____________________________________________
«كما وعدتك، سنمرّ على مقهاك المفضّل»
تمتم رافاييل و هو يقوم بركن سيّارته قرب المقهى، ليترجّل هو و رايدر منها بسرعة قبل أن يجيبه هذا الأخير:
«مشروب منعش قبل العودة للمنزل هو كلّ ما أحتاجه لإعادة تشغيل ذهني»
قهقه الآخر بخفّة قبل أن يقفل السّيّارة و يتقدّم من مدخل المقهى قائلا:
«تعلم أنّه ليس من الصّحي أن تكثر من المشروبات الغازيّة، صحيح؟»
«لا يهمّ؛ نحن نعيش مرّة واحدة فحسب، لذا فلنستمتع»
تمتم رافعا كتفيه بعدم اكتراث و هو يسير خلف رافاييل، ليدخل الاثنان و يتقدّما ناحية أوّل طاولة وقعت أعينهما عليها.
جلس كلّ من الشّقيقين في مقاعد متقابلة؛ و لحسن الحظّ كانت قرب النّافذة و بعيدة قليلا عن النّاس.
«بالمناسبة رافي، لم تخبرني عن مقابلتك اليوم»
تساءل رايدر محاولا تمضية الوقت ريثما يصل النّادل، ليتنهّد الآخر بخفّة و يجيبه بقلّة حيلة:
«لقد تمّ تأجيلها بسبب ظرف طارئ في الشّركة، إلى ما بعد يومين ربّما»
«فهمت»
تمتم صاحب البنطال الرّياضيّ منهيا الحديث فور أن لمح النّادل يتقدّم ناحيتهما.
«أهلا بكما في المقهى؛ ما الّذي تودّان طلبه»
التفت رايدر بسرعة ناحية شقيقه ليجده يوجّه إليه نظرات جانبيّة؛ إلّا أنّه لم يكترث لذلك و اكتفى بمنحه ابتسامة جانبيّة قبل أن يعيد نظراته ناحية النّادل و يردف قائلا:
«زجاجتا مشروب غازيّ...بنكهة البرتقال»
«لحظات و سأعود»
راقب الاثنان النّادل و هو يغادر لإحضار الطّلب، و لم تكن سوى ثانيتين حتّى شعر رايدر بضربة خفيفة على رأسه جعلته يلتفت على الفور ناحية رافاييل الّذي ضمّ ذراعيه لصدره و راح يحدّق به بحاجب مرفوع:
«ماذا؟ لماذا تنظر إليّ هكذا»
«لنقل أنّني فشلت في السّيطرة على تصرّفاتك؛ أو أنّني لم أحاول فعل ذلك حتّى...لكن من أعطاك حقّ اختيار مشروبي، رايدر ميرفي؟»
منحه الآخر ابتسامة متكلّفة، و تمتم بينما يلقي برأسه على سطح الطّاولة بضجر:
«إنّه مجرّد مشروب...أردتك أن تجرّب شيئا آخر أفضل و حسب...كما أنّني اخترت نكهة البرتقال لأجلك»
كلامه أقنع رافي حقّا...رغم أنّه لم يكن منزعجا بشكل فعليّ بما أنّه قد كان بإمكانه تغيير طلبه قبل رحيل النّادل.
و قد جعلته كلماته يبتسم لا إراديّا.
لن يسعد بالأمر إن سمعه...و لكنّه يبدو لطيفا جدّا لدرجة تجعله يرغب بقرص وجنته.
لكنّه لن يسمح له بكلّ تأكيد؛ لذا عليه نسيان الأمر.
«أخي الأصغر يفكّر بأمري إذا؟»
نبس بهدوء و هو يحدّق بذاك الّذي لم يسمع كلمة واحدة ممّا قاله.
لقد كان ذهنه منشغلا بأمور أخرى تماما..
كفتاة ما ذات شعر أسود و أعين عسليّة؟
ما الّذي تفعله هنا؟
هذا أوّل ما خطر بباله و هو يراها تجلس على أحد المقاعد رفقة امرأة ما..
لم تكن تبدو كبيرة في العمر حقّا...ربّما تكون أختها الكبرى؟ أو صديقة أكبر سنّا فقط؟
لا يهمّ ذلك؛ ما يهمّ هو..
تعلمون؟ انسوا كلّ ذلك..
لقد نسي تماما ما كان سيفكّر به...و الآن هو فقط يمعن النّظر لتلك الأعين الّتي لمحته توّا..
سحقا..
لو رآه أحدهم لجزم بأنّه قد وقع لها..
و لكن، رايدر ميرفي؟ يقع لفتاة بشعر أسود و أعين عسليّة؟
لا..
مستحيل..
لن يحدث..
كلّ ما في الأمر أنّه يبدي إعجابا بسيطا بموهبتها..
موهبتها فقط، و ليس هي كشخص؛ فلا شيء يميّزها حقّا عن جنس الإناث عامّة عدا تفرّدها بموهبة عظيمة و مبهرة.
هناك العديد ممّن يتقنون الرّسم كذلك، لكنّ ذلك ليس شيئا سهلا و لا منتشرا جدّا...لذا يبقى مميّزا.
و بالمناسبة...هي لم تبعد عينيها عنه بعد.
تلك الآنسة الّتي معها قد انشغلت بهاتفها على ما يبدو، لذا لم تلحظها.
لقد حاول منع فكرة كونها واقعة له من التّسلّل أكثر لذهنه، و حاول ألّا يقتنع بها، لكنًها لا تساعده إطلاقا.
عند التّفكير بالأمر، الشّائع في الجامعة هو أنّ الفتيات يرينه شخصا متهوّرا و مهملا لا يناسب أيّا منهنّ، رغم أنّه لم يكن ليكترث لأحد حتّى لو لم تكن تلك نظرتهنّ له..
و لكنّ هذه الفتاة تشوّش تفكيره حقّا، إذ أنّها لا تبدو مثل الصّنف السّابق.
متناقضة..
من بين ألف شخص في الجامعة، تمتلك دفترا كاملا ترسمه به لوحده.
قد يتوقّع أيّ أحد أنّها قد تكون واقعة لمظهره و حسب و لا تبدي اهتماما بشخصيّته، لكنّها في الوقت ذاته تبدو و كأنّها تتردّد في الحديث إليه للحظة قبل أن تتصرّف بشكل طبيعي..
و هذه الطّبيعيّة ليست طبيعيّة في هذه الحالة؛ لأنّه ليس صديقتها ذات النّمش حتّى تتحدّث و كأنّها تعرفه منذ عقود.
أيعقل أنّها ترغب في رسمه من دون سبب فقط؟
لكن لماذا هو؟
«رايدر!»
انتشله من دوّامة تفكيره صوت رافاييل الّذي ارتفع قليلا، جاعلا منه يرفع رأسه بسرعة و ينظر له باستغراب:
«ما بك؟ لماذا تصرخ؟»
هزّ رافي رأسه بقلّة حيلة و أردف رافعا كتفيه بلا مبالاة:
«لست أصرخ، كنت أحاول إفاقتك من أحلام اليقظة خاصّتك...فيما كنت تفكّر يا هذا؟»
«أنا؟ لم أكن أفكّر بشيء، لماذا؟»
تساءل مشيرا بسبّابته ناحية صدره، ليرفع الآخر حاجبيه بدهشة و يجيبه بعدم تصديق:
«لماذا؟ جدّيّا؟ حتّى أنّ مشروباتنا وصلت و لم تلحظ ذلك»
انتقلت أعين رايدر إلى سطح الطّاولة ليلمح زجاجة المشروب متموضعة أمامه، ما جعله يضيّق أعينه بشكّ قبل أن يردف:
«غريب حقّا، من المستحيل أنّني قد شردت لهذا الحدّ»
هزّ رأسه بخفّة يقوم بتصفية ذهنه قبل أن يحمل مشروبه
و يضيف مغيّرا الموضوع:
«فلتشرب أنت كذلك، أعدك أنّك ستدمنه»
وجد رافاييل نفسه يضحك بخفّة و هو يخلّل أصابع يده بين خصلاته البنّيّة، قبل أن يرتشف قليلا من الزّجاجة.
«لا زلت مقتنعا بأنّه غير صحّي، و لكنّي لا ألومك على حبّك له»
أمال رايدر برأسه إلى الجانب قليلا سامحا لبعض من خصلاته السّوداء بتغطية جبينه ثمّ أجاب بابتسامة جانبيّة:
«كلّ ما هو غير صحّي لذيذ...ما باليد حيلة»
قهقه رافي بخفّة و هو يواصل الشّرب، ليسود بعدها الصّمت بينهما لبرهة بعدما نفذت منهما الأحاديث..
وضع رايدر زجاجته على سطح الطّاولة بعدما انتهى منها، ثمّ تراجع بظهره إلى الخلف قليلا رافعا رأسه للأعلى بينما يدسّ يديه في جيوب بنطاله.
لكن مهلا..ما هذا الّذي داخل جيبه؟ لا يذكر أنّه قد وضع شيئا عدا هاتفه.
أخرج يده ممسكا بذلك الغرض...فقط ليجد أنّه قلم حبر.
قلم؟ من أين له بهكذا قلم؟ هو عادة لا يملك سوى واحد أو اثنين، و لا أحد منهما يبدو كهذا الّذي بيده.
«تذكّرت..»
تمتم بصوت خافت لم يصل مسامع رافاييل الّذي كان يتفقّد هاتفه في حال وجود أيّ إشعارات برسائل تخصّ العمل، ثمّ اتّجهت أعينه مباشرة ناحيتها.
إيلينور هارفي..
بحسب ما يذكر، هذا هو قلم الحبر الّذي كتب به واجب الفلسفة ذاك هذا الصّباح.
و لكن كيف وصل إلى جيبه؟
أزاح بصره ناحية القلم مجدّدا و راح يفكّر فيما يجدر به فعله.
هل يعيده لها و حسب؟ لأنّه حتما لن يحتفظ به، أم ينتظر حتّى يوم غد؟
نظرا لأنّها ليست بمفردها، و هو لا يودّ جذب الأنظار ناحيته، يتبقّى له خيار واحد فقط و هو أن يحتفظ به حتّى يوم غد.
إن تذكّر إعادته لها طبعا.
وجد نفسه يعيد القلم إلى جيبه بهدوء، قبل أن يرفع أعينه ببطء ناحية رافاييل، ليجد تركيزه منصبًا فجأة على شيء ما لا يعلم بعد ما هو.
تتبّع بأعينه المكان الّذي ينظر رافي ناحيته؛ و قد كانت الجهة حيث تجلس هارفي تلك.
و تحديدا، كان بصره مثبّتا على الآنسة ذات الشّعر الأسود الجالسة قربها.
أعاد رايدر توجيه عينيه نحو رافاييل مجدّدا ليجده مستمرّا في التّحديق بنظرات هادئة تماما كأنّه يرى لوحة فنّيّة.
لوحة فنّيّة؟ ما الّذي يفكّر به؟ هل انتقلت له عدوى ما من تلك الفتاة؟
حرّك رأسه بهدوء ينفض الأفكار عن ذهنه ثمّ انحنى بجذعه إلى الأمام قليلا، ليرفع يده قرب وجه أخيه و يفرقع أصابعه جاعلا منه يستفيق من شروده و يحدّق به بغرابة.
«هل آتي لك برقمها؟»
تساءل جاعلا من شقيقه يعقد حاجبيه بعدم فهم و هو يتراجع إلى الخلف قليلا ممرّرا يده على خصلاته البنّيّة.
«ماذا؟ من تقصد؟»
«هي..»
أجاب و هو يشير برأسه ناحية ناتالي الّتي لم تملك فكرة عمَّ يدور من خلفها، ليضمّ رافي شفتيه و يشيح بوجهه بعيدا.
«و من هي؟ وقعت عيناي صدفة عليها و أنا شارد بالتّفكير في العمل فقط»
ضيّق الآخر عينيه و راح يرمقه بنظرات متفحّصة محاولا استشعار الكذب في نبرته؛ و سرعان ما استقام من مكانه فورا دافعا الكرسيّ بجسده إلى الخلف.
«أشعر بالملل، لنعد إلى المنزل»
ظهر بعض من التّفاجئ على وجه رافاييل قبل أن يزفر بارتياح، ثمّ استقام هو الآخر من مكانه و أجاب ملقيا بمفتاح السّيّارة لرايدر:
«خذ؛ اذهب للسّيّارة و سألحق بك بعدما أدفع الحساب»
التقط المفتاح فورا ثمّ غمز مشيرا بسبّابته لشقيقه.
«حسنا، لا تتأخّر رافي»
.
.
༺༺༺༺༻༻༻༻
.
.
«لا أصدّق أنّني في المنزل و أخيرا! أظنّني سآخذ قسطا من النّوم لأرتاح»
صاح رايدر متذمّرا و هو يلقي بجسده على الأريكة بعشوائيّة جاعلا من رافاييل يقترب منه بعدما وضع حذاءه في مكانه و ينبس بينما ينظر له بحاجب مرفوع:
«و كأنّك تبذل جهودا جبّارة في الجامعة»
اعتدل الآخر في جلسته بسرعة و أجابه عابسا:
«لقد بذلت جهدا اليوم! مقال الفلسفة ذاك كان متعبا لعقلي»
سحقا..هل قال ذلك؟
أجل، لقد قاله و لا مهرب الآن.
«مقال فلسفة؟ لم أعلم بأنّك تنجز هذه الأشياء»
شدّ رايدر على خصلاته السّوداء الطّويلة من الخلف و أشاح بنظره بعيدا محاولا تجاهل سؤال رافي الّذي أضاف متسائلا بمكر:
«هذا تصرّف غريب منك، هل هناك أمر ما؟»
«أمر مثل ماذا؟ لقد أنهيت واجب مزعجة ما لأنّ طريقتها في استحضار الأفكار كانت مستفزّة؛ من يطرق الطّاولة مرارا و تكرارا بتلك الطّريقة؟»
أجاب و هو يعيد الاستلقاء بجسده إلى الخلف محدّقا بالسّقف الفارغ، ليضحك رافاييل بخفّة قائلا:
«يبدو أنّك مزاجك معكّر، دعنا نحسّنه ببعض الطّعام الحارّ»
لم يكد رايدر ينتهِي من رسم ابتسامته بعد حينما سقطت مجدّدا بعد سماع الكلمة الأخيرة، لينطق بخيبة:
«بجدّية رافي؟»
انفجر الآخر ضاحكا و هو يسير متقدّما ناحية المطبخ بينما يجيبه بنبرة مستمتعة:
«لا تقلق كنت أمزح، لا يعقل أن أنسى بأنّ أخي الصّغير اللّطيف لا يحبّ الطّعام الحارّ رغم مظهره الّذي لا يوحي بذلك إطلاقا»
ابتسم بجانبيّة في نهاية كلامه، ليصرخ فجأة بعدما شعر بضربة على ظهره:
«مؤلم! هل أصبحت تتطاول على أخيك الأكبر الآن؟ أتريد البقاء من دون طعام؟»
«انسَ أمر الأكل...سأتطاول ما دمت تجرؤ على مناداتي بالصّغير اللّطيف! لست كذلك! سمعتي بأكملها ستدمّر إن سمعك أحدهم تقول هذا!»
صاح و هو يقترب من المطبخ ليلتقط جهاز التّحكّم الخاصّ بالتّلفاز الّذي ألقاه على رافي قبل قليل؛ ليجيبه هذا الأخير ممازحا:
«و ماذا في ذلك؟ أتخشى أن تفقد هيبتك أمام الفتيات؟»
غمزه في آخر كلامه جاعلا منه يوجّه له نظرات جانبيّة بأعينه الحادّة، مرغما رافي على الضّحك مجدّدا و هو يبرّر مرّة ثانية:
«تعلم أنّني أمزح، لذا لا داعي لتأخذ الأمر بشكل شخصيّ»
زفر رايدر بملل و هو يقترب من الثّلّاجة و يفتحها بحثا عن شيء ليأكله، و لم تكن سوى لحظة حتّى نطق و هو يأخذ شطيرة كان قد تركها يوم أمس:
«بالمناسبة، ما الّذي جرى لك قبل قليل؟»
التفت رافي ناحيته يرمقه باستغراب و هو ينهي ربط مئزر المطبخ حول خصره، قبل أن يعود لجمع بعض المكوّنات الّتي يحتاجها متسائلا:
«ما قصدك؟ ماذا جرى لي؟»
«تلك الآنسة الّتي كانت مع هارفي، هل وقعت لها من أوّل نظرة أيّها الخفيف؟»
شعر رافاييل ببعض الحرارة تلفح وجهه الّذي تلطّخ ببعض من اللّون الورديّ، و ذلك قبل أن يجيب محاولا إخفاء إحراجه:
«واجب الفلسفة أثّر على عقلك كثيرا، أخبرتك بأنّني كنت أفكّر في عملي»
ارتسمت ابتسامة جانبيّة على شفتيّ رايدر الّذي أردف بسخرية:
«لم يؤثّر فيّ لتلك الدّرجة…لقد كانت عيناك تشعّان بالقلوب حرفيّا لذا لا تنكر»
عضّ رافي على وجنتيه من الدّاخل بخفّة، ثمّ احتدّت نظراته و أجاب شقيقه بنبرة تهديديّة:
«تصمت، أم أستخدمك كمكوّن إضافيّ لإعداد العشاء؟»
راقبه رايدر و هو يلعب بسكّين المطبخ بيده؛ و سرعان ما وجد نفسه يرفع يديه لمستوى صدره معلنا استسلامه.
«أين الدّيموقراطيّة في هذا المنزل؟ لا يمكنني إبداء رأيي بحرّية أم ماذا؟»
«لا، لا يمكنك...ما الّذي ستفعله بهذا الخصوص»
نبس رافاييل متحدّيا إيّاه ليكون التّالي هو صراخه فور أن ألقى رايدر بما تبقّى من شطيرته ملطّخا بذلك قميصه الأبيض.
«قميصي! لقد حكمت على نفسك بأن تصبح جزءا من حساء الخضر، تعال إلى هنا يا صغير»
ارتسمت على شفتيّ الآخر ابتسامة جانبيّة، لكنّها اختفت تماما فور رؤيته لرافي الّذي تقدّم منه ببطء شديد.
و ذلك لم يكن ينذر بالخير..
هو لا ينوي على فعل ما قاله حقّا، صحيح؟
لم يعِش إحدى و عشرين سنة لأجل أن ينتهي به الأمر كجزء من طعام كحساء الخضر.
و في اللّحظة التّالية، وجد نفسه يلتفت بسرعة و يزيد من سرعته راكضا في أرجاء الشّقّة، يتبعه رافاييل الّذي صاح مجدّدا:
«ستتعلّم كيف تطرح أفكارك بطريقة مقبولة رغما عنك!»
سرعان ما توقّف مكانه فجأة و هو يستوعب أمرا ما، ثمّ تساءل مخاطبا ذاك الّذي كان يقف على الأريكة:
«بالمناسبة، من هارفي تلك الّتي قلت أنّها كانت هناك؟ من أين تعرفها»
لفّ رايدر عينيه بضجر و هو لا يزال على وضعيّته تحسّبا لأيّ حركة غادرة من رافي. هو يعلم جيّدا الّذي يرمي إليه.
«لا تشتّت الأنظار عنك رافي؛ تلك هي فتاة واجب الفلسفة الّتي تحدّثت عنها قبل قليل، نحن في صفّ واحد لا أكثر»
«عند التّفكير بالأمر، لماذا ساعدتها؟ أنت لا تقوم بواجباتك الخاصّة حتّى»
«لأنّني أردت ذلك، هل لديك اعتراض؟ تعلم جيّدا بأنّ لا سبب لي لإخفاء أيّ شيء»
أدار وجهه إلى الجانب قليلا و أضاف هامسا بصوت غير مسموع:
«إلّا إن كان ذلك يمسّ هيبتي و اعتباري أمام النّاس»
«ماذا قلت؟ هل لديّ اعتراض؟»
وجّه نظراته بسرعة نحو رافاييل مجدّدا ليجده يراقبه بحاجب مرفوع و هو يمسك بيده حبّة طماطم.
متى أحضرها؟
و سحقا، لا تقولوا أنّه سيلقيها عليه..
«رافاييل، ما الٌذي تطهوه بالمناسبة؟ أظنّ أنّه سيكون من الجيّد أن تضيف له هذه الطّماطم الّتي بيدك»
نطق و هو يتحرّك ببطء محاولا الانسحاب من المكان؛ قبل أن يتحوّل كلّ ذلك لركض مجدّدا حينما لحق به رافي صائحا:
«تعال إلى هنا أيّها الشّاب، لم أنسَ أمرك»
.
.
༺༺༺༺༻༻༻༻
.
.
عبر تلك الأروقة الشّبه خالية، سار رايدر بهدوء و هو يواصل الإمساك بقميصه كلّ بضع لحظات من أجل أن يشمّ رائحته.
سحقا، لقد أخذ حمّامين و استعمل نصف زجاجة عطره ولا تزال رائحة الطّماطم عالقة به من مساء الأمس..
الأمر كان يستحق بصراحة، و لكنّ هذا كثير نوعا ما.
فور وصوله، وقف رايدر أمام باب قاعة المحاضرات المغلق و هو يفكّر في ما إذا كان عليه تكرار دخوله المتميّز المعتاد أم يكتفي بفتح الباب كشخص طبيعيّ.
هزّ رأسه بقلّة حيلة؛ ما الجدوى من التّفكير من الأساس؟ هو رايدر ميرفي في نهاية المطاف و خياراته واضحة.
حدّق بذلك الباب الخشبيّ بتفحّص للحظات، و أخذ نظرة سريعة على المكان من حوله قبل أن يرفع ساقه من دون تردّد و يركل الباب بكلّ ما أوتي من قوّة..
ثمّ و بكلّ بساطة، دسّ يديه داخل جيوب بنطاله الرّياضيّ و سار إلى الدّاخل بعدم اكتراث.
مرّر بصره على المكان متفحّصا إيّاه ليلمح مكان البروفيسور فارغا..
هل تأخّر اليوم؟ سحقا، ليته كان هنا ليشهد على دخوله الّذي سيستفزّه لمرّة أخرى..
واصل التّقدم متجاهلا الجميع رغم إحساسه بأعينهم الكثيرة عليه..
ليس لأنّه رايدر ميرفي، و لكن لأنّ لا شيء في تصرّفاته يوحي بأنّه شخص طبيعيّ يفكّر كبقيّتهم.
بضع أيّام أخرى و سينكسر الباب لا محالة إن استمرّ في فعل ذلك.
هو يدرك جيّدا ما يفكّر به كلّ واحد منهم فور رؤيته...إلّا أنّه لا يهتمّ
سرعان ما وقع بصره صدفة على تلك الجالسة مكانها؛ و قد التفتت للتّوّ تحدّق بأغراضها و كأنّها لم تكن تنظر له قبل لحظات كما يفعل الجميع.
و لأنّ رايدر ميرفي لا يفكّر إطلاقا قبل تنفيذ أوّل ما يخطر بباله؛ فقد وجد نفسه الآن يقف قربها و يسحب الكرسيّ الفارغ الّذي بجانبها يلقي بجسده عليه كالأمس تماما.
لم ينطق بحرف واحد و لم ينظر لها رغم إحساسه بنظراتها المتفاجئة عليه..
«صباح الخير!»
لفت انتباهه و انتباه الجميع فجأة ذلك الصّوت الجهور للبروفيسور الّذي دلف إلى القاعة شاقّا طريقه ناحية مكتبه.
و فور تركه لأغراضه على سطحه و تفقّده السّريع لمظهره، رفع أعينه يمرّرها بين طلّابه قبل أن يردف مخاطبا إيّاهم:
«أعتذر لتأخّري و لكنّي علقت في زحمة السّير...الآن دعونا نباشر في محاضرة اليوم»
كان الجميع يركّزون مع كلام البروفيسور الّذي راح يلقي درسه على مسامعهم بينما يدوّنون ملاحظاتهم بسرعة.
الكلٌ باستثناء صاحب البنطال الرّياضيّ الّذي ألقى برأسه مسندا جبينه على سطح الطّاولة يحدّق بالأرضيّة بضجر..
لا رغبة له بكتابة شيء اليوم و لا للاستماع لثرثرة هذا المزعج هنا..
عقد حاجبيه باستغراب فجأة و هو يلمح قلم رصاص مجهولا يتدحرج ببطء ليستقرّ بجانب حذائه، تلاها سماعه لصوت زفرة يأس أنثويّة صادرة من المقعد الّذي بجانبه.
لقد نسي تماما بأنّه يجلس بجانب عسليّة الأعين تلك..
وجد نفسه يمدّ يده ببطء و يلتقط القلم قبل أن يعتدل في جلسته و يضعه فوق دفتر ملاحظاتها مباشرة بينما يراقبها بهدوء و هي تتجنّب النّظر له..
انزلقت أعينه لا إراديّا ناحية ذلك الدّفتر ليجد أنّه ليس دفتر ملاحظات..
«ماذا؟»
تمتم و هو يحدّق بنوع من الصّدمة و الانبهار بدفتر رسمها الأحمر ذاك..
هل كانت ترسمه منذ بداية المحاضرة؟ ما هذا الهوس؟
سرعان ما صفعت دفترها مغلقة إيّاه بحرج فور ملاحظتها لردّة فعله...فقط ليمدّ يده و يأخذه منها من دون أن تفعل هي شيئا..
فتحه على نفس الصّفحة و ظلّ يمعن النّظر في التّفاصيل الدّقيقة الّتي أنجزتها بكلّ إتقان.
صدرت عنه ضحكة خافتة و هو يعيد دفترها لمكانه بينما يهزّ رأسه بقلّة حيلة قائلا:
«لقد راودتني بضع أسئلة منذ فترة، هل تمانعين أن أطرحها عليك الآن؟»
رفعت هي حاجبها باستغراب، و لم يخفَ التّوتّر الطّفيف الّذي شعرت به حينما أجابت:
«الآن؟ أيّ نوع من الأسئلة هذه؟»
«منذ متى بدأتِ الرّسم؟ اقصد، بشكل عامّ»
صمتت إيلينور للحظات تحدّق بالأرضيّة قبل أن تعيد أنظارها ناحية رايدر و تردف بهدوء:
«لست أذكر تحديدا، لكن لقد مرّت فترة طويلة على ذلك...إنّها هوايتي»
همهم بتفهّم ثمّ أشاح ببصره بعيدا يثبّته على البروفيسور الّذي كان منشغلا بتقديم محاضرته، ثمّ ألقى بتساؤل آخر:
«ما هي النّصيحة الّتي ستقدّمينها لأيّ رسّام مبتدئ؟ أو أيّ شخص يرغب بتعلّمه؟»
استمرّت إيلينور بالتّحديق به بينما تفكّر مليّا في كلماته...من غير الاعتياديّ أن ترى الفتى السّيّء يتساءل حول أشياء كهذه، و بكلّ جدّيّة كذلك؛ و لكن بما أنّ المجال هو اهتمامها بعينه، فلن تفكّر كثيرا بخصوص ذلك.
«الكثيرون قد يجيبون على مثل هذا السّؤال بأشياء مثل "تدرّب بشكل يوميّ" أو "ستحتاج إلى أدوات خاصّة" و لكن كما ترى فأنا أرسم بقلم واحد، و رغم أنّ التّدريب مهمّ جدّا، لكنّ ذلك لن ينجح إن بدأ المرء بأشياء صعبة كالبشر مثلا»
رفعت أصبعها السّبّابة و واصلت الشّرح:
«حينما يرغب شخص لم يمسك قلما قطّ بمزاولة الرّسم، فسيفضّل أن يبدأ بمحاولة تقليد رسومات بسيطة لأشخاص آخرين؛ لن ينجح من المحاولة الأولى حتما، و سيستمرّ إلى أن ينسخها تماما...و بعدها يجرّب شيئا آخر، و هكذا ستعتاد يده على الامساك بقلم الرّصاص و الخطّ على الورق»
ساد الصّمت بينهما لثوانٍ قليلة بعد انتهائهما من حديثها، و لم يلتفت لها حينما لمحته يضحك بخفّة.
و لوهلة، اتّضحت لها أسنانه المميّزة مرّة ثانية؛ و تحديدا أنيابه.
أنياب مصّاص الدّماء تلك، الّتي تضفي جمالا أكبر على مظهره.
«رايدركيولا..»
«ماذا؟ هل قلتِ شيئا؟»
احتقن وجهها بالدّماء فور أن قال ذلك بعدما التفت ناحيتها..و حينها فقط أدركت أنّها قد كانت تفكّر بصوت مرتفع.
أشبه بالهمس، و لكنّه قد تعدّى كونه مجرّد تفكير..
«لم أقل شيئا..»
أجابت بارتباك و هي تلوّح بيدها في الهواء نافية، قبل أن تضيف مغيّرة الموضوع:
«هل هذا كلّ ما لديك من أسئلة؟»
أومأ برأسه قبولا و لم يعقب على ذلك حينما عاد ليسند رأسه على سطح المنضدة، لتعود هي و تنتبه إلى المحاضرة.
بضت ثوانٍ حتّى أدار رأسه للجهة الأخرى حيث كانت هي، من دون أن يرفع رأسه، و ظلّ على تلك الحال يراقبها بهدوء.
لقد كذب عندما قال بأنّ أسئلته انتهت، فلا يزال لديه الكثير منها ممّا يثير فضوله؛ و لكن الآن ليس الوقت المناسب لطرحها.
ربّما في يوم آخر، و مكان آخر...ربّما فقط
«لا تنظر إليّ هكذا»
ارتسمت تقطيبة خفيفة على جبين رايدر تلاها ارتفاع زاوية شفاهه و هو يراها تخفي وجهها عنه بيدها.
«لماذا؟ تخشين أن يكون الوقوع لي مؤلما؟»
ارتفع حاجباه بنوع من الدّهشة حينما لمحها تزفر بيأس قبل أن تحمل بيدها دفترا آخرا لملاحظاتها و تلقيه عليه بخفّة:
«مبتذل، توقّف عن النّظر و حسب؛ هذا مزعج، و سيعتقد النّاس بأنّنا نحبّ بعضنا»
نقلت أعينها له و واصلت بجدّيّة:
«و أنا أكره أن تنتشر شائعات كاذبة عنّي؛ على الأقلّ إن قال الآخرون شيئا، فأريده أن يكون صحيحا»
لم يدرك حينما فلتت منه ضحكة نابعة عن دهشته و هو يلتقط الدّفتر الّذي وقع أرضا و يعيده مكانه بينما يعتدل في جلسته، ثمّ هزّ رأسه بقلّة حيلة بينما يستند بجسده على ظهر الكرسيّ بإهمال.
هل قالت ذلك؟ أجل لقد قالته..
و بقدر ما هو مندهش، فقد راوده شعور غريب بالرّاحة لأنّه قد حصل على إجابة لأحد تساؤلاته من دون أن يطرحه.
إيلنور هارفي لا تملك مشاعر ناحيته...و كلامها الآن ليس كذبا.
أعينها، و نبرة صوتها تقول ذلك بوضوح..
و الآن يظلّ عليه الحصول على جواب مرضٍ يفسّر أمر ذلك الدّفتر المريب؛ لكن كما قال، فذلك لن يكون اليوم...ليس عليه أن يكون متسرّعا إن أراد أجوبة حقيقيّة.
«لا سبب يجعلني أنفّذ طلباتك، فلن أتضرّر ما دمت قادرا على تلقين من يزعجني درسا»
أجاب و هو يدفع بخصلاته المبعثرة إلى الخلف يشدّ عليها بإحكام، جاعلا من الأخرى تومئ برأسها قبولا.
«جيّد لك»
سرعان ما وجدها تعود لمتابعة الدّرس من دون أن تنتظر سماع كلمة أخرى منه، ما جعل شفتيه تفترقان قليلا بصدمة.
هذه الفتاة تبدو غريبة أحيانا، لكنّه لن يكذب إن قال بأنّه و بشكل غير متوقّع، قد شعر بمتعة أثناء حديثه معها..
أصدر تكّة بلسانه ثمّ التفت يراقب حركة البروفيسور و هو يقدّم محاضرته محاولا نسيان أمرها لبقيّة الحصّة.
.
.
༺༺༺༺༻༻༻༻
.
.
«يا إلهي ما الّذي وقعت به»
تمتمت إيلينور بيأس و هي تسير بخطوات سريعة عبر الممرّ غير آبهة بما حولها.
حسنا؛ لقد كان غباء منها أن تفكّر برسمه و هو يجلس بجانبها تماما، لن تنكر ذلك.
على كلّ حال، أفضل ما قامت به هو أنّها قد أوضحت له بشكل غير مباشر أنّها لا تحبّه بأيّ شكل من الأشكال؛ و ذلك حتّى لا يأخذ فكرة خاطئة عنها.
هي؟ مهووسة بفتى الفوضى ذاك؟ لا شكرا، هذه النّكتة أسخف من أن تضحك عليها.
و على ذكره، ها هو الآن يظهر على بعد بضع أمتار أمامها.
أخرجت إيلينور هاتفها بسرعة من جيب سترتها و راحت تعبث به محاولة تجاهل رايدر حتّى لا يفكّر في استوقافها لأيّ سبب كان.
واصلت السّير مدّعية عدم رؤيتها له، فقط لتتصنّم مكانها فور التقاط أذنيها لصوته المميّز ذاك.
«هارفي»
سحقا له بكلّ لغات العالم! و باسمها الأخير كذلك؟ لو ناداها "يا أنتِ" فحسب، لكانت لديها فرصة لتمثيل الجهل! لكن لا، عليه تحديد من ينادي بدقّة الآن من بين كلّ الأوقات..
طرقت بأصابعها بخفّة على ظهر الهاتف قبل أن تغلقه و ترفع أعينها للأعلى تراه يقترب منها على مهله.
وقف أمامها مباشرة و تراجعت هي في الوقت ذاته خطوتين إلى الخلف تجعله يرفع حاجبه باستغراب، لكنّه لم يعلّق على ذلك و تحدّث مباشرة:
«هل لدينا أيّة واجبات؟»
هل هو جادّ؟ لا، هذه مزحة سخيفة بكلّ تأكيد..
أمالت برأسها للجانب و ضيّقت عينيها بعدم فهم قبل أن تجيبه بتساؤل آخر:
«و منذ متى تكترث؟»
دسّ يديه داخل جيوب بنطاله الرّياضيّ، و مال بجذعه للأمام قليلا قبل أن يردف بضجر:
«منذ الآن، أجيبي و حسب، و إلّا سأذهب لسؤال شخص آخر»
«ليتك فكّرت بذلك قبل أن تعترض طريقي»
«أفهم من هذا أنّك لن تجيبي؛ وداعا إذا، أتمنّى ألّا أراكِ لاحقا»
استقام في وقفته مجدّدا، ثمّ خطا متجاوزا إيّاها.
«لا واجبات لدينا»
توقّف مجدّدا فور إلقائها لتلك الكلمات من دون مبالاة؛ و لم يتحرّك و لو خطوة واحدة من مكانه جاعلا إيّاها تلتفت ناحيته باستغراب و تتراجع للخلف لتقف أمامه مجدّدا.
رفعت عسليّتيها تحدّق بوجهه، فقط لتجد أعينه مصوّبة ناحية مكان آخر تماما.
لا يبدو أنّه توقّف لأنّها تحدّثت، بل لأنّه لمح شيئا ما..
دقّت عنقها إلى الخلف تجول ببصرها حول المكان لتتوقّف عيناها عند نفس ما كان رايدر ينظر له..
شابّ أشقر كان يقف عند نهاية الممرّ حيث كان الطّلّاب يمرّون ذهابا و إيابا؛ بينما ظلّ هو ثابتا مكانه..
كان ينظر لرايدر بحدّة، و لم يقصّر الآخر إطلاقا في النّظرات الّتي منحها له بالمقابل.
مهلا، أليس نفس الفتى الّذي تشاجر معه رايدر مؤخّرا و حاولت إيقافهما؟
لم تذكر ملامح وجهه جيّدا، لكنّ هيأته تبدو مألوفة جدّا، خصوصا شعره.
لاحظت أعينه تنزلق فجأة إلى الأسفل قليلا لتقع عليها هي؛ و لم يخفَ عنها اتّساع أعينه فور أن لمحها.
«هارفي»
التفتت بسرعة أمامها فور سماعها صوت رايدر، لتجد أعينه عليها هذه هذه المرّة.
«قلتِ أنّه لا واجبات لدينا إذا؟»
أومأت برأسها قبولا من دون أن تنبس بحرف، ليهمهم بتفهّم و يلقي بكلمات أخيرة بينما يواصل التّقدّم مبتعدا:
«جيّد، لم أكن أنوي القيام بشيء اليوم على أيّة حال»
سار بعدم اكتراث بينما تبعته إيلينور بأعينها، و للحظة وقع بصرها على آخر الرّواق حيث وقف الفتى قبل قليل.
و لم يكن هناك..
ما قصّة الفتيان في هذه الجامعة؟ هل كلّهم غريبون هكذا أم ماذا؟
و تحديدا، ما قصّة رايدر هذا الّذي يسأل عن الواجب ثمّ يقول بأنّه لم يكن ينوي القيام بشيء؟ هل يجدها متفرّغة لهذه الدّرجة حتّى يلقي بتفاهاته متى ما أراد؟
مزعج..
.
.
༺༺༺༺༻༻༻༻
.
.
في نهاية اليوم الجامعيّ، امتلأت الممرّات بالطّلّاب الّذين ساروا يتقدّمون ناحية المخرج ليغادروا الجامعة و أخيرا؛ لكنّ البعض منهم -بما في ذلك إيلينور- قد فضّلوا قضاء بضع دقائق إضافيّة في الدّاخل بانتظار خروج الجميع حتّى لا يتدافعوا مع الحشد.
و بالنّسبة لرايدر، فعلى الأرجح قد كان هو أوّل من عبر بوّابة المبنى؛ لذا لا مشكلة بالنّسبة له.
«انتهيت..»
تمتمت برضا فور أن أضافت اللّمسات الأخيرة على لوحتها، لتسارع لجمع أغراضها داهل حقيبة ظهرها، و ذلك قبل أن تأخذ نظرة خاطفة من حولها لتجد أنّ الغالبيّة قد غادروا.
ما يعني أنّ تلك إشارتها للمغادرة هي كذلك..
استقامت من مقعدها و ألقت نظرة على المنضدة تتأكّد من أنّها لم تنسَ شيئا، ثمّ حملت الخقيبة على كتفها و سارت متّجهة إلى الخارج.
لقد كانت الأروقة شبه خالية، بحيث طوال الطّريق إلى خارج المبنى، لم تلمح سوى خمسة أشخاص كأكثر تقدير.
خرجت من البوّابة، و واصلت طريقها عبر السّاحة قاصدة مخرجها بينما تفكّر قليلا.
ما الّذي قد تطهوه ناتالي لعشاء لعشاء اليوم؟ ليته يكون طعاما حارّا بغضّ النّظر عن نوعه.
طعام حارّ مع مخفوق شوكولا...مثاليّ تماما!
و بالمناسبة، لقد شاهدت وصفة ما عندما كانت تتجوّل بين مقاطع الانستاغرام و تودّ تجربتها حقّا؛ ليت ناتالي تسمح لها من دون اعتراض.
المرّات الّتي طبخت فيعا معدودة جدّا -رغم أنّ أغلبها قد كان فاشلا- إلّا أنّها ستنجح لو حصلت على فرصة أخرى..
فرصة واحدة فقط لتثبت مهاراتها الّتي لا زالت لا تعلم ما إذا كانت تملكها.
أليس من المنطقيّ أن تتعلّم طبخ الأطعمة الحارّة بما أنّها تحبّها؟ لم تطلب شيئا صعبا أو ما شابه.
حسم الأمر، ستطلب من ناتالي حتما ذلك، و تتمنّى فقط أن تقتنع..
«يا فتاة!»
توقّفت قدماها عن الحركة فجأة فور سماعها لصوت ما ينادي بذلك؛ و قد كان قريبا نوعا ما.
جالت ببصرها في الأرجاء لتجد أنّها الفتاة الوحيدة هنا، ما جعلها تلتفت خلفها بهدوء فقط لتلمح أحدهم يقترب منها.
الفتى الأشقر الّذي كان في الممرّ سابقا؟ هل يتحدّث إليها؟ لماذا؟
وقفت مكانها تراقبه بصمت و هو يقف أمامها مباشرة -و لم يكن فارق الطّول بينهما يتجاوز الخمسة سنتيمترات-، حيث حدّق بها هو لثوانٍ قليلة قبل أن ينطق و أخيرا مبتسما:
«أهلا!»
رفعت حاجبها باستغراب قبل أن تجيب بهدوء اختلف عن نبرته هو:
«مساء الخير، كيف أساعدك؟»
«لا حاجة للمقدّمات المبتذلة كما أعتقد؛ لقد لمحتك في الممرّ صدفة عندما كنتِ تحدّثين فتى ما، و وجدت أنّكِ لطيفة... أعتقد أنّكِ رأيتني كذلك»
أمالت برأسها للجانب بعدم فهم و تساءلت:
«أجل، و إذا؟»
أخذ نفسا عميقا و هو يضع يديه داخل جيوب سترته، ثمّ أردف بنبرة ودودة:
«هل لي بسؤال سريع أوّلا؟ ما طبيعة علاقتك برايدر ذاك؟»
شعرت إيلينور لحظتها بنوع من انعدام الارتياح؛ أيّ أحد مكانها كان سيشعر كذلك إن كان في موقف يشعر بأنّه يخضع لاستجواب ما.
و رغم ذلك، تنهّدت بخفّة و أومأت قبولا قائلة:
«لا علاقة؛ ليس سوى طالب في نفس صفّي»
ارتسمت على شفتيّ الآخر ابتسامة خافتة نبعت عن رضاه بسماع ذلك، ثمّ مدّ يده للمصافحة قائلا:
«أعتذر، نسيت التّعريف بنفسي؛ أدعى هيوغو أندريس»
ظلّت الأخرى تحدّق بيده الممدودة لثوانٌ قبل أن ترسم على وجهها ابتسامة مصطنعة:
«إيلينور هارفي؛ و الآن اعذرني عليّ المغادرة»
كانت على وشك الالتفات لمواصلة طريقها لكنّ صوته استوقفها مجدّدا:
«لحظة فقط»
«ما الأمر؟»
خلّل أصابعه بين خصلاته الشّقراء ممسكا بمؤخّرة رأسه، ثمّ أردف ببعض من التّردّد:
«في الواقع، هل يمكننا أن نصبح أصدقاء؟»
علت إيلينور بحاحبيها معبّرة عن دهشتها بسماع ذلك، ثمّ أردفت بتساؤل:
«أصدقاء؟ لكنّني لا أعرفك»
«ليس بعد، سنتعارف مع الوقت...لكنّي أريد حقّا أن نكون أصدقاء»
صمتت هي للحظات تفكّر مليّا في كلامه..
لقد مضت فترة طويلة حقّا منذ أن كان لها أصدقاء آخرون عدا لوسيا، فالبقيّة ليسوا بالنّسبة لها سوى مجرّد أشخاص تعرفهم...لذا الأمر محيّر حقّا.
لكن، عند التّفكير بالأمر، لا ترى مانعا من الموافقة..
«حسنا، سنكون أصدقاء إذا»
«أحقّا؟»
نطق و كأنّه لم يكن يتوقّع ذلك، لتومئ برأسها قبولا و تجيبه:
«أجل، حقّا»
راقبته و هو يبتسم كطفل صغير، قبل أن يمدّ يده لجيب بنطاله قائلا:
«أتمانعين أن نتبادل أرقامنا إذا حتّى يتسنّى لنا التّعارف؟»
رفعت كفّها في وجهه كإشارة لأن يتوقّف و أجابته معتذرة:
«آسفة، و لكنّني أفضّل أن يكون تعارفنا وجها لوجه أوّلا»
افترقت شفتاه للحظة يستوعب كلماتها قبل أن يهمهم بتفهّم و يضع يده خلف رأسه معتذرا:
«بل أنا من أعتذر، أظنّني تحمّست قليلا و حسب»
«لا مشكلة حقّا»
أجابت بينما تضحك بخفّة، جاعلة منه يحدّق بوجهها للحظات قليلة، قبل أن يفيق فور أن أضافت قائلة:
«سرت بالتّعرّف عليك حقّا هيوغو، و لكن يجدر بي الرّحيل الآن»
أومأ برأسه من دون أن يعقب على ذلك، ليراها تلتفت على الفور و تواصل طريقها مبتعدة عنه.
و بالنّسبة لها، و رغم أنّ الأمر بدا غريبا نوعا ما إلّا أنّ هيوغو هذا يبدو شخصا لطيفا على غير ما يوحي به مظهره...و على غير ما رأته عليه سابقا.
«ميرفي! لماذا تنظر لي هكذا؟ هل اشتقت لي لهذه الدّرجة؟»
توقّفت قدما إيلينور مكانهما فور سماعها لذلك...و حينما فقط عضّت على باطن وجنتها تدعو في داخلها ألّا يكون ما تفكّر به صحيحا رغم أنّ لا مفرّ منه.
و كما كان متوقّعا، التفتت بفزع فور سماعها لصوت ارتطام شيء ما بالأرض، لتجد هيوغو ملقى على الأرض، و فوقه رايدر الّذي وجّه له لكمات متتالية لوجهه.
كان الآخر يحاول صدّ الضّربات عنه و نجح بطريقة ما في دفع رايدر عنه، ليعتليه هو و يردّ له اللّكمات الّتي تلقّاها منه.
لم يكن أيّ أحد من حولهم لتطلب المساعدة...لا طلّاب و لا معلّمون، لذا و من دون تفكير اندفعت ناحية هيوغو تدفعه بعيدا ليقع أرضا، سامحة بذلك لرايدر بأن يقف على قدميه مجدّدا.
لم يكترث لوجودها و كان على وشك الالتفات و التّقدّم نحو الأشقر مرّة أخرى، و لكنّه توقّف حينما شعر بيد تمسك يد سترته.
نظر لها من فوق كتفه غير مبالٍ بالخصلات الّتي تدلّت على جبينه، ليجدها تخترقه بنظراتها، و قبل أن يبدي ردّ فعل حتّى صاحت بوجهه:
«ما خطبك لتفعل كلّ هذا؟! هل يحلّ كلّ شيء بالضّرب؟!»
لم يعتقد أنّ هذا قد يحدث قطّ؛ و لكنّ أعينه اتّسعت بعدم تصديق و هو يراها تخاطبه بتلك الطّريقة، و لم يكن له سوى أن سحب يده بعنف و راح يصرخ هو الآخر:
«بل ما خطبكِ أنتِ! لماذا تتدخّلين في ما لا يعنيكِ؟! ألا يفترض أن تكوني منزعجة منه أكثر منّي بما أنّه من مزّق الرّسم الّذي تعبتِ لأجله؟ و الآن يبدو أنك تصادقينه بدلا من هذا؟»
«أهذا كلّه لأجل مجرّد رسم؟ ألهذا تتشاجران دوما؟»
نبرتها كانت أكثر انخفاضا من سابقتها، و نابعة عن دهشتها بما سمعته...و قد استشعر هو ذلك حيث أجاب على الفور و هو يشير ناحية هيوغو الّذي قد استقام لتوّه ينفض الغبار عن ثيابه:
«مجرّد رسم؟ ذلك الوغد قد تجرّأ و وضع يديه القذرتين على ما يخصّني، كما أنّه لا تزال لديه جرأة ليستفزّني..لذا فليتحمّل ثمن ذلك»
«ألا تسمع نفسك؟ توقّف عن تضخيم الأمور، ليست أكثر من ورقة»
هل قالت تضخيم الأمور؟ إذا هي لا تفهم، أو ربّما هي نوع الأشخاص الّذين يتجاوزون كلّ شيء حتّى لا يسبّبوا المشاكل.
الصّنف الجبان من النّاس الّذين قد يتغاضون عن أذيّة الآخرين لهم حتّى يظهروا بصورة لامعة كأشخاص عاقلين..
كيف لم يلحظ ذلك قبلا؟ أم أنّها قد كانت بارعة في إخفاء جانبها ذاك كما أخفت دفتر رسوماتها؟
مرّر بصره عليها بتفحّص من الأعلى للأسفل بينما تراقب هي تحرّكاته بوضوح، ثمّ التقط حقيبته من على الأرض و التفت مغادرا بينما يلقي بكلماته الأخيرة بخيبة أمل واضحة:
«ظننتكِ شيئا مختلفا هارفي. و لكن يبدو أنّني كنت مخطئا»
اختفى هو عن مرمى بصرها، و لم يترك خلفه سوى صدى كلماته الّذي تردّد داخل ذهن عسليّة الأعين.
"ظننتك شيئا مختلفا"
سحقا؛ لماذا تشعر بأنّ وقع هذه الكلمات أقوى ممّا يبدو عليه؟
«إيلينور»
رفعت رأسها فجأة عند سماعها لصوت هيوغو جانبها، ثمّ ألقت بأعينها عليه تتفحّصه متسائلة بهدوء:
«هل أنتَ بخير؟»
«أجل، ماذا عنكِ؟»
رفعت عينيها لتقابل خاصّته و ظلّت تحدّق بشرود للحظات قليلة.
«ماذا عنّي؟»
همست بخفوت و قد تردّد صدى كلمات رايدر في ذهنها مرّة أخرى، قبل أن تحرّك رأسها بخفّة تنفض تلك الأفكار المزعجة عن ذهنها بينما تجيب قائلة:
«أنا بخير تماما»
أومأ برأسه متفهّما ثمّ أضاف:
«هل كان الرّسم لك؟»
«أجل»
ردّت بهدوء بينما تشيح ببصرها بعيدا عنه، ليضع يده على كتفها جاعلا إيّاها تنظر له مجدّدا، و يردف معتذرا:
«أنا آسف حقّا؛ أقسم أنّه قد تمزّق عن طريق الخطأ»
افترقت شفتاها للحظة ثمّ مدّت يدها تضعها على خاصّته و تبعدها عن كتفها، قبل أن تجيبه راسمة ابتسامة على وجهها:
«لا بأس حقّا؛ يمكنني رسم غيره في أيّ وقت»
تراجعت خطوتين إلى الخلف و واصلت بينما تدفع خصلاتها السّوداء خلف أذنها:
«سأعود للمنزل الآن، أراك غدا»
_aerithra_