فيلسوف متخفٍّ

فيلسوف متخفٍّ

20 0

____________________________________________

«سأقولها لمرّة أخيرة...رايدر، عدني أنّك لن تنطق بحرف واحد و لو كان دفاعا عن نفسك»

تحدّث رافاييل بجدّيّة و هو يتفقّد الأرجاء حوله محاولا ركن السّيّارة بشكل مناسب، و قد كان أوّل ما سمعه بعد هذا هو زفرة انزعاج صدرت عن ذاك الّذي علّق متذمّرا:

«لكنّ ذلك العجوز الهرم-»

«رايدر»

قاطعه فورا بعدما ركن السّيّارة موجّها له نظرات ذات مغزى، قبل أن يضيف و هو يهزّ رأسه بقلّة حيلة:

«للمرّة العاشرة بعد الألف، لا أطلب منك أن تصمت لأنّك مخطئ، بل حتّى ننهي الأمر بسرعة و لا يجد المدير شيئا آخر ليعلّق عليه»

«أيّا يكن..»

تمتم بلا مبالاة و هو يفتح الباب يترجّل من السّيّارة؛ ليفعل رافاييل المثل و يتفقّد مظهره بسرعة يتأكّد من أنّه لائق؛ خصوصا و أنّ لديه اجتماع عمل لاحقا.

«رافي، هل يمكنك تعبئة سيّارتي بالبنزين عندما تعود للمنزل؟ لقد نسيت فعل ذلك»

انتقلت أعين المعنيّ ناحية رايدر الّذي اقترب مجدّدا من السّيّارة ليأخذ حقيبة ظهره الّتي نسيها داخلها، ثمّ تساءل بريبة:

«سباق آخر؟»

«أجل، من المتوقّع أن يكون في أيّ يوم هذا الأسبوع»

«حسنا»

نبس بتفهّم قبل أن يقترب من شقيقه و يجذبه من ذراعه قائلا:

«هيّا لنقابل مدير جامعتك؛ أم أنّك تنوي البقاء هنا؟»

سار الشّقيقان عبر الحرم الجامعيّ متجاوزين حشود الطّلّاب المتوزّعة على المكان، و قد اتّجهت الكثير من الأنظار ناحيتهما متسائلين عن هويّة الشّخص ذي المظهر المرتّب الّذي يسير رفقة الفتى السّيّء.

دخل الاثنان المبنى و صعدا بضع سلالم باتّجاه مكتب الإدارة؛ و حالما وقفا أمام الباب منح رافاييل نظرة لشقيقه الّذي أومأ متفهّما، قبل أن يرفع يده و يطرق الباب بخفّة.

«تفضّل»

فتح رافي الباب فور سماعه لذلك الصّوت الحازم الآتي من خلف الباب، ليتقدّم بهدوء إلى الدّاخل يتبعه الآخر الّذي سار بلا مبالاة واضعا يديه داخل جيوب بنطاله الرّياضيّ.

«صباح الخير، حضرة المدير»

تحدّث برسميّة و هو يسحب الكرسيّ و يجلس مقابلا  مكتب الآخر الّذي أجاب و أغينه مثبّتة على رايدر الّذي وقف بعيدا قليلا يراقبهما:

«صباح الخير؛ السّيّد ميرفي، صحيح؟»

«أجل؛ لقد استدعيتني»

ابتسم المدير بخفوت ثمّ عادت ملامحه للجدّيّة حينما أردف بإحباط:

«حسنا؛ في البداية أتمنّى أن تدرك أنّني أتفهّم حقّا ظروف أخيك و البيئة الّتي كبر فيها...فهمتني، صحيح؟»

استرق رافاييل نظرة خاطفة إلى الخلف ليلمح رايدر يحدّق بالمدير بوجه متجهّم؛ يبدو أنّ سماعه لسيرة هذا الأمر على لسانه قد ضايقه قليلا.

«أجل، أنا أستمع»

أجاب و هو يعيد تصويب عينيه على الآخر عاقدا ذراعيه لصدره، ليواصل المدير حديثه:

«رغم كثرة المشاكل الّتي يسبّبها رايدر، إلّا أنّني أحاول التّساهل معه في بعض المرّات رغم قلّتها...فأحيانا لا يخرج من مكتبي سوى بتوبيخ، و ذلك بالنّسبة لشخص مثله لا شيء»

أسند مرفقيه على سطح مكتبه شابكا كفّيه ببعضهما، ثمّ واصل:

«لكنّ الشّجارات الّتي يخوضها قد أصبحت أكثر من المعتاد، و أعنف بكثير...يمكنك التّأكّد من ذلك بمجرّد النّظر لوجهه الآن»

أشار أثناء قوله ذلك لرايدر الّذي غيّر وضعيّته ليستند بجسده على الجدار بجانبه، و قد بدا أنّ الحديث الّذي يدور لم يرقه، لكنّه لم يقدر على فعل شيء.

لقد وعد رافي بالسّكوت، و سيفعل ذلك...على الأقلّ حتّى يخرج من هذا القفص المغلق.

«و استدعيتك اليوم بسبب آخر شجار له مع طالب سنة أولى...لقد أُدمي وجه كليهما، و ارتأيت أنّ الحديث معك قد يساعد على وضع حدّ لهذه الأفعال المتهوّرة»

«ماذا عن الفتى الآخر؟»

تساءل رافاييل رافعا حاجبه باستغراب، ليجيبه الآخر فورا:

«إن كنت تقصد أمر استدعاء الأولياء، فأنا لم أستدعِ والده لأنّها كانت أوّل مرّة يسبّب فيها مشاكل»

«ليس ذلك؛ أنت تتحدّث عن ما فعله رايدر، لذا أسألك عن الّذي فعله الفتى الآخر...ما أدراك إن كان قد استفزّه؟ لا أقول أنّ أخي على صواب، لكنّ الآخر مخطئ بقدره»

ساد صمت ثقيل الأرجاء بعد تلك الكلمات...و قد ارتسمت على شفتيّ رايدر ابتسامة نصر خبيثة لم يحاول إخفاءها عن أعين ذاك الّذي لم يجد ما يقوله لحظتها، و ظلّ يمعن التّفكير في ما سمعه ليجد جوابا لذلك:

«أدرك ذلك سيّد ميرفي، و لكنّ الفتى لم يتشاجر من قبل قطّ على عكس-»

لم يسمح له رافي بإنهاء جملته و قاطعه قائلا:

«أريد رؤيته»

«ماذا؟»

تساءل المدير باستغراب ليواصل رافاييل موضحا:

«أنت تتغاضى عن خطأ الآخر فقط لأنّه لم يسبب مشاكل قبلا...رغم انه طالب سنة اولى و بالطبع لن يكون مثل طالب أمضى ثلاث سنوات هنا... لو قارنته مع طالب سنة ثالثة مثله لاعتُبر ذلك مقياسا مناسبا؛ لذا أريد رؤية الفتى و الحديث إليه بنفسي»

كان الآخر على وشك النّطق لولا أنّ طرقا على الباب منعه من ذلك، ليصوّب انتباهه ناحيته و يصرّح من مكانه:

«تفضّل»

فُتح الباب بهدوء و سرعان ما استطاع الثّلاثة أن يلمحوا شابّا ما يدخل.

«الأشقر المبتذل»

تمتم رايدر بذلك بصوت خافت جاعلا من الآخر الّذي لم يلحظ وجوده يلتفت ناحيته و يراقبه باستغراب:

«أنت؟ ما الّذي تفعله هنا؟»

تساءل هيوغو بتلقائيّة و هو يزيح بصره ناحية مكتب المدير ليلمح رافاييل يجلس مقابلا المكتب و لكن رأسه كان موجّها ناحيته.

«نسيت تماما أنّ المدير استدعى والدك...رغم أنّه لا يبدو كبيرا حقّا»

أضاف و أعينه على رافي الّذي أمال برأسه إلى الجانب قليلا ينظر لرايدر، الّذي أومأ له بعد ثوان قليلة.

هذا يعني أنّ ذلك الأشقر هو الفتى المطلوب..

«أندريس، ما الّذي جاء بك إلى هنا؟»

قطع الجوّ المتوتّر صوت المدير الّذي لفت أنظار الثّلاثة، ليجيبه المعنيّ فورا:

«أرسلني السّيّد سميث لأجل إحضار بعض الأوراق»

«فهمت، افتح هذا الباب و ستجد خرانته الأخيرة على يسارك»

أشار بيده ناحية الباب الموجود في الجهة الأخرى، حيث أومأ له الآخر بتفهّم و تقدّم بهدوء ناحيته، قبل أن يتوقّف فجأة فور سماعه لذلك الصّوت:

«أندريس إذا؟ أنت الفتى الّذي سبّب المشاكل و أفلت بفعلته؟»

التفت هيوغو خلفه لتقع أعينه على رافاييل الّذي استقام من مكانه و سار مقتربا منه...و لم يتحرّك هو من مكانه و لو خطوة واحدة.

«هل والدك رجل ذو نفوذ؟ أم أنّك محظوظ فحسب؟»

كان ذلك المشهد مرضيا حقّا لرايدر، فقد كان يتمنّى بشدّة أن يشهد على موقف يكون فيه الأشقر بمظهر الشّخص الضّعيف.

و ها هو ذا؛ فرغم أنّه يدّعي الوقوف بشموخ و أعينه مصوّبة على عينيّ رافاييل، إلّا أنّه لم ينطق بحرف واحد.

«كما ظننت؛ مجرّد ضربة حظّ»

التفت بعدها مباشرة و عاد ليجلس على المقعد مجدّدا تحت نظرات المدير الّذي اكتفى بمراقبة ما يجري بصمت.

أمّا الآخر، فقد واصل السّير، و دخل الغرفة ليبحث عن الأوراق الّتي طلبها البروفيسور.

«حضرة المدير؛ أعدك أنّه لن يتكرّر فعل رايدر مرّة أخرى...و آمل كذلك ألّا تحدث تجاوزات لا داعي لها من طرف ذلك الصّبيّ»

حدّق الآخر به لثوان قبل أن يهمهم بتفهّم و يجيب بهدوء:

«سنعمل على ذلك سيّد ميرفي؛ و شكرا لقدومك رغم ضيق وقتك»

استقام رافاييل من مكانه بسرعة و منح المدير ابتسامة بسيطة و هو يمدّ يده للمصافحة:

«لا داعي للشّكر، من واجبي تفقّد أحوال أخي»

بادله الآخر المصافحة بينما يقف هو الآخر؛ لتكون تلك الإشارة ليلتفت رافي إلى الخلف و يسير متّجها نحو الباب:

«هيّا رايدر»

لم ينطق الآخر بحرف و راح يتبعه إلى خارج المكتب مغلقا الباب خلفه، و تاركا المدير يقف هناك بمفرده.

ليس حرفيّا، فسرعان ما خرج هيوغو من الغرفة المجاورة و هو يحمل بيديه بضع أوراق؛ جاذبا بذلك انتباه المدير الّذي لم  يكد يتحدّث حتّى سبقه الأشقر قائلا:

«هل ما سمعته صحيح؟ ذلك الرّجل هو شقيق ميرفي الأكبر؟»

رمش المدير للحظة ناقلا بصره ناحية المخرج بسرعة قبل أن يعيد تركيزه لهيوغو و يجيبه قائلا:

«أجل؛ و الآن يمكنك التّفضّل بالمغادرة إن كنت قد أخذت ما تحتاجه»

لم يعقب الأشقر على ذلك و سار ناحية الباب مغادرا المكتب هو الآخر.

و في النّاحية الأخرى، كان الشّقيقان قد افترقا لتوّهما، حيث خطا رافاييل بهدوء إلى خارج مبنى الجامعة.

لحسن الحظّ أنّ المدير لم يكن شخصا مزعجا و استطاع التّفاهم معه بسرعة.

و الآن بعد قيامه بأوّل عمل له لهذا الصّباح، يتعيّن عليه الاتّجاه نحو شركة نوفابيكسل لمقابلة مديرتها.

و بعد ذلك سيعود للمنزل لأجل الرّاحة قليلا و تعبئة سيّارة رايدر بالوقود قبل أن يتّجه لمكتبه من أجل مواصلة العمل.

مجرّد التّفكير بكلّ هذا مرهق؛ لكن ما باليد حيلة.

توقّف رافاييل عن السّير فجأة فور التقاط أذنيه لصوت رنين هاتفه.

عقد حاجبيه باستغراب بينما يمدّ يده لجيب بنطاله يأخذ منه الهاتف...من الّذي سيتّصل به في هذا الوقت؟

ظلّ يحدّق بالشّاشة المضاءة لثوانٍ يمعن النّظر في الرّقم الغريب الظّاهر عليها...ثمّ ضغط زرّ الإجابة و رفع الهاتف لمستوى أذنه منتظرا صوتا من الطّرف الآخر.

«صباح الخير، سيّد ميرفي؟»

ضيّق عينيه بحيرة عند سماعه لذاك الصّوت الأنثويّ، و سرعان ما أجاب بنبرة رسميّة مماثلة لخاصّتها:

«صباح الخير؛ كيف يمكنني مساعدتك؟»

«معك الآنسة روزالين هاريسون؛ مديرة شكرة نوفابيكسل للألعاب»

ارتسمت تقطيبة خفيفة على جبينه و هو يفكّر في ما قد تتّصل لأجله الآن بينما هو في طريقه إليها...فقط ليسمعها تضيف مباشرة:

«أودّ الاعتذار منك، و لكن وقع ظرف طارئ في الشّركة و سيتعذّر عليّ لقاؤك اليوم...هل تمانع أن يتمّ تأجيل لقاء العمل إلى ما بعد يومين؟»

صمت رافاييل للحظة يفكّر في ما يجدر به قوله...من النّاحية الإيجابيّة، ستخفّ عليه أعمال اليوم.

«حسنا، لا بأس آنسة هاريسون، سنؤجّل اللّقاء إلى ما بعد يومين إذا»

«أشكرك على التّفهّم، أراك قريبا»

«إلى اللّقاء»

أغلق بعدها الخطّ مباشرة و دسّ الهاتف معيدا إيّاه لجيب بنطال؛ ثمّ تنهّد بعمق و كأنّ عبئا قد تمّ إزالته عن كاهله قبل أن يستأنف السّير باتّجاه سيّارته قاصدا المنزل.

.

.

༺༺༺༺༻༻༻༻

.

عبر ذلك الرّواق الفارغ، و حيث لم يكن هناك أثر لأحد غير فتى الفوضى؛ سار رايدر بتأنٍّ و كأنّ الوقت يخضع لأوامره.

مزاجه معدّل اليوم بعد لقاء رافاييل بالمدير...فقد تمّ حلّ مشكلته من دون أن يتضرّر و لو بعتاب واحد من أخيه.

كم من الرّائع أن يتصرّف بحرّيّة، و في المقابل يجد من يخرجه من المآزق بدل أن يوبّخه في كلّ مرّة.

معادلة رابحة..

توقّف رايدر فور وصوله أمام باب الفصل؛ و استرق نظرة خاطفة إلى الدّاخل ليتأكّد من عدم وجود أيّ مزعجين في الدّاخل.

لديهم وقت فراغ الآن، لذا من المفترض ألّا يجد أحدا..

و كما توقّع، فالصّفّ خالٍ تماما، لحسن الحظّ.

تقدّم بهدوء يخطو للدّاخل، لكنّه توقّف فجأة فور أن لمح ظلّ شخص يجلس في المقاعد الأخيرة.

«هذه مجدّدا؟»

همس متسائلا و هو يرى ذات الأعين العسليّة تجلس منعزلة عن العالم، تحمل بيدها قلم حبر و تخطّ على دفتر ما..

ما الّذي تفعله هنا في هذا الوقت؟ أهي تدرس؟

ظلّ يقف مكانه للحظات قليلة قبل أن يقرّر التّقدّم ببطء و هدوء من دون أن يصدر صوتا يلفت انتباهها..

اقترب شيئا فشيئا إلى أن أصبح يقف خلفها تماما، و أطلّ برأسه يحاول رؤية ما هي بصدد القيام به.

ما هذا؟ هل هي تعمل على مقال فلسفيّ؟

جذب انتباهه أكثر توقّفها عن الكتابة؛ حيث بدأت تضرب بقلمها سطح الطّاولة بإيقاع متناسق..

راقب حركتها تلك للحظات، قبل أن يدرك بأنّها لا تملك فكرة للمواصلة.

هزّ رأسه بقلّة حيلة يكبح ضحكاته حتّى لا ينفضح أمره و هو يراها تشدّ على خصلات شعرها و تلطم رأسها بخفّة.

هل تظنّ أنّها بهذه الحركة ستقوم باستدعاء الأفكار؟

منظرها يبدو مضحكا جدّا في هذه اللّحظة..

سرعان ما أدرك رايدر أنّه قد أطال الوقوف هنا أكثر من اللّازم...لدرجة إن رآه أحد، فسيجزم أنّه مهووس بها.

و ذلك ليس شيئا يريده...على الأقلّ إن انتشرت شائعات عنه، فيريد أن تكون صحيحة.

وجد نفسه يتراجع بضع خطوات للخلف عائدا إلى مخرج القاعة...حيث أخذ نفسا عميقا قبل أن يسير مجدّدا إلى الدّاخل بخطوات مسموعة جعلت إيلينور تقفز مكانها بفزع قبل أن تلتفت خلفها تراقبه و هو يتقدّم بلا مبالاة ناحية مقعده، ليلقي بحقيبة ظهره على سطح منضدته.

من دون أن ينظر إليها حتّى..

لا بدّ و أنّه لم يلحظ وجودها فحسب، لأنّه لو فعل، لكان قد عاد أدراجه و بحث عن مكان آخر ليجلس فيه بمفرده.

لا يهمّ، هذا أفضل في كلّ الأحوال..

لم تدرك بأنّها قد كانت تراقب تحرّكاته بشرود، سوى عندما التفت فجأة لتقع أعينه عليها مباشرة.

لم تجد هي ما تفعله عدا الإشاحة ببصرها بعيدا و التّركيز مجدّدا في عملها..

«أنتِ هنا؟»

التقطت أذناها كلماته تلك، لكنّها لم تفكّر في رفع رأسها حتّى بعدما طرقت ذهنها بضع تساؤلات.

لقد تغيّب عن الحصص صباحا؛ و لكنّه هنا الآن...هل الأمر متعلّق بشجار يوم أمس؟ المدير ليس شخصا يغضّ الطّرف عن كلّ ما يجري..لذا هذا احتمال مؤكّد.

«ما الّذي تفعلينه هنا بمفردك؟ هل أنتِ دودة كتب تحبّ الدّراسة؟»

استمعت لتساؤله ذاك و قد كان صوته أقرب قليلا، لكنّها مرّة أخرى لم تجب على ذلك..

لماذا يتحدّث معها من الأساس؟ هل للأمر علاقة بالوعد المتهوّر الّذي منحته إيّاه؟ أسيطلب منها إعادة رسمه مرّة أخرى حقّا؟

«مقال فلسفيّ؟ لماذا تقومين بهذا الآن؟»

انتفضت بفزع حينما صاح بهذا قرب أذنها، ما جعلها ترفع رأسها و أخيرا ناحيته، لتجده يقف بجانبها و ينحني لمستواها يوجّه أنظاره نحو دفتر ملاحظاتها.

حسنا..هو مندفع أحيانا، و لكنّ هذا لم يكن متوقّعا بتاتا..

لماذا لا يتجاهل وجودها فحسب و يريح كليهما؟

تنهّدت إيلينور بعمق و هي تحرّك رأسها بقلّة حيلة، قبل أن ترفع الدّفتر في وجهه قائلة:

«هذا واجب مادّة الفلسفة، أنا أقوم بكتابته الآن»

عقد الآخر حاجبيه باستغراب ثمّ ألقى بأوّل تساؤل خطر بذهنه:

«لدينا واجب؟»

صفعت إيلينور جبينها بخفّة رغم أنّ ذلك كان أكثر تصرّف طبيعيّ بالنّسبة لشخص مثله، ثمّ عادت لتحدّق بالورقة قائلة:

«دعني أنهي عملي رجاءّ»

«تبدين عاجزة عن إنهائه..لقد توقّفت عند تلك الكلمة قبل خمس دقائق كاملة كأقلّ تقدير»

رفعت رأسها مجدّدا بسرعة نحوه تحدّق به بدهشة قبل أن تنطق بشكّ:

«من أين لك أن تعرف؟»

أزاح رايدر بصره بعيدا عنها و تقدّم ناحية المقعد بجانبها ليسحبه بعشوائيّة و يجلس بعدم اكتراث.

«لا يهمّ...عمَّ يتحدّث المقال؟ سأساعدك على الانتهاء منه حتّى تغادري بسرعة و تدعيني أجلس هنا بمفردي»

لفّت إيلينور عينيها بضجر قبل أن تجرّ مقعدها أبعد قليلا قائلة:

«تساعدني؟»

تساءلت بسخرية و هي ترفع أحد حاجبيها...ليس استنقاصا منه، و لكنّ الحقّ يقال..

رايدر هو النّوع الّذي تراه عادة يحتاج للمساعدة في أمور الدّراسة، فكيف يساعدها هو؟

سرعان ما تنهّدت بخفّة قبل أن ترسم على شفتيها ابتسامة مستقيمة قائلة:

«حتّى لو انتهيت فلن أغادر، لذا من الأفضل أن تبحث عن مكان آخر»

«سأساعدك، و بعدها ستغادرين...أنا لست أسألك»

تبادل الاثنان نظرات تهديديّة لبضع ثوانٍ قبل أن تزفر إيلينور بضجر و تجيبه مشيحة بأعينها بعيدا:

«لو كنت قادرا على المساعدة، لساعدت نفسك أوّلا و كتبت الواجب»

مطّ رايدر شفتيه باستنكار و أردف مبعدا التّهمات عنه:

«منذ متى و أنا أنجز الواجبات؟ لا أحبّ فعل ذلك؛ لكنّ هذا لا يعني بأنّني غير قادر على ذلك، لذا لا تستهيني بي و تضعي حدودا لقدراتي»

مدّ يده بسرعة قبل أن يتسنّى لها الرّدّ و سحب كلّا من الدّفتر و القلم ناحيته يحدّق بما كتبته بتمعّن.

«سأعلّمك ألّا تظّنّي نفسك أكثر مقدرة منّي يا هذه...كلّ ما تقومين به يمكنني فعله رغم الاختلاف المحتمل في الكفاءة، ما عدا الرّسم، لأنّني لن أكذب و أقول أنّي أستطيع القيام به»

دقّ قلبها بفزع فور ذكره لأمر الرّسم؛ لسبب ما، لا يزال هذا الموضوع يبثّ الرّعب داخل قلبها.

«ما الأمر؟»

تساءل رافعا حاجبه و هو يحدّق بها؛ لتلفّ عينيها مدّعية عدم الاكتراث قائلة:

«لا شيء، هلّا تغادر»

أصدر ضحكة ساخرة و أجابها معيدا عينيه صوب الدّفتر و هو يبدأ الخطّ عليه بقلم الحبر:

«لستِ من تخبرينني ما الّذي أفعله»

رغم انزعاجها من ردوده الوقحة الّتي يلقيها من دون مبالاة، إلّا أنّ إيلينور وجدت نفسها تراقب ما يقوم به بفضول.

هل هو جادّ حقّا؟ لا يبدو بأنّه يفقه شيئا في مادّة الفلسفة للدّرجة الّتي تمكّنه من المساعدة في إنهاء المقال.

ظلّت تفكّر بذلك بعمق لدرجة لم تلحظ أنّ عشر دقائق كاملة قد مرّت سوى عندما سمعت صوت ارتطام القلم بالسّطح الخشبيّ، تلاه صوت فتى الفوضى الّذي راح يمدّد ذراعيه بكسل:

«و أخيرا انتهيت!»

استقام بعدها مباشرة من مكانه تاركا الأخرى وسط ذهولها تراقبه و هو يتقدّم ناحية مقعده و يأخذ حقيبة ظهره يلقيها بإهمال على كتفه؛ بينما راحت هي تأخذ الدّفتر و تقرأ ما قام بتدوينه.

«أنت!»

نطقت منادية إيّاه و هي تلتفت ناحية المخرج حيث كان على وشك المغادرة، لتضيف مباشرة فور أن وجّه عينيه ناحيتها:

«سأعترف، هذا كان جيّدا على غير المتوقّع؛ هل أنت فيلسوف متخفٍّ أم ماذا؟»

رفع حاجبيه بدهشة من كلامها؛ و خصوصا نعتها له ب"الفيلسوف المتخفّي".

ما الّذي تعنيه هذه الفتاة؟ هل يأخذ ذلك كإطراء و يتجاهل الموضوع؟

«جيّد إذا»

التفت مجدّدا ينوي الخروج، إلّا أنّ صوتها استوقفه مجدّدا:

«إلى أين؟ ألم تكن تريد أن أخرج أنا؟»

رفع كتفيه بلا مبالاة و أردف بهدوء قبل أن يغادر كلّيّا:

«لم أعد أشعر برغبة في البقاء هنا و حسب»

سرعان ما اختفى عن مرمى بصرها تاركا إيّاها وسط ذهولها.

ذهول من تناقضاته و تصرّفاته الغريبة، و الأهمّ من ذلك، هذا الواجب الّذي انتهى منه في عشر دقائق.

و قد كان مبهرا حقّا لدرجة أنّ أيّ أحد سيتّهمها بالكذب إن أخبرته بأنّ رايدر من كتبه.

من الغريب أنّه و بعد ما يزيد عن السّنتين أمضتها متخفّية عنه لكي لا يلحظها، فجأة أصبح يساعدها في حلّ واجباتها.

و أصبحت تكتشف جوانب منه لم تلحظها قبلا..

هالة الفتى السّيّء خاصّته لم تضعف بعد الصّدف الكثيرة الّتي جمعتهما، و لكنّها قد بدت لها مختلفة قليلا.

ليس بالشّكل الّذي يلغي أو يعزّز فيه هذه الصّفة؛ و لكنّه لا يزال اختلافا.

و كأنّها ترى في فتى الفوضى السّيّء ما لم تبصره أعينها من قبل..

و هذا جميل حقّا..

جميل لدرجة تجعلها ترغب برسمه حالا..

.

.

༺༺༺༺༻༻༻༻

.

.

في السّيّارة، كانت إيلينور تجلس في المقعد المجاور لشقيقتها تراقب الطّريق بشرود.

لا تزال غير قادرة على فهم التّقلّبات الغريبة الّتي تحدث لها..

لماذا يختفي كلّ شعور سيّء عندما تواجهه وجها لوجه، بينما تعاني من إحساسها بانعدام الأمان حينما تكون في مكان هادئ بعيدا عنه..

و كأنّها حينها فقط تستولي عليها تلك الأفكار المزعجة حول حقيقة أنّه أصبح يعلم قليلا عنها...و تجعلها تخشى أن يكتشف المزيد

كيف لا تحسّ بانعدام الأمان و هو على الأرجح قد أخذ فكرة خاطئة عنها؟

ماذا لو اكتشف أنّها كانت ترسمه منذ سنتين؟ لن يرى الأمر حينها كما يفعل الآن، بل و قد يحاول تجنّبها حتّى لا تتسنّى لها فرصة رسمه مجدّدا

«إيلينور هارفي، ما الّذي تفكّرين به؟»

انتشلها من دوّامة تفكيرها صوت ناتالي ذاك، لتلفت ناحيتها بهدوء قائلة:

«لا شيء»

«لا شيء؟»

«أجل، لا شيء»

هزّت ناتالي رأسها بقلّة حيلة من عناد إيلينور، و قرّرت لعب ورقتها الرّابحة:

«للأسف، يبدو أنّ أختي الصّغيرة لا تشعر برغبة في تناول العشاء خارجا اليوم بما أنّها تخفي عنّي ما يزعجها»

هل قالت عشاء خارجا؟ حسنا...ناتالي تعلم حقّا كيف تغيّر رأيها بكلّ سهولة.

«أخفي؟ لا، هذا كذب...كنت أنوي الحديث عندما نصل للمنزل فقط»

ضحكت ناتالي بخفّة ثم أجابت بنبرة لعوبة:

«و لماذا لا تخبرينني الآن؟»

«الآن؟ لا مشكلة في ذلك»

نطقت إيلينور و هي تعتدل في جلستها، لتردّ ناتالي بجدّيّة هذه المرّة:

«أنا أسمعك؛ و إيّاك أن تخفي عنّي شيئا»

غاصت الأخرى بين أفكارها للحظات قليلة تحاول إيجاد نقطة ما لتبدأ منها؛ فالأمر يبدو معقّدا جدّا لتشرحه.

كانت بضع ثوانٍ قبل أن تزيح أغينها ناحية الطّريق مجدّدا و تردف ببعض من التّردّد:

«في الواقع، الأمر متعلّق برايدر...تعلمين أنّني أرسمه، صحيح؟»

«أجل، و ما المشكلة في ذلك؟»

«المشكلة هي أنّه قد اكتشف ذلك...لم يقله مباشرة، و لكنّ هذا واضح»

«كيف؟ ما الّذي جعلك تجزمين بذلك؟»

«أصبح يظهر أمامي بشكل مباشر كثيرا، رغم فظاظته في الحديث...و هذا غير مريح لأنّه يحدث فجأة بعد أكثر من سنتين»

زفرت بضيق قبل أن تضيف بهدوء:

«و قد طلب مني رسمه مؤخرا بشكل مباشر»

سرعان ما قفزت إيلينور بفزع و هي تسمع صوت سعال ناتالي الّتي ركنت السّيّارة جانبا بسرعة.

«ماذا؟ و لم تخبريني بذلك؟»

رمشت الأخرى بسرعة تستوعب ما قالته، ثمّ أجابت مستغربة:

«أسفة، كنت مشوّشة قليلا و لم أفكّر بذلك»

«لا بأس...و الآن أخبريني عن ذلك»

أردفت و هي تبتسم بمكر جاعلة من إيلينور تتنهّد بقلّة حيلة قائلة:

«كنت منشغلة بالرّسم في أحد الصّفوف الفارغة وقت الغداء، و قد اقتحم المكان فجأة يسألني ما إذا كنت أرسم حقّا مثلما سمع؛ و بعدها طلب منّي رسمه، و روح الفنّانة داخلي لم تستطع الرّفض»

«لا بدّ و أنّه يحتفظ بها في مكان آمن، فحصوله على ذلك الرّسم هو فوز عظيم»

هزّت لينو رأسها نافية و أجابت موضّحة:

«لقد تمزّق بفعل فتى آخر»

«أحمق»

نبست ناتالي باشمئزاز و هي تعيد تشغيل السّيّارة، ثمّ أضافت متسائلة:

«و ماذا عن الّذي يقلقك؟ أذلك بسبب خوفك من حقيقة أنّ رايدر يعلم بأمرك؟ أتخشين خسارة اللّوحة الخاصّة بك؟»

«أجل»

«فهمت؛ إذا ليس لديّ ما أقوله أكثر من هذا...لا مشكلة إن علم بأنّك ترسمينه، و بأنّك بدأتِ بفعل ذلك قبل سنتين...أنت قويّة و ذلك لا يمكن أن يؤثّر بك»

أزاحت أعينها ناحيتها و أضافت:

«أعلم أنّك لم تريدي أن يكتشف الأمر، و لكن بما أنّه قد حدث، لا داعي لترهقي نفسك بالتّفكير به...و حتّى لو أتى مباشرة و أخبرك بأنّه قد رأى دفتر رسوماتك ورقة بورقة، فستقرّين بذلك و كأنّه أمر طبيعيّ تماما...لا تجعلي هذا نقطة ضعفك إيلينور»

كانت المعنيّة تحدّق داخل عينيّ ناتالي بشرود تمعن التّفكير بكلّ كلمة قد تفوّهت بها..

هي محقّة، رغم أنّ شيئا داخلها لا يزال يدفعها للقلق...و لكنّ أختها لم تقل سوى الحقيقة.

أفاقت من شرودها فور أن أعادت ناتالي عينيها للطّريق و هي تحاول كبح ابتسامتها.

«ما الأمر؟»

تساءلت إيلينور بحيرة، لتضحك الأخرى بخفّة و تجيبها قائلة:

«تبدين لطيفة و أنتِ تفكّرين»

رفعت المعنيّة حاجبيها بدهشة قبل أن يتحوّل كلّ ذلك لضحكات ملأت المكان.

«شكرا؛ و شكرا على النّصيحة كذلك...سآخذ بها»

«جميل»

جالت ناتالي ببصرها تراقب الأرجاء قبل أن تضيف مباشرة:

«ما رأيك أن نمرّ على مقهى ما قبل العودة للمنزل؟ كوب قهوة أو عصير سيحسّن مزاجك»

اتّسعت ابتسامة إيلينور و أجابتها بحماس:

«موافقة!»

يبدو أنّ إحداهنّ قد تخطّت ما كان يزعجها بسرعة فقط ببضع كلمات من أختها الكبرى..

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فوضى وسكينة

المؤلف _aerithra_
2025/10/31 مستمرة
قائمة الفصول (26)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة