شرارة غيرة

شرارة غيرة

16 0

____________________________________________

الهدوء...إنّه حقّا يبثّ شعورا مريحا داخل النّفس و يقضي على صخبها.

و هو تماما ما كان رايدر بحاجته بينما يحاول أخذ قيلولة داخل قاعة المحاضرات، فهو حقّا لم ينَم بشكل جيّد ليلة البارحة.

كان الضّوء الصّادر عن حاسوب رافاييل مزعجا، و رغم طلبه المتكرّر بأن يغلقه إلّا أنّه كان يطلب خمس دقائق إضافيّة لينهي ما يقوم به.

الدّقائق الخمس تحوّلت إلى ساعات، هل أصبح مهووسا بالعمل فجأة؟ ألهذه الدّرجة يريد إثبات قدراته لدى شركة الألعاب تلك؟

في الواقع هو لن يلومه، فمعه حقّ إن كان هذا هدفه...و لكن ليس على حساب راحته هو!

اليوم استراحة رافاييل، و المزعج نائم في الشّقّة غير مكترث بأيّ شيء، بينما هو الآن يتمنّى فقط أن يسمع خبر غياب البروفيسور حتّى يتسنّى له تعوييض سهر أمس.

كان يجلس على مقعده المعتاد يمدّد ذراعه على طول سطح الطّاولة مسندا رأسه عليها، أعينه مغمضة، و شعره الأسود مبعثر على وجهه يخفي ملامحه.

هذه اللّحظة هي أحد أحلامه حرفيّا!

كان رايدر مرتاحا لدرجة كاد يغرق في النّوم كلّيّا، إلّا أنّ صوت فتح باب القاعة جعل تقطيبة خفيفة تظهر على جبينه.

مع ارتفاع صوت الخطوات الّذي اقترب ناحيته، وجد نفسه يفتح عينيه و يدير رأسه ناحية مصدره.

و قد كانت هي...على غير المتوقّع.

رفع عينيه ناحيتها بسرعة يجدها تحدّق به، ما دفعه لإصدار زفرة منزعجة قبل أن يعود لوضعيّته السّابقة و يواصل قيلولته.

«أردت سؤالك عن فتى يوم أمس، هو لا ينوي الانتقام مني أو ما شابه، صحيح؟»

أعاد فتح عينيه على صوتها الهادئ يحدّق بالجدار المقابل له، و هو يفكّر في الشّيء السّيّء الّذي فعله اليوم حتّى يبدأه بهذا.

سحقا، كلّ ما يريده هو بعض الرّاحة!

«بعدما كسرت ذراعه؟ لا أظنّ، إن بحث عن أحد فسيكون أنا»

أجاب من دون أن ينظر لها، و كاد يجزم أنّ أعينها اتّسعت حالما أصدرت شهقة تفاجئ صائحة بقلق:

«كسرتَ ذراعه؟! ألم تقع في مشاكل بعد هذا؟»

همهم هو قبولا يؤكّد على الجزء الأوّل من جملتها، ثمّ ردّ بعدم اكتراث:

«هل أبدو لكِ واقعا في المشاكل؟»

«لكن كيف-»

كانت على وشك إنهاء جملتها لولا أنّ رايدر رفع يده في الهواء موقفا إيّاها قبل أن ينطق بنبرة جادّة لا نقاش فيها:

«أريد النّوم، غادري»

قطّبت إيلينور حاجبيها بنوع من الانزعاج للطّريقة الّتي تصرّف بها معها، ثمّ أردفت متسائلة بحيرة:

«إن كنت لا تزال غاضبا، لماذا ساعدتني أمس؟»

لم يجب الآخر و ظلّ على وضعيّته مغمضا عينيه و هو يحاول تجاهل وجودها؛ و سرعان ما شعر بكرسيّه يهتزّ إثر الرّكلة الّتي وجّهتها له.

«هل أنتِ مجنونة!»

صاح بسخط و هو يعتدل في جلسته و يرفع رأسه ينظر لها بتفاجئ؛ لكنّها اكتفت بمراقبته بهدوء قائلة:

«لا أفهم حقّا؛ هل أنت منزعج جدّيّا؟»

«ما رأيك؟ لقد صحتِ في وجهي قائلة أنّها كانت مجرّد رسمة و لم يكن عليّ تكبير الموضوع، و أنا حقّا في وضع ممتاز لأنّي تحكّمت بأعصابي و لم أنفعل»

احتدّت نظراته أكثر ثمّ أضاف:

«ألستِ أنت من تعبت لرسمها؟ كان يجدر بك أن تغضبي أكثر منّي، لكنّك لمتِني لأنّ ذلك الهزيل خرّب ما هو ملك لي و فوق ذلك تصادقينه»

صمتت الأخرى تمعن التّفكير في كلماته قبل أن تتساءل:

«لماذا تدخّلت لمساعدتي أمس إذا؟»

رفع كتفيه بلا مبالاة و أجابها قائلا:

«أخبرتكِ بالفعل؛ لم أفعل هذا لأنّها كانت أنتِ...لكن ليس من اللّائق أن أرى فتاة على وشك أن تُضرب و أتجاهل الأمر»

رفعت إيلينور حاجبها بنوع من الدّهشة...هل قال كلمة "لائق"؟ منذ متى و رايدر ميرفي يعرف ما هو لائق؟

و لكن بعيدا عن هذا، هو محقّ نوعا ما في ما قاله، و لديه كلّ الحقّ في أن يغضب.

إلهامها بشحمه و لحمه قد اعتبر رسمتها غرضا قيّما، و غضب بشدّة لأنّه قد أُتلف.

لكنّها بكل غباء صرّحت بأنّه ليس أمرا مهمّا فقط لتفضّ النّزاع بينه هو و هيوغو...صحيح أنّها الآن تعلم أنّ الأمر حدث عن طريق الخطأ، و لكن لم تكن تعلم سابقا، لذا لا عذر لتتحجّج به.

لقد أخطأت؛ و بشدّة أيضا..

«أنا آسفة»

آسفة...كان ذلك كلّ ما تلفٌظت به مزيحة بصرها للأرض تحدّق بقدميها، جاعلة منه يرفع أحد حاجبيه بدهشة.

ورغم أنّها تبدو هادئة تماما، إلّا أنّ نبرة صوتها بدت صادقة.

«آسفة لانفعالي؛ أردت إيقافكما عن الشّجار و لكنّي فعلت ذلك بشكل خاطئ...و لمتك رغم أنّك كنت على حقّ»

لسبب ما، شعر بغرابة شديدة و هو يستمع لذلك.

هذه حرفيّا أوّل مرّة يعتذر منه أحدهم و يقرّ بأنّه أخطأ في حقّه...وقع تلك الكلمة جميل حقّا.

ربّما لم يكن ليكترث كعادته لو كان أيّ أحد آخر، و لكنّه لن يكذب هذه المرّة..

لم يكن يريد أن يخاصمها رغم أنّ أحاديثهما كانت محدودة.

و لكنّ كبرياءه دوما فوق الجميع.

و هو سعيد نوعا ما لأنّها قد اعترفت بأنّها أخطأت في حقّه.

«قبلت اعتذارك هارفي»

قطّبت الأخرى جبينها باستغراب من الرّدّ غير المتوقّع..أعني، كيف لم ينفعل و يطردها أو ما شابه؟ أحقّا ضرب رأسه؟ فتصرّفاته تبدو كأعراض جانبيّة لإصابة ما.

رمشت للحظات تستوعب أكثر، و لكنّها سرعان ما تجاهلت ذلك و أردفت مبتسمة:

«لا أزال أشعر بالذّنب؛ دعني أعوّضك بتركك تختار رسمتين من رسوماتي القديمة لك في وقت لاحق»

سقط فكّ رايدر حرفيّا بعد كلماتها تلك.

أهي في كامل قواها العقليّة؟ ألم تكن تخفي أمر تلك الرّسوم و الآن تتحدّث عنها بشكل طبيعيّ تماما؟

«متأكّدة أنّك تعلم بأمرها في كلّ الأحوال؛ لذا لا داعي لتنصدم من ذلك»

أعاده صوتها لأرض الواقع، جاعلا منه يهمهم بتفهّم قبل أن يجيبها:

«لم أتوقّع ذلك؛ لكنّني لن أرفض العرض»

«هذا جيّد»

أومأ برأسه بخفّة، و ساد صمت قصير قبل أن يتذكّر قول أمر ما.

رفع سبّابته في الهواء يشير بها لها، ثمّ منحها نظرات جادّة قبل أن ينطق مباشرة:

«اسمعي؛ لا تظنّي أنّ الأمر سينتهي هنا؛ ستخبرينني قريبا عن التّفاصيل...أعني، رسوماتك الخاصّة بي و ذلك الدّفتر الأحمر»

احتقن وجهها بالدّماء و شعرت ببعض من الحرارة النّاجمة عن إحراجها؛ لتشيح بوجهها بعيدا و تجيبه بينما تسير مبتعدة:

«ربّما يوما ما»

«من دون ربّما»

صاح بصوت مرتفع و هو يراها تخرج من القاعة و تختفي عن مرمى بصره؛ جاعلة من ابتسامة خافتة ترتسم على شفتيه قبل أن ينفض رأسه يفرغه من الأفكار، ليقرّر المغادرة هو الآخر لتصفية ذهنه.

هو يشعر الآن و كأنّه قد تناول جرعة مضاعفة من الدّوبامين...يا لها من فتاة.

.

.

༺༺༺༺༻༻༻༻

.

.

كان هيوغو أوّل من يخرج من صفّه فور أن انتهت الحصّة، الجوع يكاد يقتله و عليه الوصول للكافيتيريا في أسرع وقت.

عدّل من وضع حقيبة ظهره و سار في الممرّ يحاول تخطّي الطّلّاب المنتشرين في الأرجاء، و الّذين بدورهم كانوا متوجّهين للكافيتيريا...و خلال ذلك كان يعيد ترتيب خصلاته الشّقراء الّتي تبعثرت لأكثر من خمس مرّات بسبب اصطدامه بالنّاس.

قد يلتقي إيلينور صدفة، و هو لا يريد أن يبدو في أسوأ حالاته حتما...المظهر هو كلّ شيء.

خرج من المبنى يستنشق الهواء النقيّ براحة قبل أن يواصل طريقه قاصدا الحمّامات أوّلا.

تغيّرت الخطّة، فيداه قد اتّسختا بالفعل بسبب لمسه لبعض الحمقى في الدّاخل، لذا سيغسل يديه قبل أن يذهب لتناول غدائه.

خطا هيوغو بسرعة قاصدا حمّامات الفتيان، و سحقا..لقد كان هناك الكثير من الأشخاص هنا بالفعل.

زفر بانزعاج و هو يمرّر بصره على المكان ثمّ تقدّم من المغسلة في الدّاخل يغسل يديه جيّدا، قبل أن يغلق الصّنبور و يجفّفهما بطرف قميصه الصّوفيّ الأبيض.

التفت بنيّة الخروج، و ما كاد يتقدّم حتّى تراجع خطوتين إلى الخلف بسبب دفع أحدهم له أثناء خروجه.

رفع بصره ناحية الفتى ليجده قد خرج بالفعل، و ما كان له سوى أن رفع طرف شفاهه باشمئزاز و اندفع إلى الخارج يلحق به.

يدفعه؟ لا، و لو كان خطأ فعليه الاعتذار..ليس أيّ أحد يدفع هيوغو أندريس.

التفت يمينا و شمالا ليلمح و أخيرا شابّا ذا شعر داكن طويل نوعا ما، يرتدي قميصا أسود واسعا بأكمام، و بنطالا رياضيّا بلون مماثل يسير واضعا يديه في جيوبه و قد بدا غير مكترث لما حوله.

و قد سقطت ملامحه فور أن تعرّف عليه.

رايدر ميرفي..

«هذا المزعج إذا؟»

نبس بصوت منخفض يحادث نفسه، و وجد نفسه يتقدّم بهدوء يتبعه.

فلينسَ أمر دفعه له، لقد كان يرجو لقاء هذا المتعجرف، فلديه ما يحادثه بشأنه.

«يا أنت!»

صاح مناديا إيّاه بصوت حادّ، يرى كيف توقّفت خطوات الآخر ببطء يلقي له نظرات جانبيّة من فوق كتفه...و لم يتردّد هيوغو في الاقتراب منه أكثر.

التفت رايدر يواجهه بجسده و يمنحه نظرات حاقدة، ليبتدئ الأشقر حديثه بازدراء و هو يطالعه من الأعلى للأسفل مرارا و تكرارا:

«سمعت أنّك ساعدت إيلينور يوم أمس، هل هذا صحيح؟»

رمش رايدر ببطء يستوعب قبل أن يرفع طرف شفاهه في ابتسامة جانبيّة و يجيب قائلا:

«الاخبار تنتشر بسرعة، أليس كذلك؟ هل تريد أن أعتذر لأنّي لم أستدعِك لتدافع عنها؟ رغم أنّي أعلم بأنّك لن تفعل شيئا بجسدك الهزيل هذا»

أدار هيوغو وجهه للجانب يطالع الفراغ بانزعاج قبل أن يردف  مباشرة بجدّيّة يعاود النّظر له:

«سؤال واحد، لماذا فعلت هذا؟»

اتّسعت ابتسامة رايدر السّاخرة أكثر...هو يعلم جيّدا ما يرمي إليه هذا الأشقر هنا.

«لأنّي فعلت ذلك، ما شأنك؟»

نطق رافعا كتفيه بلا مبالاة، ما زاد اشتعال الآخر الّذي حاول ضبط أعصابه.

أنت الّذي يستفزّ النّاس هيوغو، و ليس العكس..

«تبّا، أجب على سؤالي و حسب...هل أنت معجب بها أو ما شابه؟ ما طبيعة علاقتكما حتّى؟»

ألقى بهذا من دون تفكير دفعة واحدة كأنّه يأمل الحصول على إجابة فقط، و لم يدرك ما خرج من بين شفاهه سوى عندما التقطت أذناه الضّحكة السّاخرة للآخر الّذي صرّح قائلا:

«تريد إجابة؟ لا بأس، سأمنحك ما تريده بما أنّك تبدو يائسا، يا صديق هارفي»

ضغط على آخر كلمتين يؤكّد عليهما بشدّة، ثمّ واصل مرخيا ملامحه:

«لست معجبا بها، و لكنّي أظنّني بدأت أحبّ رفقتها، أمّا عن علاقتنا...مجرّد شخصين عشوائيّين يدرسان في صفّ واحد»

رمش الأشقر ببطء يحلّل كلّ كلمة، و افترقت شفاهه بدهشة من الّذي سمعه.

لم يتوقّع أن تكون هذه هي الإجابة، كان ذلك عكس ما افترضه سابقا.

لا يحبّها إذا؟ هو حتما لا يكذب لأنّ لا سبب له لفعل ذلك...هذا أفضل ما سمعه اليوم.

لكن، و بصراحة، فالجزء حيث ذكر أنّه يحبّ رفقتها لم يرقه إطلاقا

«تحبّ رفقتها؟»

وجد نفسه يستفسر من دون إدراك، ليصله ردّ الآخر الّذي بدا مستمتعا:

«أجل، لديك مشكلة؟ رؤيتها من حين لآخر تروقني»

رفع حاجبه بمكر في نهاية كلامه يترقّب ردّ فعل الآخر على جملته المبتورة.

"رؤيتها و هي ترسم من حين لآخر تروقني"

كان ذلك المعنى الخفيّ لعبارته، و لكنّ رغبته في اللّعب على أعصاب هذا الأشقر هنا تدفعه لقول أيّ شيء قد يزعجه.

ليأمل فقط ألّا يكون هناك أحد آخر قد سمعه، فآخر ما يريد أن ينتشر عنه هو أنّه قد وقع للفتاة الّتي أنقذها سابقا.

إشاعات كاذبة؟ سيدمّر من ينشرها عنه حتما.

أمال برأسه للجانب قليلا و واصل النّظر للآخر بابتسامة مستمتعة، يراه يتجنّب النّظر له و أعينه مثبّتة على شيء ما خلفه.

تلاشت نظرات الاستمتاع من على وجه رايدر، و سرعان ما حلّ مكانها الاستغراب، حيث وجد نفسه يدير راسه ببطء إلى الخلف يلقي نظرة على أيّا كان ما يراقبه هيوغو هذا.

مرّر بصره على الأرجاء بتفحّص، و لم يكن هناك ما يستحقّ المشاهدة حقّا.

مجرّد أرضيّة حجريّة، بعض من العشب، بضع طلّاب يسيرون، و القضبان الحديديّة لـ‌..

لم يكد ينهي استيعاب ما يراه حتّى اتّسعت عيناه بصدمة و صدرت منه شهقة خافتة يشعر باليد الّتي صفعته تبتعد عن وجهه تاركة ألما حارقا على وجنته.

وجد نفسه يلتفت مباشرة ناحية الواقف أمامه يجده يطالعه بأعين حاقدة، ليبادله هو بأخرى مستحقرة يتحسّس بأصابعه النّحيلة مكان الضّربة.

هل يخشى أن يخسر أمامه لهذه الدّرجة؟ أترعبه فكرة أنّ رايدر الواقف أمامه قد يملك فرصة أكبر للحصول على تلك العسليّة مقارنة به هو؟ أيظنّه معجبا بها و يخاف أن تختاره هو بدلا منه؟

حسنا، يقولون الحبّ أعمى، و لكن ليس شأن رايدر ميرفي إن أعماك حبّك..

كان ليعذره ربّما لو أنّ كلّ ما صدر عنه كان كلمات، لكنّه تعدّى حدوده كثيرا بهذا...لا أحد يمدّ يده عليه و ينجو.

لقد تجرّأ على فعل هذا، و ستكون هناك عواقب بكلّ تأكيد...و أوّلها، سيحصل على ما هو أكثر من الصّفع.

«صفع؟ جدّيا؟ هل أنت فتاة أم ماذا؟»

نطق و هو يجعّد أنفه باستنكار مثبّتا أعينه على خاصّة الآخر، ليصله ردّ الّذي كان قد تراجع خطوة للخلف:

«هل آلمتك؟ لم أعلم بأنّك هشّ هكذا رايدر»

أصدر رايدر تكّة ساخرة بلسانه و هو يهزّ رأسه بقلّة حيلة، ثمّ خطا بهدوء إلى الأمام يخرج يديه من جيوبه، قبل أن يرفع قبضته اليمنى في الهواء و يهوي بها على وجه هيوغو من دون سابق إنذار يجعله يتراجع إلى الخلف أكثر محاولا الحفاظ على توازنه.

«وغد! هل ترى نفسك صغيرا أمامي لهذه الدّرجة؟ لا تعبث معي بينما لست أنوي على شيء الآن، لأنّي إن فكّرت بأخذها منك، فستنسى أنّه قد كانت لديك فرصة»

رفع هيوغو خصلاته المتدلّية على جبينه للأعلى و اندفع ناحية رايدر يمسك بياقة قميصه و يجذبه إليه متمتما باشمئزاز:

«قلت أنّك لست معجبا لها، أليس كذلك؟ أم أنّ الفتى السّيّء وقع في الحبّ فجأة؟»

«لست كذلك، و لكنّي أحذّرك من أنّي سأقطع فرصك...قد أفعل أيّ شيء لردّ الصّاع إلى الأغبياء أمثالك إن لم تكن تعلم»

«لن تستطيع...بين فتى جيّد و آخر سيّء، من تظنّ فتاة مثلها قد تختار؟»

«تختار؟ أنتَ تهذي، أنا لا أنتظر من أحد أن يختارني...لست أنت أيّها المغفّل»

أنهى رايدر كلماته تلك و هو يعيد رأسه إلى الخلف قبل أن يدفع به إلى الأمام ينطحه بقوّة جعلت بصره يتشوّش للحظات تزامنا مع تعالي أصوات شبّان في الأرجاء تلاها ملاحظة رايدر لبضع فتيان يمسكون بهيوغو و بضعٍ اتّجهوا ناحية رايدر يحاولون منعه من القيام بشيء آخر، بينما الآخرون وقفوا يراقبون بقلق ممّا يجري و حسب.

«ما الأمر يا رفاق؟»

نطق أحدهم بحيرة يمرّر بصره بين الاثنين، ليصله الردّ من هيوغو الّذي اعتدل في وقفته للتّوّ:

«لا شيء، فقط غبيّ يعتقد نفسه الأفضل يحتاج أن يتمّ تلقينه درسا»

صدرت ضحكة ساخرة من رايدر الّذي أردف و كأنّه سمع نكتة ما:

«إذا أنتَ تعترف أنّك تحتاج درسا؟»

انكمشت ملامح هيوغو باستنكار و وجد نفسه يتقدّم بنيّة لكم الآخر، إلّا أنّ الصّوت الصّارم الّذي صدح في الأرجاء جعل كلّ الواقفين يتسمّرون أماكنهم.

«ما الّذي يجري هنا!»

ابتعد الطّلّاب الّذين كانوا مجتمعين ليظهر من خلفهم المدير بهيئته الصّارمة يقف باستقامة مخفيا يديه حلف ظهره و ملامح وجهه عبّرت عن الغضب الّذي كان يشعر به.

«ميرفي! أندريس! طفح الكيل منكما أنتما الاثنان!»

صرّح بصوت ساخط قبل أن يرفع يده يشير للواقفين من حوله قبل أن يضيف:

«سأقول ما لديّ أمام كلّ هؤلاء...سأستعمل طريقة الأطفال مجدّدا على أمل أن أجد نتيجة، و أطلب لقاء أولياء أموركما الآن و حالا! ليتّصل كلّ منكما بهم!»

افترقت شفاه الاثنين يتبادلان نظرات الصّدمة للحظات قبل أن يعودا ببصرهما ناحية المدير متجاهلين الطّلّاب من حولهم.

«كيف؟ لكن‌ــ»

حاول هيوغو الاعتراض إلّا أنّ الآخر رفع يده في وجهه موقفا إيّاه قائلا:

«منحتك فرصة واحدة أندريس و أهدرتها، قراري نهائيّ! و لن يلتحق أيّ منكما بصفّه من دون أن ينفّذ ما طلبته»

لم ينتظر سماع أيّ شيء آخر و التفت مباشرة يسير مبتعدا، ليختفي الواقفون الواحد تلوَ الآخر تاركين الشّابّين بمفردهما في حالة صدمة..

.

.

༺༺༺༺༻༻༻༻

.

.

«شكرا على المساعدة مرّة أخرى رافي، أنت أفضل أخ»

نطق رايدر ضاحكا و هو يربّت بيده على كتف رافاييل الّذي واصل السّير بينما يجيبه ممازحا:

«شكرا على الإطراء، لكن حاول أن تكون مشاكلك في المرّة القادمة لا تستدعي حضوري، سيظنّني النّاس والدك»

رفع شقيقه حاجبيه بدهشة قبل أن يلفّ ذراعه حول عنقه و يضغط عليه بخفّة.

«والدي؟ أنت تبدو شابّا بسنّي إن لم تكن تعلم، هي سبع سنوات لا غير، ليست بالشّيء الكبير»

قهقه رافاييل بخفّة قبل أن يتوقّف عن السّير تزامنا مع وصولهما أمام المبنى الرّئيسيّ ليفعل رايدر المثل.

«تريد أن نذهب للتّجوّل، أم تلتحق بصفّك؟ ليس لديّ عمل الآن»

سحب رايدر يده بعيدا يحرّر عنق رافاييل، ثمّ صفع ذراعه بخفّة صائحا بحماس:

«هل تحتاج للسّؤال حقّا؟ دعنا نخرج من هذه الجامعة الغبيّة الآن!»

ابتسم رافي بجانبيّة يرى رايدر يتقدّمه مسرعا إلى الخارج، و لم يكن له سوى أن سار يلحق به.

في النّاحية الأخرى، كان هيوغو يتقدّم من مبنى الإدارة مع رجل ستّينيّ ذي شعر أسود خالطه الشّيب، و أعين بنّيّة اللّون تماثل خاصّته.

والده رين..

كان ذلك الرّجل يتقدّم رفقة ابنه من مبنى الإدارة بينما يلقي نظرات على الشّابّين اللّذين كانا على وشك الخروج من بوّابة الجامعة.

التفت ناحية ابنه بهدوء و نطق متسائلا:

«هل أحد أولئك الشّابّين هو الفتى الّذي تشاجرت معه؟»

رفع هيوغو عينيه ناحيته يرمش للحظات قبل أن ينقل بصره إلى بوّابة الجامعة يراقب الاثنين مجيبا:

«صاحب الشّعر الأسود، أمّا الآخر هو شقيقه الأكبر»

أعاد بصره إلى الأمام و هو يستمع لسؤال والده الّذي استغرب من الّذي سمعه للتّوّ:

«و لماذا قد يأتي شقيقه بدلا من والده؟ لا يبدو أنّ فارق العمر بينهما كبير حتّى»

«سمعت أنّه لا يملك سوى أخيه هذا، لا أعلم حقّا»

أجاب رافعا كتفيه بقلّة حيلة، ليهمهم والده بتفهّم و يسود بعدها الصّمت بينهما يواصلان التّقدّم ناحية مكتب المدير.

وقف الأب و ابنه أمام باب المكتب، قبل أن يرفع والد هيوغو يده و يطرق على الباب يسمع الرّدّ من الجهة الأخرى له:

«تفضّل!»

فتح الباب مباشرة يدلف إلى الدّاخل يتبعه هيوغو الّذي لم ينبس بكلمة.

«السّيّد أندريس، أهلا بك كنت بانتظارك»

نطق المدير مرحّبا و هو يستقيم من مقعده يمدّ يده للمعنيّ الّذي بادله المصافحة مجيبا برسميّة:

«شكرا لك حضرة المدير، لكنّه ميرفي و ليس أندريس»

عقد المدير حاجبيه بعدم فهم يمرّر بصرع بين الواقف أمامه و هيوغو الّذي كان بجانبه ينظر للأسفل، ثمّ نبس بتلقائيّة:

«المعذرة؟»

«ابني أخذ اسم والدته الأخير...أسباب شخصيّة»

أردف بهدوء موضّحا، يجعل من الآخر يومئ برأسه قبولا بالرّغم من الحيرة الّتي اعترته، و لكنّه تجاهل كلّ ذلك و دخل في صلب الموضوع:

«فهمت، على كلّ حال سيّد ميرفي، أنا أعتذر لإتعابك بالحضور و لكنّ تصرّفات الشّبّان هذه الفترة تجعلني أتّخذ إجراءات صارمة أكثر معهم»

هزّ والد هيوغو رأسه كدليل على تفهّمه للأمر، يسمع المدير يواصل محدّقا بالابن الّذي كان يراقب بهدوء:

«لقد تحدّثت مع وليّ الفتى الآخر بالفعل، أردت أن أقول بأنّي لاحظت أنّ العلاقة بينه و بين ابنك بدت متوتّرة لي و عدائيّة نوعا ما...بحسب ما سمعته من الطّلّاب الآخرين، فهما لا يلتقيان إلّا و ينشب شجار بينهما، و هذا أمر لا أحبّذ رؤيته في هذه الجامعة»

أنهى كلماته و هو يعود للجلوس بهدوء على مقعده الجلديّ خلف المكتب، جاعلا من الآخر يفعل المثل، بينما هيوغو ظلّ واقفا بصمت.

«حسنا إذا حضرة المدير، شكرا على إعلامي بالأمر، و أعدك أنّي سأبذل جهدي حتّى لا يصدر تصرّف آخر كهذا من هيوغو»

نطق بامتنان و هو يرفع بصره ناحية ابنه بسرعة يسمع همهمة المدير، قبل أن يعيده ناحية الجالس أمامه و يستمع لكلماته:

«شكرا على التّفهّم، و لعلمك، لم أرَ من هيوغو شيئا قطّ باستثناء هذه الشّجارات مع الفتى رايدر ميرفي، و أردت أن يتمّ ضبط الوضع خشية أن تتفاقم الأمور، تفهمني صحيح؟»

اعتلت تقطيبة خفيفة جبين الآخر و هو يضيّق عينيه محاولا التّأكّد ممّا إذا كان ما سمعه لتوّه صحيحا، ثمّ تساءل باستغراب متجاهلا سؤال المدير:

«ما اسم ذلك الفتى مجدّدا؟»

رمش الجالس أمامه للحظات يستوعب قبل أن يجيبه بهدوء واضعا يديه على سطح مكتبه:

«رايدر ميرفي»

سرعان ما رفع بصره بعد قوله هذا يرى الآخر يستقيم من مكانه مباشرة، ليلتفت ملقيا نظرة سريعة على هيوغو قائلا بجدّيّة:

«هيوغو، انتظرني في الخارج للحظة و سألحق بك»

حدّق المعنيّ بوالده لثانيتين قبل أن يومئ برأسه مستغربا:

«حسنا، سأكون خارج المكتب أبي»

و بذلك استدار يتقدّم ناحية الباب و يخرج مغلقا إيّاه خلفه، تاركا بذلك كلّا من المدير و رين بمفردهما في الدّاخل، و لم يتردّد هذا الأخير في معاودة الجلوس و مخاطبة الجالس أمامه بكلّ جدّيّة بينما يشبك أصابعه ببعضها:

«لديّ طلب لو سمحت، هل لك أن تخبرني قليلا عن هذا الشّابّ؟»

راقبه الآخر للبرهة يحاول معرفة ما يدور بباله، و لكنّه لم يستطع و اكتفى بتنهيدة صغيرة يجيبه قائلا:

«هو مجرّد طالب سنة ثالثة عاديّ، جامح و متهوّر نوعا ما..يعيش مع شقيقه الأكبر»

شقيقه الأكبر؟ أي ذلك الفتى ذو الخصلات البنيّة الّذي لمحه من بعيد سابقا...تماما كما أخبره هيوغو.

«لماذا؟ أهما متوفّيان؟ هل تسمح بإطلاعي على أسماء والديه الموجودة في سجلّاته رجاءً»

طلب باحترام و قد بدا الإصرار واضحا في نبرته، و لم يكن للمدير سوى أن أومأ بينما يستقيم من مكانه بهدوء يقترب من الأدراج الّتي كان موجودة في زاوية المكتب.

مدّ يديه يبحث بينها بسرعة، إلى أن وقع بصره على الملفّ الّذي حمل اسم "رايدر ميرفي"

سحبه و عاد ليجلس مكانه يضعه على سطح مكتبه، قبل أن يفتحه و يذهب للصّفحة حيث شهادة ميلاده.

«هذان هما، لا أعلم ما حدث لهما تحديدا»

أخذ رين الملفّ منه و راح يمرّر إصبعه على المكتوب بحثا عن الأسماء، إلى أن توقّف يقرأ بتمعّن.

"ابن رين ميرفي و بيانكا هادسون"

لا يعقل أن تكون هذه مجرّد صدفة أو تشابه أسماء..

الصّدف لا تكون في ثلاثة أشياء تتعلّق ببعضها..

رايدر ميرفي..

بيانكا هادسون..

و رين ميرفي...اسمه هو..

و بحسب ما يراه، فيمكنه أن يخمّن بأنّ اسم الشّابّ الآخر هو "رافاييل ميرفي"

أيعقل أن يكون هذا حقيقيّا؟ بعد عشرين سنة كاملة، و محاولته لإبعاد هيوغو عنهم قدر الإمكان بمنحه لقب والدته حتّى...يصدف أنّهما في جامعة واحدة، و تنشب بينهما شجارات كذلك؟

لقد استطاع نسيان أمرهما طيلة هذه الفترة، خصوصا بعد وفاة زوجته السّابقة بيانكا، فلماذا الآن؟ لماذا على هذين الشّابّين أن يظهرا في حياته مجدّدا؟ لقد اعتقد أنّهما قد رحلا للعيش قرب عائلة والدتهما في تورونتو، لكن على ما يبدو فقد كان مخطئا.

تبّا...سيتعيّن عليه بذل جهد أكبر إذا حتّى يبقي هيوغو بعيدا عنهما قدر الإمكان.

لا يمكنه أن يسمح له باكتشاف أنّه أخوهما غير الشّقيق..

هو لم يبتعد حتّى يظهرا فجأة هكذا مجدّدا..

سحب رين إصبعه من على الصّفحة و أغلق السّجلّ فورا يدفعه على السّطح الخشبيّ أقرب من المدير الّذي ظلّ يطالعه بترقّب منتظرا سماع شيء ما، لكنّ الآخر خيّب آماله عندما منحه ابتسامة خافتة و استقام من مقعده نابسا بهدوء:

«شكرا لك حضرة المدير، سأغادر الآن»

لم يعقب المعنيّ على ذلك و اكتفى بمراقبة رين و هو يغادر مكتبه، لينهض هو الآخر و يعيد الملفّ لمكانه.

في النّاحية الأخرى، كان رين قد أغلق الباب خلفه يلمح هيوغو مستندا على الجدار المقابل له و ينظر له بفضول.

«و أخيرا خرجت...ما الأمر؟ لما طلبت منّي المغادرة؟»

ألقى بتساؤله و هو يخطو ناحية والده الّذي بدا مختلفا عمَّ رآه عليه قبل لحظات قليلة.

كان فكّه مشتدّا، لكنّ ملامحه كانت هادئة و كأنّه يحاول ألّا يجعل هيوغو يشكّ بشيء.

و ربّما ليحتفظ ببعض الغضب حتّى يفرغه لاحقا..

«لا شيء مهمّا هيوغو، لا شيء»

لم يعلّق هيوغو على ذلك، و تبع والده الّذي تقدّم يسير قاصدا المخرج.

«بنيّ»

نطق رين فجأة بينما ينزلان الدّرج جاذبا انتباه الأشقر الّذي ردّ متسائلا:

«ما الأمر؟»

لكم الآخر باطن وجنته بلسانه يحاول انتقاء الكلمات المناسبة، و ما لبث أن واصل قائلا:

«لا أريد منك أن تتقابل مع ذلك الفتى رايدر مرّة ثانية، ابقَ بعيدا عنه قدر الإمكان»

«لماذا؟»

خرجت تلك الكلمة من بين شفاه الأشقر بتلقائيّة، جاعلا من والده يلقي عليه بنظرات قلقة قبل أن يؤكّد على طلبه:

«هو فتى متهوّر جدّا بحسب ما سمعته من المدير، لذا تجنّبه و حسب»

رفع ابنه حاجبه يطالعه للحظات قليلة، ثمّ أعاد بصره يراقب أين يضع قدمه بينما يردّ رافعا كتفيه بعدم اكتراث:

«لم أحبّ رؤيته في كلّ الأحوال، لذا لا داعي للقلق إطلاقا»

صدرت زفرة مرتاحة من رين على إثر الكلمات الّتي سمعها..من الجيّد أنّ هيوغو لا يحبّه و لا يحبّ رؤيته، هذا أسهل بكثير، و هو شاكر حقّا لأنّهما لم يكونا أصدقاء..

.

.

༺༺༺༺༻༻༻༻༻

.

.

«يا إلهي! لم أتوقّع أن تكون الأكياس ثقيلة لهذه الدّرجة!»

صاحت لوسيا متذمّرة و هي تضع ما بيدها أرضا لتستريح قليلا و صدرها يعلو و يهبط من شدّة التّعب.

«من طلب منكِ أن تشتري كلّ ما تحتاجينه و لا تحتاجينه؟ السّيّارة قريبة من هنا لذا هيّا بسرعة»

أجابت إيلينور و هي تعدّل من وضع الأكياس الّتي كانت تحملها -و الّتي لم تكن تقارن بخاصّة سيا-، ترى هذه الأخيرة تعاود حمل مشترياتها بعبوس و تواصل السّير على مضض بجانب تلك الّتي ضحكت بخفّة و أردفت مجدّدا:

«لو لم يكن ما أحمله ثقيلا من الأساس لكنت ساعدتك»

زفرة لوسيا بيأس و هي تهزّ رأسها بقلّة حيلة قائلة:

«لا بأس، لنسرع فقط إلى السّيّارة قبل أن تنقطع يداي»

اقتربت الفتاتان من السّيّارة لتضغط لوسيا على زرّ المفتاح و تفتح الصّندوق الخلفيّ لها تسمح لكليهما بالإلقاء بأغراضهما هناك.

التّسوّق ممتع...لكنّه متعب جدّا.

سارت إيلينور ناحية جانب السّيّارة تفتح الباب و تتّخذ جلستها على أحد المقاعد الخلفيّة، جاعلة من سيا الّتي أغلقت الصّندوق للتّوّ تقترب منها و تتساءل بغرابة:

«لماذا تجلسين في المقعد الخلفيّ يا فتاة؟»

رفعت إيلينور عينيها بهدوء ناحيتها و أجابت موضّحة:

«قلتِ سابقا أنّكِ ستمرّين على شقيقك ليواصل هو القيادة إلى المطعم...أفضّل الجلوس هنا منذ الآن بدلا من تغيير المقاعد لاحقا»

رمشت الأخرى للحظة تستوعب قبل أن تصفع بيدها هيكل السّيّارة و تصيح بإدراك:

«نسيت أمره تماما!»

ارتسمت على شفاهها ابتسامة صغيرة و تقدّمت من مقعد السّائق تجلس هناك بينما تضيف:

«ذكّريني إذا بأن آتي للجلوس بجانبك حالما يتولّى ثيو القيادة»

«سأفعل»

أجابت إيلينور مبتسمة قبل أن تشغّل لوسيا المحرّك و تشرع في القيادة ناحية المتجر الّذي يعمل به شقيقها الأكبر.

كان الجوّ هادئا بين الصّديقتين خلال الدّقائق القليلة الّتي تلت.

منطقيّا، لقد قامتا بكلّ ما لم يتسنَّ لهما الوقت بفعله في أمسية واحدة فقط، و لم يتبقَّ شيء للحديث حوله في الوقت الرّاهن.

ربّما عندما تعود كلّ منهما إلى منزلها ستتذكّر موضوعا ما لم تناقشه مع الأخرى؟

«لينو، بالمناسبة، أحببت الهديّة الّتي جلبتِها من أجل نات»

نطقت صاحبة النّمش فجأة تكسر بذلك حاجز الصّمت بينما تلفي نظرات سريعة على الجالسة خلفها من خلال المرآة الأماميّة، محاولة ألّا تحيد ببصرها عن الطّريق.

«ناتالي؟ أتمنّى أن تنال إعجابها»

تمتمت بينما تشيح ببصرها و ترميه خارج النّافذة مراقبة الطّريق، ثمّ أضافت مبتسمة:

«هي تحبّ تدوين الملاحظات على الدّفاتر حول عملها كثيرا، و قد كانت تنوي شراء آخر بالفعل لأنّ آخر واحد لديها قد امتلأ، أمّا ساعة اليد، فأظنّها ستعجبها كثيرا بما أنّ اللّون الأسود هو نقطة ضعفها»

أعادت انتباهها ناحية لوسيا مجدّدا فور أن صدرت منها ضحكة خافتة أتبعتها بقولها:

«منطقيّ أن يعجب هذا اللّون آنسة أنيقة مثلها...و أنا لا ألومها قطعا فهو يليق بها»

أومأت عسليّة الأعين برأسها مؤكّدة على ذلك، ليصلها صوت الأخرى مجدّدا حالما أوقفت السّيّارة:

«وصلنا، انتظري للحظة و سأعود...لا بدّ و أنّ ثيودور في داخل المحلّ ينتظر قدومي»

لم تنتظر سماع ردّ من إيلينور حينما خرجت مسرعة و أغلقت الباب خلفها، تاركة هذه الأخيرة تراقبها بهدوء و هي تركض إلى داخل المتجر لتختفي مباشرة.

ظلّت أعينها مثبّتة على المدخل بانتظار أن تلمح لوسيا، و قد طرقت ذهنها فكرة كم أنّ لوسيا و ثيودور أخوان ظريفان حقّا.

ظريفان لدرحة تفوق الخيال، كأنّهما طفلة في الخامسة و طفل في السّابعة بدلا من شخصين أعمارهما فوق العشرين.

رمشت إيلينور مرّتين حالما لمحت سيا تخرج و أخيرا و بجانبها شقيقها الّذي سبقها إلى السّيّارة و هو يلعب بالمفاتيح بين أصابعه.

«إيلينور! أهلا صديقة أختي! كيف الحال؟»

صاح بحماس حالما وقعت عيناه على تلك الّتي اكتفت بمنحه ابتسامة هادئة قبل أن تردّ:

«أنا بخير، ماذا عنك؟»

«بأفضل حال، شكرا على السّؤال»

منحته إيماءة خافتة برأسها قبل أن يصدح صوت لوسيا في الأرجاء بينما تفتح الباب الخلفيّ للسّيّارة و تجلس قرب إيلينور:

«أسراع بالرّكوب ثيو!»

أصدر الآخر قهقهة مستمتعة قبل أن يدفع خصلاته إلى الخلف و يدخل من دون أن يعلّق على ذلك.

شغّل المحرّك و ضغط على دوّاسة الوقود يقود ناحية المطعم الّذي قرّر دعوتهما إليه بينما يستمع لأحاديث الفتاتين من خلفه.

كانت عشرين دقيقة تقريبا حتّى وصل الثّلاثة إلى المكان المطلوب، و كانت الشّمس قد غربت بالفعل.

وقت العشاء تماما..

ترجّل ثيودور من السّيّارة جاعلا الأخرتين تفعلان المثل، قبل أن تقتربا بهدوء ناحيته و تتساءل لوسيا بفضول:

«أهذا هو المكان؟»

رفع رأسه يحدّق بالمبنى الحديث لبضع ثوانٍ، ثمّ هزّ رأسه قبولا قائلا:

«أجل، هو...اتبعاني»

خطا بسرعة إلى الدّاخل يجعل سيا تتبعه من دون تردّد ساحبة إيلينور خلفها، و الّتي يبدو بأنّها لم تكن تجد ما تقوله.

تبعت الفتاتان ثيودور ناحية إحدى الطّاولات بينما تجولان ببصرهما حول المكان.

المبنى بسيط من الدّاخل و الخارج، لكنّه جميل حقّا و مريح للعين...يمكنهما أن تفهما سبب كثرة الزّبائن هنا في الدّاخل.

اتّخذت كلّ منهما مقعدا يقابلهما الآخر الّذي حمل قائمة الطّعام يتفحّصها بتمعّن قبل أن يرفع بصره للأخرتين و يلقي بسؤاله:

«ما الّذي تريدان أكله؟»

«أرزّ أبيض بالسّمك كالمعتاد»

أجابت لوسيا مباشرة، بينما رمشت إيلينور للحظات قبل أن تجيب هي الأخرى:

«أظنّني سآخذ أيّ شيء ما دام طعاما حارّا»

همهم ثيودور قبولا و هو يلقي نظرة أخرى سريعة على القائمة.

«سآخذ معكرونة بالجبن، ماذا عن المشروبات؟»

«مشروب غازيّ، و لينو ستأخذ مخفوق شوكولا»

«فهمت»

نطق بذلك بينما يرى النّادل يتقدّم منه مباشرة في زيّه الرّسميّ.

«أهلا بكم في مطعمنا، ما الّذي تودّون طلبه؟»

تساءل النّادل بابتسامة على وجهه و هو يركّز بصره على ثيو الّذي ألقى نظرة سريعة على الفتاتين قبل أن يعود للنّظر إلى النّادل قائلا:

«طبق أرزّ بالسّمك، طبق معكرونة بالجبن، و طبق لأفضل طعام حارّ لديكم...أمّا المشروبات، فزجاجتان من المشروبات الغازيّة، و مخفوق شوكولا رجاءً»

سارع النّادل في تدوين كلّ ذلك بسرعة، ثمّ منح لثيودور إيماءة سريعة و هو يبتسم قائلا:

«لحظات و سيكون طلبكم جاهزا»

تراجع إلى الخلف بهدوء قبل أن يلتفت و يغادر كلّيّا تاركا الثّلاثة جالسين أماكنهم و يتبادلون الأحاديث.

في النّاحية الأخرى حيث مكتب الدّفع، كان المكان هادئا قليلا بعدما بدأ يخفّ الزّحام في المطعم، سامحا لذلك الفتى ذي الخصلات السّوداء بأخذ قسط من الرّاحة مؤقّتا.

كان يجلس على أحد المقاعد خلف المكتب مستندا بظهره على ظهر الكرسيّ و مرخيا رأسه إلى الخلف.

أربع ساعات يوميّا مرهقة حقّا إذا ما كان هناك عمل كثير..

«رايدر!»

اتّجهت عيناه مباشرة ناحية مصدر الصّوت، ليجد أحد الموظّفين يقترب منه.

«مارك؟»

نطق مستفهما و هو يستقيم بهدوء من مكانه فور أن اقترب الآخر أكثر منه مجيبا:

«تفضّل، هذه ورقة طلب الطّاولة رقم سبعة، خذها إلى المطبخ في الخلف و احرص على تقديم الطّلب فور أن يجهز»

أخذ رايدر الورقة الّتي مزّقها مارك من دفتر ملاحظاته توّا، ثمّ ألقى نظرة سريعة عليها.

يبدو أنّهم ثلاثة أشخاص.

«فهمت، سأفعل»

أجاب و هو يهزّ رأسه مؤكّدا، ما جعل الآخر يربّت على كتفه بقوّة قبل أن ينسحب لمواصلة عمله:

«جيّد، سأذهب الآن»

غادر مباشرة تاركا خلفه ذلك الّذي أخذ نظرة أخرى على الورقة يرى الرّقم سبعة عليها.

الرّقم سبعة؟

رفع بصره من على الورقة يمسح المكان بتمعّن بحثا عنها حتّى لا يضيع لاحقا، لتقع عيناه عليها مباشرة.

وجد الطّاولة...و شخصا لم يكن يتوقّع رؤيته.

«هارفي؟»

تمتم بصوت خفيض و قد تشكّلت عقدة بين حاجبيه ينظر لها للحظات قبل أن ينتقل بصره ناحية الفتاة الّتي جلست قربها.

لا بدّ و أنّها صديقتها أو ما شابه، لا يمكنه رؤية الملامح جيّدا من مكانه هذا.

أزاح بصره بعدها ناحية الشّابّ الّذي جلس معهما يجد نفسه يراقبه بتمعّن.

كان يعقد ذراعيه عند صدره و يضحك بقوّة بينما يواصل حديثه إليهما.

يبدو أنّهما مستمتعتان بالدّردشة معه.

لكن من هو بالمناسبة؟ المواعيد لا تكون بحضور الأصدقاء على حدّ علمه.

هل هو أخ إحداهما؟ لكن في نفس الوقت، ما الّذي يجعل أخا يخرج لتناول العشاء مع أخته و صديقتها؟ إلّا إذا كان معجبا بها ربّما، أو يريد فرصة لرؤيتها.

أيّا كان السّبب، فلا بدّ و أنّه سخيف..

هزّ رايدر رأسه بخفّة ينفض الأفكار عنه قبل أن يلتفت متقدّما ناحية المطبخ.

عليه القيام بعمله الآن..

«ثيو، أنت أخ مزعج حقّا!»

صاحت لوسيا بغيظ و هي تصفع كتف شقيقها جاعلة من قهقهاته ترتقع أكثر جاذبة أنظار البعض ناحيتهم.

«إيلينور، أنا بمثابة أخ لكِ كذلك، صحيح؟ أخبريها أنّي لست مزعجا مثلها»

شدّ انتباه عسليّة الأعين صوت ثيودور الّذي خاطبها بنبرة متذمّرة ببنما يمسح بيده على مكان ضربة لوسيا، ما جعل ابتسامتها تتّسع و هي تجيبه ممازحة:

«أتّفق معك، لوسيا هي المزعجة و لكنّها تلقي بذلك عليك»

«انظروا إلى من تدعمني!»

هتف بحماس قبل أن يحوّل بصره ناحية أخته و يردف مدّعيا التّأثّر:

«آسف، لكنّني أحيانا أفكّر في استبدالك بها سيا»

ألقت له المعنيّة بنظرات جانبيّة قاتلة بينما ترفع يدها و تمرّرها على رقبتها كسكّين:

«استبدالي؟ سأقتلك قبل أن تفعل ذلك...من سألعب على أعصابه حينها؟»

«هذا هو السّبب؟ ستقتلينني بإزعاجك في كلّ الأحوال»

تمتم رافعا حاجبه بتساؤل، لتردّ الأخرى رافعة كتفيها بلا مبالاة:

«إيلينور لا تعرفك على حقيقتك فحسب ثيودور»

ضحكت المعنيّة بخفّة و هي تستمتع بمشاهدة شجار الإخوة، و كانت ستتدخّل في الحديث لولا أنّ ثيودور التفت إلى الجانب فجأة يحدّق بعيدا قائلا:

«رائع! يبدو أنّ طعامنا قد وصل»

انتقلت أعين كلّ من لوسيا و إيلينور ناحية النّادل الّذي كان يتقدّم منهم، لتتّسع أعين هذه الأخيرة و تفترق شفتاها بدهشة ترى شابّا طويل القامة في زيّ موحّد، شعره أسود، و عيناه كذلك.

ما الّذي يفعله رايدر هنا؟

«شكرا لك يا رجل»

نطق ثيو و هو يراقب رايدر يأخذ الأطباق من العربة و يضعها على سطح منضدتهم بينما يومئ له بخفّة.

كانت إيلينور تراقبه بهدوء هي الأخرى، قبل أن تشعر بقرصة خفيفة على خصرها من سيا جعلتها تلتفت بسرعة ناحيتها بملامح مستفهمة، تراها تميل قليلا ناحيتها و تهمس بسخرية:

«هل أحضرتِ قلما؟ قد يطلب منكِ رسمه الآن كذلك»

رفعت إيلينور حاجبيها بدهشة و سقطت ملامحها حالما استمعت لذلك، و أجابت هامسة بدورها:

«توقّفي عن الإزعاج لوسيا، الأمر كان عاديّا جدّا»

رفعت الأخرى كتفيها بقلّة حيلة و عادت كلاهما للمراقبة بصمت، ترى لوسيا كيف كان رايدر يلقي بضع نظرات على أخيها، ثمّ على كلّ واحدة منهما و كأنّه يحفظ ملامح ثلاثتهم، و ذلك قبل أن يستقيم في وقفته و يتراجع خطوتين إلى الخلف قائلا:

«شهيّة طيّبة»

«لحظة لو سمحت»

استوقفه ثيودور الّذي كان قد أخذ رشفة من المشروب الغازيّ، يراه يراقبه بصمت بانتظار كلماته التّالية:

«نريد طلب التّحلية كذلك رجاءً»

«تفضّل، ما الّذي تريد أخذه؟»

أجاب رايدر بينما يخرج من جيبه دفترا صغيرا و قلما يستعدّ للتّدوين، ليردف الآخر مباشرة:

«ثلاث قطع من كعك الفراولة»

«فهمت»

نبس بينما يدون ذلك رفقة رقم الطاولة و تراجع إلى الخلف يجرّ العربة و يسير مبتعدا.

«إذا إيلينور، هل آخذ عنه نفس نظرتي عن رأس الموز؟»

وصلت همسات سيا الماكرة إلى مسامع إيلينور مجدّدا، جاعلة منها تلقي لها بنظرات جانبيّة بينما تتنهّد بثقل قائلة:

«هل تريدين إرغام الآخرين على الإعجاب بي أم ماذا؟ تصرّفات كلّ من رايدر و هيوغو طبيعيّة»

رمشت لوسيا للحظة غير مصدّقة لما سمعته، ثمّ رسمت على شفتيها ابتسامة عريضة و هي تلفّ ذراعها حول عنق إيلينور و تتحدّث:

«تعلمين؟ لقد أقنعتني، سأذهب لاحقا إلى الفتى محبّ الشِّعر في صفّي و الّذي لم أتحدّث معه من قبل و أطلب منه أن يكتب شعرا عنّي، ثمّ سأذهب إلى شخص آخر رأيته صدفة في الحرم الجمعيّ و أطلب منه أن نصبح أصدقاء...ذكّريني فقط أن أفعل ذلك لأنّي أنسى كثيرا»

دفعتها الأخرى محرّرة عنقها و زفرت بضيق متمتمة:

«أيّا يكن، سخيفة»

أشاحت ببصرها بعيدا عن لوسيا، لتقع عيناها صدفة على مكتب الدّفع حيث كان رايدر مستندا بمرفقيه على سطحه بينما يراقب النّاس.

بدا متعبا نوعا ما...لم تكن تعلم بأنّه يعمل في وظيفة جزئيّة.

لاحظت كيف استقام في وقفته مباشرة حالما اقتربت منه شابّة بثياب أنيقة و شعر مصفّف بعناية، تخرج من حقيبة يدها محفظة نقود.

«إيلينور، تناولي طعامك سوف يبرد»

انتشلها فجأة صوت ثيودور الّذي كان يدسّ هاتفه في جيب سترته جاعلا منها تومئ برأسها بخفّة بينما تلقي نظرة سريعة على لوسيا تجدها منشغلة بالأكل:

«سأفعل، شكرا»

في النّاحية الأخرى، كان رايدر يقف مكانه خلف مكتب الدّفع يراقب تلك الآنسة و هي تفتح محفظتها قائلة:

«المعذرة، أريد دفع الحساب»

همهم قبولا ثمّ أردف بينما يسترق نظرات سريعة على إيلينور التي بدا أنها تقضي وقتا جيدا مع الآخرين:

«بالطّبع»

وضعت المال على سطح المكتب ليلتقطه هو بينما يشعر بأعينها عليه حينما أضافت:

«أتلك ندبة أسفل عينك اليسرى؟ تجعلك تبدو أجمل بكثير»

«أجل، جيّد»

أجاب محاولا تسريع الحديث ودفعها للمغادرة حتّى لا يبدو وقحا رغم أنّه رغب في تجاهلها...و قد كان جامّ تركيزه منصبّا على الطّاولة حيث جلس كلّ من إيلينور و لوسيا و ثيودور.

تحديدا هذا الأخير..

ثيودور...لقد سمع تلك الفتاة تتلفّظ باسمه، و هو لا يروقه إطلاقا..

شيء بداخله لا يمكنه تقبّل وجوده هناك..

يبدو شابّا لطيفا من أسلوب حديثه، و لكنّ من يتصرّفون بهذه الطّريقة هم أكثر من يجب توخّي الحذر منهم.

هو يشبه ذات النّمش تلك، لذا لا بدّ و أنّه شقيقها أو ما شابه...لكن لماذا يأخذ صديقة أخته معهما للعشاء؟ أيعقل أنّه يعتبرها كأخت له كذلك؟ أم أنّ لديه نفس عينيّ الأشقر الغبيّ؟

«ما اسمك بالمناسبة؟»

عاد صوت تلك الفتاة ليرنّ في أذنه مجدّدا، و لم يحاول هذه المرّة إخفاء انزعاجه عندما زفر بضجر و هو يشدّ بإحكام على السّطح الخشبيّ أمامه، ثمّ أردف بينما يضغط على كلّ حرف محاولا ألّا يبدو وقحا بشكل مبالغ فيه؛ لأجل عمله فقط:

«لا أظنّ اسمي سيفيدك بشيء أيّتها الآنسة؛ لديّ عمل لأنجزه، لذا إن لم تكوني بحاجة شيء آخر، أتمنّى لك أمسية سعيدة»

أنهى كلامه و هو يشير بيده ناحية المخرج جاعلا من الفتاة تطالعه بغيظ قبل أن تلتفت و تخرج من المطعم بينما تلقي بكلامها من دون مبالاة:

«متكبّر»

لفّ هو عينيه بملل غير مكترث برأيها و هو يشعر بالرّاحة لتخلّصه منها أخيرا.

يا لها من مزعجة..

«رايدر!»

لفت انتباهه ذلك الصّوت الرّجوليّ ليلتفت و يجد مارك يقترب منه قائلا:

«لقد جهزت تحلية الطّاولة رقم سبعة، تفقّد من هنا ما إذا كانوا قد انتهوا من العشاء ثمّ خذ الأطباق إليهم»

«سأفعل»

أجاب و هو يهزّ رأسه قبولا، يرى مارك يبتسم بخفّة و يعود لإنجاز عمله، ليفعل هو المثل.

جال ببصره في الأرجاء بسرعة إلى أن وقعت عيناه على الطّاولة المقصودة، يرى ثلاثتهم يدردشون بينما تمسح ذات النّمش يديها بالمنديل.

يبدو أنّهم انتهوا..

التفت يسيى ناحية المطبخ في الخلف، و ما هي إلّا دقائق قليلة حتّى خرج و هو يجرّ عربة صغيرة، يتقدّم بهدوء ناحية الطّاولة حيث كان الثّلاثة يجلسون.

لاحظ كيف رمته عسليّة الأعين بنظرات هادئة، بينما ابتسم ذلك الفتى ثيودور و نطق شاكرا:

«شكرا حقّا، جئت في الوقت، لقد انتهينا للتّو»

«جيّد»

كان ذلك كلّ ما نطق به بينما يتقدّم من المنضدة يشعر بالأعين عليه بينما يحمل الأطباق و الكؤوس و يضعها على العربة، قبل أن يأخذ أطباق الكعك و يضع طبقا أمام كلّ واحد منهم يسمع الصّوت الأنثويّ الهادئ حالما وضع الطّبق الثّالث:

«شكرا لك»

اكتفى هو بهمهمة خافتة قبل أن يلقي نظرة على ثيو الّذي نطق مبتسما:

«شكرا»

أومأ بخفّة بينما يستمرّ في إلقاء بضع نظرات عليه يفكّر في مدى صحّة فرضيّته.

إن كان محقّا، فيبدو أنّ الأشقر لديه منافس، و هو أفضل منه بمراحل.

«استمتعوا»

ألقى بهذه الكلمة بينما يستدير و يمدّ يده ناحية العربة من أجل أن يغادر، لكنّه توقّف فجأة حالما رنّ في أذنه صوت أنثويّ ساخر..

و لا، لم يكن الصّوت الّذي اعتاد سماعه.

«ليس أكثر من أخي، لذا لم تخسر فرصتك أيّها المكابر!»

وجد نفسه يلتفت بتلقائيّة يطالعها بحاجبين مرفوعين، غير مصدّقا لما سمعه منها...و قد كانت تبادله النّظرات بتحدٍّ عاقدة ذراعيها لصدرها.

و لم يبدُ أنّه كان الوحيد الّذي صُدم من هذا، فقد كان كلّ من شقيقها و صديقتها يحدّقان بها بنفس ملامحه تقريبا.

أهي حمقاء أم ماذا؟

لم يجد ما يعلّق به على ذلك، لذا اكتفى بالالتفات و التّظاهر بأنّه لم يكن المقصود، ثمّ غادر مباشرة عائدا لعمله.

هل نعتته بالمكابر للتّوّ؟

هو؟ مكابر؟ لماذا سيكابر مثلا؟ أم أنّها هي الأخرى تعتقده واقعا لها؟

مجانين..

سرعان ما اختفى عن مرمى بصر لوسيا، تاركا إيّاها في مواجهة كلّ من إيلينور و ثيودور الّلذين بدا و كأنّهما ينتظران توضيحا.

نقلت بصرها بينهما للحظة، ثمّ فكّت عقدة ذراعيها و رفعت كتفيها بعدم اكتراث ملقية بكلماتها:

«لا تنظر إليّ ثيو، قد يكون أخذ فكرة خاطئة عنك و إيلينور، لذا قدّمت خدمة و وضّحت الأمور لا غير»

«ماذا؟»

نطق متسائلا و قد ظهرت الحيرة على ملامحه، و ما كادت تردّ الأخرى حتّى هسهست بألم فور شعورها بيد الجالسة بجانبها تقرصها على خصرها:

«هذا حتّى تتعلّمي بأنّه ليس عليك قول كلّ ما يخطر ببالك...هل كنتِ تفكّرين حتّى؟»

عاتبتها و هي تمنحها نظرات جادّة، جاعلة من لوسيا تسحب نفسها مبعدة يد إيلينور بينما تجيب بألم:

«حسنا آسفة، توقّفي فحسب»

«لا بأس إيلينور، أخبرتك أنّها مزعجة و كنت محقّا»

لفت انتباه الاثنتين صوت ثيودور المرح الّذي أرسل للمعنيّة غمزة محاولا تلطيف الأجواء، لتبتسم هي الأخرى و توافقه بسخرية:

«و حمقاء كذلك»

«أيّا كان ما تقوله أختي، إذا من الآن، لوسيا مزعجة و حمقاء كذلك»

رمشت سيا للحظات تستوعب الّذي يجري، قبل أن تضمّ ذراعيها مدّعية الغضب و تصيح متذمّرة:

«هل أصبحت الطّرف الثّالث في مثلّث الأخوّة هذا أم ماذا؟»

انتقلت أعين الآخرين ناحيتها، قبل أن يتبادلا النّظرات و ينفجرا ضاحكين، ليهزّ ثيو رأسه بقلّة حيلة و يردف مغيّرا الموضوع:

«دعونا نأكل و حسب، هذا الكعك يبدو شهيّا بالمناسبة»

.

.

༺༺༺༺༻༻༻༻

.

.

«وداعا سيا! أراكِ غدا»

صاحت إيلينور و هي تقف على جانب الطّريق تلوّح للوسيا الّتي جلست على المقعد المجاور للسّائق داخل السّيارة، تلوّح لها بالمقابل مبتسمة:

«إلى اللّقاء لينو!»

«وداعا ثيودور، شكرا على الدّعوة»

أضافت و هي تزيح بصرها ناحية ثيو الّذي رفع إبهامه مبتسما هو الآخر بودّ:

«لا مشكلة إيلينور، أنتِ كأختي الصّغرى»

بادلته بابتسامة ممتنّة تراقب كيف قاد السّيّارة مبتعدا عن المكان.

لقد كانت أمسية رائعة حقّا رفقة هذين الشّقيقين، لوسيا و ثيودور رائعان حقّا عندما يجتمعان.

علاقتهما لطيفة جدّا...تذكّرها بعلاقتها مع ناتالي.

و على ذكرها، هي لا تطيق صبرا حتّى تريها الهديّة الّتي اشترتها لأجلها، و الطّعام الّذي اشترته كذلك في طريقها في حال شعرتا برغبة في تناول وجبة منتصف اللّيل.

اتّسعت ابتسامة إيلينور بمجرّد التّفكير في ذلك، و وجدت نفسها تلتفت على الفور و تتقدّم من باب المنزل.

أخرجت المفتاح من حقيبة يدها و أدخلته في مكانه المخصّص تديره و تفتح الباب مباشرة.

الأضواء منارة، ما يعني أنّ ناتالي لا تزال مستيقظة؛ هذا جيّد جدّا.

أغلقت الباب خلفها باستخدام المفتاح مجدّدا و علّقته على علّاقة المفاتيح قربه، قبل أن تخلع حذاءها بينما صدح صوتها المرتفع في أرجاء المنزل:

«ناتالي، لقد عدت!»

تقدّمت بخطوات هادئة إلى الدّاخل تجول ببصرها في الأرجاء، و لا صوت يدلّ على وجودها هنا.

أيعقل أنّها تستحمّ؟ أو نامت من دون أن تطفئ المصابيح؟

تفقّدت إيلينور المطبخ، ثمّ غرفة المعيشة في الطّابق السّفليّ، و لم تكن هناك.

وجدت نفسها تقود خطواتها إلى أعلى السّلالم تصعدها بقلق قبل أن تتّجه إلى غرفة ناتالي مباشرة.

و قد كان الباب نصف مفتوح بالفعل..

دفعت إيلينور الباب و سارت إلى الدّاخل منادية:

«ناتالي، هل أنتِ‌ــ»

توقّفت فجأة متصنّمة مكانها حالما لمحت شقيقتها تجلس على أرضيّة غرفتها في ثياب نومها، تضمّ ساقيها إلى صدرها و تسند رأسها على ركبتيها تلفّ ذراعيها حوله بينما تئنّ بألم.

«ناتالي!»

صاحت بهلع يينما تندفع ناحيتها جاثية على ركبتيها بينما تطالعها بخوف.

«ما الأمر؟ ما الّذي جرى لكِ؟!»

تساءلت بصوت مرتعش تلاحظ انكماش جسد شقيقتها بقوّة أكبر بينما تنطق بصعوبة:

«صداع حادّ..»

اتّسعت أعين إيلينور بدهشة و وجدت نفسها تقف من مكانها بسرعة راكضة إلى أدراج الخزانة حيث اعتادت ناتالي على وضع أدويتها فيها.

فتحتها الواحد تلوَ الآخر تبحث بينها بسرعة، و لكنّها لم تجد سوى علبة فارغة لمسكّن الآلام.

لقد نفذ، سحقا..

عليها الذّهاب للصّيدليّة الآن من أجل شراء علبة أخرى، و لكن في نفس الوقت لا يمكنها المغادرة و ناتالي على هذه الحال.

عليها أن تتأكّد من سلامتها قبل أن تغادر..

عادت إيلينور للجلوس أمام ناتالي تضع كفّ يدها على ذراع الأخرى الملتفّة حول رأسها و تمسح عليها برفق قائلة:

«ناتالي، سأخرج لإحضار الدّواء لكِ، و لكن عليك أن تنهضي من على الأرض و تستلقي على سريرك لعلّ حدّة الألم تخفّ...لا يمكنني تركك هنا هكذا»

أصدرت شقيقتها أنينا خافتا قبل أن تفكّ عقدة ذراعيها ببطء شديد تحاول رفع رأسها بصعوبة، لتلتقي نظراتها بخاصّة إيلينور الّتي اتّسعت عسليّتاها بتفاجئ.

و سحقا! عيناها محمرّتان...لا بدّ و أنّ الصّداع وصل لهما كذلك.

استقامت بسرعة تتقدّم ناحية الزّرّ على الجدار تضغط عليه مطفئة مصابيح الغرفة، بحيث مصدر الضّوء الوحيد كان مصباح الممرّ.

عادت إلى ناتالي تمسك بذراعها بقوّة تسحبها مرغمة إيّاها على الوقوف، قبل أن تلفّ ذراعها تلك حول عنقها تجعلها تستند عليها بينما تقودها إلى سريرها القريب.

دفعتها ببطء تجلسها برفق قبل أن ترفع ساقيها تضعهما على السّرير كذلك تساعدها على الاستلقاء.

لم تقوَ الأخرى على الحركة و ظلّت تراقب بصعوبة شقيقتها و هي تحمل غطاءها و تلقيه على جسدها، ثمّ تتقدّم ناحية رأسها ترفعه برفق و تعدّل من وضع وسادتها قبل أن تنزله مجدّدا.

هي تشعر براحة أكبر ممّا كانت عليه حينما جلست على الأرض، لكن لم تكن لها القوّة لتستلقي لولا مساعدة إيلينور.

نفضت هذه الأخيرة يديها تحدّق بناتالي الّتي أغمضت عينيها، و قد خفّ قلقها حالما لاحظت أنّها بدت بحال أفضل قليلا.

انحنت لمستواها تمرّر يدها على شعر شقيقتها بخفّة قبل أن تنطق بهدوء:

«هكذا أفضل، الآن سأخرج بسرعة و أعود لكِ بمسكّن آلام...لا تتحرّكي ناتالي»

وصلتها قهقهات متقطّعة من الأخرى الّتي وضعت يدها على خاصّتها و أجابت مبتسمة بخفوت:

«يليق بكِ دور الأخت الكبرى لينو»

ربّتت إيلينور على يدها ضاحكة بخفّة، ثمّ انسحبت بسرعة تغادر الغرفة و تنزل السّلالم تعيد انتعال حذائها، قبل أن تغادر المنزل كلّيّا.

.

.

༺༺༺༺༻༻༻༻

.

.

«

شكرا على عملك الجادّ لليوم رايدر»

نطق ذلك الرّجل الخمسينيّ و هو يقترب من المعنيّ يقف أمامه مباشرة بعدما لاحظ شروده و ينحني إلى الأمام يستند بذراعيه على سطح مكتب الدّفع.

رفع الآخر رأسه يحدّق به فورا قبل أن ينقل بصره إلى هاتفه الّذي أخرجه للتّوّ من جيبه ليجدها قد وصلت السّاعة العاشرة بالفعل.

حسنا، إيلينور و من معها قد غادروا منذ وقت طويل، لذا من المنطقيّ أن يكون الوقت متأخّرا الآن.

لم ينتبه حقّا..

أومأ بخفّة للسّيّد ديلان يرسم ابتسامة خافتة على شفاهه مستقيما في وقفته، ثمّ أردف بهدوء:

«لا مشكلة، سأغادر الآن إذا»

«أراك غدا يا فتى»

و بذلك، التفت رايدر مباشرة قاصدا غرفة تبديل الثّياب، ليعيد ارتداء ملابسه العاديّة و يدسّ هاتفه في جيب بنطاله قبل أن يغادر المطعم بأكمله.

لقد تسنّى له الوقت للعودة للشّقّة قبل بدء مناوبته، لذا حقيبة ظهره ليست معه الآن.

العاشرة، ما يعني أنّ سباقات هذه اللّيلة قد بدأت بالفعل قبل قرابة السّاعة.

هو متأخّر، و لكن لحسن حظّه أنّه قد سجّل اسمه في سباقات ذلك المضمار بشكل دائم.

لم يخبر أحدا عن عمله، سيعتقدون أنّ أمرا ما قد حدث من دون شكّ.

وجد رايدر نفسه يدخل يده في الجيب الآخر لبنطاله يخرج منه مفتاحا بينما يتقدّم من تلك السّيّارة الحمراء المركونة على مسافة بعيدة قليلا عن المطعم.

لا يريد جذب كثير من الانتباه، لأنّ ذلك لن يكون في صالحه قطعا.

فتح الباب و جلس في مقعد السّائق يشغّل المحرّك و يضغط على دوّاسة الوقود يقود سيّارته قاصدا وجهته المفضّلة.

مضمار السّباق..

استمرّ رايدر في القيادة مركّزا بصره على الطّريق أمامه، بينما يجعله هدوء اللّيل و سكون هذه الشّوارع تحديدا ينغمس في التّفكير محاولا ألّا يتشتّت كثيرا.

هو حقّا يشعر بالرّضا لأنّه وجد عملا جزئيّا، و قطعا سيخبر رافاييل بأنّ الأمر أعجبه حتّى يطمئنه قليلا.

رافي يقلق عليه أحيانا و كأنّه طفل في العاشرة، و ليس شابّا في الواحد و العشرين من عمره.

و بالمناسبة، بعيدا عن هذا الموضوع...ليت الأشقر كان في المطعم ليستطيع إغاظته.

يظنّه معجبا بها إذا؟ لماذا لا أحد يريد أن يفهم بأنّ الإعجاب بشخص و الإعجاب بموهبة شخص ليسا نفس الشّيء؟

كلّهم حمقى، و سطحيّيون جدّا..

كانت بضع دقائق أخرى حتّى وصل رايدر المكان المطلوب.

مضمار السّباق..

ركن سيّارته حالما اقترب من المشاهدين، ثمّ ترجّل منها بسرعة مغلقا الباب خلفه.

تقدّم بخطوات هادئة إلى حيث كان يقف الآخرون، و شقّ طريقه بينهم يحاول إيجاد مكان مناسب للمشاهدة.

لقد كان هناك شخصان يتسابقان الآن بالفعل.

دسّ رايدر يديه في جيوب بنطاله يتبع السّيّارتين بعينيه، ثمّ وجد نفسه ينسحب ببطء مبتعدا عن المكان.

عليه إيجاد آريس الآن..

سار في أرجاء المكان حيث بالكاد كان هناك أثر لأحد غيره، فقط ليجده مستندا بظهره على أحد السّيارات يمسك بهاتفه و يعبث به.

«آريس!»

صاح بصوت مرتفع بينما يلوّح بيده متقدّما من الآخر الّذي رفع رأسه فور أن جذب صوته انتباهه، يراه يبتسم مخفيا هاتفه في جيبه و يستقيم بجسده مقتربا هو الآخر من رايدر.

صافح كلاهما الآخر قبل أن يبتدئ آريس الحديث بحماس:

«رايدر، كيف حالك يا رجل؟ ظننتك لن تأتي اللّيلة»

رفع المعنيّ كتفيه بلا مبالاة بينما يجول ببصره حول المكان مجيبا:

«تعلم أنّه من النّادر أن أفوّت سباقا، الأمر فقط هو أنّني لن أستطيع الحضور قبل العاشرة من الآن فصاعدا ما عدا يوم الخميس»

«ماذا؟ لماذا؟»

تساءل و هو يعقد جاجبيه باستغراب ليردّ رايدر موضّحا:

«حصلت على وظيفة جزئيّة»

رفع آريس حاجبه بدهشة من التّصريح المفاجئ، و ما كاد ينطق حتّى منعه من ذلك صوت هتاف الجمهور المرتفع فور وصول السّيّارات لخطّ النّهاية.

«فاز كايل!»

اتّجهت أنظار الشّابّين ناحية المضمار يريان السّيّارتين متوقّفتين خلف خطّ النّهاية، يلمحان سائقيها يترجّلان منهما، و ملامحها لم تكن واضحة من هذه المسافة.

«لحظة، هل ذلك كايل الّذي كان يتسابق الآن؟ كايل روسو؟»

تساءل رايدر و هو يلتفت ناحية آريس مجدّدا مشيرا بإبهامه للخلف حيث وقف المتسابقان، تحديدا الفتى صاحب الخصلات الحمراء، جاعلا من الآخر يعيد أنظاره له و يهزّ رأسه قبولا:

«أجل، إنّه هو..لقد عاد من سويسرا قبل أيّام قليلة»

ارتفع طرف شفاهه في ابتسامة جانبيّة يتمتم قائلا:

«رائع، يمكنني منافسته اللّيلة إذا»

«تسعى لإلحاق الهزيمة به؟»

«و هل يجب عليّ قول ذلك؟»

تبادل الاثنان ضربة بالقبضة، و عاد كلاهما لمراقبة المتسابقين، يريان الحشود الّتي اجتمعت حولهما، و الّتي كان أغلبها سعيدين بفوز كايل.

سرعان ما لاحظ رايدر أعين الأصهب الّتي وقعت عليك فجأة، يراه يتقدّم مباشرة ناحيته تاركا الحشد خلفه.

بدا أنّ آريس قد لاحظ ذلك حينما ارتفع حاجبه و راح يمرّر بصره بين الشّابّين، بينما اقترب كايل أكثر.

«رايدر، منافسي الوحيد، ظننتك لن تأتي اليوم»

نبس بسخرية و هو يضع إحدى يديه على خصره، و يمرّر الثّانية على خصلاته الحمراء، ليجيبه رايدر بنفس نبرته:

«تأخّرتُ فقط، لذا لا تفرح كثيرا كايل»

لفّ الآخر عينيه بضجر ثمّ أردف بجدّيّة متجاهلا تعليقه:

«دعنا نتسابق تاليا...أنا و أنت فقط»

«تريد أن تنال الهزيمة؟ كايل روسو؟»

أصدر رايدر ضحكة في نهاية كلامه يضمّ ذراعيه لصدره، يجعل من المعنيّ يتكّ لسانه بسخرية مجيبا إيّاه:

«بل أريد أن أهديك إيّاها، رايدر ميرفي»

«ليكن إذا، لنرَ ما إذا كنت قد خسرت مهاراتك بعد رحلتك إلى سويسرا أم لا»

اكتفى الآخر بإطلاق ضحكة قبل أن يلتفت و يبتعد قائلا:

«قد سيّارتك لخطّ البداية حالا، سيبدأ سباقنا خلال خمس دقائق»

راقبه رايدر لبضع ثوانٍ و هو يختفي شيئا فشيئا، ثمّ التفت ناحية آريس الّذي كان يراقب بصمت و صرّح بجدّيّة:

«اللّيلة، سأحرص على تدمير اسم روسو»

«أثق بقدراتك يا رجل، ستكسر سجلّ تعادلكما من دون شكّ»

أجابه بثقة و هو يربّت على كتفه بقوّة، قبل أن يضيف رايدر و هو يسير مبتعدا كذلك:

«سأذهب إلى سيّارتي الآن»

عند خطّ البداية، كان صاحب الخصلات النّاريّة جالسا داخل سيّارته يتفقّد هاتفه من حين لآخر و يراقب الأجواء من حوله.

اللّيلة جميلة حقّا..

«مستعدّ لتخسر؟»

لفت انتباهه ذلك الصّوت المألوف، ليلقي ببصره خارج النّافذة يلمح ذا الخصلات السّوداء يستقرّ بسيّارته على يمينه و يطالعه بتحدٍّ.

«لأجعلك تخسر؟ نعم رايدر»

أجاب راسما ابتسامة واثقة على وجهه، جاعلا من الآخر يضحك بخفّة و يضيف:

«اللّيلة، لن تكون النّتيجة تعادلا، ثق بهذا»

«متشوّق للنّهاية»

سرعان ما شدّ انتباه الشّابّين وقوف ذلك الفتى الإفريقيّ ذي الضّفائر في منتصف خطّ البداية حاملا مسدّسه بيده، و جاعلا من الجمهور يبدأ الهتاف.

«مستعدّان؟»

صاح بصوت مرتفع جاعلا من الشّابّين يخرجان ذراعيهما من النّافذة كدليل على استعدادهما، ليبدأ العدّ التّنازليّ:

«ثلاثة! اثنان! واحد!»

علا هتاف المشاهدين أكثر قبل أن ينطق الشّابّ الأسود تزامنا مع رفعه للمسدّس و ضغطه على الزّناد:

«انطلاق!»

ارتفع صوت هدير المحرّكات حالما اندفعت السّيّارتان بسرعة، و كان ذلك كلّ ما كان يسمعه المتسابقان اللّذان هدف كلّ واحد منهما للحصول على شيء واحد فقط.

الفوز..

مع تقدّم المتسابقين، زاد الصّخب الّذي ملأ الأرجاء، و زادت سرعة السّيّارتين مخلّفة آثار عجلات و غبارا متطايرا خلفها.

«سأهزمك رايدر!»

صاح الأصهب حالما أصبحت سيّارته موازية لخاصّة الآخر، يسمعه يردّ بنفس النّبرة:

«في أحلامك كايل!»

زاد الاثنان من سرعتهما، و قد رفع صخب الأرجاء من مستوى تدفّق الأدرينالين داخل دمائهما، يجعلهما لا يريان شيئا عدا خطّ النّهاية.

خطّ النّهاية، و الفوز..

انقطع صوت هتاف الجمهور فجأة جاعلا من انتباه الشّابّين ينصبّ ناحيتهم، تبعه دويّ صفّارات إنذار محدثة ضجيجا أكبر في المكان، و كلّ ما كان مسموعا تاليا هو صوت خطوات الجميع الّذين ركضوا محاولين الهروب من المكان و إنقاذ أنفسهم بينما يصيح بعضهم منبّها البقيّة، و خصوصا المتسابقين:

«إنّها الشّرطة!»

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فوضى وسكينة

المؤلف _aerithra_
2025/10/31 مستمرة
قائمة الفصول (26)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة