماذا كانت معك؟ و لماذا كنت تصرخ خارجا؟»

ألقى بأسئلته دفعة واحدة جاعلا من الآخر يلفّ عينيه بلا مبالاة بينما ينحني لخلع حذائه و وضعه جانبا، ثمّ سار ناحية الغرفة ليدخل جاذبا رافاييل خلفه.

«تعال و سنتحدّث»

جلس كلّ واحد منهما على سريره مواجها الآخر، و لم يتردّد رايدر في بدء الحديث فور أن شعر بنظرات رافي الثّاقبة مسلّطة عليه:

«كنت في السّطح كعادتي، و كان الرّسم معي قبل أن يسقط منّي و أنزل لأجد شخصا أحمقا قد عثر عليه»

«و أنت صرخت بانزعاج ليعيده إليك، هل أنا مخطئ؟»

واصل رافي مكانه جاعلا منه يحمحم منظّفا حلقه قبل أن يجيبه مؤكّدا:

«لا، لست مخطئا»

«و لماذا أخذتها معك إلى السّطح؟»

«في الواقع-»

«إيّاك و الكذب رايدر...أنا شقيقك و صديقك، يمكنك إخباري بكلّ شيء»

زفر رايدر بضيق مشيحا بأعينه بعيدا عن رافاييل، و فكّر للحظات بجدّيّة حول ما إذا كان عليه التّهوّر و إخباره بالأمر.

سيردّ له الصّاع صاعين بسبب سخريته منه سابقا..

و الأسوأ من كونه سيتّهمه بإعجابه بها، هو أنّه سيتّهمه بإعجابه بها هي!

أقصد، هو؟ معجب بها؟ و خصوصا بعدما فعلته؟

هذا محال! و لن يحدث حتّى في أسوأ كوابيسه!

لكن، و بالنّظر لرافي هنا، هو لا ينوي تخطّي الموضوع بسلام، لذا...عليه إخباره كما يظنّ؟

«اسمع، أنت لن تقاطعني حتّى أنتهي، اتّفقنا؟ و هذا يشمل إطلاق التّعليقات السّاخرة»

همهم الآخر قبولا و هو يطالعه باهتمام شديد، ليباشر رايدر في الحديث مباشرة:

«اكتشفت مؤخّرا عن طريق الصّدفة أنّ هناك من يرسمني سرّا، وجدت رسمة غير مكتملة في سلّة المهملات، لقد رأيتها سابقا...و هذه الّتي بيدك قد أخذتها من حقيبتها خلسة»

«حقيبتها؟»

كرّر مستفهما و هو يحدّجه بنظرات مستغربة رافعا حاجبه يحثّه على المتابعة:

«أجل، إنّها فتاة...هارفي شقيقة حبيبتك»

كلّ ما كان مسموعا تاليا هو صوت رايدر الّذي شتم بينما يلقي بجسده إلى الخلف ممسكا بذراعه، تلاه النّبرة المحذّرة لرافاييل الّذي كان قد ألقى لتوّه المفتاح الّذي كان قربه على رايدر.

«رايدر..»

هسهس بألم من الضّربة ثمّ اعتدل في جلسته بسرعة يلقي بالمفتاح معيدا إيّاه إلى الآخر بينما يمسح على ذراعه مجيبا:

«تبّا هذا مؤلم...لقد كنت أمزح و حسب؛ لكنّ الرّسّامة هي شقيقتها حقّا»

رفع رافاييل حاجبيه غير مصدّق لما سمعه توّا، و سرعان ما صاح بدهشة:

«أتقول أنّ من ترسمك هي شقيقة ناتالي الصّغرى إذا؟!»

«و تعرف اسمها كذلك؟»

«نحن شركاء عمل، لذا لا داعي لتعليقاتك...ما اسم الفتاة؟»

عقد رايدر حاجبيه و هو يدرك لتوّه أنّ كلّ ما يذكره هو اسمها الأخير..

اسمها على طرف لسانه، و لكنّه لا يذكره...كان يناديها بهارفي طيلة الأيّام الماضية، و لم يستخدم اسمها سوى مرّة على الأكثر.

لذا...نعم، هو لا يذكر.

«ناولني الورقة الّتي بيدك رافي»

تمتم يمدّ ذراعه ناحية الآخر الّذي لم يعاند و أعطاها له مترقّبا خطوته التّالية.

أخذ رايدر الرّسم و رفعه مقرّبا إيّاه من ناظره، محاولا بذلك قراءة التّوقيع الّذي لم يتّضح له سوى بضع أحرف منه.

ضيّق عينيه أكثر يركّز مع ما يفعله، قبل أن يرفع رأسه بإدراك و يصيح مخاطبا رافي:

«تذكّرت! كان إيلينور»

«إيلينور؟ اسم جميل»

نبس و هو يوجّه نظرات جانبيّة لشقيقه الّذي لفّ عينيه بضجر يتوقّع ما سيسمعه تاليا:

«هي ترسمك، و أنت ساعدتها في واجب الفلسفة...ستشكّلان ثنائيّا رائعا»

لم يفكّر رايدر حتّى عندما حمل وسادته و ألقى بها بكامل قوّته على رافاييل الّذي تعالت ضحكاته و هو يلقي بجسده على سريره.

«سحقا لك، منطقك غريب جدّا»

عاود الآخر الجلوس باعتدال بينما يستمرّ في إصدار قهقهات خفيفة، ثمّ أجاب ممازحا:

«تبدو لطيفة، و قد تساعدك في تغيير طباعك الحادّة قليلا»

زفر رايدر و هو يشيح بوجهه بعيدا بلا مبالاة، ثمّ تمتم بصوت خافت:

«لتغيّر طباعها أوّلا، ثمّ يمكننا التّحدّث بشأن طباعي أنا»

عاد لتواجه عيناه خاصّة رافي و علا بصوته مجدّدا بشكل لا نقاش فيه:

«لا تحاول زرع أفكارك في عقلي، فبالنّسبة لي، هي لا شيء! أقول لك لا شيء! هذا واضح؟»

أمال الآخر رأسه و قد اتّسعت عيناه بغير تصديق، حيث وضع كفّه على ركبته و أردف مندهشا:

«ترفع صوتك؟ ما رأيك أن تأتي و تأخذ مكاني كأخ أكبر؟ سيكون ذلك أفضل ألا توافقني؟»

أشار له في نهاية كلامه إلى المكان الّذي هو جالس فيه، ما جعل رايدر يتنهّد بعمق قبل أن يستقيم مباشرة و يخطو ناحية الباب مصرّحا:

«سأذهب للاغتسال»

ارتسمت على شفتيّ رافي ابتسامة جانبيّة من دون أن يزيح عينيه من مكانهما، و ردّ ساخرا:

«يمكنك قول لا من دون أن تتهرّب هكذا»

لم يعقب الآخر و واصل طريقه إلى الحمّام من دون أن ينظر خلفه، تاركا أخاه يرفع رأسه للأعلى بينما يضحك متمتما بصوت لم يصل مسامعه:

«ظريف..»

.

.

༺༺༺༺༻༻༻༻

.

.

راقب رايدر سيّارة رافاييل و هي تبتعد شيئا فشيئا إلى أن اختفى عن مرمى بصره تماما، ثمّ تنهّد بثقل قبل أن يلتفت يعبر بوّابة الجامعة من دون وجهة محدّدة.

إلى أين قد يذهب؟ السّطح؟ الحديقة الخلفيّة؟ قطعا أيّ مكان عدا المكتبة.

حصصه اليوم لن تبدأ إلّا بعد ساعتين على الأقلّ، و رغم أنّه ليس من عادته فعل هذا، إلّا أنّه قد أتى مبكّرا لأجل الجلوس في أيّ مكان و حسب.

عادة يظلّ في الشّقّة ليواصل نومه، لكن لا رغبة له بذلك اليوم مع أنّه قد ظلّ مستيقظا لوقت جدّ متأخّر ليلة أمس.

يمكنه أن يلمح بعضا من طلّاب صفّه في الأرجاء، ليس الوحيد الّذي قرّر المجيء الآن كما يبدو.

ربّما يبحث عن أحد أصدقائه ليقضي معه وقت الفراغ هذا؟ ذلك أفضل من الجلوس و التّفكير في أشياء لا معنى لها.

لقد شهد بأمّ أعينه ما تفعله الوحدة، خصوصا في ساعات اللّيل المتأخّرة.

قطعا لن يصدّق أحد ذلك، و قد يسخر من القائل، و لكن الأمر انتهى برايدر ميرفي يخاطب قطّة..

لذا نعم، الجلوس بمفردك بعد منتصف اللّيل هو أسوأ ما قد تفعله..

لكن هل سيكرّرها؟ ليس الحديث إلى القطّة، بل الجلوس ليلا على السّطح...الإجابة هي نعم، فتلك هي لحظاته المسالمة الوحيدة.

و رغم ذلك، جدّيّا؟ قطّة؟ لا زال غير مستوعب لذلك، و قد يلقي بنفسه من سطح المبنى لو كان أحدهم قد رآه، فسمعته و اعتباره سيتبخّران بلمح البصر.

سرعان ما شعر باهتزاز هاتفه داخل جيب بنطاله الرّياضيّ، جاعلا منه يمدّ يده يسحبه متفقّدا هويّة المتّصل.

"المزعج رقم 1"

هذا كان الاسم الّذي سطع على الشّاشة، مرغما رايدر على الابتسام بجانبيّة.

لحسن الحظّ أنّه اتّصل، كان سيبحث عنه لتوّه.

«رايدر يا رجل، كيف الحال؟»

وصله ذلك الصّوت الذّكوريّ من الجهة الأخرى للسّمّاعة فور ضغطه على زرّ الإجابة، ما جعله يزفر بضجر مجيبا إيّاه:

«أين أنت أوستن؟»

«أنا بأفضل حال، شكرا لسؤالك»

لفّ الآخر عينيه بلا مبالاة و أردف مصرّا:

«أجب فحسب»

وصله صوت ضحكات أوستن المستمتعة الّذي تكّ لسانه و ردّ مباشرة:

«في ملعب البيسبول، لا أريد الذّهاب للجامعة اليوم...اتّصلت لأسألك إن كنت تستطيع القدوم، أين أنت؟»

مدّ رايدر يده إلى خصلاته السّوداء يرفعها عن جبينها بينما يتوقّف عن السّير قائلا:

«انسَ الأمر، لا يمكنني القدوم»

أبعد الهاتف عن أذنه فورا يغلق الخطّ من دون أن ينتظر سماع جواب الآخر، و أعاده إلى جيبه قبل أن يستأنف السّير مجدّدا.

أوَتعلمون؟ يبدو أنّه سيصعد إلى السّطح...سيكون مكانا مثاليّا في حال قرّر إلقاء نفسه بسبب قطّة ليلة أمس.

لا يظّنه قادرا على تخطّي هذا...لا الآن و لا أبدا.

«تبّا..!»

صاح بألم يتراجع بضع خطوات إلى الخلف فور اصطدامه بشيء ما، لينعقد حاجباه بانزعاج فور أن وصله صوت أنثويّ:

«هل أنتَ أعمى؟»

«هل أنتِ بلهاء؟»

أجاب فورا من دون أن ينظر لها و هو ينفض ثيابه، قبل أن يصوّب ناظره ناحيتها و تتّسع أعينه بدهشة.

«لستُ قصيرة لتدّعي أنّك لم ترَني»

نطقت إيلينور معاتبة و هي تدعك جبينها بكفّ يدها، مثبّتة عسليّتيها على رايدر الّذي تلاشت دهشته تدريجيّا لتعود ملامحه طبيعيّة.

لا شيء بباله ليقوله لها، لذا..

أزاح بصره عنها بهدوء و تقدّم متخطّيا إيّاها من دون أن يجيب، فلم تطرح عليه سؤالا أو ما شابه، و ليس في مزاج للرّدّ على تعليقات الآخرين.

«ما خطبك؟ أنا أحدّثك»

توقّف مكانه مجدّدا فور أن نطقت بينما تسير أمامه بطريقة عكسيّة، لتتوقّف هي الأخرى تستمع للعبارة غير المبالية الّتي ألقاها:

«أضيفي إلى معلوماتك أنّه لا أحد مجبر على الحديث فقط لأنّك تريدين ذلك...أنا مستعجل»

«لحظة واحدة فقط»

تمتمت رافعة سبّابتها، ليزفر الآخر رافعا رأسه إلى الأعلى قائلا:

«لديك ثلاث دقائق، و بعد انقضائها سأغادر حتّى و لو لم تنهي كلامك»

لاحظ كيف ارتسمت ابتسامة خافتة على شفاهها قبل أن تنطق مباشرة معيدة خصلة من شعرها خلف أذنها:

«تذكّرت أنّي قطعت لك وعدا بتعويضك عن الرّسم الممزّق، لذا أتيت لأفي به...لا أريده أن يبقى دينا»

«أنا بخير، لا أريده»

سقطت ابتسامتها فور أن تفوّه بذلك من دون تردّد بينما يدسّ يديه داخل جيوب بنطاله.

استمرّ في مراقبتها بهدوء يحسب بداخله الدّقائق الثّلاث و هو يفكّر في ما قالته منتظرا كلماتها التّالية.

لا يعقل أن تكون جادّة، من ناحية، مجرّد حديثها عن الرّسم الممزّق يستفزّه، و يذكّره بوجود شخص أبله بشعر أشقر.

«متأكّد من أنّك لا تريده؟»

تساءلت هي بنبرة مستفهمة و لمحة من الإصرار...عليها المحاولة بجدّيّة على الأقلّ.

منعه لها من رسمه يوم أمس بتلك الطّريقة كان غريبا، و رفضه الآن...أغرب.

ألم يحدث كلّ ذلك بسبب الرّسم؟ لماذا لا يريده الآن؟

«لو كنت متردّدا لما أجبت...لا أريده»

و مع إلقائه بعبارته هذه، أبعد عينيه عنها مصرّحا:

«وقتكِ انتهى»

مدّ ساقه يخطو متجاوزا إيّاها، و لم يكن لها سوى أن لجأت لورقتها الرّابحة لعلّه يوافق:

«إذا أفهم من هذا أنّي سأمنح الوقت الّذي خصّصته لرسمك لهيوغو...لقد كان ينتظر أن أتّصل به منذ مدّة في كلّ الأحوال»

عقدت يديها خلف ظهرها و التفتت بجسدها ناحيته، لتجده متوقّف مكانه، إحدى يديه في جيبه، و الأخرى عدّل بها من وضع حقيبة ظهره الملقاة بإهمال على كتفه.

سحقا لها؛ مزعجة حقّا.

يمكنه فهم ما تحاول فعله جيّدا، و لكنّ رغبته في ألّا يحصل الأشقر على ما يريده -خصوصا على حسابه- قد سيطرت على تفكيره الآن.

لا ضرر إن وافق كما يظنّ..فهو لن يدردش معها في نهاية المطاف، بل سيجلس ساكنا لبضع ساعات حتّى تنتهي.

و بعدها سيغادر بكلّ تأكيد..

أدار رأسه قليلا يلقي عليها بنظرات جانبيّة من فوق كتفه، قبل أن ينطق بهدوء:

«حدّدي الوقت و المكان»

اتّسعت ابتسامتها لسماع ذلك، و لأنّ حيلتها قد نجحت، ثمّ علت ببصرها قليلا تفكّر قبل أن تردف:

«الآن، على السّطح؟»

.

.

༺༺༺༺༻༻༻༻

.

.

«انتهيت»

نبست إيلينور بسعادة و هي تطالع ثمار تعب ساعتين و نصف برضا...لقد كانت النّتيجة مبهرة بحقّ، و الفضل يعود لمظهره أوّلا و هالة الفتى السّيّء الّتي تشعّ بقوّة من حوله، و لتأثير الرّياح الّذي داعب خصلاته الطّويلة ثانيا مانحا إيّاه مظهرا حالما.

مظهر حالم لفتى متمرّد؟ غريب، و لكنّه يشكّل معنى..

إنّه لوحة فنّيّة تتنفّس بحقّ، خصوصا مع أنياب مصّاص الدّماء خاصّته.

أنياب رايدركيولا..

و رغم ذلك...لم يخفَ عنها امتعاضه و التّضايق الّذي كان مسيطرا عليه، و انعكس على الرّسم الخاصّ به.

يبدو أنّه حقّا منزعج..و للغاية.

«ما بك؟»

افترقت شفتاها بدهشة فور إدراكها للكلمات الّتي فلتت منها من دون وعي، و لم يسعها الوقت لتصحيحها حينما لمحته يغيّر وضعيّة جلوسه على الأرض يضمّ كلتا ساقيه لجسده مستندا بيديه إلى الخلف يجيبها متسائلا بهدوء شديد:

«وضّحي حتّى أستطيع الإجابة»

«لا شيء، انس الأمر..»

زفرت تشتم نفسها بصوت خافت قبل أن تضيف و هي تقف من على الكرسيّ الّذي أحضرته معها إلى السّطح:

«يمكنك أخذ الرّسم الآن، لقد وقّعته كذلك»

اقتربت منه تراه يقف على قدميه ينفض الغبار عن ثيابه، ثمّ مدّت له الورقة ليأخذها منها يتفحّصها بعينيه من دون أن يعقب.

بكلّ صراحة، ما يراه الآن مثاليّ من نواحٍ عديدة...لكنّه لن يقرّ بذلك إلّا لنفسه لا غير.

هو، يجلس على أرضيّة سطح الجامعة، إحدى سيقانه مثنيّة قليلا على الأرض، بينما الأخرى يضمّها لجسده متّكئا بمرفقه عليها، و كفّ يده الثّانية مستقرّ على أرضيّة السّطح خلفه يساعده في حفظ توازنه.

لقد أحسن اختيار الوضعيّة، و رغم أنّ تعابير وجهه لم تكن مخطّطا لها إلّا أنّه أحبّها...أحبّ تلك التّعابير لأنّها كانت تعكس كلّ ما كان يشعر به.

حمحم ينظّف حلقه بينما يرفع عينيه ببطء يوجّهها للواقفة أمامه، ثمّ أردف يلتقط حقيبته الّتي كانت ملقاة على مقربة منه:

«بما أنّنا انتهينا من هذا، سأغادر»

نفض الغبار من على الحقيبة و ألقى بها على كتفه بإهمال، ثمّ سار ناحية الباب ينزل السّلالم بهدوء تاركا عسليّة الأعين تقف مكانها تراقبه من دون أن تنطق بحرف إلى أن اختفى جسده تماما عن مرمى بصرها.

«ما كان هذا؟»

تمتمت غير مستوعبة لردّ فعله، قبل أن تهزّ رأسها بقلّة حيلة و تتقدّم من أغراضها تلتقطها، لتلقي نظرة مطوّلة على الكرسيّ أمامها، تفكّر في ما ستفعله بشأنه.

يبدو أنّها ستتركه هنا...قد يحتاجه أحدهم في وقت لاحق، كما أنّه لن يكون من السّهل النّزول و هي تحمله.

ارتدت سترتها و ألقت حقيبة ظهرها على كتفها قبل أن تتقدّم بسرعة تغادر السّطح..

نزلت السّلالم بخطوات سريعة قاصدة الكافيتيريا من أجل شراء وجبة خفيفة قبل الحصّة التّالية، لتتوقّف فجأة فور تخطّيها للدّرجة الأخيرة تزامنا مع التقاط أذنيها لذلك الصّوت الأنثويّ خلفها:

«إلى أين يا فتاة؟»

ارتفع حاجباها بدهشة تحدّق في الفراغ أمامها، و ذلك قبل أن تلتفت بسرعة تطالع ذات النّمش بابتسامة متّسعة:

«لوسيا؟»

ابتسمت لها الأخرى بالمقابل تتقدّم منها نازلة الدّرج تجعل بذلك شعرها الأسود المربوط على شكل ذيل حصان عالٍ يتمايل بشكل جذّاب يضفي على هيأتها سحرا أكبر.

ارتمت زرقاء العينين في حضن إيلينور تعانقها بقوّة هامسة:

«لن تفلتي منّي بسهولة لينو»

بادلتها الأخرى العناق تضحك بخفّة رغم الحيرة الّتي راودتها بشأن مقصد لوسيا...خصوصا بنبرتها المريبة تلك.

«لماذا؟ ما الّذي فعلته؟»

أجابت بينما تفكّ العناق و تلقي بابتسامة متوتّرة خشية أن تكون لوسيا تنوي اتّهامها بالإعجاب بأحدهم فقط لأنّ أعينها وقعت عليه صدفة، أو استعار منها قلما -رغم أنّ لا أحد قد فعل ذلك-...هذه الفتاة مخيفة أحيانا.

سرعان ما لمحتها تضع يدها على خصرها و توجّه لها نظرات جانبيّة قائلة:

«رأيتكِ تنزلين من الأعلى، هل كنتِ في السّطح؟»

أمالت إيلينور رأسها باستغراب من السّؤال و أجابت مؤكّدة:

«أجل، لماذا؟»

تقدّمت لوسيا خطوة إلى الأمام تلفّ ذراعها حول كتف الأخرى و تلقي بكلماتها بمكر:

«لماذا؟ دعيني أخبرك لماذا...رأيت ذلك الفتى رايدر ينزل من السّطح قبلك بلحظات قليلة»

شعرت إيلينور بالتّفاجئ من كلمات سيا، و تلطّخت وجنتاها باللّون الورديّ عندما تابعت بنفس النّبرة:

«أيعقل أنّك كنتِ برفقته في الأعلى؟ أم أنّكما التقيتما هناك صدفة؟»

حسنا، أمامها خياران و حسب..

إمّا تخبر لوسيا، أو تكذب عليها..

و الخيار الثّاني ليس متاحا، لأنّ سيا تحفظها جيّدا -إن استثنينا أمر تاريخ ميلادها-، و ستكشف كذبتها لا محالة.

و ذلك حتما سيكون أكثر إحراجا من أن تخبرها بحقيقة ما يجري و تبعد الشّبهات عنها.

أخذت إيلينور نفسا عميقا، ثمّ و برفق سحبت نفسها بعيدا عن ذراع لوسيا الّتي كادت تخنقها، لتقف أمامها مباشرة و تنطق محذّرة:

«اسمعي سيا، لن تصرخي فجأة كالأطفال أو تطلقي تعليقا من دون أن تستمعي لكلماتي كلّها، مفهوم؟»

همهمت الأخرى قبولا و أردفت مبتسمة:

«مفهوم»

هي قطعا تعتقد أنّ هناك أمرا ما، و هو مختلف تماما عن الّذي ستخبرها به إيلينور.

«تعلمين أنّي أرسم بين الحين و الآخر، صحيح؟ أعني..كالمناظر، الجماد، و حتّى البشر أحيانا»

«أجل أعلم، لقد رسمتِني من قبل»

أجابت و هي تومئ برأسها مؤكّدة بانتظار التّالي، و لم تتردّد عسليّة الأعين في المتابعة:

«الأمر هو أنّ رايدر قد رآني أرسم في الصّفّ و طلب منّي رسمه قبل فترة...لكنّ الرّسم تمزّق، و أنتِ قطعا لا تريدين معرفة ما حدث، المهمّ هو أنّي وعدته بتعويضه عنه، لذا ها أنا قد وفيت بوعدي لا غير»

لاحظت كيف اعتلت وجه لوسيا تعابير الدّهشة و الاستغراب ممّا سمعته توّا.

و هي لا تلومها، فلو كانت مكانها لتفاجأت كذلك..

«و قد كنتُ أجهل كلّ هذا؟ لماذا لم تخبريني قبلا؟»

نطقت لوسيا متذمّرة و هي تضمّ ذراعيها إلى صدرها عابسة كالأطفال، جاعلة من إيلينور تبتسم بتوتّر و هي تتمنّى داخلها ألّا تسأل سيا عن الموضوع أكثر من هذا.

هي لم تكذب عليها، و لكنّها لم تقل الحقيقة كاملة كذلك..

لأسباب تخصّها طبعا، كتفادي احتمال نشر لوسيا للخبر في جريدة أخبار و تعديلها عليه ليناسب وجهة نظرها.

«آسفة حقّا سيا، كانت لقاءاتنا قليلة لذا لم يتسنَّ لي الوقت لأخبرك، لن أكرّرها»

كذبة أخرى..و هي الآن تشعر بالسّوء.

هي تحبّ لوسيا، و لكنّ هذه الفتاة لا تجيد كتمان الأشياء، خصوصا تلك الّتي تنتشر كالنّار في الهشيم، لذا يستصعب عليها أحيانا إخبارها بما يجري من حولها.

الجميع يخفي بعض الأشياء، صحيح؟ الجميع يكتم أسرارا حتّى عن أقرب النّاس إليه..لذا لا مشكلة كما تظنّ.

لكنّها حقّا هذه المرّة ستحاول ألّا تخفي عن لوسيا الكثير، لأجل أن تكون صداقتهما حقيقيّة بشكل جادّ و مبنيّة على الثّقة.

وجدت إيلينور نفسها فجأة تسعل بقوّة و تحاول تحرير نفسها من ذراع سيا الّتي التفّت لتوّها حول عنقها بقوّة تكاد تخنقها.

هل هذه طريقتها في الانتقام؟ بقتلها؟

«سامحتك، لكنّي آمرك ألّا تخفي شيئا عنّي مجدّدا بصفتي صديقتك المقرّبة»

ضحكت في نهاية كلامها تحرّر عنق إيلينور سامحة لها بالتّنفّس.

سحقا..لوهلة ظنّت نفسها على وشك التّلفّظ بأنفاسها الأخيرة.

واصلت لينو السّعال بخفّة من دون أن تعقب على ذلك، جاعلة من لوسيا تلقي بسؤالها مغيّرة الموضوع بينما تمرّر بصرها على المكان من حولها:

«على كلّ حال، إلى أين كنتِ متوجّهة؟»

ضربت إيلينور صدرها بخفّة تسعل لمرّة أخيرة قبل أن توجّه عسليّتيها ناحية صديقتها و تجيبها مباشرة:

«الكافيتيريا»

«عظيم! سأرافقك إذا بما أنّنا لم نلتقِ منذ مدّة»

صاحت سيا بحماس و هي تجذب ذراع إيلينور تعقدها بخاصّتها قبل أن تجرّها رفقتها إلى وجهتهما تحت قهقهات الأخرى..

.

.

༺༺༺༺༻༻༻༻

.

.

على ذلك المقعد الجلديّ وسط غرفة المكتب صغيرة الحجم، جلس شابّ ذو شعر بنّيّ و أعين بنّيّة يضع نظّارات قراءة و يمرّر بصره بتركيز على حاسوبه الشّخصيّ الّذي كان على سطح مكتبه، يتمعّن في كلّ كلمة كتِبت في ذلك الملفّ.

ملفّ اللّعبة الّذي أرسلته له ناتالي ليلة أمس..

لوهلة اعتقد أنّها نسيت أمره، و لكنّه استيقظ صباحا ليجد إشعار بريدها أوّل ما ظهر له فور فتحه الحاسوب.

و لكم أن تتخيّلوا كمّيّة السّعادة الّتي انتابته، رغم الملامح الهادئة و المسترخية الّتي يظهرها الآن بينما يضغط بخفّة على الفأرة يقلّب صفحات الملفّ.

«كم هي رائعة..»

تمتم بينما يقهقه بخفّة و أعينه لا تزال ملتصقة بالشّاشة يقرأ كلّ حرف مكتوب بتأنٍّ فائق.

الملفّ مرتّب بإتقان؛ يسعده حقّا أنّه هو الشّخص الّذي تلقّاه..

«سيّد ميرفي»

انتشله من تفكيره صوت رجوليّ صادر من خارج المكتب، جعل رافاييل يرفع أعينه ببطء شديد يحدّق بالباب الخشبيّ من خلف النّظّارات قبل أن يردّ بصوت مسموع:

«تفضّل جيمي»

سرعان ما فُتح الباب و ظهر خلفه رجل شابّ بهيئة محترمة، تقدّم بهدوء ناحية رافاييل الّذي تراجع بمقعده إلى الخلف يراقبه بصمت منتظرا سماع كلماته.

«أعتذر على المقاطعة، و لكنّ فريق العمل في الغرفة المجاورة بحاجتك»

دفع رافي نظّراته على طول جسر أنفه يقوم بتعديلها قبل أن يسأل مميلا برأسه إلى الجانب:

«لماذا؟ هل أربعتهم هنا؟»

مدّ يده يزيح بضعا من خصلاته البنّيّة عن وجهه بينما يستمع لجواب الآخر الّذي أومأ برأسه قبولا قبل أن يجيب برسميّة:

«ممّا فهمته، لديهم أفكار لتطوير إحدى ألعابنا و يودّون عرضها عليك الآن»

همهم بتفهّم و هو يشبك كفّيه على سطح المكتب ثمّ ألقى بكلماته الأخيرة:

«عليّ إنهاء شيء ما، لذا سأكون هناك بعد خمس دقائق...يمكنك المغادرة جيمي»

أحنى الآخر رأسه باحترام و التفت مغادرا المكتب مباشرة، يترك رافاييل ليعود إلى تفقّد الملفّ الّذي حفظه بالفعل.

يريد حقّا مواصلة القراءة، فهو منظّم بشكل مريح يجعلك ترغب في إبقاء أعينك عليه فقط؛ لكنّ رفاقه بحاجته الآن و سيتعيّن عليه تخصيص وقت لهم قبل أن يعود للعمل على لعبة شركة نوفابيكسل.

استقام رافاييل من مقعده بهدوء مستندا على حافّة المكتب، ثمّ خلع النّظّارات الّتي كان يرتديها و وضعها قرب الحاسوب.

فكّر للحظة بالأمر الّذي خطر بباله فجأة، ثمّ قرّر تنفيذه...حيث انحنى بجذعه قليلا و مدّ يده ناحية الحاسوب قبل أنّ يضغط على بريد ناتالي حيث أرسلت له الملف، و يضغط بأصابعه النًحيلة على لوحة المفاتيح يكتب شيئا ما.

كانت بضع ثوانٍ قبل أن يستقيم في وقفته مجدّدا و يتراجع إلى الخلف قليلا راسما ابتسامة رضا على وجهه.

"أنتِ حقّا مثابرة في عملك، شكرا لكِ آنسة هارفي"

هذا ما كتبه، و هذا ما كانت تستحقّ أن تحصل عليه كمقابل لتعبها.

كلّ ما يقدر عليه الآن هو شكر بسيط، لكنّه سيفي بالغرض في الوقت الحاليّ ليعبّر عن امتنانه...و من يدري؟ قد يرفع معنويّاتها كذلك.

مدّ يده بعدها يغلق حاسوبه الشّخصيّ، ثمّ عدّل من وضع ربطة عنقه قبل أن يسير بهدوء قاصدا الغرفة المجاورة لمكتبه.

.

.

༺༺༺༺༻༻༻༻

.

.

خارج الجامعة، وقفت إيلينور على جانب الطّريق تحدّق بالسّيّارات المارّة بحثا عن ناتالي..

لقد أخبرتها مسبقا بموعد انتهاء دوامها، و لكنّها تأخّرت عن الوصول...أيعقل أن تكون قد نسيت أمرها؟ ستعذرها لو كان كذلك، فانشغالاتها كثيرة.

يبدو أنّها ستنتظر خمس دقائق إضافيّة، ثمّ ستتّصل بها..

رفعت إيلينور رأسها إلى الأعلى تراقب السّماء المغيّمة بشرود قبل أن يلفت انتباهها صوت رنين الهاتف داخل حقيبة ظهرها.

أخرجته و قرّبته من وجهها تتفقّد هويّة المتّصل، و قد كانت ناتالي..

«أهلا ناتالي»

ابتدأت الحديث بعدما ضغطت على زرّ الإجابة، ثمّ قرّبت الهاتف لمستوى أذنها حتّى تستطيع سماع جواب أختها من النّاحية الأخرى للسّمّاعة:

«أين أنتِ؟»

«بانتظارك قرب الجامعة، لماذا؟»

«علقت في زحمة السّير، و قد عطّلني هذا...لكنّي سأصل قريبا لذا انتظري قليلا بعد»

همهمت إيلينور قبولا و أجابت مؤكّدة:

«سأبقى مكاني، لا داعي للقلق»

«جيّد، انتبهي لنفسك»

أنهت كلامها بضحكة خافتة تجعل من الأخرى تعبس متذمّرة:

«لست طفلة ناتالي»

سرعان ما صمتت المعنيّة للحظات جاعلة من إيلينور تظنّ أنّ الخطّ قد انقطع...و ما أن كادت تبعد الهاتف عن أذنها لتتفقّد الشّاشة، حتّى وصلها صوت ناتالي:

«انتبهي لنفسك، وداعا»

أقفلت الخطّ مباشرة تاركة شقيقتها الصّغرى في حالة صدمة و هي تحدّق بالهاتف قبل أن تصدر تنهيدة طويلة متمتمة:

«قلت لست طفلة..»

أعادت الهاتف إلى الحقيبة و واصلت الوقوف تراقب السّيّارات بملل منتظرة وصول ناتالي.

ليت لوسيا كانت هنا لتقضي وقت الانتظار هذا برفقتها...من السّيّء أن حصصها لهذا اليوم لم تنتهِ بعد.

«إيلينور؟»

قفزت المعنيّة بفزع واضعة يدها على صدرها فور سماعها لذلك الصّوت الذّكوريّ خلفها من دون سابق إنذار، تلاه ضحكة مستمتعة لهيوغو الّذي تقدّم يقف قربها و يميل برأسه قليلا يحدّق بوجهها.

«هل أخفتك؟»

تساءل بابتسامة عريضة لتلفّ هي عينيها بضجر و تشيح بوجهها بعيدا:

«لقد تسلّلت من خلفي و فاجأتني، ما الّذي تظنّه؟»

«لم أقصد إخافتك، لقد لمحتك من بعيد و كنت محتارا إن كنتِ أنتِ أم شخصا آخر»

برّر بينما ينتقل للجهة الأخرى بسرعة مرغما إيّاها على النّظر له، و لم تبعد عينيها عنه هذه المرّة عندما أجابت معاتبة:

«سأسامحك إن وعدتني ألّا تكرّرها..لا أحبّ أن يفزعني أحدهم هكذا»

مطّ شفتيه بعبوس ثمّ استقام في وقفته عاقدا يديه خلف ظهره، و أردف رافعا بصره إلى السّماء:

«حسنا، آسف لن أتسلّل خلفك مجدّدا...راضية الآن؟»

«أجل، راضية»

نبست بينما تضحك بخفّة جاعلة من ضربات قلبه تزداد من دون أن تدرك، ثمّ أضافت مغيّرة الموضوع بينما تبسط كفّ يدها:

«بالمناسبة، يبدو أنّها ستمطر»

لم يسمع هو كلماتها، و كلّ ما كان يفكّر به هو الطّريقة الّتي تعبث بها بمشاعره دون أن يتحكّم بذلك..

يمكنه الشّعور بالسّخونة الّتي غزت وجهه بالفعل..لا بدّ و أنّه متورّد.

سحقا، هذا محرج..

«هيوغو؟»

نبرتها المستفهمة أعادته لأرض الواقع، و وجد نفسه يبعد بصره من على السّماء و يزيحه ناحيتها يجدها تطالعه باستغراب...لتضيف مباشرة مانعة إيّاه من الحديث مشيرة لوجهها:

«ما خطب وجهك؟ هل تعاني من الحمّى أو ما شابه؟»

امتدّت يده ببطء شديد إلى وجهه يتحسّسه..و قد كان دافئا.

إذا، لقد كان محقّا في ما فكّر به...وجهه متورّد، و كلّ هذا بسببها.

«لا، أنا بخير تماما، لا داعي للقلق»

أجاب و هو يضحك بارتباك، ثمّ أضاف محاولا تشتيت تركيزها عنه:

«لم تخبريني، ما الّذي تفعلينه هنا بمفردك؟ هل تنتظرين أحدا؟»

همهمت برأسها قبولا و أجابت:

«أنتظر شقيقتي الكبرى، ماذا عنك؟ لماذا لم تعد للمنزل بعد؟»

«كنت سآخذ الحافلة، لكن فضّلت المرور عليكِ أوّلا فور أن لمحتك»

«فهمت»

لم يعقب هو على ذلك، و ساد صمت قصير بينهما يحدّق كلّ منهما في الطّريق أمامه، و ذلك قبل أن يقطعه هيوغو حين ألقى بالتّساؤل الّذي كان يدور بذهنه:

«يعتريني فضول حول عائلتك، أعني...هل لديك أخت واحدة فقط؟ و-»

توقّف مباشرة عندما رفعت كفّها في وجهه مانعة إيّاه من المتابعة، و قاطعته متحاشية النّظر له:

«لا داعي للمواصلة...لا والدين لديّ و لا إخوة غير ناتالي»

أصدرت زفرة يائسة و أضافت:

«توفّي والداي قبل التحاقي بالجامعة، و معهما أخي...لذا نعم، ليس لديّ سوى ناتالي»

أنهت كلامها تبتلع ريقها بصعوبة؛ و قد بدا أنّ هيوغو لاحظ كلّ ذلك..

هو نادم بالفعل لطرحه سؤالا كهذا. لم يكن يعلم بأنّ الأمر هكذا.

«آسف..أنا-»

تمتم بأسف محاولا إظهار تعاطفه، و لكنّها أوقفته حينما هزّت رأسها نافية و التفتت له تبتسم بخفّة قائلة:

«لا بأس حقّا، لقد مضى وقت على ذلك؛ ماذا عن عائلتك أنت؟»

تراجع خطوة إلى الخلف يحدّق بملامح وجهها لبرهة، ثمّ ابتلع بتردّد قبل أن يجيبها مباشرة:

«أنا الابن الوحيد لوالديّ»

رفعت حاجبيها بدهشة، و لوهلة اختفى كلّ الحزن الّذي كان باديا عليها حينما أردفت بإعجاب:

«أنت تحظى بكلّ اهتمامهما إذا؟ هذا رائع!»

امتدّت يد هيوغو إلى مؤخّرة رأسه يخلّل أصابعه بين خصلاته الشّقراء بإحراج، ثمّ أجاب مبتسما ببلاهة:

«نوعا ما، عندما لا يكونان منشغلين بأمور أخرى»

همهمت مبتسمة قبل أن تفترق شفتاها بتفاجئ و هي تشعر ببضع قطرات مياه تبلّل أرنبة أنفها.

«لقد بدأت تمطر»

تمتمت بإدراك و هي تمرّر بصرها حول أرضيّة المكان تلاحظ بضع قطرات هنا و هناك، ليصلها صوت الواقف على يمينها:

«لندخل إلى مبنى الجامعة و نحتمي هناك»

«أفضّل الوقوف هنا؛ ستصل ناتالي في أيّ لحظة»

«هيّا إيلينور»

أصرّ على طلبه لتهزّ رأسها رافضة:

«يمكنك الذّهاب، لكنّي سأبقى هنا»

كلّ ما سمعته بعد ذلك كان زفرة مستسلمة صدرت عن الأشقر  الّذي جلس على الأرض متمتما:

«سأبقى معك إذا»

لم تعترض الأخرى على قراره و واصلت الوقوف بعدما أخذت هاتفها تتصفّحه لتمضية الوقت بينما تغرق في التّفكير.

«سحقا! ما هذا!»

شتمت بسخط و هي تشعر بشيء ما يسقط على رأسها مغطّيا وجهها، ثمّ أزاحته عنها تحدّق به لتجد أنّها سترة..

سترة رياضيّة قطنيّة..

و إن لم يخب ظنّها فهي‌ تعود إلى أحدهم..

«رايدر..»

تمتمت بإدراك و هي تراه يسير متخطّيا إيّاها و كأنّها غير موجودة، يضع يديه داخل جيوب بنطاله غير مكترث بحقيقة كونه لا يغطّي جزءه العلويّ سوى بقميص من دون أكمام و يسير أسفل المطر.

«أعيديها لي غدا»

كان ذلك كلّ ما صدر منه و هو يبتعد من دون أن يرفع عينيه لها حتّى...و قد كان هيوغو مصدوما بنفس القدر تقريبا.

أعني..من يقدّم سترته لشخص آخر و يبقى هو يتجوّل أسفل المطر بقميص من دون أكمام؟ هذه أفعال مجانين!

مساعدة الآخرين أمر جيّد، و لكن ليس على حساب أنفسنا...و بالنّسبة لرايدر، فليس من المفترض أنّه يساعد غيره حتّى و لو لم يكن سيتضرّر.

لقد أكّد لتوّه نظريّتها في أنّه قد ضرب رأسه بشيء صلب، فهو حتما لا يفكّر بشكل سليم.

اختفى هو عن مرمى بصرها يجعلها تزيح عينيها ناحية السّترة...و لحسن الحظّ، كانت بقلنسوة.

سارعت بارتدائها تضع القلنسوة على رأسها تحميه من البلل، و ذلك قبل أن يقع بصرها على هيوغو الجالس أرضا، و الّذي بدا بأنّه ليس على ما يرام.

«هيوغو؟ لقد تبلّلت تماما، ادخل المبنى أو استقلّ الحافلة، ستمرض هكذا»

أردفت بنبرة قلقة جعلته يرفع رأسه ناحيته يقابلها بأعينه البنّيّة، قبل أن يجيبها بينما يستقيم مبعدا خصلاته المبلّلة عن وجهه:

«تعلمين؟ أظنّني سأفعل ذلك»

كان على وشك الالتفات و الاتّجاه لمبنى الجامعة تحت أنظار إيلينور، إلّا أنّ صوت توقّف سيّارة لفت انتباه الاثنين.

و قد كانت ناتالي..

ألقى هيوغو نظرة خاطفة على السّيّارة قبل أن ينظر لعسليّة الأعين و ينطق بخفوت يسير مبتعدا:

«أراكِ في وقت لاحق»

غادر بسرعة يختفي عن مرمى بصرها، لتلتفت هي الأخرى و تسارع بالدّخول إلى السّيّارة صافعة الباب خلفها.

«ما رأيك أن تخلعي الباب؟ سيكون ذلك أفضل»

جاءها التّعليق السّاخر لناتالي الّتي كانت تريح ظهرها على مقعدها تضع يديها على المقود مضيفة:

«بالمناسبة، من ذلك الأشقر؟»

اتّجهت نظرات إيلينور ناحية شقيقتها تطالعها بينما تعانق نفسها من البرد قائلة:

«مجرّد صديق...طالب سنة أولى»

همهمت ناتالي بتفهّم، ثمّ ألقت نظرة خاطفة تتفحّص مظهر الأخرى قبل أن تردف بفضول:

«فهمت...هل هو من أعطاكِ السّترة؟»

«لا..»

أجابت مباشرة و هي تهزّ رأسها نافية، جاعلة بذلك حاحب ناتالي يرتفع باستغراب حينما نطقت مستفهمة:

«من إذا؟»

«ألقاها لي فجأة...رايدر»

نطقت اسمه بتردّد، ليكون كلّ ما يسمع تاليا هو ضحكات ناتالي الّتي اختلطت مع صوت محرّك السّيّارة الّتي باشرت بقيادتها للتّوّ قاصدة المنزل.

هذا في الواقع‌...ظريف‌ــ، ذلك ما فكّرت به.

«أوقعتِه إذا؟ أم أنّني مخطئة؟»

عبست الأخرى بانزعاج و أشاحت بوجهها تلقي نظراتها خارج النّافذة الزّجاجيّة هامسة بصوت وصل مسامع أختها:

«أنتِ مندفعة حقّا. الأمر ليس كما ترينه»

اتّسعت ابتسامة ناتالي تقهقه بصوت خافت بينما تمدّ ذراعها الحرّة تلطم بها كتف شقيقتها معترضة:

«لما لا؟ من قد لا يقع لفنّانة مثلك؟»

استمرّت إيلينور في التّحديق خارج النّافذة، و لم تعقب على ذلك؛ كلام ناتالي لطيف، و لكن حتّى لو كان صحيحا، فهي لا تراه بتلك الطّريقة.

في كلّ الأحوال، هو ليس كذلك...لقد رأت ما يكفي لتجزم بأنّه من المستحيل أن تكون له مشاعر من ذلك النّوع اتّجاهها.

.

.

༺༺༺༺༻༻༻༻

.

.

وقف رايدر أمام مدخل المطعم يحدّق بالباب لبضع ثوانٍ قبل أن يفتحه و يدلف إلى الدّاخل واضعا يديه في جيوب بنطاله الرّياضيّ.

هو مبلّل تماما بسبب المطر، و قد اتّجهت كثير من الأنظار له الآن بسبب ذلك.

هذا مزعج نوعا ما..

زفر بخفّة بينما يتقدّم إلى الأمام حيث مكتب الدّفع متجاهلا وجود الجميع، و وقف أمام العامل مخاطبا إيّاه:

«أريد لقاء مدير المطعم»

ظهر الاستغراب على وجه العامل الّذي أردف برسميّة:

«أعتذر منك سيّدي، لكنّه مشغول في الوقت الرّاهن»

لفّ رايدر عينيه بضجر بينما يستند بكفّه على المكتب الفاصل بينهما، و أردف بجدّيّة:

«ما اسمك؟»

«أنا؟»

تساءل الآخر بعدم فهم ليهمهم رايدر قبولا جاعلا منه يجيب رغم حيرته:

«رايموند، لماذا؟»

«رائع، إذا رايموند، أريد منك أن تذهب إلى مديرك الآن و تخبره بأنّ هناك من يريد مقابلته، إن رفض فسأغادر مباشرة»

استقام في وقفته في نهاية كلامه يعقد ذراعيه عند صدره مظهرا بذلك مدى جدّيّته، و لم يكن للعامل سوى أن تنهّد بقلّة حيلة قبل أن يومئ برأسه موافقا و يلتفت متوجّها ناحية المكتب.

استند رايدر بظهره على ذلك المكتب مواجها مدخل المطعم الزّجاجيّ الّذي كان بعيدا عنه ببضع أمتار، و ظلّ يراقب الشّارع من خلاله و هو يفكّر بعمق متجاهلا الأعين القليلة الّتي كانت تراقبه بنظرات مختلفة.

رافاييل...هو يعلم أنّ الأمر لن يروقه، خصوصا و أنّه قد أبدى رفضه القاطع عندما عرض عليه فكرته، لكن و رغم أنّ كلام شقيقه لديه أهمّيّة و قيمة عنده، إلّا أنّه سيرغم على تجاهل رفضه للفكرة.

لا يمكنه أن يتصرّف كطفل مدلّل يعيش حياته معتمدا على والديه...أو أخيه الأكبر في حالته هو.

ليأمل فقط أن يتسنّى له مقابلة مدير هذا المطعم، ثمّ يحصل على موافقته ليعمل كنادل هنا.

ليس عملا سيّئا كما يظنّ...أليس كذلك؟ هي مجرّد بضع ساعات ليلا بعد انتهاء دوامه في الجامعة.

سيستاء رافاييل حتما، لكن لن يستطيع فعل شيء بخصوص الأمر إن نجح و حصل على الوظيفة...سيتذمّر قليلا، و لكنّه سيتقبّل ذلك.

عليه التّقبّل..

«المدير ينتظرك يا سيّد»

قطع حبل أفكاره صوت العامل رايموند من خلفه، جاعلا منه يلقي له بنظرات هادئة من فوق كتفه قبل أن يلتفت يواجهه بجسده قائلا:

«أرأيت؟ ليتك فعلت ذلك من البداية، رايموند»

لم يسمح له بالرّدّ على ذلك و أضاف متسائلا:

«أين المكتب؟»

ظهر الامتعاض على وجه العامل، لكنّه لم يستطع فعل شيء عدا أنّه لفّ عينيه بضجر و استدار مشيرا لرايدر بالتّقدّم:

«اتبعني»

سار رايموند يتبعه الآخر الّذي ظلّ يجول بعينيه حول المكان يتفحّص كلّ ركن منه، قبل أن يعيد انتباهه للواقف أمامه فور أن نطق برسميّة:

«يمكنك الدّخول، سأغادر الآن»

همهم رايدر قبولا يرى الآخر يسير مبتعدا، ثمّ التفت ناحية باب المكتب أمامه و طرقه بخفّة قبل أن يدخل مباشرة.

«مساء الخير»

نطق بينما يغلق الباب خلفه و يتقدّم من المكتب حيث جلس خلفه رجل خمسينيّ، يشبك يديه على السّطح الخشبيّ و يراقب رايدر الّذي سحب الكرسيّ المقابل له و جلس عليه بهدوء.

«مساء الخير أيّها الشّابّ، أردت مقابلتي؟»

أردف رافعا أحد حاجبيه باستفهام، جاعلا من الجالس أمامه يومئ برأسه قبولا و يجيب مسندا ذراعه على ظهر الكرسيّ:

«أجل، باختصار، أنا أبحث عن عمل، لذا إن كنت بحاجة نادل أو شيء من هذا القبيل، فيمكنني إنجاز المهمّة»

حدّق به الرّجل بهدوء لبضع ثوان يتفحّص هيأته قبل أن يرمش متراجعا بجسده إلى الخلف قليلا، ثمّ نطق:

«بالنّظر إليك، أنت طالب جامعة...تريد دواما جزئيّا إذا؟»

«أجل»

«السّادسة مساءً إلى العاشرة ليلا...هي أربع ساعات يوميّا، و لك يوم الخميس راحة حتّى تهتمّ بدراستك قليلا، هل تناسبك؟»

أنهى عبارته و هو يطالع رايدر بجاجب مرفوع منتظرا جوابا منه، و لم يخفَ عليه كيف ابتسم بجانبيّة و كأنّ الأمر راقه بشدّة، و موافقته السّريعة أعجبته، ثمّ نطق بينما يعتدل في جلسته:

«تناسبني كثيرا»

ابتسم المدير برضا و مدّ يده للآخر قائلا:

«أهلا بكَ معنا إذا، يمكنك البدء بعملك غدا...سأمنحك استمارة لتملأها أوّلا»

بادله رايدر المصافحة و أومأ قبولا:

«شكرا لك سيّد؟»

«ديلان ريفرز، لكن نادني سيّد ديلان و حسب»

«فهمت، أنا رايدر ميرفي»

سحب الاثنان أياديهما يفكّان المصافحة، ليمسح السّيّد ريفرز على لحيته الخفيفة الّتي خالطها الشّيب و يضيف بصوت وقور:

«تشرّفت بمعرفتك رايدر، قواعد العمل بسيطة، سأخبرك بها و أتمنّى ألّا تكون هناك أيّة تجاوزات لها»

همهم الآخر بتفهّم، جاعلا من المدير يرفع يده يشكّل بها رقما مع كلّ قاعدة:

«أوّلا، عليك باحترام الزّبائن و عدم افتعال شجارات معهم، و إن كانت هناك أيّ مشكلة أخبرني مباشرة و سأتولّى الأمر...ثانيا، لن أرغمك على الابتسام بما أنّك لا تبدو ذلك النّوع من الأشخاص، و لكن لا أريدك أن تظهر تعابير عدائيّة أثناء خدمة الزّبائن لأنّ ذلك قطعا لن يكون مريحا لهم...ثالثا، لا أريدك أن تدردش مع زبون بينما هناك آخر ينتظر من يأخذ طلبه، كما أنّ مغازلة الفتيات ممنوعة تماما هنا...و أخيرا، سيكون هناك زيّ موحّد ترتديه بدءا من الغد، مفهوم؟»

حسنا...القاعدة الأولى ليست بتلك السّهولة، لكنّه سيعمل على تنفيذها.

الثّانية سهلة، لن يبتسم إن لم يرِد ذلك، و ليس متوحّشا حتّى يظهر العداء للآخرين من دون سبب.

الثّالثة هي الأسهل، فلا اهتمام له بالحديث إلى الغرباء و ليس شخصا يفضّل الحديث إلى الفتيات أو التغزّل بهنّ...لذا أجل، الأمر سهل جدّا.

أمّا الأخيرة، ليست شيئا يذكر، فهي مجرّد ملابس لا غير..

«موافق، سأتقيّد بهذه القواعد سيّد ديلان»

أجاب من دون تردّد بينما يلقي أعينه على الورقة الّتي مدّها له المدير للتّوّ، و الّذي نطق قائلا:

«تفضّل إذا و املأ الاستمارة، و كما تعلم فمسألة التّأخّر لا تحتاج النّقاش»

«بكلّ تأكيد»

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فوضى وسكينة

المؤلف _aerithra_
2025/10/31 مستمرة
قائمة الفصول (26)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة