____________________________________________
كان اسم "نوفابيكسل" يلمع عند واجهة تلك البناية الضّخمة، جاذبا أنظار كلّ من يمرّ بها، و مرغما البعض منهم على الوقوف للحظات و التّحديق بها قبل مواصلة طريقهم.
و قد لاحظت ذلك تلك الآنسة الّتي وقفت قرب نافذة مكتبها تراقب الشّارع، تحاول تصفية ذهنها قليلا قبل استئناف عملها.
هي تحبّ وظيفتها، لكنّ العمل كسكرتيرة هو أمر متعب حقّا و مستنزف للطّاقة.
زفرت ناتالي بإرهاق و هي تدعك جبينها بأصابعها، ثمّ التفتت مبتعدة عن النّافذة، لتعاود الجلوس على المقعد خلف مكتبها.
عليها مواصلة المعمل..
«هل يمكنني الدّخول»
لفت انتباهها فجأة ذلك الصّوت الأنثويّ المصاحب ببضع طرقات على الباب، جاعلا منها تبتسم بخفّة حالما تعرّفت على صاحبته.
«تفضّلي كورالين»
راقبت الباب و هو يفتح ببطء، لتظهر خلفه تلك الآنسة الصّهباء الّتي كانت تشعّ بالحيويّة و هي تقترب مبتسمة من ناتالي، بينما تحمل في يدها كوبا كرتونيّا.
«ناتالي، كيف العمل؟»
تحدّثت بحماس و هي تلقي بغمزة سريعة على تلك الّتي قهقهت بخفّة مجيبة إيّاها:
«مرهق، لكنّ كلّ شيء على ما يرام...اجلسي كورالين»
أشارت ناحية المقعد المقابل لها، لتسحبه المعنيّة محرّكة رأسها بامتنان، ثمّ وضعت الكوب على سطح المكتب تدفعه ناحية ناتالي قائلة:
«أحضرت بعض القهوة لصديقتي العزيزة، حتّى تساعدك على مقاومة التّعب قليلا»
بادلتها ناتالي بابتسامة ممتنّة بينما تأخذ الكوب، لتضيف كورالين بجدّية من دون أن تترك لها مجالا للتّعليق:
«أعلم بأنّك تتعبين كثيرا، و قد سمعت بالفعل أنّك لم تكوني على ما يرام في آخر اجتماع لكم، لذا حاولي أن تمنحي نفسك بعض الرّاحة»
رمشت ناتالي بهدوء تطالع الجالسة أمامها للحظات، قبل أن تهزّ رأسها بتفهّم و تردّ مبرّرة:
«سأحاول، رغم أنّي لن أستطيع على الأرجح...لدينا عمل كبير، خصوصا و أنّ عليّ جمع تفاصيل كلّ اجتماع لأجل إرسالها إلى السّيّد ميرفي»
توقّف الزّمن للحظة بعد قولها لذلك، ترى كيف اتّسعت ابتسامة كورالين، و أصبحت ملامحها أكثر إشراقا من ذي قبل...و لم يتسنّ لناتالي قول شيء إضافيّ حينما صاحت الصّهباء بحماس:
«على ذكره، كنت أودّ سؤالك و لكنّني نسيت!»
«سؤال؟ عن ماذا؟»
تساءلت باستغراب، لتضرب الأخرى يدها على سطح المكتب قائلة:
«عن المطوّر بكلّ تأكيد..كان اسمه رافاييل ميرفي، صحيح؟ الجميع يتحدّث عنه»
ارتفع حاجب ناتالي بدهشة تطالع كورالين بتمعّن بينما تطرق بأناملها على كوب القهوة بين يديها.
«ما الأمر المثير للاهتمام الّذي جعله يشتهر هنا هكذا؟»
تساءلت مجدّدا و هي تمعن التّفكير في تصريحها، و الطّريقة الّتي تحمّست و هي تتحدّث عنه.
هي تعلم أنّ كورالين مجنونة أحيانا، و هي تعذرها على تصرّفاتها الغريبة...و لكن أن يصبح ذلك الرّجل موضوع حديث الموظّفين؟ ذلك أمر لم تتوقّعه.
حقيقةً، اعتقدت أنّ الأحاديث ستتناقل لأسبوع على أكثر تقدير، نظرا لقرار المديرة المفاجئ، و لكنّ ما تسمعه الآن غريب.
لمحت كيف رفعت الأخرى كتفيها للأعلى بينما تتراجع بجسدها إلى الخلف قليلا مجيبة إيّاها:
«حقيقة أنّه صاحب فريق عمل ناشئ، شابّ عشرينيّ حصل على فرصة العمل مع شركتنا، و شخص ودود على غير ما توقّعه الجميع، إضافة إلى أنّ كلّ من رأوه اتّفقوا على أنّه وسيم للغاية»
«ماذا؟ هل انتهت مشاغلهم؟»
علّقت ناتالي مبدية استغرابها من الأمر، تجعل من الصّهباء تضحك بخفّة قبل أن تعاود الحديث محافظة على حماستها للموضوع:
«لدينا أوقات فراغ كما تعلمين، و بالمناسبة، لقد رأيته صدفة و هو يخرج لكنّي لم أدقّق في ملامحه، و مع ذلك أتّفق أنّ لديه هيئة جذّابة حتّى من دون رؤية وجهه»
«ما هذا الهراء؟ أنتِ خفيفة كالرّيشة كورالين...ليس أكثر من شابّ عاديّ، ما الدّاعي لكلّ هذه الجلبة؟»
رفعت المعنيّة حاجبيها بدهشة ترى الجالسة أمامها تعقد ذراعيها بجدّيّة، تجعلها تضرب بكفّيها على سطح المكتب و تصيح بغير تصديق:
«هل تتكلّمين بجدّيّة؟ أنتِ أكثر من تتواصل معه، و رأيته وجها لوجه أكثر من مرّة، ألم تري شيئا فيه؟ أم أنّك لم تنظري له حتّى؟»
«رأيت وجهه مرارا و تكرارا، و لكنّي لا أكترث لأمره و حسب..أنا هنا لآداء عملي، و ليس لإضاعة وقتي بمراقبة أشخاص عشوائيّين»
كلّ ما صدر من كورالين بعد ذلك كان زفرة يائسة مطوّلة، أتبعتها بقولها بينما تهزّ رأسها بقلّة حيلة:
«لا تبدين شيئا من ناحية الرّجال كعادتك..حتّى هو ليس استثناءً إذا»
ارتفع حاجب ناتالي بانعدام رضا على كلماتها، و تريّثت للحظة قبل أن تجيب بجدّيّة تامّة:
«و من يكون هو؟ بالطّبع لا استثناءات لديّ بخصوص هذا الموضوع..»
ضحكت كورالين بخفّة على ذلك بينما تطالع الجالسة أمامها بابتسامة متّسعة، لتستقيم من مكانها مباشرة و تجيب قائلة:
«أنتِ مشروع يائس صديقتي...كنت أريد البقاء أكثر و إقناعك بأنّ السّيّد ميرفي مختلف عن الّذين ترينهم عادة، و لكن لديّ عمل لأنجزه الآن»
همهمت المعنيّة بتفهّم، ثمّ رفعت كوب القهوة قي الهواء قائلة:
«لا يهمّ. شكرا على القهوة بالمناسبة»
«العفو، أراك لاحقا»
اكتفت ناتالي بالتّلويح بيدها بخفّة، ترى كورالين تخرج من باب المكتب مغلقة إيّاه خلفها، تاركة إيّاها في حالة استيعاب لتصريحاتها الغريبة المتتالية.
تلك الشّابّة ليست على ما يرام حتما...يا لها من خفيفة.
سرعان ما هزّت رأسها بخفّة تنفض كلّ تلك الأفكار عنه تحاول تجاهلها، ثمّ مدّت يدها تمسك بالفأرة و تقوم بتصويب تركيزها على حاسوبها المفتوح.
وقت العمل قد حان الآن..
راحت ناتالي تتفحّص الملفّات المخزّنة في حاسوبها واحدة بواحدة تقوم بتنظيم التّفاصيل الخاصّة باللّعبة حتّى لا تضيع، تحاول جاهدة ألّا تسمح لنفسها بالاستسلام للتّعب.
يمكنها النّوم فيما بعد، لكن الآن لا مجال للاستراحات غير الضّروريّة.
ضغطت على أحد الملفّات مجدّدا تشرع في قراءته، إلّا أنّها توقّفت فجأة حالما التقطت أذناها الصّوت السّريع القادم من الحاسوب، تبعه ظهور إشعار في أعلى الشّاشة.
و قد كان تحت اسم "السّيّد ميرفي" كما دوّنته...ليس وقته المناسب إطلاقا، لديها بالفعل عمل كاف ليشغلها.
تنهّدت بخفّة تمدّ يدها ناحية زوج نظّارات القراءة الموضوع على حافّة المكتب، لتقوم بارتدائها و تشرع في الضّغط على إشعار البريد الإلكترونيّ من أجل قراءة محتواه.
لتتمنّى أن يكون الأمر أكثر أهمّيّة من المعتاد، فالوقت لم يكن مناسبا له على الإطلاق.
"مساء الخير، أردت أن أسأل عن موعد الاجتماع القادم"
كانت تلك العبارة الوحيدة الّتي أرسلها لها، و لسبب ما هذا رائع حقّا لدرجة تجعلها ترغب في الإجابة بسرعة حتّى تنتهي من هذا.
"لم يتمّ تحديده بعد، سيتمّ إعلامك حالما تقرّر الآنسة هاريسون ذلك"
كتبت ذلك بسرعة، تعاود قراءته مرارا و تكرارا...لابدّ و أنّ هذا يكفيه كإجابة.
ذاك كان سؤالا غير ضروريّ في كلّ الأحوال، فمن المفترض أنّه يعلم جيّدا بأنّها سترسل له أيّ خبر من المديرة من دون أن يسأل هو.
أهو مهووس بالعمل أو شيء من هذا القبيل؟ لم يمضِ الكثير على آخر اجتماع حتّى...غريب أطوار.
أطلقت ناتالي تنهيدة خفيفة بينما كانت على وشك الضّغط على زرّ الخروج، إلّا أنّ يدها توقّفت عن الحركة قبل أن تلامس لوحة المفاتيح ما أن ظهر إشعار آخر.
بهذه السّرعة؟ هل هذا الرّجل جالس خلف شاشته طيلة الوقت أم ماذا؟
رمشت بسرعة تحدّق بالإشعار قبل أن تشرع في قراءة محتواه آملة أن يكون شيئا مهمّا.
"حسنا إذا، أشكرك بشدّة"
قرأت ذلك بصوت خفيض؛ و نعم...لقد خاب ظنّها، و لم يكن في الرّسالة شيء يستحقّ القراءة.
لماذا يرسل رسائل لا فائدة منها إن لم يكن لديه ما يرسله بخصوص اللّعبة الآن؟
يشكرها بشدّة؟ هل هي تقوم بشيء أكثر من الّذي يفترض بها أن تفعله؟ قطعا لا...هذا هو عملها، و هي لا تقوم به بالمجّان.
"هذا عملي، سيّد ميرفي"
ضغطت على زرّ الإرسال تزامنا مع انطلاق صوت رنين هاتفها، لتحمله من على سطح المكتب و تلقي نظرة سريعة تجد اسم إيلينور يضيء الشّاشة.
ما الأمر يا ترى؟ يفترض أنّها في الجامعة الآن، فلماذا تتّصل؟
«لينو؟»
نطقت بنبرة متسائلة فور أن ضغطت زرّ الإجابة، قبل أن تشغّل مكبّر الصّوت و تضع الهاتف جانبا تستمع لصوت شقيقتها من الجهة الأخرى للسّمّاعة:
«ناتالي، أتمنّى أنّي لم أتّصل في وقت خاطئ»
«لا، أنا جالسة في مكتبي و حسب...هل حدث شيء ما؟»
«ليس كذلك، فقط تذكّرت أن أطلب منك شيئا بما أنّك ستعودين للمنزل أوّلا»
أزاحت المعنيّة بصرها ناحية شاشة الهاتف تطالعها للحظات قبل أن تهمهم قائلة:
«بكلّ سرور، ما الّذي تريدينه؟»
ساد الصّمت للحظة، و لوهلة فكّرت ناتالي في أنّ إيلينور قد تكون تفكّر في طريقة لصياغة ما ستقوله أو ما شابه، لذا اكتفت بالتزام الصّمت تنتظر ردّ أختها، و الّتي سرعان ما نطقت بتردّد:
«تذكرين السّترة الّتي أخبرتك أنّ رايدر ألقاها لي ذلك اليوم؟ قمت بغسلها و لكنّها لم تكن قد جفّت بعد هذا الصّباح...أريد منك أن تجفّفيها حينما تعودين للمنزل، من أجل أن أعيدها له غدا، فقد تأخّرت بالفعل»
لم تعقب ناتالي على ذلك، و اكتفت برفع حاجبيها باندهاش للحظات قليلة، قبل أن تصدر ضحكة خافتة تسلّلت لمسامع إيلينور الّتي سقطت ملامحها فور أن أدركت ما بدور ببال أختها.
إنّها متوهّمة حقّا..
«ناتالي، الأمر ليســـ»
توقّفت فجأة عن الحديث فور أن قاطعها صوت الأخرى الّتي اعترضت ضاحكة بصوت أعلى:
«لا يهمّ، سأقوم بذلك لذا لا تقلقي...ستجدينها جافّة تماما حينما تعودين في المساء»
«شكرا لكِ إذا، سأتركك لتعملي بهدوء الآن»
«لا مشكلة، أنتِ أختي...أراكِ فيما بعد»
أغلقت الخطّ بعدها مباشرة، تدفع الهاتف جانبا بينما تسمح لابتسامتها بأن تلوح على شفاهها فجأة.
من الممتع أحيانا إغاظة إيلينور بأمور تخصّ رايدر، فردّ فعلها مضحك جدّا، و لطيف كذلك.
هزّت ناتالي رأسها بخفّة تنفض كلّ ذلك عن ذهنها، لتعاود صبّ تركيزها على عملها.
و مجدّدا، ما أن وقعت عيناها على شاشة حاسوبها حتّى لاح اسمه أمامها، و أسفله ظهر ردّه على رسالتها.
"لا أرى مشكلة في شكرك على قيامك بعملك بشكل جيّد، فالكثيرون يتهاونون هذه الأيّام كما تعلمين"
كان بإمكانه قراءة ردّها من دون أن يعلّق على ذلك، لماذا لا يفعل ذلك فحسب؟ لو جمعت كلّ الوقت الّذي تستغرقه في قراءة رسائله الّتي لا داعي لها، خصوصا تلك الخاصّة بالشّكر، فستستطيع القيام بعمل إضافيّ خلاله حتما.
و ما شأنها من الأساس إن كان البعض يتهاونون؟ ما هذه المقارنة السّخيفة؟
زفرت ناتالي بقلّة حيلة و هي تمدّ يدها ناحية مقدّمة رأسها، تدعك جبينها بأصابعها محاولة تصفية ذهنها.
لا يبدو أنّها ستردّ على ذلك، فهو ليس مهمّا، و لا يخصّ العمل.
هل تغلق الحاسوب فقط؟ هذا الرّجل عنيد بشكل مزعج.
"هل أنتِ بخير؟"
كان ذلك أوّل ما وقعت عليه عيناها حالما ألقتهما على الشّاشة مجدّدا...و أجل، كان عليها أن تغلق الحاسوب قبلا.
حدّقت بتلك الكلمات لثوانٌ قليلة تفكّر فيما إذا كان عليها تجاهله، و لكنّها سرعان ما وجدت نفسها تضغط على لوحة المفاتيح و تكتب أكثر ردّ مختصر خطر على بالها.
"نعم"
عليها الاستعداد لما سيلي هذا، فقد باتت متيقّنة أنّه لن يكتفي بتلك الكلمة كجواب...رغم أنّها تتمنّى أن يفعل و يريح كليهما من هذا.
يمكنها تجاهل أيّ ردّ، و لكنّها ستجعل الأمر واضحا و مبالغا فيه لو طرح عليها سؤالا، خصوصا أنّه جديد و لا يعرف طبعها...لذا لا حيلة لديها في تلك الحالة غير الإجابة برسميّة.
تماما كهذه الرّسالة الآن..
"متأكّدة؟ كنتِ تبدين مريضة في الاجتماع"
قرأت تلك الكلمات و هي تلفّ عينيها بضجر، قبل أن تكتب بسرعة جوابها.
"أنا بخير سيّد ميرفي"
"هل ارتحتِ جيّدا لبقيّة ذلك اليوم بعد مغادرتك؟"
توقّفت أصابعها في تلك اللّحظة عن الحركة، و لم تجد نفسها سوى و هي تعض شفتها السّفلى تحاول كتم انزعاجها حالما تذكّرت أمر الاجتماع السّابق.
كانت قادرة على مواصلة اليوم، لماذا كان عليه أن يتدخّل و يحدّث المديرة؟ لو احتاجت عطلة كانت ستطلبها بنفسها.
قد يظنّ نفسه يحاول المساعدة و حسب، و هي تتفهّم ذلك، لكنّه لا يستمرّ سوى في جعل الوضع غير مريح بالنّسبة لها.
"كنت بخير، لم يكن عليك الإشارة لذلك...و الآن، إن لم تكن بحاجة شيء سأعود لإنجاز عملي"
"حسنا"
حدّقت بتلك الكلمة لبضع ثوانٍ تشكر في داخلها أنّه اكتفى بذلك، قبل أن تغلق حاسوبها المحمول و ترخي جذعها على ظهر الكرسيّ بضجر.
هي تستسلم، لن تعمل على الحاسوب اليوم..
لكن لماذا هو عنيد لهذه الدّرجة؟ يمكنها تفهّم أنّه قد يكون شخصا ودودا مع الجميع أو ما شابه، لكن عليه أن يفهم الوضع حينما يصدّه أحدهم.
لا تريد منه أن يتجاوز حدود الرّسميّة الّتي بينهما، فهي ليست أكثر من السّكرتيرة الّتي تنقل الأخبار بينه و بين المديرة.
ربّما تفكّر في قول ذلك بشكل مباشر له إن تمادى أكثر.
.
.
༺༺༺༺༻༻༻༻
.
.
فتحت إيلينور باب المنزل بهدوء تدخل مغلقة إيّاه خلفها، لتخلع حذاءها بسرعة و تضعه على الرّفّ، قبل أن تخطو إلى الدّاخل.
وجهتها الأولى هي أيّا كان مكان ناتالي، فعليها التّأكّد من أنّها بخير اليوم أيضا.
منذ أن هاجمها ذلك الصّداع الحادّ مؤخّرا و هي قلقة من أن يحدث مجدّدا بشكل مفاجئ...حتّى أنّها قد اشترت علبة مسكّن أخرى يوم أمس و أخفتها بعيدا عن أعين أختها، تحسّبا لأيّ وضع طارئ.
هي حتما لن تريد أن تخرج ليلا كالمرّة الماضية و تعرّض نفسها للخطر بسبب مجنون آخر.
ألقت إيلينور نظرة سريعة على غرفة المعيشة، لتجدها فارغة...ثمّ تقدّمت أكثر ناحية المطبخ تسترق نظرات إلى الدّاخل.
لابدّ و أن تكون هنا..
و كما توقّعت، فقد لمحت ناتالي و هي تصفع باب الثّلّاجة و تتقدّم من قاطع المطبخ حاملة بعض الخضر بيديها.
لا تقولوا أنّه حساء رجاءً..
أمالت إيلينور رأسها قليلا تراقب أختها لثوانٍ أخرى، قبل أن تتقدّم و أخيرا ببطء إلى الدّاخل تضرب بقدميها الأرض محاولة جذب انتباهها.
«لقد عدت!»
صاحت جاعلة من ناتالي تضع ما بيدها و تلتفت مباشرة تواجه إيلينور بجسدها مسندة ظهرها على قاطع المطبخ، لتجيبها ممازحة:
«لحسن الحظّ أنّنا لا نعيش في شقّة، و إلّا لكان قد تمّ طردنا منذ زمن...هل تحاولين إفاقة شخص ميت بتلك الخطوات؟»
منحتها الأخرى ابتسامة غير مبالية بينما تتقدّم و تجلس على أحد الكراسي و تردف مغيّرة الموضوع:
«ما عشاء اللّيلة؟»
«هل سيفرق إن أخبرتك؟ ستأكلينه في كلّ الأحوال»
«لن آكل الحساء ناتالي»
أكّدت على رأيها و هي تعبس بطريقة جعلت ناتالي تضحك بخفّة مستلطفة إيّاها، قبل أن تجيب و هي تحرّك يدها في الهواء نافية:
«ليس حساءً»
رفعت إيلينور حاجبها تلقائيّا مستفهمة، و سرعان ما تساءلت بفضول:
«ما هو إذا؟»
«لن أخبرك، سترين بنفسك حينما يجهز»
ابتسمت بجانبيّة في نهاية كلامها تعاود الالتفات بسرعة من أجل مواصلة عملها، حيث بدأت بغسل الخضار و هي تستمع للسّؤال الّذي ألقته شقيقتها فجأة:
«كيف حالك بالمناسبة؟ أعني الصّداع»
توقّفت يدا المعنيّة عن الحراك للحظة، قبل أن ترفع كتفيها بعدم اكتراث و تواصل ما تفعله قائلة:
«أنا بخير حقّا، حدث ذلك مرّة فقط لا غير، لذا ليس شيئا يدعو للقلق كما أظنّ»
«بل هو كذلك...أراهن أنّ ذلك حدث بسبب ضغط العمل، لماذا لا تأخذين استراحة؟»
وجدت ناتالي نفسها تهزّ رأسها بقلّة حيلة بينما تتنهّد مجيبة إيّاها:
«لا أملك ذلك الخيار، عليّ العمل...و حتّى إن أردت طلب إجازة قصيرة، فالوقت ليس مناسبا إطلاقا نظرا للعمل الّذي على عاتقي»
«هل هو شيء يمكنني إنجازه؟ أستطيع أن أخفّف عليك البعض من العمل إن كان كذلك»
«للأسف لا يمكنك، لكنّ عرضك لذلك وحده يكفيني»
أجابت ناتالي و هي تطالع أختها من فوق كتفها بابتسامة متّسعة، تراها تومئ بتفهّم قائلة:
«فهمت...و رغم ذلك، حاولي ألّا تحمّلي نفسك أكثر ممّا تستطيعين»
همهمت الأخرى قبولا، قبل أن تردف بإدراك حالما تذكّرت شيئا:
«بالمناسبة، لقد جفّفت السّترة»
اتّسعت ابتسامة إيلينور لذلك، قبل أن تصفع جبينها بخفّة مقهقهة:
«أحقّا؟ كدت أنسى أمرها...شكرا ناتالي»
«لا داعي للشّكر، التقطيها لاحقا من على سريرك و ضعيها قرب حقيبة ظهرك حتّى لا تنسيها»
أومأت الأخرى برأسها مبقية على ابتسامتها، و أجابت:
«سأفعل»
بادلتها ناتالي بابتسامة لطيفة، قبل أن تعاود الالتفات أمامها و تقطيع الخضار ملقية بتساؤلها:
«ماذا عنكِ؟ كيف مرّ يومك؟»
لوهلة، لم يصدر صوت من إيلينور الّتي أمعنت التّفكير في سؤال أختها، تتذكّر كلّ ما حدث مؤخّرا فجأة.
كانت الأمور غريبة و فوضويّة نوعا ما عند التّفكير بذلك...هيوغو، رايدر، و تعليقات لوسيا العشوائيّة الّتي تجعلها ترتبك أكثر خالقة جوّا من انعدام الأمان.
«كان جيّدا»
نبست بهدوء ملقية ببصرها من نافذة المطبخ، قبل أن تتابع:
«ناتالي، تعلمين أنّي لا أحبّ إخفاء شيء عنكِ، صحيح؟ أريد مشاركتك بعض الأمور الّتي حدثت معي»
أعادت نظرها ناحية ناتالي و أضافت:
«لم أفكّر في الحديث إلى لوسيا لأنّ كلّ ما ستقوله هو نفس الكلمات عن أنّهما معجبان بي...و هذا ما لا أريد تصديقه»
«لا مشكلة. واصلي، أنا أستمع لك»
أكّدت الأخرى بينما تستمرّ في ما تقوم به، لتنطق إيلينور بهدوء:
«دعيني أنتهي من قول كلّ ما لديّ، ثمّ يمكنك التّعليق على ذلك بعدها»
«لكِ ذلك»
زفرت إيلينور بضيق مرخية رأسها على سطح الطّاولة، قبل أن تسارع لسرد كلّ ما حدث مؤخّرا.
صداقة هيوغو المفاجئة و ظهوره في كلّ مكان، تصرّفات رايدر العشوائيّة و مزاجه المتقلّب، اللّيلة الّتي التقته حينما كانت في طريقها إلى الصّيدليّة، و حتّى إرغامه لها على الاعتراف بكلّ ما أراد معرفته بشأن الرّسومات.
و كلّ ذلك، جعل من أختها تتوقّف عن كلّ ما كانت تقوم به، و توجّه انتباهها ناحيتها.
«لحظة فقط، رايدر متسابق؟ لم أعلم بذلك، لماذا لم تخبريني قبلا؟»
نبست ناتالي بدهشة و هي ترمش بهدوء تطالع الأخرى الّتي اعتدلت في جلستها للتّوّ رافعة كتفيها بقلّة حيلة مجيبة إيّاها:
«لأنّي بدوري لم أكن أعلم، حتّى تلك اللّيلة»
«فهمت...إن سألتني، فأنا قد أوافق لوسيا و أشكّ بذلك الأشقر، و لكن بالنّسبة لرايدر، فيمكنني النّظر لتصرّفه كشيء عاديّ»
رفعت السّكّين بيدها و أشارت به ناحية إيلينور بينما تضيف موضّحة كلامها:
«تعلمين...اكتشف أنّك كنت ترسمينه منذ وقت طويل، و سبب ذلك أيضا، و لعلّه فضوليّ بشأن أشياء أخرى لا غير، من يعلم؟ لذا أنصحكِ أن تطمئنّي من ناحيته»
أخفضت الأخرى عينيها تحدّق بالطّاولة بشرود، لتجيب مهمهمة بخفوت:
«لا أعلم حقّا...أظنّك محقّة»
«لا تشغلي بالك بذلك، أتريدين أن أغيّر العشاء إلى حساء حتّى يتحسّن مزاجك؟»
سقطت ملامح أختها للحظة تطالعها بعبوس، قبل أن تنفجر كلاهما ضاحكتين فجأة، تسمحان لصوتيهما بأن يملأ فراغ المنزل.
«لا شكرا...بالمناسبة، تذكّرت شيئا...هل كنتِ تعلمين بأنّ المطوّر الّذي يعمل معكم هو شقيق رايدر الأكبر؟»
نطقت إيلينور و هي تمسح الدّموع القليلة الّتي سقطت من عينيها بسبب الضّحك، ترى كيف ارتفع حاجبا ناتالي معبّرة بذلك عن دهشتها.
«أهو كذلك؟»
تساءلت بتفاجئ جاعلة من إيلينور تهزّ رأسها قبولا مصرّحة بهدوء:
«أجل، علمت مؤخّرا من رايدر عن طريق الصّدفة...لم أتوقّع ذلك أنا أيضا»
كلّ ما صدر من ناتالي فورا كان إيماءة خفيفة عبّرت عن فهمها للأمر.
«هذا سبب تشابه الأسماء إذا..»
همست بإدراك و هي تلقي بنظرها بعيدا، قبل أن يعود تركيزها ناحية شقيقتها الّتي تساءلت فجأة:
«أشعر بالفضول...هلّا تخبرينني كيف بدا لك؟ هل هو مختلف عن رايدر؟»
أمالت الأخرى رأسها للجانب قليلا تحاول تذكّر بعض من اللّحظات الّتي لمحته فيها، و لوهلة ومضت في ذهنها صورة محادثة أمسية اليوم.
هو غريب نوعا ما، لكنّها قطعا لن تذكر ذلك هنا..
«هذا...في الواقع، هو يبدو شخصا ودودا و حسن التّعامل مع الجميع...و لكنـــ»
لم تتمكّن من إنهاء جملتها حينما قاطعها صوت الجالسة أمامها تحدّق بها بابتسامتها الماكرة:
«هل لي أن أخمّن؟ لقد تصرّف معك بودّ و أنتِ قمتِ بصدّه مباشرة، صحيح؟»
«تعلمين موقفي من الرّجال»
«لكنّه يعمل معكم، و الأمر طبيعيّ تماما»
«لينو، لن أخوض نفس النّقاش كلّ فترة»
صرّحت بنبرة جادّة، تجعل من المعنيّة تزفر بيأس بينما تسند رأسها على قبضتها متمتمة:
«أتوق حقّا لليوم الّذي يظهر فيه من يغيّر طبعك هذا»
لفّت الأخرى عينيها بملل و أجابت موجّهة ابتسامة بسيطة لأختها:
«إن وجدت من يستحقّ أن أحبّه، فسيظهر جانبي الحقيقيّ لا أكثر و لن يغيّر شيئا...نفس ذلك الجانب الّذي ترينه كلّ يوم عزيزتي»
«لماذا لا تمنحين الفرصة لأحد إذا؟ كيف تريدين أن تجدي شخصا كهذا إن كنتِ تصدّين الجميع؟»
تساءلت بنبرة ساخرة، لتردّ ناتالي على الفور:
«لأنّه ببساطة لم يشدّ انتباهي أحد لحدّ الآن...مشاعري ثمينة بالنّسبة لي، و لا أريد تضييعها على أحد لمجرّد منحه فرصة»
أطلقت إيلينور تنهيدة عميقة و هي تعاود إلقاء رأسها على سطح المنضدة، تعلّق بقلّة حيلة:
«أتفهّمك، و لكنّ رافاييل هذا يبدو لطيفا بحسب ما تقولينه...و لابدّ من أنّه يمتلك مظهرا جيّدا بما أنّه أخ رايدر...ألا يناسب هذا معاييرك؟»
استطاعت سماع صوت خطوات ناتالي الّتي اقتربت منها قليلا تسحب الكرسيّ المقابل و تجلس جاذبة انتباهها، قبل أن تجيب:
«ما رأيك أنتِ؟ أخبريني أوّلا، ما هي معاييرك؟»
«معاييري؟»
كرّرت تلك الكلمة بنبرة مستفهمة، ترى النّظرة الجادّة الّتي حملتها عينا ناتالي...و لم يكن لها سوى أن فكّرت لوهلة قبل أن تردف بتأنٍّ:
«لم أفكّر في ذلك كثيرا، و لكن قد يكون شخصا يمتلك مظهرا جذّابا، جادّ و مرح في الوقت ذاته، و الأهمّ من ذلك شخص يحبّني بصدق و يحترمني...شخص يراني أكثر من كافية بالنّسبة له»
كلّ ما تلا ذلك كان صوت فرقعة أصابع تلك الّتي ابتسمت بجانبيّة و علّقت قائلة:
«تماما، أنتِ تبحثين عن أكثر من مجرّد مواصفات سطحيّة و مظهر خارجيّ...و هو نفسه معي؛ معاييري قابلة للتّغيّر رغم ذلك، لكنّ هذا ليس كافيا و حسب لأحكم عليه، كما أنّي لا أشعر بأيّ انجذاب ناحيته»
تكّت إيلينور لسانها و هي تحرّك رأسها بيأس، تحدّق بعينيّ أختها للحظات قبل أن تشير بسبّابتها لها و تردف بجدّيّة تامّة:
«فكّري في حجج أفضل في المرّة القادمة...هناك احتمال أنّه قد لا يكون معجبا بك كذلك، لذا أرى أن تحاولي مجاراته لفترة، لعلّك تكتشفين ما إذا كان ينوي على شيء أم أنّ تلك طباعه فحسب»
صمتت ناتالي للحظة تقلّب تلك الكلمات داخل ذهنها بعناية فائقة، تحلّل كلّ كلمة و كلّ جملة قالتها إيلينور لحدّ الآن.
قد تكون محقّة في بعض النّقاط، لكنّ هذا لا يغيّر حقيقة أنّها شخص لا يشعر بالرّاحة عند الحديث إلى رجل، خصوصا حينما يتجاوز الأمر حدود الرّسميّة.
هو مجرّد أمر لا تتحكّم به، و لا تعلم منذ متى بدأ حتّى..
كلّ ما تعرفه هو أنّ جزءا منها دوما يخشى أن تتغلّب عليها مشاعرها يوما، و تُرغم على إهدارها على شخص تافه لا يستحقّها.
حبّها الأوّل، سيكون الأخير...حتّى و لو لم ينتهِ بها الأمر معه، لذا عليها أن تختاره بعناية حتّى لا تدفع الثّمن لاحقا.
تكفيها الدّموع الّتي ذرفتها يوم حادث السّير ذاك، و في الجنازة كذلك، و حتّى بعدها حينما كانت ترى إيلينور تغلق الباب على نفسها و تبكي بخفوت.
هزّت ناتالي رأسها بخفّة تزيح تلك الأفكار عن ذهنها، ثمّ أردفت مغيّرة الموضوع بينما تميل بجسدها إلى الأمام قليلا رافعة حاجبها:
«تتحدّثين كثيرا، لماذا لا ترينني مهارات أخرى غير الثّرثرة و تأتين لمساعدتي قليلا؟ العشاء لن يجهز من تلقاء نفسه»
ارتفعت زاوية شفاه إيلينور مشكّلة ابتسامة جانبيّة ماكرة، قبل أن تتأوّه بألم حال شعورها بالضّربة الّتي تلقّتها من ناتالي على ذراعها، تجعلها تمسح عليها بخفّة بينما تتمتم ضاحكة باستسلام:
«سأغيّر ثيابي و أعود لك»
و بذلك، استقامت من مكانها فورا و خطت بسرعة خارج المطبخ، تصعد السّلالم قاصدة غرفتها.
لا يمكنها فهم ناتالي إطلاقا، منطقها غير منطقيّ بالنّسبة لها..
و بالمناسبة، سحقا! ضربتها مؤلمة جدّا..
.
.
༺༺༺༺༻༻༻༻
.
.
أمام مدخل تلك الشّقّة، وقف صاحب الخصلات السّوداء يطالع الباب المغلق لبضع ثوانٍ، قبل أن يزيح بصره ناحية الأشقر الواقف بجانبه و يردف محذّرا:
«انتقِ ألفاظك جيّدا عندما تتحدّث عن أيّا كان موضوعك، إن لم تكن تريد الموت هنا بكلّ تأكيد...لا تجعلني أندم على إحضارك معي»
«وفّر نصائحك لنفسك، لم أتكبّد كلّ هذا العناء من أجل أن أفسد الأمر في لحظة»
أجاب الآخر و هو ينفخ على إحدى الخصلات الملتصقة بجبينه يبعدها عنه، ليضيف مشيرا برأسه ناحية الباب:
«كم تنوي جعلي أقف هنا بعد؟ ألن ندخل؟»
لفّ رايدر عينيه بملل يطالع هيوغو بانزعاج واضح، قبل أن يتجاهله مادّا يده ناحية المقبض، ليديره و يفتح الباب مباشرة.
«رافي، لقد عدت!»
صاح بصوت مرتفع دوى في أرجاء الشّقّة، يتقدّم إلى الدّاخل يتبعه الأشقر الّذي اكتفى بتمرير بصره على المكان بتفحّص من دون أن ينبس بكلمة.
سرعان ما سمع الشّابّان صوت خطوات قادما من أحد الغرف، تبعه ذلك الصّوت الّذي ردّ قائلا:
«أهلا بعودتك رايدر، ما الّذيـــ»
توقّف عن الحديث فورا حالما وقف مقابلا المدخل، يرمش بعدم فهم و هو يرى أخاه يقف قرب الباب و بجانبه فتى آخر.
ذلك الأشقر الّذي كان في مكتب مدير الجامعة ذلك اليوم...ما الّذي يفعله هنا؟
لاحظ كيف وقف هيوغو من دون حراك يراقبه بدوره، و قد بدا له بأنّه يتفحّص هيئته جيّدا.
«ماذا يجري هنا؟»
تساءل رافاييل رافعا حاجبه بتفاجئ و هو ينقل بصره ناحية رايدر الّذي أصدر تنهيدة خفيفة قبل أن يدسّ يديه داخل جيوب بنطاله و يرفع كتفيه بقلّة حيلة مجيبا:
«لقد أصرّ على مرافقتي لمقابلتك، لا أعلم ما الّذي يريده»
رمش الآخر بعدم فهم يعيد إزاحة نظره نحو هيوغو الّذي رسم على وجهه ابتسامة متكلّفة قبل أن ينبس بهدوء:
«مساء الخير؛ أتيت من أجل موضوع مهمّ...لي و لكما كذلك»
سرعان ما ارتفع حاجبا رافاييل يستمر في التّحديق به لبضع لحظات، و كذلك فعل رايدر الّذي ظهرت الدّهشة على ملامح وجهه.
حسنا...هو قطعا لم يكن يعلم بأنّ الموضوع يخصّ ثلاثتهم.
أومأ رافي بتفهّم و هو ينقل بصره في الأرجاء بسرعة، قبل أن يفسح المجال و يشير بيده ناحية غرفة الجلوس قائلا:
«تفضّل من هنا إذا...أمّا أنت يا رايدر غيّر ثيابك بسرعة ريثما آتي بشيء ما لنتناوله»
أشار في نهاية كلامه برأسه ناحية غرفتهما، ليومئ أخوه قبولا و يتقدّم للدّاخل أكثر.
«سأفعل»
كان ذلك كلّ ما ألقى به حينما تخطّى رافي و سار ناحية الغرفة من أجل تغيير ثيابه، تاركا الاثنين الآخرين يقفان في الرّدهة.
«لن أتأخّر»
تحدّث رافاييل بهدوء و هو يتبع هيوغو الّذي تقدّم لداخل غرفة الجلوس، يراه يجلس على الأريكة قبل أن يجيبه:
«ستجدني هنا في كلّ الأحوال»
لم يعقب الآخر على ذلك و التفت بسرعة يقصد المطبخ.
المملّحات و عصير التّفّاح سيكونان مناسبين على الأرجح كضيافة.
لم تكن سوى بضع دقائق أخرى قد مرّت، حينما اجتمع الثّلاثة حول طاولة غرفة المعيشة، يجلسون محافظين على هدوئهم رغم التّوتّر الّذي ساد الأجواء.
الأمر غريب مهما حاولوا الإنكار.
«إذا، ما هذا الأمر المهمّ الّذي جئت لأجله؟»
ابتدأ صاحب الخصلات البنّيّة حديثه و هو يميل بجسده إلى الأمام قليلا شابكا كفّيه ببعضهما و مسندا ذقنه عليهما، يجعل من الجالس أمامه يحمحم منظّفا حلقه بينما يلتقط كوب العصير و يرتشف منه.
«عند التّفكير بالأمر، لا أعلم حقّا إن كان يجدر بي قول ذلك أمامه»
نبس بتردّد و هو يسترق بضع نظرات على رايدر الجالس قرب رافاييل، و الّذي انعقد حاجباه بانعدام رضا، يسمع جواب رافي:
«لماذا؟ هو ليس طفلا أو ما شابه...ما مدى جدّية موضوعك؟»
رمقه الأشقر بنظرات جانبيّة، ثمّ رفع يديه في الهواء و أردف باستسلام:
«أنت قرّر بنفسك عندما تسمع...لكن لا يهمّ، سنتحدّث أمامه إذا»
سرعان ما مدّ يده داخل جيب بنطاله يسحب منه هاتفه، ليشغّله و يسارع مباشرة لدخول معرض الصّور يبحث داخله.
لقد تأكّد هذا الصّباح من وجود ما يريده.
بحث لبضع لحظات يجول ببصره بين الصّور كلّ على حدة، و ذلك قبل أن تستقرّ أصابعه على صورة معيّنة و يطالعها لبرهة يحاول محاربة تردّده.
«بئسا لهذا...»
نبس بصوت خافت و هو يلقي بالهاتف أمام الشّقيقين يسمح لهما برؤية الموجود على الشّاشة...و قد كانت صورة لورقة ما.
مرّر رافي بصره بين الهاتف و الأشقر الّذي كان يعضّ على وجنتيه من الدّاخل، ثمّ مدّ يده يلتقطه بسرعة و يشرع في قراءة المكتوب.
"شهادة ميلاد"
استوقفته تلك الكلمات المكتوبة في الأعلى تجعله يعيد قراءتها مرارا و تكرارا و هو يفكّر مليّا.
شهادة ميلاد؟ هذا وحده كفيل بزرع القلق داخله.
نزلت عيناه ببطء شديد يقرأ كلّ حرف بتمعّن متجاهلا نظرات رايدر الجالس بجانبه له.
كلّ ما يهمّه الآن هو التّيقّن من صحّة ما يقرؤه.
اتّسعت أعين رافاييل تدريجيّا، يعيد قراءة المكتوب مرّة و اثنتين و ثلاثة.
و لا تزال نفس الشّيء..
«اقلب الصّورة»
لفت انتباهه صوت هيوغو جاعلا منه يرفع بصره ناحيته، ليراه يشير له بإصبعه لأجل أن يرى الصّورة الّتي تليها...و بالفعل، لم يتردّد رافاييل في فعل ذلك، فقط ليقع فكّه من شدّة الصّدمة، مثيرا بذلك استغراب رايدر الّذي حدّق بالصّورة و بشقيقه بعدم فهم.
لقد كانت صورة لرجل ذي شعر أسود و أعين بنّيّة، يقف قرب الشّاطئ، على يمينه وقفت امرأة شقراء شابّة، و على يساره وقف طفل ذو خمسة أعوام تقريبا بشعر يشابه لونه شعر تلك المرأة، و قد كانت الابتسامة ظاهرة على وجوه ثلاثتهم.
لكنّ أكثر ما شدّ انتباه رافاييل لم يكن سوى ذلك الرّجل الّذي كان يبتسم و كأنّه لا يحمل همّا إطلاقا..
نفس الرّجل الّذي تخلّى عنهم و اختفى من دون أن يسمعوا عنه شيئا.
ذلك الرّجل الّذي لم يظهر حتّى في يوم جنازة والدتهما، و استمر في الاختفاء و كأنّه يخشى أن يجداه يوما من دون أن يفكّر في مدى حاجتهما لمن يعتني بهما بعدما فقدا المرأة الوحيدة الّتي بقيت بجانبهما رغم قساوة الظّروف عليها..
رين ميرفي..
ارتعشت عينا رافاييل و هو يمعن النّظر في تفاصيل الصّورة، و يتأكّد أكثر من أنّ والدهما قد نسي أمرهما تماما بحسب ما يبدو الأمر عليه.
لقد قام بإنشاء عائلة جديدة إذا؟ مثير للسّخرية..
لم يلحظ بأنّه قد أطال النّظر للصّورة بشكل مفرط، سوى حينما شعر بيد تتموضع فوق كتفه، تبعه ذلك الصّوت الذّكوريّ المستغرب:
«رافي، ما الأمر؟»
وجد رافاييل نفسه يضع الهاتف على سطح المنضدة من دون أن يغلقه، لينقل بصره ناحية رايدر يحدّق به للحظات بصمت، شفتاه مفترقتان، و عيناه ترتعشان بصدمة...قبل أن يزيح بصره مجدّدا ناحية الأشقر الجالس أمامه و يردف بعدم تصديق:
«هل أنت..»
توقّف عاجزا عن مواصلة سؤاله، يرى كيف أومأ هيوغو و قد بدا الاستياء على وجهه حينما أجاب و كأنّه يتمنّى لو كان كلّ ذلك كذبة:
«ذلك الرّجل في الصّورة...هو رين ميرفي، والدكما صحيح؟»
عضّ على وجنتيه من الدّاخل يشيح بوجهه بعيدا، ثمّ واصل
مباشرة مصرّحا:
«هو والدي كذلك...اكتشفت ذلك قبل وقت قصير، و قد اتّضح بأنّنا إخوة غير أشقّاء»
أنهى كلماته و قد انزلقت عيناه لاإراديّا ناحية رايدر، ليجده هو الآخر يحدّق به بنظرات شكّ...قبل أن يضرب بقبضته على سطح الطّاولة الفاصلة بينهم و يصرخ معترضا:
«مستحيل، كيف نصدّقك؟ أنا لم أرى والدي فكيف سأصدّق أنّه نفسه من في الصّورة؟ و شهادة الميلاد ليست دليلا قاطعا على أنّه والدك...اسمك الأخير أندريس، أليس كذلك؟»
ضغط على قبضتيه بقوّة قبل أن يضرب بكفّيه على سطح المنضدة مجدّدا يقف من مكانه بسرعة، متجاهلا وجود رافاييل الّذي بدا و كأنّه قد شرد في عالم آخر.
«أخبرتك ألّا تتفوّه بالهراء، أتريد الموت!»
صاح بسخط و هو يشير بسبّابته ناحية هيوغو الّذي التزم مكانه يراقب حركات رايدر بملامح مستنكرة.
حسنا، لقد توقّع ردّ فعل كهذا..
«ذلك اسم والدتي الأخير، كان والدي يقول أنّني أخذته بسبب ظروف خاصّة...و اتّضح لي الآن أنّ تلك هي الظّروف»
أجابه رافعا كتفيه بقلّة حيلة، ليضيف رايدر مباشرة بانعدام رضا:
«هذا غير-»
لم تتسنَّ له الفرصة للمواصلة، إذ أنّ رافاييل قد نطق مقاطعا إيّاه بصوت أشبه بالهمس بينما يحدّق بالفراغ:
«أنت لم تره، و لكنّني أذكر وجهه جيّدا...هذا هو رين»
نقل صاحب الخصلات السّوداء عينيه ببطء ناحية شقيقه يراقبه لوهلة، قبل أن يهزّ رأسه بغير تصديق قائلا:
«مستحيل، لا يمكن هذا رافاييل...لابدّ و أنّ الأمور قد اختلطت عليك، فقد مرّ وقت طويل منذ آخر مرّة رأيته فيها»
«عشت ثماني سنوات معه، كيف يعقل ألّا أذكر شكله؟»
لاحظ الشّابّان كيف تصنّم جسد رايدر بعد سماعه لذلك، يجلس مكانه عاجزا عن الحراك بينما يثبّت عينيه على خاصّة رافاييل الّذي ألقى نظرة سريعة على هيوغو، قبل أن يعاود النّظر لشقيقه و يضع يده على كتفه برفق هامسا:
«آسف أخي، و لكنّ كلّ ما أرانا إيّاه يؤكّد أنّه والدنا...و والده كذلك»
«رافاييل لا...»
نبس و هو يميل برأسه بيأس و كأنّه يرفض تصديق ذلك، يجعل من الآخر يشيح بوجهه بعيدا و يتنهّد مجيبا إيّاه:
«بلى رايدر...الأمر لا يسعدني صدّقني، و لكنّها أصبحت الحقيقة الآن»
شعر رايدر برعشة خفيفة تسري في جسده، قبل أن يضغط على قبضتيه بقوّة بينما يلقي نظرة سريعة على شاشة الهاتف المتموضع على سطح المنضدة، يتفحّص الصّورة بتمعّن.
يقولان أنّ ذلك هو إذا؟ هذا هو رين الّذي ورث عنه لون شعره الأسود؟ يا له من وغد بائس...أحقّا كان يعمل على إبعادهما بطرق غبيّة كتغيير اسم ابنه الأخير؟ ليس و كأنّهما فكّرا في البحث عنه يوما.
«تأكّدت من أنّنا ورثنا المظهر من أمّي، هو بشع من الدّاخل و الخارج حرفيّا»
نبس رافعا طرف شفاهه باشمئزاز، و سرعان ما أزاح رافاييل بصره ناحية هيوغو يراه على وشك إبداء ردّ فعل تجاهه، لكنّه امتنع عن ذلك حينما لمح رافي و هو يهزّ رأسه بخفّة يحثّه على التزام الهدوء.
الوضع أصبح حسّاسا الآن، و لا يمكن المخاطرة ببدء شجارات لا داعي لها.
ساد صمت قصير لبرهة، حيث غرق كلّ واحد منهم في تفكيره يحاول استيعاب الوضع الرّاهن.
حتّى مع الأدلّة، شعور الغرابة لا يزال ملتصقا بثلاثتهم...و لا يبدو أنّه قد يزول قريبا.
لفت انتباه كلّ من رايدر و هيوغو تلك التّنهيدة الطّويلة الّتي صدرت عن رافاييل الّذي كان يحدّق بالأرض، قبل أن يرفع عينيه ببطء و يوجّههما ناحية الأشقر يطالعه لبضع ثوانٍ جاعلا منه يستغرب.
«حسنا، لنقل أنّك أخونا...ما الّذي يجعلك تأتي إلى شقّتنا لإخبارنا؟ قلت أنّه لم يمنحك اسمه الأخير حتّى، فقط من أجل ألّا نجده»
تساءل بنبرة هادئة محمّلة بالشّكّ، ليصدر هيوغو تكّة بلسانه و هو يميل برأسه للجانب، و ما كاد ينطق حتّى منعه صوت رايدر المستخفّ الّذي كسر السّكون:
«يا للسّخرية، من يظنّ نفسه حتّى يفكّر في أنّنا سنبحث عنه؟ محور هذا الكون؟ لسوء الحظّ أنّ ثقتي بنفسي مرتفعة، و إلّا لكنت تمنّيت بعضا من ثقته تلك لأنّها كثيرة عليه»
انتقلت الأنظار ناحية صاحب الخصلات السّوداء الّذي كان يضمّ ذراعيه لصدره و يناظر السّقف بشرود، قبل أن يصله صوت الأشقر المحذّر:
«لا تتكلّم عنه هكذا، هو أبي بغضّ النّظر عن كلّ شيء»
«حسنا أيّها الطفل المدلّل، أجب سؤال رافي و حسب»
«كنت سأجيب لو لم تقاطعني قبلا...السّبب الوحيد هو أنّني أردت التّأكّد بنفسي من صحّة ذلك، فأنا لم أعلم سوى عندما سمعت حديث أمّي و أبي عن طريق الصّدفة، و ليس بإمكاني سؤالهما عن الأمر بما أنّهما أخفياه عنّي بهذا الشّكل»
رفع كتفيه بقلّة حيلة ثمّ أضاف موضّحا موقفه:
«كنتما الخيار الوحيد المتاح وحسب...ليس و كأنّني أحبّكما أو ما شابه، خصوصا أنت أيّها المزعج»
أشار بسبّابته ناحية رايدر، يجعله يوجّه نظرات حادّة له قبل أن يضرب بقبضته على سطح المنضدة للمرّة الثّالثة صائحا:
«ما الّذي قلته لك عن انتقاء ألفاظك؟!»
«رايدر اهدأ، الوقت ليس مناسبا لكلّ هذا»
قاطعه رافاييل بجدّيّة يجعله يحدّجه بنظرات جانبيّة غير راضية، لكنّه تجاهل ذلك و أعاد تصويب نظره نحو هيوغو الّذي لم يعلّق على الأمر و اكتفى بإلقاء كلماته:
«بالمناسبة، أريد أن تعدني بألّا يعلم أحد أنّي أخبرتك عن هذا...أظنّك تفهم قصدي»
رمش المعنيّ ببطء يستوعب ذلك، ثمّ وجد نفسه يهمهم قبولا و يجيب بهدوء:
«تقصد رين؟ لن يسمع شيئا عن هذا، لا تقلق...لكن هل لي بطلب كذلك؟»
أومأ الآخر برأسه من دون أن ينطق، ليستأنف رافي حديثه:
«أريد عنوان منزلك»
«ماذا؟»
نبس هيوغو بدهشة لم تقلّ عن دهشة رايدر الّذي افترقت شفتاه بصدمة، يسمعانه يواصل:
«لن أقصده مباشرة، لكنّي أريد أن أمرّ من هناك في وقت لاحق لعلّي أراه...كصدفة غير مقصودة أو ما شابه، تفهمني؟»
انعقد حاجبا الأشقر على الفور مظهرين مدى استغرابه من الطّلب غير المتوقّع، و لم تكن سوى بضح لحظات قصيرة من التّفكير حتّى نبس مجيبا إيّاه بعدم اكتراث:
«قلت صدفة؟ حسنا إذا...أنا لست متضرّرا من وجودكما في كلّ الأحوال بما أنّ أبي لا يهتمّ لأمركما، لذا سأعطيك عنواني»
أملى عليه عنوانه بسرعة، ثمّ عدّل من جلسته على الأريكة يتجاهل غرابة الصّمت الّذي خيّم فجأة من جديد بينهم.
لماذا يستمرّ الأمر في ازدياده غرابة؟
«بالمناسبة..»
كسر صوت رافاييل حاجز الهدوء، يجعل من انتباه كلّ من رايدر و هيوغو يصوّب ناحيته بانتظار كلماته التّالية.
و بالفعل، لم ينتظر ثانية أخرى حتّى واصل بنبرة محمّلة بالجدّيّة:
«بما أنّك من أخبرتنا بأنّك أخ لنا، أريد أن أسمع منك ما فكّرت به بشأن علاقتنا ببعضنا...هل تريد التّظاهر بأنّك لم تقل شيئا و نتصرّف على ذلك الأساس؟»
رمش الأشقر للحظة يفكّر مليّا في كلمات رافاييل...هو لم يضع حسبانا لهذا حينما قرّر لقاءه.
لكن، في نهاية المطاف، ما الضّرر إن تقبّله كأخ و لم يقطع علاقته به بعد خروجه من هذه الشّقّة؟ ليس و كأنّ أحدا سيعلم بذلك.
«ليس بالضّرورة، فأنا لا مشكلة لي معك أنت، رافاييل...و لكنّي بكلّ صراحة لا أستلطف أخاك هذا»
نبس رافعا كتفيه بلامبالاة بينما يشير برأسه ناحية رايدر الّذي ضغط على فكّه سحاول التّحكّم بأعصابه حتّى لا ينقضّ على باهت الشّعر ذاك.
لا يستلطفه؟ من هذا الّذي سأله أصلا؟ يتحدّث بثقة و كأنّه هو مغرم به ولا يمكنه تحمّل فراقه...هل كان ينتظر أن يتأثّر بذلك مثلا أو ما شابه؟
وغد مغفّل..
«بخصوص ذلك، أنا لن أتدخّل بينكما، خصوصا و أنّي لم أتحدّث مع رين بعد...لكن آمل ألّا تتعدّى شجارتكما كونها مجرّد كلمات أو تجاهلا تامّا لوجود بعضكما، لذا حاولا ألّا تتشاجرا بشكل مباشر، لفترة وجيزة على الأقلّ»
كان ذلك الصّوت الهادئ لرافاييل الّذي وجّه كلماته الجادّة للشّابين الّذين تبادلا نظرات جانبيّة بسرعة قبل أن يعاودا التّحديق به حينما ركّز هو نظره على هيوغو و أضاف:
«و كذلك...هيوغو، صحيح؟ اعلم أنّه لا مانع لديّ إن كنت تريد الحديث إليّ أو طلب شيء ما في أيّ وقت...أنت في النّهاية أخ لي و نحمل دما واحدا رغما عنّي...كما أنّك لم تعترض لي بشكل مباشر، و ما بينك و بين رايدر هو خلافات شبّان ستتجاوزانها يوما ما»
أومأ المعنيّ برأسه قبولا و هو يفكّر في استحالة تلاشي خلافاته مع رايدر، ثمّ نطق راسما ابتسامة بسيطة على وجهه:
«لا أظنّني سأحتاج شيئا منكما، لكن شكرا لك..أظنّ»
سرعان ما مدّ يده ناحية هاتفه يسحبه بخفّة و يلقي نظرة على الشّاشة يتفحّص الوقت، قبل أن يرفع رأسه و يردف معتذرا:
«بقيت بما فيه الكفاية، عليّ الذّهاب الآن»
«لا مشكلة إطلاقا»
ألقى رافي بذلك بينما يقف من مكانه تزامنا مع فعل الآخر لذلك بينما واصل رايدر الجلوس، يسمع الأشقر يهمهم قبولا و ينسحب بسرعة من المكان يتبعه رافاييل، ليُسمع بعدها صوت صفع باب الشّقّة.
لقد غادر، و أخيرا...تبّا له، و لوالده كذلك.
«وغد..»
تمتم بذلك و هو يرخي جسده على الأريكة بينما يطلق تنهيدة مثقلة...لقد تمّ تعكير مزاجه بنجاح.
«لا مانع لديه إن تحدّث إليه أو طلب شيئا منه؟ هل هو صاحٍ تماما؟»
نبس متذمّرا و هو يركل بقدمه الهواء، و لم يدرك بأنّه نبرته كانت أعلى من المتوقّع، إلّا حينما وصله صوت رافاييل السّاخر:
«أنا صاحٍ، شكرا على سؤالك»
انتقلت عينا رايدر على الفور ناحية مصدر الصّوت، يرى أخاه يقف عند مدخل غرفة الجلوس مستندا بجذعه على إطار الباب، قبل أن يستقيم بسرعة و يخطو بهدوء إلى الدّاخل مضيفا:
«لنكن واقعيّين قليلا، لقد رافقك الفتى إلى هنا رغم عداوتكما فقط لكي يخبرنا بما أخفاه رين عنه، لذا لم يكن بوسعي ردّه و تجاوز الأمر بلامبالاة هكذا...تعرفني»
«أجل، أجل...دع طيبتك تنفعك حينما ينقلب أخوك ذاك عليك في المستقبل...إيّاك أن تبحث عنّي وقتها»
علّق بسخرية و هو يلفّ عينيه بضجر، يراقب شقيقه و هو يجلس على حافّة المنضدة مقابلا إيّاه مباشرة، قبل أن ينقر بإصبعه على أرنبة أنفه جاعلا من ملامحه تنكمش باستنكار لتلك الحركة.
هو ليس طفل حضانة..
«لا تشعر بالغيرة، أنت أخي الصّغير المفضّل و ستظلّ كذلك حتّى و لو امتلكت مئة أخ آخر...حبّي لك مختلف و لا يمكن لأحد أن يأخذ مكانك أو يقاسمك إيّاه»
برّر رافاييل ضاحكا بخفّة، يعود بجسده إلى الخلف قليلا مستندا على كفّيه، ليرفع رايدر حاجبيه باستفهام و يلقي بأوّل تساءل خطر بباله على الفور:
«حتّى زوجتك المستقبليّة؟»
اتّسعت عينا الآخر بدهشة من السّؤال، و لوهلة جعله التّفاجئ يعجز عن الكلام، قبل أن ينطق و أخيرا بصدمة:
«ماذا؟ ما العلاقة بينـــ»
«قلت حتّى زوجتك المستقبليّة؟ أجب رافاييل»
أصرّ رايدر على كلماته ضامّا ذراعيه لصدره، ليجد المعنيّ نفسه يطلق تنهيدة يائسة و هو يهزّ رأسه بقلّة حيلة...هذا الفتى شيء آخر تماما.
«أجل، حتّى هي...ستكون أنت الأوّل دائما»
أقرّ باستسلام و هو يرفع عينيه ناحية شقيقه يرى كيف ارتسمت ابتسامة جانبيّة على شفاهه، ليردف بنبرة ماكرة:
«ذكّرني أن أخبرها بذلك و أنقذها قبل أن تقبل الزّواج بك»
ضحك رافاييل بخفّة على ذلك، و كذلك فعل رايدر للحظة، و الّذي سرعان ما استقام من مكانه ببطء يجعل الآخر يتبعه بأعينه، يرى كيف تغيّرت ملامح وجهه تدريجيّا حينما أشاح بوجهه للجانب يتحاشى النّظر له، قبل أن ينطق بهدوء:
«بدأت أشعر بالضّيق...سأخرج قليلا»
لم ينتظر ثانية أخرى بعد إلقائه بذلك، و سار بسرعة قاصدا مخرج المنزل مباشرة تحت نظرات رافاييل الّذي لم يعلّق على كلامه و اكتفى بمراقبته.
المكان أصبح خانقا فجأة رغم الجوّ المريح الّذي بدأ يصنعه رافي، و لكنّه الآن بأمسّ الحاجة لبعض الهواء النّقيّ بعدما تشارك نفس الهواء مع ذلك الأشقر.
الأشقر السّاذج الّذي اتّضح بأنّه أخوه..
تبّا له، و لمن أنجبه..
.
.
༺༺༺༺༻༻༻༻
.
.
كسر ذلك السّكون المريح صوت المنبّه المرتفع الّذي صدر من هاتف ذلك الشّاب ذي الخصلات البنّيّة المبعثرة، يجعله يئنّ بانزعاج قبل أن يمدّ يده لجانب سريره و يتحسّس المكان بحثا عنه، إلى أن وجده أخيرا.
تثاءب بعمق بينما يضغط بعشوائيّة على الشّاشة يحاول الوصول للزّرّ المناسب حتّى يغلقه، لكنّ المنبّه استمرّ في الرّنين.
«مزعج..»
تمتم بخفوت و هو يدعك عينيه ليفتحهما، ثمّ حمل الهاتف بيده يطالع شاشته بعينين نصف مفتوحتين لألّا يتأذّى بالضّوء السّاطع.
لمح الزّر بصعوبة و سارع في الضّغط عليه، يوقف بذلك الصّوت المزعج ليضع جهازه جانبا.
عليه الاستعداد لمباشرة عمله الآن.
لن يذهب إلى مكتبه حتّى العاشرة، لكن عليه إنجاز بعض الأشياء بينما يجلس هنا..
مدّد ذراعيه يحاول التّخلّص من الإرهاق، ثمّ أزاح عينيه ناحية السّرير الآخر بجانبه، يراه فارغا.
يبدو أنّ رايدر قد استيقظ بالفعل...أو ربّما لم يستطع النّوم من الأساس.
لقد بدا منزعجا قليلا أمس عندما غادر، لكنّه عاد للشّقّة و كأنّ شيئا لم يكن...لم يذكر شيئا ممّا جرى، و لو عن طريق الخطأ.
لا يظنّه تخطّى ذلك، فهي حقيقة صادمة بحقّ لكليهما...كلّ ما سمعاه كان أمرا غير متوقّع تماما.
هدوء رايدر ليس طبيعيّا إطلاقا..ربّما لا يريد إظهار غضبه أمامه و حسب، و هذا الاحتمال هو ما يقلقه أكثر.
لقد بدا متضايقا مساء الأمس، لقد قال ذلك بنفسه، لكنّه عاد و هو يبدو بخير تماما.
يبدو فقط..
أطلق رافاييل نفسا عميقا و هو يزيح عينيه من على سرير رايدر، قبل أن يسارع في النّهوض من خاصّته.
لا يمكنه تضييع مزيد من الوقت، عليه تجهيز الإفطار له و لرايدر، فقد قارب موعد بدء دوام الجامعة.
فتح السّتائر يسمح للضّوء بالتّسلّل لأرجاء الغرفة، يرى كيف كان الشّارع ساكنا تماما، كأنّ الحيّ مهجور.
فتح بعدها النّافذة لأجل أن يدع الهواء النّقيّ يدخل الشّقّة، ثمّ سار إلى خارج المكان يقصد الحمّام.
«رايدر، أين أنت؟»
صاح بينما يمرّ بغرفة الجلوس، ثمّ المطبخ و هو يجول ببصره في الأرجاء بحثا عن شقيقه الّذي لم يصله ردّ منه.
لماذا لا يجيبه؟ أليس في الشّقّة؟
«هل أنت هنا؟»
طرق باب الحمّام منتظرا ردّا، و قد كان كلّ ما حصل عليه هو الصّمت.
لا يمكنه سماع صوت المياه كذلك، إذا هو لا يستحمّ.
يبدو أنّه قد غادر الشّقّة، لكن متى استيقظ؟ و كيف خرج من دون أن يشعر به؟ أيعقل أنّه ذهب للجامعة؟
هو حقّا ليس بخير إذا.
تنهّد رافاييل بثقل بينما يفتح باب الحمّام...ليس لديه ما يفعله عدا أن يباشر في بدء يومه.
استحمّ بسرعة قبل أن يخرج و هو يلفّ منشفة حول خصره بينما يستخدم أخرى لتجفيف خصلاته، ثمّ سار ناحية غرفته مجدّدا ليرتدي ثيابه.
بحث لبضع لحظات داخل خزانته، ليخرج منها قميصا أخضر داكن، و بنطالا أسود اللّون.
سيغيّر ثيابه مجدّدا قبل الذّهاب للعمل، لذا لا مشكلة أيّا كان ما يرتديه الآن.
غيّر ملابسه بسرعة، ثمّ عاد لإلقاء المنشفة في السّلّة...قبل أن يسارع في ترتيب سريره، و سرير رايدر الفوضويّ.
ابتسم برضا و هو يمرّر بصره على أرجاء الغرفة، ثمّ تقدّم من المنضدة الموجودة جانبا و حمل من فوقها حاسوبه الشّخصيّ، قبل أن يتقدّم من سريره و يجلس عليه ثانيا ساقيه، يضع الحاسوب فوقهما.
أوّل ما عليه فعله هو تفقّد ملفّ الأمس و البدء بتطبيق محتواه.
فتح الحاسوب و راح يبحث مباشرة بين الرّسائل، ليجد أخيرا البريد الّذي يحمل اسم "ناتالي هارفي".
ناتالي...اسمها لوحده جميل جدّا.
هزّ رأسه بخفّة يمنع نفسه من شغل باله بها حاليّا، و صوّب تركيزه ناحية الشّاشة يضغط على المحادثة.
و قد أرسلت ملفّا آخر كما يبدو...لقد اعتقد أنّ الّذي أرسلته سابقا هو الوحيد.
"لقد أخطأت يوم أمس و أرسلت نصف الملفّ و حسب. هذا هو الملفّ الكامل"
كان ذلك محتوى الرّسالة الّتي تلت الملفّ، و قد جعل ابتسامة خافتة ترتسم على شفاه رافاييل و هو يعيد قراءتها.
حتّى أخطاؤها جميلة، فقد سمحت له بالحصول على رسالة أخرى منها من دون أن يراسلها بنفسه...رسالة أطول من المعتاد.
أمضى ثوانٍ قليلة و هو يحدّق بشاشة الحاسوب، و سرعان ما وجد نفسه يضغط على لوحة المفاتيح بخفّة يكتب ردّه.
"لا مشكلة إطلاقا، شكرا لك"
قرأ عبارته مرارا و تكرارا و هو يفكّر في ما إذا كان عليه إرسالها أو العدول عن الرّدّ...ماذا لو تجاهلت رسالته أو أحبطته بنفس الأجوبة المختصرة؟
سيدفن نفسه حيّا لو عرّض نفسه لذلك...النّاس عادة يتعلّمون من أخطائهم، و لكنّ هذه المرأة تجعله يشعر برغبة لاإراديّة في تكرار خطئه حتّى يصبح صوابا.
«آه، سحقا..»
نبس بضياع و هو يبعثر شعره بعنف بكلتا يديه، يحاول حسم أمره بطريقة أو بأخرى...ما الّذي سيفعله؟
مرّر بصره مجدّدا على العبارة، قبل أن يزفر بيأس و يرخي رأسه على لوحة المفاتيح...يسمع صوتا غريبا يصدر من الحاسوب فجأة.
لوحة المفاتيح...سحقا، لقد أسند رأسه على لوحة المفاتيح!
رفع رأسه بسرعة يبعده عن اللّوحة يسارع لتفقّد ما إذا كان الّذي بذهنه صحيحا...و للأسف، فقد كان كذلك.
لقد ضغط على زرّ الإرسال..
كان بإمكانه حسم قراره بمفرده من دون هذه الحركة السّخيفة...في غضون دقائق، أو ما يقارب السّاعة، لكنّ الأمر كان سينتهي بحسمه لقراره؛ لماذا هذا إذا؟!
تبّا، لا خيار آخر لديه...سيستسلم و يقول أنّه كان مقدّرا أن تصلها الرّسالة فحسب..ليس و كأنّه أراد ضغط الزّرّ.
و الآن، حان وقت العمل على اللّعبة و نسيان هذا كلّه في الوقت الحاليّ.
أخذ رافاييل نفسا عميقا يستعدّ لبدء عمله، لكنّ نفسه تحوّل فجأة إلى سعال حادّ حالما لمح إشعار الرّسالة يظهر على الشّاشة.
لم يكن يعلم بأنّها متفرّغة لهذه الدّرجة، رغم أنّ هذا عمليّا عملها كما تقول هي.
"مرّة أخرى، هذا عملي سيّد ميرفي"
قرأ كلّ كلمة بتأنٍ، يسمح لملامحه بالسّقوط تدريجيّا و هو يدرك بعضا من مقصدها.
ماذا؟ لماذا ردّها يبدو أقسى من المعتاد؟ يبدو الحال و كأنّها بدأت تشعر بالضّجر منه بحسب العبارة الّتي بدأت بها جملتها.
مرّة أخرى؟ أتحاول تذكيره بأنّها قد كرّرت ذلك مرّات عديدة؟ ما ذنبه إن كانت تحيط نفسها بالجدران و تجعله بذلك يسعى لهدمها؟
هو يستحقّ ذلك في كلّ الأحوال لأنّه يتظاهر بعدم فهم تلميحاتها، خصوصا بعد رسائل يوم أمس
'ابقَ بعيدا عنّي' ، 'لا تفكّر في الاقتراب منّي' ، 'لا أريد الحديث إليك'...هي تقول أشياء كهذه، و لكن ليس بالطّريقة المباشرة، و هذا حقّا مؤلم.
هي هكذا مع جميع الرّجال؟ يمكنه تفهّم ذلك حقّا...و لكنّه يعلم نواياه الخاصّة، و يدرك ما يشعر به ناحيتها، و ذلك ما يزعجه حقّا.
حقيقة أنّها لا تدرك شيئا من ذلك..
التّعامل معها أصعب ممّا اعتقده، و سيحتاج جهودا مضاعفة إن أراد أن يأمل بعضا من النّجاح في هدم الجدران المحيطة بها.
هو يريدها، و بشدّة...كلّ شيء يهون في سبيل ذلك.
هل عليه الإقدام على خطوة إذا؟ إن لم يجرّب شيئا ما، فسيبقى في نفس النّقطة لمدى الحياة.
سرعان ما بدأ ذهن رافاييل في الانعزال تدريجيّا عن العالم المحيط له، يغوص في تفكيره و يحلّل كلّ الاحتمالات الممكنة...عليه الخروج بنتيجة ما أو أيّ شيء.
و بينما هو يفكّر في ذلك، أعاده لأرض الواقع شعور اصطدام شيء ما بوجهه، تبعه الصّوت السّاخر لأحدهم:
«عد إلى عملك بدلا من التّحديق في الفراغ هكذا...لن تُعجب بك آنستك إن اكتشفت أنّك كسول»
مدّ رافاييل يده لوجهه يبعد ذلك القميص الأبيض عنه و يلقي عليه نظرة سريعة، قبل أن يزيح عينيه ناحية شقيقه و يصيح متذمّرا:
«هذا ليس مكان قميصك، ألقِه في سلّة الملابس»
«افعل ذلك لأجلي، أنا ذاهب للجامعة»
سرعان ما ارتفع حاجب رافاييل بدهشة يراقب رايدر الّذي حمل حقيبة ظهره و التفت قاصدا الباب، و لوهلة نسي رافي كلّ ما كان يفكّر به قبل قليل.
هذا الشّابّ هنا، أين كان إن لم يكن قد ذهب للجامعة بعد؟ و الأهمّ من هذا، متى دخل من الأساس؟ لم يسمع أيّ صوت غريب لفتح الباب...و لا يعقل أنّه دخل و خرج من النّافذة لأنّها مرتفعة.
«انتظر لحظة، أين كنت في هذا الوقت المبكّر؟»
ألقى تساؤله بفضول يرى كيف توقّف رايدر عن المشي، يرمي نظراته لرافاييل من فوق كتفه رافعا زاوية شفته في ابتسامة جانبيّة:
«أين برأيك؟ على السّطح»
«السّطح؟ في الصّباح الباكر؟ لماذا؟»
تساءل باستغراب يلاحظ كيف رفع الآخر كتفيه بلامبالاة و أردف مبرّرا:
«شعرت برغبة في مشاهدة شروق الشّمس فقط»
رقّت عينا رافي لوهلة يطالع شقيقه بتفحّص، و قد كان يبدو بخير...ظاهريّا.
من النّادر أن يصعد رايدر للسّطح في الصّباح الباكر، فهو عادة ما يميل لفعل ذلك ليلا، و النّوم بعمق صباحا.
و من الغريب أن يفعل ذلك اليوم تحديدا بعد ما جرى، و بعد ادّعائه أنّه بخير تماما.
لاحظ كيف اعتلت وجه رايدر نظرات استغراب، و استغلّ هو ذلك لطرح تساؤله:
«هل أنت بخير؟»
بتلك الكلمات، تصنّم رايدر مكانه و لم يخطُ خطوة أخرى، ما جعل عينيّ رافاييل تضيق بترقّب لردّ فعله.
لم تكن سوى ثانيتين حتّى التفت يواجهه بجسده، راسما ابتسامة جانبيّة على شفاهه أتبعها بقوله:
«لما قد لا أكون كذلك؟ أنا بأفضل حال...اقلق على نفسك رافي»
لم ينتظر لحظة أخرى و استدار مجدّدا يواصل طريقه إلى الخارج بينما يرفع يده في الهواء مضيفا:
«أراك لاحقا أخي، اعتنِ بنفسك»
و بذلك، خرج من الشّقّة مباشرة تاركا خلفه رافاييل الّذي ظلّ يراقب مخرج الغرفة بهدوء قبل أن يتنهّد بثقل و يقرّر العودة لعمله.
هذا كلّ ما يمكنه فعله الآن..
.
.
༺༺༺༺༻༻༻༻
.
.
وقت الغداء، امتلأت ممرّات الجامعة بالطّلّاب الّذين توجّه أغلبهم ناحية الكافيتيريا لأجل إشباع بطونهم بعد صبيحة مرهقة، بينما فضّل بعضهم الاختلاء بنفسه و الحصول على بضع لحظات هادئة لأجل الرّاحة.
و من بين هؤلاء، كانت فتاة بأعين عسليّة تصعد السّلالم مهرولة تتخطّى الطّلّاب بغية الوصول إلى السّطح في الأعلى.
سحقا، لماذا لا تزال الممرّات مكتظّة هكذا؟ لقد انتظرت بضع دقائق في صفّها بالفعل، و قد خرج جميع زملائها، فلماذا هذا إذا؟
واصلت إيلينور شقّ طريقها بين الطّلّاب و هي تلقي باعتذارات سريعة كلّما دفعت أحدهم بقوّة، لتتنفّس براحة أخيرا فور أن تخطّت آخر فتاة بينهم.
«و أخيرا..»
تمتمت برضا و هي تواصل السّير قاصدة السّطح، تمرّر بصرها على المكان بعناية متأمّلة ألّا يكون أيّ أحد آخر ينوي الصّعود كذلك.
هي تريد بضع لحظات هادئة فقط لأجل الرّسم لا أكثر...ربّما تجرّب اليوم رسم منظر الحرم الجامعيّ الّذي تراه من الأعلى؟ ربّما فقط.
ستحسم أمرها حينما ترى كيف سيكون شكله، و هي تتمنّى بشدّة أن تلمح رايدر يجلس في الأسفل حتّى يكون جزءا من اللّوحة...أو العنصر الأساسيّ فيها إن صحّ القول.
ابتسمت بخفّة على تلك الفكرة بينما تدفع باب السّطح و تخطو متخطّية عتبته تشعر بالنّسمات الباردة الّتي داعبت خصلاتها السّوداء مبعثرة إيّاها.
أغمضت عينيها و رفعت رأسها للأعلى تسمح لتلك النّسمات بأن تلامس وجهها و عنقها كذلك، قبل أن تخفضه مجدّدا و تلقي نظرة سريعة على المكان تمسحه لتتأكّد ممّا إذا كانت الوحيدة هنا.
و قد سقطت ابتسامتها فجأة حالما لمحت أحدهم يطلّ من على حافّة السّطح بذهن شارد.
رايدر؟ لم تعلم بأنّه يحبّ التّواجد في مكان كهذا...رغمّ أنّها قد لمحته و هو يقف هنا حينما كانت ترسم هيوغو.
لكن، المهمّ الآن هو...ما الّذي يغعله بمفرده في هذا المكان المنعزل؟ أهو مكتئب أو ما شابه؟ با للسّخرية.
سارت خطوتين إلي الأمام و هي تميل برأسها محاولة رؤية وجهه، لكنّ شعره كان يخفيه تماما.
حتّى و بعد أن قصّه، لا تزال بعض الخصلات طويلة قليلا فقط...لكن قطعا ليس بطريقة أنثويّة.
لكن بالمناسبة، من الجيّد أنّها وجدته هنا، فقد كانت تفكّر في طريقة لإعادة سترته له من دون لفت أنظار زملائهم.
«أنت هنا؟»
تساءلت بنبرة مستغربة تحاول لفت انتباهه لها و هي تتقدّم منه أكثر ببطء شديد، تلاحظ كيف اشتدّت قبضته على حافّة السّور بينما يلفّ وجهه للجانب دليلا على أنّه سمعها، قبل أن يعود للتّحديق بالفراغ مجدّدا متجاهلا إيّاها.
لماذا هي هنا الآن من بين كلّ الأوقات؟ كلّ ما أراده هو لحظات قليلة فقط وحده ليستوعب ما يجري في حياته.
لديه أخ غير شقيق من ذلك الرّجل الحقير...أخ آخر غير رافاييل...و كأنّ هذا لا يكفي، يصدف أنّه نفسه الأشقر المبتذل التّافه الوغد؟
لم يرد الانفعال أكثر أمام رافي فحسب، لكنّ الأمر يزعجه، و بشدّة...و يخنقه أنّه اضطرّ لتمثيل أنّ كلّ شيء بخير منذ أن عاد للشّقّة مساء الأمس.
من الجيّد أنّه كان يوم راحته و لم يكن لديه عمل..
حاول بجهده ألّا يبديّ اكتراثا بما يحدث، لكن على من يكذب؟ هو منزعج الآن و بشدّة، و قطعا ليس في مزاج لرؤية أحد...و لا حتّى هي.
ليس مهتمّا على الإطلاق بأمر ذلك المدعوّ رين، و لكن لا يمكنه تجاهل حقيقة أنّه خلّف وضيعا ليخلفه.
قد أتى بقدميه إليهما و أخبرهما بكلّ شيء، هذا صحيح؛ لكنّه لا يشفع له، و لن يغيّر كرهه له و لو بقيد أنملة، بل سيزيد منه لأنّه ابن المرأة الّتي تركهم ذلك المنحطّ رين لأجلها.
بسببه عانى رافاييل لأجل أن يحلّ مكانه رغم أنّه بدوره كان لا يزال طفلا.
تبّا له! أكثر ما يتمنّاه في هذه اللّحظة هو أن يحلّ بتلك الأسرة كلّ أنواع السّوء...ليس عادلا أن يعيش أشخاص مثلهم حياة سعيدة هكذا.
«رايدر؟ هل تسمعني؟»
رنّ صوتها في أذنه مجدّدا، و هذه المرّة، لم يستطع تجاهله و تجاهل الطّريقة الّتي يستفزّه تواجدها بها.
هل هي مصرّة على تعكير صفو هدوئه؟ لماذا لا تفهم لوحدها أنّ الوقت ليس مناسبا للإزعاج و تبتعد فقط!
«لست في مزاج للاستماع لأحد»
نبس بحدّة حالما أصبحت أقرب له بحيث استطاع رؤيتها، يراها تضع يديها على حافّة السّور الحجريّ و تنطق بحيرة بينما تثبّت عينيها عليه:
«ما الأمر؟ هلــ»
«غادري، و حالا...أو قفي بعيدا عنّي على الأقلّ»
صرّح بانزعاج باترا جملتها، يجعل من عقدة تتشكّل بين حاجبيها حينما نبست بتفاجئ:
«ماذا؟ ما خطبـــ»
«قلت ابتعدي عنّي ألا تسمعين؟! لماذا تصرّين على إزعاجي؟ تقبّلي بأنّي لست مجبرا على التّعامل معك إن لم أرد ذلك!»
صاح بسخط و هو يضرب بيديه على حافّة السّور، يدفع بجسده إلى الخلف و يوجّه نظرات حادّة ناحية عسليّة الأعين الّتي اتّسعت حدقتاها بصدمة، و وجدت نفسها تتراجع خطوتين إلى الخلف بحذر.
حدّقت بعينيه مباشرة ترى الغضب الّذي كان يتملّكه...لم تكن تعلم بأنّ وجودها لا يروقه لهذه الدّرجة، رغم أنّها لم تكن تعرف حتّى أنّه هنا حينما قرّرت الصّعود.
نزلت ببصرها إلى يديه تراه يشدّ عليهما بإحكام كأنّه يحاول تمالك أعصابه.
أيّ تمالك أعصاب هو هذا بعدما انفعل بهذه الطّريقة؟
أغمضت عينيها بقوّة تكتم انزعاجها، قبل أن تمدّ يدها إلى حقيبة ظهرها و تخرج منها كيسا أسود اللّون، ترى كيف تحرّكت عيناه تزامنا مع يديها يحاول معرفة الّذي تقوم به.
حملت الكيس بإحكام، لترفع يدها و تلقي به عليه بكامل قوّتها تصرخ بدورها:
«خذ أيّها المغفّل، اقتربت منك لأنّي كنت سأعيد لك سترتك فحسب! لم أعِدها سابقا لأنّي غسلتها و لم تجفّ إلّا ليلة أمس!»
«مغفّل؟»
كان ذلك كلّ ما التقطته أذناه و هو ينحني ليحمل الكيس الّذي وقع على الأرض، يفتحه ليلمح السّترة الّتي كانت مطويّة بداخله.
تبّا، لقد نال منه غضبه...و مجدّدا، هذا خطأ الأشقر الوضيع.
لماذا كان عليه أن يتواجد على وجه هذه الأرض!
حسنا، لقد كان خطأها أنّها قاطعت لحظات تفكيره...لكن إن كان بسبب إعادة سترته و حسب، فقد بالغ نوعا ما في ردّ فعله...كثيرا في الواقع.
سحقا...لا يمكنه أن يقول بأنّه مخطئ..
تنهّد رايدر بعمق بينما يلقي بالكيس إلى جانب حقيبة ظهره الّتي كانت موضوعة جانبا، ثم نبس بعدم اكتراث و قد خفّ غضبه قليلا:
«نسيت أمرها تماما، كان بإمكانك الاحتفاظ بها»
لفّت إيلينور عينيها بضجر قبل إن تجيبه بلامبالاة:
«قلت لي أن أعيدها، و قد فعلت...سأغادر الآن»
استدارت مباشرة بعد كلماتها هذه، تخطو مبتعدة عن المكان من دون أن تنظر خلفها.
«انتظري»
توقّفت ساقاها عن الحركة عند تلك الكلمة الّتي تلفّظ بها بشكل مفاجئ، تطلق زفرة عميقة قبل أن تلتفت بجسدها ناحيته و تجيب واضعة يديها على خصرها:
«ماذا الآن؟ ما خطبك يا هذا»
رمش للحظة يستوعب الّذي تفوّه به، يجد نفسه يحرّك يده في الهواء بعشوائيّة بينما يشتم نفسه داخليّا.
تبّا، لماذا استوقفها؟ دعها تغادر و حسب رايدر، لا شيء لتقوله لها على أيّة حال..
«سحقا...لا شيء، غادري و حسب»
استدار يوليها بظهره، يتقدّم من حافّة السّطح مجدّدا و هو يبعثر شعره بضيق...و لم يكن بوسعه ملاحظة الطّريقة الّتي لانت نظراتها بها قليلا ترى كيف كان يبدو ضائعا تماما.
ربّما فرضيّتها السّابقة محقّة، و هو ليس بخير؟ يمكنها أن تعذره عن تصرّفه إن كان الأمر كذلك...الجميع يمرّ بوقت عصيب أحيانا.
واصلت مراقبته لبضع ثوانٍ إضافيّة، تفكّر بعمقٍ في ما إذا كان عليها السّؤال عن الأمر أو التزام الصّمت فحسب.
لقد استوقفها حينما كانت مغادرة...هو مدرك أنّه انفعل بشكل مبالغ، لكنّه لا يستطيع الإقرار بذلك، و عدوله عن الحديث في آخر لحظة يثبت ذلك...هذه هي طباعه، و لن تتغيّر كما يبدو.
«ليس عليّ قول ذلك، خصوصا بعد كلّ هذا...لكن، أأنت متأكّد من أنّك بخير؟ لا أعتقدك مجنونا لتغضب من دون سبب، و متأكّدة من أنّي لم أفعل شيئا خاطئا»
نبست بذلك تترقّب أيّ ردّة فعل منه، لتراه يصدر تنهيدة عميقة قبل أن يجيبها بهدوء من دون أن يلتفت خلفه:
«معك حقّ، لم تفعلي»
«إذا هل حدث شيء ما؟»
تساءلت بينما تخطو بضع خطوات أقرب له، تحاول الحفاظ على مسافة أمان بينهما في حال انفعل مرّة أخرى.
لا يمكنها معرفة ما يجول في عقل هذا الفتى، لذا فالحيطة واجب.
توقّفت مكانها فجأة حالما التفت هو نحوها، يستند بظهره على السّور خلفه و يميل برأسه للأمام متنهّدا بخفوت:
«لا أريد خوض حديث حول الأمر»
أومأت برأسها بتفهّم، ثمّ فكّرت للحظات قبل أن تفرقع أصابعها قائلة:
«ما رأيك بأن أرسمك إذا؟ قد يجعلك هذا تشعر بتحسّن»
ترسمه؟ هل هي تمزح الآن أو شيء من هذا القبيل؟ هو الآن منشغل الذّهن بمسألة جادّة، و هي تفكّر في رسمه؟ هذا قطعا لا يساعده إطلاقا.
«هل لي حقّ الاختيار؟»
سرعان ما ارتفع حاجب إيلينور باستغراب من تساؤله الجادّ، و لوهلة فكّرت في أنّه يتلاعب بالكلمات لا غير...ممّا رأته منه سابقا، فلا يمكنها التّفكير في أنّه قد يرفض ذلك حقّا.
«طبعا»
نبست راسمة ابتسامة هادئة على وجهها، ترى كيف دسّ يديه داخل جيوب بنطاله الرّياضيّ، يشيح بوجهه للجانب قائلا:
«لا أريد...حقّا لست في مزاج للجلوس ثابتا لساعتين»
رمشت مرّتين تستوعب ذلك، قبل أن تضيق عيناها باستغراب من إجابته.
«إذا في وقت آخر؟»
تساءلت محاولة التّأكّد ممّا يدور في ذهنه، لينعقد حاجباها باستغراب حالما التقطت أذناها صوت الضّحكة الخافتة الّتي صدرت عنه.
ما خطب هذا الشّابّ؟ ألم يكن لتوّه يستشيط غضبا؟
«لماذا لا تعترفين بأنّك تريدين رسمي و حسب»
نبس بذلك و هو يدفع خصلاته السّوداء إلى الخلف، و يحرّك رأسه بقلّة حيلة، جاعلا من إيلينور ترسم على شفاهها ابتسامة متحدّيّة و تجيبه بثقة:
«لم أنكر ذلك»
تجمّدت ملامح وجهه للحظة من تصريحها، يأخذ نصيبه من الصّدمة، قبل أن يتنهّد بخفّة و يخطو بثبات ناحيتها، جاعلا منها تراقبه باستغراب منتظرة حركته التّالية.
لاحظت كيف استمرّ في التّقدّم أكثر، يجعلها تعود عدّة خطوات للخلف محاولة الحفاظ على المسافة بينهما...لكنّه لم يتوقّف عن الاقتراب.
ظلّت عيناها تحدّقان بخاصّته بينما تستمرّ في التّراجع، إلى أن عجزت عن أخذ خطوة أخرى حالما اصطدمت بشيء صلب.
سحقا، منذ متى كان هناك جدار في هذا المكان؟
عضّت على وجنتيها من الدّاخل بتوتّر، تحاول الحفاظ على تعابير وجهها الهادئة و هي تراه يتوقّف حالما أصبحت المسافة الفاصلة بينهما بضعة أقدام.
المسافة ليست سيّئة، فهو ليس قريبا منها لتلك الدّرجة.
هو حقّا يحترم النّساء إذا...تصرّفاته غريبة نظرا لشخصيّته.
اعتلت وجه رايدر نظرات هادئة و هو يحدّق بعينيّ إيلينور من دون أن ينبس بكلمة، قبل أن ينخفض بجسده قليلا بحيث أصبح وجهه في مستوى واحد مع خاصّتها.
أمال رأسه إلى الجانب قليلا، رافعا طرف شفاهه في ابتسامة جانبيّة بينما يلقي بكلماته بسخرية:
«لم أتوقّع منكِ أن تعترفي بذلك بهذه الثّقة...هل هذا لأنّني صرت أعلم بكلّ شيء؟»
لاحظ كيف علا حاجب الأخرى بتحدٍّ، قبل أن تنسحب من مكانها بسرعة مبتعدة عنه قليلا، تراه يستقيم في وقفته مجدّدا و يتبعها بأعينه.
«ربّما...»
ألقت بتلك الكلمة رافعة كتفيها بلامبالاة، تراه يصدر ضحكة ساخرة قبل أن يسير باتّجاهها، و يتخطّاها مواصلا طريقه ناحية مخرج السّطح بعدما التقط حقيبة ظهره و الكيس الّذي به سترته.
لديه عادة غريبة و مزعجة حقّا في المغادرة قبل إنهاء المحادثات.
رفعت كلا حاجبيها بدهشة من حركته تلك، و وجدت نفسها تلتفت خلفها مباشرة و تصيح مخاطبة إيّاه:
«أنت! إلى أين تذهب هكذا؟ صحيح أنّك رفضتَ الرّسم، لكن قدّر على الأقلّ محاولتي لتحسين مزاجك»
تزامنا مع آخر كلمة، توقّف عن السّير و ألقى عليها بضع نظرات من فوق كتفه مجيبا إيّاها:
«محاولتك نجحت، لقد تعدّل مزاجي بالفعل هارفي»
اتّسعت حدقتاها بتفاجئ من كلامه، لتدفع بخصلاتها إلى الخلف مجيبة بعدم تصديق:
«ماذا؟ هل أنتــ»
لم يسمح لها بمواصلة جملتها و بترها قائلا بنبرة محذّرة:
«لست مجنونا، لا تجرئي حتّى على التّلفّظ بها»
لم تعقب على ذلك و استمرّت في مراقبته بشرود و هو يلتفت مجدّدا و يسير مبتعدا، ليغادر السّطح كلّيّا...و لم يعِدها إلى أرض الواقع سوى صوت رنين الهاتف الّذي دوى في الأرجاء فجأة.
مدّت يدها إلى جيب سترتها تسحب الهاتف، لتقع عيناها مباشرة على اسم لوسيا الّذي أضاء الشّاشة.
سحقا، هي لا تتّصل لأنّها رأتها هنا أو ما شابه، صحيح؟ سيتعيّن عليها أن تكون حذرة حينما تنزل حتّى لا تصادفها...أو على الأقلّ حتّى لا تسمح لها بمعرفة أنّها كانت في السّطح.
لا تزال تذكر جيّدا ما حدث آخر مرّة..
تنهّدت بخفّة عند تفكيرها بذلك و هي ترسم ابتسامة خفيفة على وجهها، قبل أن تضغط على زرّ الإجابة.
«لوسيا؟ أهلا»
نطقت بحذر حالما رفعت الهاتف لمستوى أذنها، تسمع الصّوت الأنثويّ المبتهج القادم من الجهة الأخرى للسّمّاعة:
«أهلا! كيف الأحوال لينو؟»
أطلقت إيلينور زفرة مرتاحة و هي تدعو داخلها ألّا يكون هذا فخّا من لوسيا، ثمّ أجابت مجارية حيويّتها:
«بخير سيا، ماذا عنكِ؟»
«جيّدة، أين أنتِ الآن؟»
«على السّطح أستنشق بعض الهواء، لماذا؟»
«أنا في طريقي للخروج من الجامعة، و اتّصلت لأقترح عليك شيئا»
ارتسمت تقطيبة خفيفة على جبين المعنيّة، تسمع لوسيا تواصل مباشرة:
«ما رأيك أن آتي لمنزلك هذا الأسبوع لنبيت معا؟ تعبت من إزعاج ثيودور و أريد قضاء ليلة مسالمة بدونه...كنت سأدعوكِ لمنزلي، لكنّي متيقّنة بأنّه لن يتركك في حال سبيلك»
شقّت وجه إيلينور ابتسامة متّسعة، تلاها ضحكة خافتة صدرت عنها، قبل أن تجيب مباشرة:
«اعترفي أنّ إزعاجه يضفي بهجة على حياتك»
«لن أفعل»
ضحكت مجدّدا بخفّة و هي تهزّ رأسها بقلّة حيلة، ثمّ أردفت بحماس:
«حسنا إذا، ما رأيك بأن تأتي اللّيلة؟ سأخبر ناتالي، و هي لن تمانع على أيّة حال»
«أحقّا؟»
نبست بنبرة مبتهجة، لتهتهم الأخرى قبولا و تجيبها مؤكّدة:
«أجل، حقّا»
«مثاليّ! سآتي طبعا، و سنقضي سهرة ممتعة!»
«سنفعل بكلّ تأكيد، سأكون بانتظار قدومك حينما أعود للمنزل»
همهمت لوسيا قبولا، قبل أن ينقطع صوتها للحظة و يتبادر لمسامع إيلينور بضع أصوات مختلفة...يبدو أنّ لوسيا قد غادرت الجامعة، و هي الآن في مكان عامّ.
كانت على وشك التّحدّث و سؤالها عن ذلك، إلّا أنّها عدلت عن الأمر حالما وصلها صوت سيا مجدّدا:
«حسنا، أنا على وشك الصّعود للحافلة الآن، لذا سأقطع الخطّ»
«وداعا إذا، أراكِ لاحقا»
و بذلك، قطعت لوسيا الخطّ تاركة عسليّة الأعين تطالع شاشة هاتفها مبتسمة.
هذه الفتاة مجنونة حقّا..
_aerithra_