اختلاف

اختلاف

18 0

____________________________________________

«ما هذا الهراء الّذي تتفوه به!»

دوى صوت تلك المرأة الشّقراء الّتي صاحت بغير تصديق و هي تقف من مكانها مباشرة، جاعلة من الرّجل الّذي جلس على الأريكة المقابلة لها يقف هو الآخر.

«رين، هل أنت جادّ؟ ألم تقل بأنّهما بعيدان عنّا و لا داعي لأن أقلق بشأنهما! لم نتّفق على هذا! كيف يظهران في نفس جامعة ابني!»

أضافت بنبرة ساخطة و هي تضرب الأرض بقدمها، ترى زوجها يطالعها بحيرة قبل أن ينطق محاولا تهدئة الوضع:

«اهدئي قليلا كلوي، أحدهما فقط في الجامعة، الآخر لا»

«و هل هذا يجعل الوضع أفضل؟ لقد أخفقت رين...أخفقت بشدّة»

نبست بصوت أقلّ ارتفاعا و هي تخفض رأسها و تهزّه بيأس، لترفعه مجدّدا و ترمق رين بنظرات حادّة رافعة سبّابتها في وجهه.

«أنا لا أريد أيّا منهما في حياتي أو حياة هيوغو، لا ذنب لنا ليظهر ابناك من العدم، لذا ستتحمّل مسؤوليّة إبعادهما لوحدك»

«إبعادهما؟ هما لا يعرفان شيئا عنّي حتّى...لقد مضت عشرون سنة منذ آخر مرّة رأى أكبرهما رافاييل وجهي، أمّا الآخر فلم يرني شخصيّا قطّ»

برّر رافعا حاجبيه و هو يحاول بذلك تخفيف غضب زوجته، لتميل هي برأسها و تعلّق بجدّيّة بحتة:

«و من الأفضل أن يظلّ الأمر كذلك إن لم ترد أن تتشتّت أسرتنا»

«لقد طلبت من هيوغو بالفعل البقاء بعيدا عن مسبّب المشاكل ذاك، و لا أظنّه سيلتقي بالآخر أبدا»

«متأكّد؟ الأمر لا يزال يزعجني...لم أوافق على الزّواج منك إلّا لأنّك أكّدت لي أنّ أسرتك القديمة لن تعكّر صفو حياتنا»

من طريقة حديثها، استطاع رين الشّعور بانعدام الأمان الّذي أحسّت زوجته به.

لن يلومها...فحتّى هو قلق من أن يجداه، و لكن لا يمكنه أن يخبرها بما يدور في ذهنه الآن من أفكار تخصّ احتماليّة اكتشافهما لكلّ شيء، و يخاطر بتعكير صفو حياتها.

لقد عاش عشرين سنة و هو سعيد مع كلوي، و لن يجرؤ على إفساد سعادتها مهما كلّف الثّمن.

«و هو كذلك، لا تقلقي عزيزتي...ما دام ابنا بيانكا لا يمتلكان أيّ معلومات عنّي، و هيوغو لا يعلم بأيّ شيء، فكلّ شيء جيّد بالنّسبة لنا»

أجابها و هو يبتسم بخفّة محاولا طمأنتها، يراها تتنهّد بيأس و هي تلفّ ذراعيها حول نفسها محاولة تهدئة أعصابها، قبل أن تتمتم بينما تحدّق بالأرضيّة:

«آمل ألّا أكون قد أخطأت بوضع ثقتي بك رين»

نبرتها في نهاية كلامها كانت خائفة و قلقة نوعا ما.

خوف من أن يكون ثمن ظهور ابنيّ زوجها هو حياتها السّعيدة مع أسرتها.

و مرّة أخرى، استطاع رين الشّعور بذلك، ما دفعه للتّقدّم ناحيتها و قطع المسافة بينهما، قبل أن يلفّ ذراعيه حولها و يضمّها له بقوّة هامسا:

«لا تقلقي شقرائي، أعدك أنّ حياتنا ستستمرّ بشكل عاديّ كما كانت دوما...و لو كلّفني ذلك الانتقال من هذه المدينة»

ختم كلامه جاعلا من شفتيها تفترقان بدهشة، لترفع رأسها ناحيته ببطء تحرّر جسدها من العناق.

«رين، لا أريد الانتقال من المدينة لأيّ سبب كان»

هزّت رأسها بخفّة نافية، تؤكّد بذلك على كلّ كلمة تفوّهت بها.

تنتقل؟ و بعد أن استقرّت في منزلها هذا لسنوات و عاشت العديد من الذّكريات؟ هذا محال..

«ليكن كما تريدين جميلتي، إن لم ننتقل نحن، سينتقلان هما...فقط لنرَ ما الّذي سيحدث أوّلا»

أتبع كلماته تلك بقبلة عميقة طبعها على فروة رأسها، يمسك بكتفيها و يجعلها تصدر تنهيدة عميقة تطالع أعينه البنّيّة للحظات قبل أن تردف بهدوء:

«آمل فقط أن-»

انقطع صوتها فجأة، جاعلا من عقدة تتشكٌل بين حاجبيّ رين الّذي لاحظ انزياح زرقاوتيها ناحية باب غرفة المعيشة خلفه، تجعله يتبع عينيها بشكل لاإراديّ.

وقع بصره على المدخل، و لم يقوَ لحظتها لا على الحراك و لا على الحديث.

منذ متى و هيوغو يقف هنا؟

عاد ببصره ناحية زوجته، يجد شفتيها مفترقتين و أعينها متّسعة بصدمة...هل سمع حديثهما؟

«أنتما هنا؟ ما الأمر؟»

نطق هيوغو باستغراب و هو يقف عند العتبة يطالعهما بحاجب مرفوع، يرى والده يحمحم منظّفا حلقه قبل أن يجيب محاولا إخفاء توتّره:

«لا شيء إطلاقا...منذ متى و أنت تقف هناك؟»

«دخلت لتوّي، كان الباب مفتوحا قليلا و لم أتوقّع أن أجدكما هنا»

«هل كنت تبحث عن شيء ما؟»

نطقت والدته هذه المرّة متسائلة و هي تتقدّم منه بهدوء راسمة على وجهها ابتسامة دافئة، تراه يومئ برأسه قبولا و يجيب ممرّرا بصره عليهما بنوع من الاستغراب.

هما لا يدركان ذلك، و لكنّ كلا والديه يتصرّفان بشكل غريب لدرجة ملحوظة.

عليهما تعلّم التّمثيل في المرّة القادمة الّتي يريدان فيها إخفاء شيء عن ابنهما البالغ ذي "التّسع عشرة سنة".

لا بدّ و أنّ امتلاكها لابن واحد جعلهما عاجزين عن التّفريق بين البالغ و الطّفل...رغم أنّ والدته قد أصبحت هي الوحيدة الّتي تمتلك هذا العذر الآن.

«لم أجد هاتفي في الغرفة، و افترضت أنّي قد نسيته هنا أمس»

أجاب و هو يرى والدته تربّت على كتفه بخفّة بينما تلقي بكلماتها متخطّية إيّاه:

«ابحث عنه إذا، و سأجهّز لك الإفطار قبل أن تذهب للجامعة عزيزي»

راقبها و هي تختفي بسرعة قبل أن يتسنّى له الرّدّ، و لم يجد نفسه سوى و هو يتمتم بصوت لم يسمعه سواه:

«حسنا..»

التفت بعدها أمامه ينظر هذه المرّة ناحية والده الّذي وقف مكانه من دون حراك يبادله النّظرات و كأنّه ينتظر منه قول شيء، و بالفعل لم ينتظر هيوغو أكثر و ألقى بتساؤله:

«ألم ترَ هاتفي هنا؟»

هزّ رين رأسه نافيا و هو يتفحّص المكان من حوله بحثا عن أيّ أثر للهاتف، ثمّ أجاب بحيرة:

«لا، أنا لا أعلم مكانه...متأكّد من أنّك لم تتركه في مكان آخر؟»

استقرّت عيناه على ابنه مجدّدا، و الّذي قوّس شفتيه بجهل مردفا:

«لم يكن في غرفتي، و لا أضعه عادة في أيّ مكان آخر عدا غرفة الجلوس...لكن سأبحث عنه بمفردي، لا مشكلة»

همهم الآخر قبولا بينما يتقدّم منه بهدوء، ليربّت على كتفه بقوّة و يردف بنبرة راضية:

«جيّد، سأذهب للاغتسال إذا بنيّ»

ابتسم له المعنيّ بخفّة، و ما كاد ينطق بحرف حتّى سبقه رين الّذي أضاف بكلّ جدّيّة:

«و قبل هذا أريد تذكيرك بأن تبتعد عن رايدر ذاك، مفهوم؟»

سرعان ما سقطت ملامح الأشقر فجأة يطالع والده بملامح وجه مستاءة، قبل أن يتذمّر قائلا:

«أبي، أنا شابّ بالغ و لست طفلا في الخامسة...أعرف مصلحتي»

«و أنا والدك، استمع لي و حسب»

ألقى بذلك بينما يتخطّى ابنه و يغادر تاركا إيّاه بمفرده داخل الغرفة، و الّذي ظلّ واقفا مكانه و قد اعتلت وجهه لتوّه ابتسامة ساخرة.

هذا مضحك جدّا..

مدّ يده لجيب بنطاله الخلفيّ يسحب الجهاز الّذي كان من المفترض أنّه يبحث عنه، ثمّ فتح قفل هاتفه يسارع لدخول معرض الصّور.

عليه تفقّد ما إذا كانت لديه صور لما يحتاجه الآن أم لا...و بسرعة كذلك قبل أن تنادي والدته عليه لأجل تناول الإفطار.

.

.

༺༺༺༺༻༻༻༻

.

.

في تلك الممرّات الخالية لمبنى الجامعة، كان الهدوء طاغيا على المكان، إلّا أنّ الصّوت القويّ لخطوات أحدهم تردّد فجأة في الأرجاء كاسرا إيّاه.

لا وقت لديه، عليه أن يجده الآن و حالا...لقد أتى باكرا فقط لأجل هذا.

واصل هيوغو التّنقّل عبر الأروقة و اقتحام كلّ قاعة يمرّ بها بحثا عن شخص واحد.

رايدر ميرفي..

أجل، لم يكن ليتصوّر ذلك قطّ، لكنّه و لأوّل مرّة يركض هنا و هناك بحثا عن أحمق مثله.

و الأسوأ من كونه أحمقا، هو أنّ هذا الأحمق هو أخوه..

رايدر ميرفي، نفس الشّخص المزعج الّذي لا يطيق وجوده على وجه هذه الأرض، هو أخوه غير الشّقيق..

سحقا لهذا...لماذا هو من بين الجميع؟ و لماذا كان عليه أن يكتشف هذا عن طريق الصّدفة؟ لقد نجح والده بشدّة في إخفاء الأمر عنه.

و هو من كان يظنّ نفسه الابن الوحيد له طيلة تسع عشرة سنة..

ماذا لو أخبراه منذ البداية؟ ربّما كان سيتقبّل الأمر و ينساه فورا كأنّه لا شيء.

لكن لا، كان عليهما معاملته كالطّفل السّاذج و إخفاء الأمر عنه، تحت مسمّى حبّهما له، و خوف والدته من أن يفسد ابنا زوجها حياتهم...لا يمكنه حتّى أن يحدّد من الأحمق الآن.

هما لأنّهما اعتقدا أنّه لم يسمع شيئا هذا الصّباح؟ أم هو لأنّه لم يشكّ في تشابه الألقاب منذ البداية و لم يتساءل قطّ عن "الظّروف الخاصّة" الّتي استدعت أن يأخذ لقب أمّه؟

لم يكن ليفعل ما سيفعله الآن تحت أيّ ظرف آخر، و لكنّ الخيارات نفذت من عنده...عليه الحديث مع ابنيّ والده وجها لوجه، و التّأكّد من كلّ هذا.

من يعلم؟ ربّما يسمع منهما أشياء أخرى كان يجهلها؟

الأمر لا يزال غريبا حقّا و صعب التّصديق؛ من كان ليقول بأنّ والده كان متزوّجا من قبل و لديه طفلان؟ لم يعد قادرا على تحديد ما يشعر به حتّى..

ربّما هو مزيج من الكره و المقت؟ لكن اتّجاه من؟ نفسه؟ والديه؟ أخويه غير الشّقيقين؟

كلّ شيء يبدو مقرفا الآن...الأمر الوحيد المقبول وسط كلّ هذه الفوضى، هوّ أنّ لا شيء سيتغيّر في حياته على الأرجح -عدا حصوله على المعلومة الجديدة-، و سيظلّ الابن الوحيد لوالديه بما أنّ الآخرين أشبه بالمنبوذين بالنّسبة لهما.

لوالده تحديدا، فأمّه لا علاقة لها بهما.

لو كان مكانهما و علم بكلّ هذا، فسيكره أباه بشدّة، و لكن من يهتمّ بالغير في كلّ الأحوال؟ خصوصا إن كان المعنيّ شخصا كالأحمق رايدر مثلا.

ليس لديه أيّ مشكلة مع الآخر...رافاييل بحسب ما سمع، و هو بالكاد يذكر ملامحه حتّى؛ مشكلته الوحيدة هي مع الآخر...و هو عازم على تجاهلها الآن.

الآن فقط، من أجل الحصول على الحقيقة الكاملة الّتي يريدها.

توقّف هيوغو فجأة عن السّير حالما دخل آخر قاعة في ممرّ الطّابق الأخير. و مرّة أخرى، لم يكن هناك.

أين ذهب؟ أيعقل أنّه لم يصل بعد؟

أصدر هيوغو زفرة مطوّلة، متجاهلا بذلك الأنظار الّتي اتّجهت ناحيته من قِبل الطّلّاب الّذين كانوا بالدّاخل، ثمّ التفت يسير مغادرا و هو يصفع الباب خلفه.

لا فائدة من هذا..

عدّل الأشقر من وضع حقيبة ظهره، و واصل طريقه ينزل السّلالم بسرعة، يبدو أنّه سيتّجه لصفّه مباشرة، و يؤجّل هذا الأمر لوقت لاحق.

«سحقا لكلّ هذا..»

تمتم بانزعاج و هو يرفع رأسه للأعلى ممرّرا أصابعه على خصلات شعره، ليعيد خفضه و يلقي بصره إلى الأمام مجدّدا.

سرعان ما توقّفت خطواته بشكل تلقائيّ فور أن فعل ذلك، و اتّسعت عيناه لا إراديّا و هو يلمح ظلّ شخص يمرّ من أمامه و يدخل الرّواق الجانبيّ.

خصلات سوداء، قميص أبيض، و بنطال ريّاضيّ رماديّ على غير العادة.

من الغريب أن يقول ذلك، لكن...و أخيرا وجده!

راقبه لبضع لحظات يراه يختفي تدريجيّا، و يدخل أحد الصّفوف.

لا يمكنه أن يستوعب بأنّ هناك رابطة دم تربطه بشخص مثله. لا يظنّه قادرا على استيعابه لا اليوم ولا غدا ولا في أيّ وقت آخر.

طرق هيوغو الأرضيّة بقدمه مرارا و تكرارا يحاول منع تردّده من السّيطرة عليه. و بالفعل، لم تكن سوى ثوانٍ قليلة حتّى وجد نفسه يسير بخطوات سريعة يلحق به.

سار مهرولا في الرّواق، إلى أن وقف أمام القاعة الّتي دخل إليها رايدر، ليلقي نظرة سريعة إلى الدّاخل يراه يضع سمّاعات رأس و يتصفّح هاتفه، راسما على وجهه تعابيره غير المبالية المعتادة.

من لا يعرفه، سيعتقد من أوّل نظرة بأنّه شخص بارد الأعصاب و يتجاهل الجميع...لكنّه في الواقع أسوأ من ذلك.

شخص ينفعل بسرعة و يحلّ كلّ مشاكله بالشّجارات لا غير.

لفّ هيوغو عينيه بملل يواصل مراقبته، و من دون إدراك، وجد عينيه تزحفان ناحية مقعد آخر تماما.

لقد كان فارغا، ألم تصل إيلينور بعد؟ هذا جيّد في الواقع.

عاد ببصره ناحية رايدر، ليحسم أمره و يدخل الصّفّ متّجها مباشرة ناحية ذاك الّذي رفع عينيه مباشرة ما أن لمح ظلّه، ليرتفع حاجباه باستغراب يراه يقف أمامه مباشرة.

الجميع ينظر ناحيتهما الآن، و على الأرجح ينتظرون شجارا...و لكن لا يهمّ.

حدّق بالجالس أمامه للحظات قليلة، يراه يباداه بنظرات باردة محمّلة بالاحتقار.

يجعله يرغب في التّراجع عن كلّ هذا، و لكن سحقا، لقد فات الأوان.

أزاح رايدر عينيه بعيدا، يعاود النّظر لشاشة هاتفه متجاهلا وجود الأشقر الّذي لكم باطن وجنته بلسانه قبل أن ينطق بنبرة جادّة:

«أريد بضع لحظات للحديث»

استطاع ملاحظة كيف توقّفت حركة الآخر فجأة، قبل أن يترك الهاتف و يبعد الجهة اليمنى من السّمّاعات عن أذنه، يرفع بصره ناحية هيوغو ملقيا بكلماته:

«و أنا لا أريد، ابتعد عنّي»

«أنا جادّ، لا سبب سيجعلني أرغب في رؤية وجهك لو لم يكن أمرا مهمّا»

أضاف ببعض من الانزعاج و هو يضغط على قبضتيه، يرى كيف استقام رايدر من مكانه مباشرة يخلع السّمّاعات و يضعها على سطح منضدته، بينما يدسّ هاتفه داخل جيب بنطاله.

التفت يواجه هيوغو بجسده، و حدّق به باشمئزاز لبضع ثوانٍ قبل أن يردف بحدّة:

«خمس دقائق، من أجل أن تتركني و شأني فحسب...و من الأفضل أن يكون الأمر يستحقّ حتّى لا أفقد أعصابي»

«لنتحدّث خارج الصّفّ»

«أيّا يكن»

سارع هيوغو للخروج، يتبعه رايدر الّذي ساوره شعور غير مريح بشأن هذا الأشقر غريب الأطوار...ليأمل ألّا يكون شيئا يستدعي أن يكسر أنفه.

وقف الشّابّان في منتصف الممرّ الفارغ بعيدا عن أبواب القاعات، يتبادلان نظرات حادّة لثوانٍ معدودة قبل أن يضمّ هيوغو ذراعيه لصدره و ينطق بجدّيّة تامّة:

«أريد مرافقتك لمنزلك و مقابلة شقيقك الأكبر، هل هذا ممكن؟ هناك ما عليه سماعه»

رمش رايدر بتفاجئ يستوعب ذلك، قبل أن يطلق ضحكة ساخرة أتبعها بتساؤله:

«هل تريد أن تشكوني إليه أو ما شابه أيّها الهزيل؟ لن ينفع الأمر»

«أشكو؟ أنا قادر على تولّي الأمور بنفسي...أحتاج محادثته حول موضوع آخر تماما»

أجاب مقلّدا نبرته السّاخرة و هو يرفع طرف شفاهه مشكّلا ابتسامة جانبيّة، يجعل بذلك حاجب رايدر يرتفع مستفهما بينما يتساءل مخفيا يديه داخل جيوبه بعدم اكتراث:

«ما هو إذا؟»

هذا الفتى بدأ يزعجه حقّا، و يثير في نفسه شكوكا حول دوافعه من كلّ هذا.

لا يمكنه أن يتخيّل بأنّ هذا الواقف هنا لا ينوي على أيّ شيء سيّء.

لاحظ كيف سقطت ملامح هيوغو و هو يطالعه بانعدام رضا، و ذلك قبل أن يرفع خصلاته الذّهبيّة مبعدا إيّاها عن جبينه و يجيبه بقلّة حيلة:

«لا يمكنني إخبارك الآن، لكنّي أقسم بأنّ الأمر جادّ...لو لم يكن كذلك لما كلّفت نفسي عناء المجيء و طلب شيء كهذا»

ضيّق رايدر عينيه بشكّ يمرّر بصره على ملامح الأشقر بتفحّص، و قد بدا أنّه جادّ جدّا.

«تبّا لك...احذر فقط أن يكون موضوعا تافها مثلك»

أجاب و هو يزفر مستسلما، يسمع الصّوت المتفاجئ للآخر الّذي أردف مستفسرا:

«إذا سأعتبرها نعم؟»

«السّاعة الرّابعة قرب بوّابة الجامعة...إن لم أجدك، فسأغادر»

ألقى بذلك و هو يوجّه نظرات حادّة محمّلة بالجدّيّة لهيوغو الّذي همهم بتفهّم قائلا:

«إذا هي نعم...سأكون هناك عند الرّابعة إلّا الرّبع»

«لا يهمّني متى تصل»

لم ينتظر رايدر لحظة أخرى، و استدار على الفور ينوي العودة لصفّه، إلّا أنّ الفكرة الّتي طرقت ذهنه للتّوّ جعلته يعدل عن ذلك و يتصنّم مكانه لبرهة.

الفرص وجدت لتستغلّ، صحيح؟ هل هذه إشارة ليستغلّ الفرصة الّتي أتيحت له؟

باهت الشّعر طرح سؤالا عليه -أو طلبا تحديدا-، ما يعني أنّ بإمكانه سؤاله عن أيّ شيء بالمقابل ما دام واقفا أمامه و بمحض إرادته.

لن يرفض الإجابة إن كان يريد أن يحصل على ما يريده حتما، و هذا جيّد.

حانت الفرصة ليفرط في الضّحك عليه.

«اسمع»

نبس بهدوء و هو يلقي بنظراته على هيوغو من فوق كتفه، و الّذي كان يطالعه بصمت يسمعه يواصل:

«بما أنّك طرحت سؤالا، فقد حان الآن دوري»

ارتفع حاجب هيوغو باستغراب يطالع رايدر بهدوء منتظرا كلماته التّالية، و بالفعل، لم ينتظر الآخر أكثر حينما تابع بمزيج من الجدّيّة و السّخرية:

«هل تحبّ هارفي تلك حقّا؟ أعني، بشكل جدّيّ، و ليس مجرّد إعجاب عابر»

التفت يواجهه بجسده كاملا في نهاية كلامه، يجعل من الأشقر يشعر بالتّفاجئ للحظة قبل أن يجد نفسه يجيب بتساؤل آخر:

«ماذا عنك أنت؟»

«أنا سألت أولا»

بدا جادّا من نبرة صوته، و كأنّه حقّا مصرّ على معرفة جواب هذا...و لم يكن لهيوغو سوى أن أجاب ببعض من التّردّد:

«لن أكذب؛ أجل، أنا أحبها»

لا يمكنه ألّا يجيب، و ذلك فقط من أجل ألّا يغيّر رأيه في طلبه السّابق...و في نفس الوقت، لا يمكنه الكذب بشأن مشاعره.

أن يقول بأنّه لا يحبّها؟ لا، لا يمكنه فعل هذا.

التزم الهدوء بعد ذلك، يرى كيف أصدر الآخر تنهيدة طويلة مشيحا بنظره بعيدا، قبل أن يتمتم بصوت منخفض قليلا، و كأنّ الأمر لم يفاجئه:

«كما توقّعت..»

«و أنت؟»

سرعان ما عادت أعين رايدر لتستقرّ على خاصّة هيوغو، يرى الفضول و القلق داخل عينيه.

هذا فقط...مضحك جدّا.

أفضل ما حدث له هو أنّه علم بحبّه لتلك الفتاة، أي أنّ لديه وسيلة لإحراقه على قيد الحياة.

الحبّ هو إحدى نقاط ضعف البشر، و لقد أخطأ بشدّة حينما كشف له نقطة ضعفه...ليتحمّل عواقب هذا.

تكّ رايدر لسانه بسخرية، و اعتلت وجهه ابتسامة مستمتعة حينما تقدّم خطوة إلى الأمام يجعل الآخر يطالعه بترقّب، لينطق و أخيرا مجيبا إيّاه بصوت منخفض قليلا:

«لا يهمّك هذا، فسواء أكنت أحبّها أم لا، لن يشكّل ذلك فرقا...لأنّك لن تحصل عليها في نهاية المطاف»

لم يكذب في ما قاله...تلك الفتاة قالت بنفسها أنّها لا تحمل مشاعر له؛ عليه أن يتقبّل حقيقة أنّه ليس سوى طفيليّ يلتصق بها على أمل أن يحصل على فرصة.

لاحظ كيف سقط فكّ هيوغو و ارتفع حاجباه عاليا كاشفا عن حجم الصّدمة الّتي تلقّاها لتوّه.

و بصراحة، أعجبه الوضع.

«أنت مجنون حقّا؛ لماذا قد تكترث إن لم تكن تحبّها؟»

تساءل بعدم تصديق، يراقب كيف رفع رايدر كتفيه بلا مبالاة يزيح بصره للأعلى، ثمّ أجابه قائلا:

«لست أكترث، و لكنّي لا أفضّل رؤيتك تحصل على ما تريده، إضافة لأنّي لا أستطيع تحمّل سماع بكائك إن أخبرتك بما لديّ»

لم يدرك هيوغو ذلك؛ و لكنّه وجد نفسه يضحك بنوع من السّخرية و بقايا من الصّدمة على إثر الكلام الّذي رنّ داخل أذنه.

هذا ما يقوله إذا؟ هل سيبقى الأمر كما هو أم أنّ الكثير من أفكاره ستتغيّر إن علم بالرّابطة الّتي بينهما؟

حتّى لو لم يتغيّر شيء فيه لاحقا، فلن يلومه...حتّى هو لا يحبّه و لا يظنّ نفسه قادرا على تقبّله مهما كان. أمّا بالنّسبة لأخيه الآخر، فهو لم يرَ وجهه سوى مرّة عن قرب، و لا يحمل له أيّ نوع من المشاعر حاليّا.

وجوده كعدمه، و لا يؤثّر على حياته، لذا لا سبب ليكرهه هو الآخر.

و مع ذلك، لا زال غير قادر على فهم نوع الفضول الّذي دفعه للسّعي خلف معلومات أخرى...أهو تعطّش لمعرفة الحقيقة؟ و التّأكّد من صحّة ما سمعه؟ فهو قطعا لن يسأل والده عن هذا بشكل مباشر بعدما أخفاه عنه.

في الواقع، لا يزال محتارا حول ما سيقوله اليوم.

كيف سيخبره بأنّه أخوه غير الشّقيق؟ و أنّ والده الّذي أنجبه هو رين ميرفي والدهما نفسه؟

كيف ستكون ردود أفعالهما يا ترى؟ مسالمة؟ عدائيّة؟

الأمر مربك له بشدّة..

«على كلّ حال، أنا سأغادر؛ لا أريد أن يراني أحد معك يا أشقر...و لا تنسى انتظاري في تمام الرّابعة»

انتشله من شروده صوت رايدر الّذي استدار مباشرة يخطو عائدا للفصل.

و أخيرا انتهت هذه المحادثة التّافهة.

«إيلينور»

توقّف صاحب الخصلات السّوداء عن السّير فور سماعه لذلك الاسم يصدر عن صاحب الشّعر الأشقر ذاك، و وجد نفسه يلتفت خلفه تلقائيّا ليلمح هيوغو يلوّح لإيلينور الّتي كانت تسير في الممرّ رفقة لوسيا. و سرعان ما زادت الاثنتان من سرعة مشيهما و اقتربتا منه.

«أرى أنّكما كنتما تتحدّثان»

نطقت عسليّة الأعين مستغربة فور أن وقفت أمامه بينما ترمي رايدر بنظرات خاطفة، و الّذي أجاب مباشرة:

«لم نصبح أصدقاء أو ما شابه، لذا لا تتوقّعي الكثير»

رمته بنظرة جانبيّة رافعة حاجبها، ما جعله يزفر بملل و يلتفت مبتعدا من دون قول كلمة.

و بالطّبع كان على هيوغو أن يعلّق على ذلك، حيث صاح مخاطبا إيّاه:

«ليتك ترى نفسك الآن»

ما الّذي يقوله الأشقر صاحب العقل الصّغير هذا؟ هل يصرّ على أن يتأذّى؟

هل أصبح من الغريب ألّا يروق له تصرّف أحدهم و يتجاهله مبتعدا عن المكان؟ لماذا يصرّ الجميع على تفسير التّصرّفات العاديّة بشكل غريب؟

«اصمت و إلّا غيّرت رأيي بشأن طلبك»

نطق رايدر بعدم اكتراث غير مبدٍ لأيّ ردّة فعل عدوانيّة، و الشّيء التّالي الّذي كان مسموعا بعد ذلك هو صوت ضحكات لوسيا الّتي نبست تخاطب إيلينور:

«كنتُ محقّة، يبدو أنّ الأشقر ليس الوحيد الواقع»

منحتها المعنيّة نظرة جانبيّة قاتلة، تمرّر نظرها بين الشّابّين، حيث تلاشى رايدر تدريجيّا عن مرمى بصرها، بينما كان هيوغو منشغلا بمراقبته كذلك...و لم تبدِ ذات النّمش أيّ شيء يدلّ على اكتراثها بتلك النّظرات.

«سيا، هل تعلمين كم من الجميل أن يحتفظ الشّخص بآرائه لنفسه أحيانا؟»

.

.

༺༺༺༺༻༻༻༻

.

.

«و بهذا، نختم محاضرتنا لليوم...يمكنكم المغادرة»

صدح صوت السّيّد براين في أرجاء القاعة جاعلا من أصوات طلّابه تتعالى تدريجيّا بينما يسارعون لجمع أغراضهم من أجل المغادرة.

لديهم وقت فراغ الآن، لذا لا داعي لبقائهم أكثر هنا.

كان البروفيسور أوّل من حمل أغراضه و سار ناحية المخرج مباشرة، مغادرا القاعة كلّيّا، ليفعل البقيّة المثل و يتدافعوا محاولين الخروج.

و رغم ذلك، ظلّ بعض منهم جالسين في أماكنهم بانتظار أن يخفّ الزّحام أمام الباب ليتسنّى لهم المغادرة من دون مشاكل، و من بينهم إيلينور الّتي كانت تقف مستندة بظهرها على حافّة المنضدة و تراقب المكان بهدوء.

أهي تتخيّل فقط أم أنّ الجوّ حارّ نوعا ما داخل هذا المكان؟ كم كان عدد الطّلّاب هنا حتّى؟

زفرت بضيق و هي تمدّ يدها إلى جيب بنطالها تخرج منه ربطة شعر، لتمسك خصلاتها بيدها الأخرى و ترفع شعرها على شكل ذيل حصان عالٍ.

هكذا أفضل..

مرّرت بصرها على المكان مجدّدا تلقي نظرات سريعة على الموجودين، لتقع عيناها عليه فجأة.

هو هنا؟ اعتقدته أوّل من يخرج كعادته.

راقبته بهدوء و هو يرخي جسده على المقعد بإهمال ممسكا هاتفه بكلتا يديه، و قد بدا و كأنّه يراسل أحدهم.

حبيبته السّرّيّة مثلا؟

وجدت نفسها تضحك بخفّة على تلك الفكرة، و لم تشعر بنفسها حينما بدأت تغرق في التّفكير قليلا.

فتى مثل رايدر ميرفي لديه حبيبة؟ هذا يبدو شبه مستحيل..

لا يمكنها تخيّل وجود فتاة تستطيع تحمّل طباعه العدائيّة و تصرّفاته المندفعة -إن استثنت تصرّفاته الغريبة تلك اللّيلة طبعا-، إلّا إذا كانت تحبّه كثيرا.

لكن ماذا لو وجدت فتاة كتلك؟ و كانت توقّعاتها حقيقيّة؟كيف قد تبدو يا ترى؟ فتاة هادئة و لطيفة تناقضه؟ أم مندفعة و متهوّرة كنسخة أنثويّة منه؟

إن كان سينجذب لفتاة، فعلى الأرجح ستكون من النّوع الثّاني، فلا تظنّه قادرا على مجاراة فتاة مختلفة عنه تماما.

سرعان ما عادت لأرض الواقع حالما رأته يعود برأسه للخلف و يزفر بقوّة جاعلا من بضع خصلاته تتطاير بعيدا عن جبينه، قبل أن يعيد بصره ناحية شاشة هاتفه متجاهلا كلّ ما حوله.

و بالمناسبة، قد تذكّرت للتّوّ بأنّ عليها وعدا لم تفِ به بعد.

طرقت بأناملها على سطح المنضدة الّتي كانت مستندة عليها، تفكّر في ما إذا كان الوقت مناسبا الآن أم لا...و لم تكن سوى أقلّ من عشر ثوان قد مرّت حينما استقامت في وقفتها و خطت بهدوء متقدّمة من رايدر.

وقفت خلفه تطالع شاشة هاتفه محاولة استراق النّظر، و لكنّ الرّسائل لم تكن واضحة لها، ما جعلها تنسى أمر ذلك و تنطق مباشرة بأوّل ما خطر ببالها:

«يا أنت»

نادت بصوت مسموع ترى أصابعه تتوقّف لثانيتين قبل أن يواصل النّقر على اللّوحة من دون أن يلتفت أو يصدر صوتا حتّى.

هل تجاهلها لتوّه؟ أم أنّه مندمج لدرجة جعلته لا يقدر على سماعها؟

«يا أنت!»

كرّرت نداءها بصوت أعلى من السّابق، ليتوقّف هو عن الكتابة مجدّدا و يجيب مباشرة من دون أن يرفع عينيه:

«لا أعرف أحدا بهذا الاسم، يمكنك المغادرة»

ارتفع حاجباها فجأة بدهشة، و وجدت نفسها ترمش بسرعة تستوعب الأمر.

ما خطبه؟ هل لديه انفصام في الشّخصيّة أو ما شابه؟ أم أنّ تصرّفاته تختلف بحسب التّوقيت؟

مزعج...لو لم تقطع وعدا، لكانت قد غادرت الآن.

«ما الّذي تفعله؟»

تساءلت بفضول محاولة لفت انتباهه مجدّدا، تلمحه و هو يستمرّ في ما يفعله من دون أن يتوقّف هذه المرّة.

«أجيب على رسائل رافي»

أجاب رافعا كتفيه بلا مبالاة، ليتجمّد جسده بشكل لاإراديّ في تلك اللّحظة و تتوقّف أصابعه عن الحركة كلّيّا يدرك الّذي تفوّه به لتوّه.

تبّا له...لقد تأكّد من أنّه حقّا لا يجيد التّعامل مع الأسئلة المباغتة

أغمض عينيه بقوّة يشتم نفسه داخليّا، ثمّ أعاد فتحهما و رفع بصره ناحيتها ببطء و قد اعتلت وجهه علامات الانزعاج حينما صرّح بحدّة:

«سحقا، ما شأنكِ بما أفعل؟ ألم أطلب منكِ المغادرة؟ سأخرج أنا إن لم تكن لديك نيّة في فعل ذلك»

كلماته تلك جعلت من تقطيبة خفيفة ترتسم على جبينها معبّرة عن مدى استغرابها، و من دون إدراك وجدت نفسها تتساءل:

«ما خطبك؟»

«هل يجب أن يكون بي شيء حتّى أرفض الحديث؟ إليك؟»

ردّ بلا مبالاة و هو يزيح بصره بعيدا عنها، بحيث لم يتمكّن من رؤية الطّريقة الّتي ارتفع بها حاجباها مظهرة بذلك حجم الصّدمة الّتي تلقّتها.

هذا الشّابّ تلقّى لكمة على رأسه لا محالة، و لن يقنعها أحد بالعكس.

ما هذه التّقلّبات؟ هل نسي بأنّه إنسان و ليس أحوالا جوّيّة؟

سرعان ما بدأت صدمة إيلينور بالتّلاشي تدريجيّا إلى أن اختفت تماما، ليحلّ مكانها ابتسامة جانبيّة ماكرة رسمتها على شفاهها قبل أن تلتفت و تلقي ببضع كلمات مدّعية اللّامبالاة:

«لا تريد الرّسومات إذا؟ فهمت، لن أرغمك على أخذها»

خطت خطوة إلى الأمام مبتعدة، لكنّها لم تقوَ على أن تخطو غيرها.

وقفت مكانها لثوانٌ قليلة قبل أن تقرّر الالتفات خلفها قليلا، تلمح الأصابع الممسكة بطرف سترتها القطنيّة، و قد كانت تشدّ عليها بإحكام.

أزاحت بصرها بشكل تلقائيّ ناحية صاحب تلك الأصابع، و قد كان يجلس بنفس وضعيّته السّابقة، إلّا أنّ هاتفه قد كان مغلقا الآن و ملقى على سطح منضدته.

«قلت أنّي لا أريد الحديث، لكن سآخذ الرّسومات»

صرّح و هو يلفّ عينيه بضجر قبل أن يسحب يده بعيدا عنها، ليضيف قائلا:

«أسرعي لأختار، لا داعي لوقوفك هكذا كالبلهاء»

لفّت هي عينيها بضجر من دون أن تعقب على ذلك، و وجدت نفسها تلتفت مجدّدا و تتقدّم قليلا لتقف قربه، قبل أن تلقي بحقيبتها على سطح المنضدة و تفتحها ساحبة منها دفترا بلون أحمر قاتم.

تشجّعي إيلينور، لا يوجد ما سيجعلك تندمين على هذا لاحقا.

ألقت بالدّفتر المغلق أمام رايدر مباشرة، تراه يحدّق به لبضع ثوانٍ قبل أن يرفع عينيه ناحيتها بسرعة و يزيحهما مجدّدا ناحية الدّفتر.

مدّ يده مباشرة يقوم بفتحه، ثمّ حنله بين يديه و راح يتصفّحه صفحة بصفحة.

«أسرع رجاءً و اختر الرّسمتين»

نطقت ببعض من التّوتّر تراه يمعن النّظر في كلّ صفحة و يمسحها بأعينه بعناية فائقة.

الأمر محرج جدّا!

«إن كنتِ مستعجلة غادري، أنا لديّ الوقت لأختار براحتي»

أجاب من دون أن يرفع أعينه حتّى، جاعلا منها تلفّ عينيها بضجر بينما تتراجع إلى الخلف مبتعدة قليلا، تستند بظهرها على أحد الكراسي.

يبدو أنّ الأمر سيأخذ وقتا..

استمرّت إيلينور في مراقبة رايدر الّذي بدا من اللّامبالاة الّتي أظهرها، كأنّه يملك اليوم بطوله، و ذلك فقط جعلها تضيّع وقت انتظارها في تأمّله.

كيف يمكن لبشريّ أن يكون تحفة فنّيّة بهذا الشّكل؟ انسوا أمر الموناليزا بينما لدينا رايدر ميرفي هنا.

لا يمكنها تخيّل اليوم الّذي تتخرّج فيه من الجامعة و تفقد الإلهام الّذي كانت تغذّي موهبتها به طيلة الفترة الماضية...هذا مرعب بشكل لا يروقها.

حينما يصلون للعام الأخير و يحين وقت تركهم لهذا المكان بكلّ ما عاشوه فيه من لحظات جميلة و مؤلمة، ستترك هي أكثر من كلّ هذا.

ستترك فنّها الخاصّ...فتى الفوضى.

مجرّد التّفكير بهذا يجعلها تتمنّى ألّا يحين يوم التّخرّج إطلاقا...ما فائدة أن تتخرّج إن خسرت جزءا منها؟ رسم رايدر أصبح شيئا روتينيّا بالنّسبة لها، و ليس بإمكانها تخيّل حياة مستقبليّة لها من دون أن تستمرّ في القيام بهذا.

ليت صدفة ما تحدث و تنقذها حينما يأتي اليوم الّذي تفقد فيه الدّافع الأكبر لاستمارارها في تنمية موهبتها، لأنّها قد تنهار فعليّا.

صدفة من أيّ نوع رجاءً..

«اخترت ما أريده»

صوته الّذي ارتفع قليلا و هو يصرّح بهذا، قطع حبل أفكارها و أعادها لأرض الواقع جاعلا منها تستقيم في وقفتها و تسير بهدوء ناحيته.

ألقت نظرة سريعة على الأوراق الّتي مزّقها، لترمش باستيعاب حالما لاحظت بأنّها كانت ثلاثة.

«هل أخذت واحدة أخرى؟»

وجدت نفسها تتساءل بتلقائيّة، ليهزّ هو رأسه قبولا و يجيب بعدم اكتراث:

«تلك بمثابة ثمن لرسمك لي من دون إذن»

صمتت للحظات تستوعب، قبل أن تمدّ يدها ناحية دفترها المغلق و تلقي به داخل حقيبتها مجدّدا.

«أرى ذلك..»

تمتمت بذلك بينما تغلق الحقيبة، لتلقي بها على كتفها قبل أن تنطق:

«وفيت بوعدي، سأذهب الآن»

التفتت مباشرة تنوي المغادرة، و لكنّها تصنّمت مكانها فجأة حالما رنّ صوته الذّكوريّ في أذنها مجدّدا:

«إلى أين؟ لم ينتهِ الأمر بعد»

لم ينتهِ الأمر بعد؟ لقد أخذ ما يريده...ماذا الآن؟

«المعذرة؟»

نطقت متفاجئة و هي تلقي عليه بنظراتها من فوق كتفها، تراه يشير برأسه ناحية المقعد المجاور له.

هل هو جادّ؟

«ليس عليك الجلوس إن لم تريدي، لكنّك ستتحدّثين، و هذا ليس طلبا»

«ما الّذي تتحدّث عنه؟»

«تذكرين حينما قلت بأنّكِ ستخبرينني عن كلّ شيء يخصّ دوافعك؟ ستفعلين ذلك الآن و تجيبين على أسئلتي»

ألقى بذلك مع ابتسامة ماكرة ارتسمت على شفاهه في نهاية كلامه، يرى عينيها تتّسعان بصدمة أتبعتها بقولها:

«ماذا؟!»

رمشت تستوعب ذلك، و ما كاد ينطق رايدر حتّى سبقته حينما هزّت رأسها بغير تصديق مضيفة:

«لا، قطعا لا...لن أفعل هذا»

شعرت بوخزة مفاجئة في صدرها حينما رأته و هو يستقيم من مكانه بهدوء، قبل أن يتقدّم ناحيتها ببطء شديد و كأنّه يريد إخافتها بذلك.

وقف أمامها مباشرة، لتخطو هي خطوة إلى الخلف من دون أن تدرك، و يفعل هو المثل متقدّما بخطوة إلى الأمام.

رسم على شفاهه ابتسامته السّاخرة، ثمّ انحنى بجسده إلى الأمام قليلا يهمس بمكر:

«تتحدّثين، أو أكتفي باعتبارك مهووسة؟»

ارتسمت تقطيبة خافتة على جبين إيلينور الّتي لم يرقها ما سمعته لتوّها، و أجابت بينما تحاول تجنّب التّواصل البصريّ، رافعة كتفيها بلا مبالاة:

«اعتبرني ما شئت، تعلم جيّدا أنّي لست كذلك»

تكّ رايدر لسانه بسخرية بينما يستقيم في وقفته مجدّدا، يطالع الواقفة أمامه بحاجب مرفوع لبضع لحظات قبل أن يعاود الحديث مجدّدا بنبرة متحدّية:

«تتحدّثين، أو أنشر خبر هوسك مع الدّلائل؟»

أشار في نهاية كلامه إلى المنضدة خلفه، جاعلا من عينيّ إيلينور تزحفان إلى المكان المقصود.

الرّسومات، تبّا..

لا يمكن أن يكون ينوي عرضها على الطّلّاب، هذا سيّء جدّا..

هي متأكّدة من أنّه يعلم جيّدا بأنّها لا تحمل مشاعر له، لكن من سيضمن لها بأنّ الجميع سيصدّقونها؟ يكفي أن يروا ثلاث رسومات ليجزموا بأنّها معجبة به.

وغد، سحقا له..

«لن تجرؤ..»

همست بغير تصديق و هي تعيد تثبيت أعينها العسليّة على خاصّته، لتزداد ضربات قلبها حينما رأته يحرّك رأسه قبولا قائلا:

«بل أجرؤ على ذلك و أكثر...لكن لديك حرّية اختيار ما إذا كنت سأفعل ذلك أم لا»

حرّيّة اختيار؟ هذا مضحك...لكن لن تلوم سوى نفسها.

لماذا ذهبتِ له إيلينور؟ إن أراد الأوراق السّخيفة ليأتِ بمفرده!

عضّت المعنيّة على شفتها السّفليّة بتردّد، تفكّر في ما يجدر بها فعله الآن.

لا تريد إخباره بشيء، خصوصا و أنّها لا تعلم بكلّ ما يريد معرفته...لكن إن رفضت فستنتشر شائعات عنها في الجامعة بأكملها! الكثيرون يعرفون رايدر ميرفي، و ستنشهر كمعجبة مهووسة به.

لماذا أوصلت نفسها لهذه الحال؟ الأمر مربك..

وجدت نفسها تأخذ نفسا عميقا و تطلقه مجدّدا، قبل أن تنطق باستسلام:

«خمس دقائق»

«عشر»

«مستحيل»

«لست أسأل»

أنهى كلامه بنظرات جادّة، و لم يكن لها سوى أن تنهّدت بقلّة حيلة قائلة:

«ما الّذي تريد معرفته؟»

«لماذا ترسمينني...بشكل مبالغ فيه؟»

حدّقت بعينيه لوهلة، تراه يعقد ذراعيه لصدره بانتظار إجابة، و بالفعل لم تكن سوى لحظات قبل أن تجيب و هي تشتم نفسها داخليّا على هذا:

«تعجبني هالتك؟ ليس إعجابا عاطفيّا، و لكنّي أرى أنّ هالة الفتى السّيّء الّتي تحيط بك مثيرة للاهتمام بطريقة فنّيّة...الغضب، اللّامبالاة، و كره القيود، كلّها تصبّ في فنّ الفوضى الّذي أحبّه، و أنت تجسّد كلّ ذلك و أكثر»

هذا أكثر شرح مبسّط لديها لما تراه هي...سيكون من الصّعب عليه فهم زاوية نظر الفنّان، لذا ليكتفي بهذا طالما يجيب على سؤاله، رغم أنّ نظراته الآن توحي بأنّه كان بحاجة شيء أبسط بكثير من هذا.

رمش رايدر بهدوء لبرهة، يطيل التّحديق في إيلينور الّتي تجنّبت النّظر له و اكتفت بانتظار أيّ كلمة منه.

هو لا يفهم هراء الفنّ هذا، كلّ ما يفهمه هو أنّ شكله كان جذّابا لدرجة رغّبتها في رسمه.

«فنّ الفوضى؟ هل أنا كذلك حقّا؟»

تساءل باستغراب و هو يفكّ عقدة ذراعيه و يخلّل أصابع يده داخل خصلاته السّوداء يمعن التّفكير في كلماتها السّابقة.

«في نظري فقط، فأنا لا أعلم عن أيّ شيء يخصّ حياتك، لذا لا يمكنني الحكم...لكن على الأرجح سيكون الجواب نعم كذلك»

هكذا إذا...حصل على الجواب الأوّل، و الآن السّؤال الثّاني..

أصدر همهمة خافتة كدليل على فهمه لذلك، ثمّ أردف على الفور:

«لماذا أنا تحديدا؟ و لماذا كنتِ تتخفّين بذلك الشّكل؟ الرّسم ليس جريمة على حدّ علمي»

«هل كنت تنتظر أن آتي و أخبرك بأنّي على وشك رسمك؟ كان سيفسد جوهر اللّوحة أيّها المتذاكي»

لفّ عينيه بضجر على كلمتها الآخيرة، لكنّه لم يعلّق على ذلك و اكتفى بالتّركيز على أهدافه.

«لكن لماذا أنا تحديدا و ليس شخص آخر؟»

منحته إيلينور ابتسامة متكلّفة، لتجيبه على الفور:

«لأنّك الوحيد الّذي جذبت هالته انتباهي لحدّ الآن، ما الّذي تظنّه غير هذا؟»

صمت للحظات يقلّب أجوبتها داخل ذهنه، و يفكّر مليّا...إجابتها مقنعة نوعا ما.

ثانية، ثانيتان، ثمّ عاود الحديث:

«بقي آخر سؤال، و لا داعي للكذب هارفي»

ابتلعت المعنيّة بصعوبة حالما شدّد على نطق اسمها، تدعو في داخلها ألّا يكون ما بذهنه هو نفسه ما خطر ببالها الآن...لا شيء سيكون أسوأ من ذلك.

«منذ متى و أنتِ تقومين بهذا الفعل الغريب؟»

و مجدّدا، أصبحت متيقّنة من أنّها قد استنفذت كلّ مدّخراتها من الحظّ في اليوم الّذي نجت فيه من الحادث.

رائع حقّا!

أشاحت بوجهها بعيدا تشتم نفسها لإقحامها في هذا، ثمّ رمقت الواقف أمامها بنظرات جانبيّة سريعة تتمنّى ألّا يجذب ردّ فعله انتباه الطّلّاب القليلين من حولهما.

«سنتين...و بضع أشهر»

نطقت ذلك بتردّد و هي تغمض إحدى عينيها و تراقبه بالأخرى، و لسوء حظّها، توقّعت التّالي..

افترقت شفتا الفتى و اتّسعت حدقيّتاه بدهشة جعلته عاجزا عن الكلام.

هل هي تمزح معه الآن؟ سنتان؟ كلّ هذه المدّة و لم يلحظها إلّا قبل أسابيع قليلة؟

إمّا أنّها نجحت في التّخفّي، أو أنّه كان أعمى و لم يلاحظ أنّ هناك من تفعل أشياء غريبة طيلة هذه الفترة.

لكن ليكون منصفا، هو لم يكتشف الأمر سوى بسبب تلك الورقة الّتي رآها صدفة و هي تلقي بها...و من الغريب أنّه لم يلحظها أبدا رغم أنّها كانت في نفس صفّه.

لذا نعم، لقد كانت ماهرة في التّخفّي.

«حسنا إذا، ليس لديّ شيء آخر»

صرّح بهدوء و هو يعيد رسم تعابيره المعتادة على وجهه، يلتفت خلفه مقتربا من منضدته، ليسارع بجمع أغراضه تحت نظراتها المستفهمة.

هذا فقط؟ لا ردّ فعل غريب أو ما شابه؟

استمرّت إيلينور في التّحديق به متوقّعة أن ينطق بشيء آخر، لكنّه خيّب آمالها حينما حمل حقيبته على كتفه بإهمال و ارتدى سمّاعات رأسه يسير مباشرة باتّجاه المخرج.

و رغم استغرابها من طريقة تعامله مع ما اكتشفه، و الّتي ناقضت كلّ توقّع لها، إلّا أنّها سرعان ما وجدت نفسها تزفر بارتياح بمجرّد خروجه من الصفّ.

و أخيرا ابتعد عنها..

هزّت رأسها بخفّة تمنع نفسها من التّفكير في ما جرى أكثر، ثمّ مدّت يدها لجيب بنطالها تسحب هاتفها من أجل تفقّد السّاعة.

لديها وقت الآن، هل عليها أن تفي بالوعد الآخر الّذي قطعته؟ هيوغو لا يزال ينتظر ردّا منها..

فكّرت لبضع لحظات تطرق بأظافرها على خلفيّة هاتفها، لتحسم أمرها أخيرا و تنقر على جهة الاتّصالات باحثة عن رقمه.

لقد أصرّ مؤخّرا على منحها إيّاه في حال احتاجته و لم تجده، و يبدو أنّ الوقت قد حان لتستخدمه.

لم تكن سوى بضع ثوانٍ رنّ الهاتف فيها، ليصلها صوت ذكوريّ من الجهة الأخرى للسّمّاعة:

«من معي؟»

ارتفع حاجب إيلينور و هي تستمع للنّبرة الّتي تحدّث بها، و قد كانت جادّة و أعمق من صوته الّذي اعتادت سماعه.

«هيوغو، أنا إيلينور»

أجابت مباشرة تلاحظ انقطاع الصّوت كلّيّا لثانيتين قبل أن تسمعه ينبس بتفاجئ:

«إيلينور؟ توقّعت أنّكِ ألقيت برقمي أو ما شابه، ما الّذي جعلك تتّصلين بي فجأة؟»

«طلبت أن أخبرك حينما أتفرّغ لرسمك، أليس كذلك؟»

«هل أنتِ جادّة؟»

«نعم، انتظرني الآن في الحديقة الخلفيّة»

«أنا ذاهب إلى هناك في الحال، سأكون بانتظارك»

«حسنا»

أقفلت بعدها الخطّ مباشرة و هي تبتسم بخفّة...هيوغو غريب حقّا، خصوصا الطّريقة الّتي تغيّر بها صوته حينما تعرّف عليها.

حدّقت بالشّاشة للحظة، ثمّ أعادت إخفاءه داخل جيبها قبل أن تعدّل من وضع حقيبة ظهرها و تسير مغادرة الصّفّ هي الأخرى.

.

.

༺༺༺༺༻༻༻༻

.

.

على سطح مبنى الجامعة، كان ذلك الفتى صاحب الخصلات السّوداء يقف عند حافّتها مائلا بجذعه إلى الأمام قليلا و مستندا بذراعيه على السّور الحجريّ المنخفض المحيط بالمكان، يجول ببصره حول المكان في الأسفل بشرود، يرى الطّلّاب القليلين المنتشرين في أرجاء الحديقة الخلفيّة.

عضلاته متشنّجة نوعا ما، و هو حقّا بحاجة إلى الشّجار مع وغد ما حتّى يحرّكها قليلا..

رفع رايدر رأسه إلى السّماء يصدر زفرة مطوّلة، قبل أن يعيد خفضه ليقع بصره صدفة على شخص ما.

المكان هنا مرتفع، ولا يمكنه رؤية ملامح وجهه، لكنّ شعره كفيل بالتّعريف عنه.

كان يقف في منتصف المكان يجول ببصره من حوله و كأنّه ينتظر شخصا ما، و قد تأكّد من ذلك حالما لمحه و هو يتفقّد ساعة هاتفه كلّ بضع ثوانٍ.

من ينتظر هذا الفتى؟

استمرّ رايدر في مراقبته بهدوء من دون أن يزيح عينيه عنه، يراه مستمرّا في التّحرّك هنا و هناك، و لوهلة ارتفع طرف شفاهه باستنكار حالما تذكّر أحداث هذا الصّباح.

يريد مقابلة رافاييل...الأمر غريب حقّا، خصوصا و أنّه لا يعرفه حتّى. لا يمكنه وضع ثقته بهذا الوغد، فكلّ حركة له هي أمر مشكوك به.

لكن ماذا عساه يفعل، لديه بعض من الفضول لمعرفة "الأمر المهمّ و الجادّ" الّذي تحدّث عنه، و ربّما يمرّن عضلاته قليلا إذا ما تجاوز حدوده أو كان الموضوع تافها مثله.

و رغم ذلك، إن لم يجده في الوقت المحدّد، فسيغادر من دون أن يكترث له حتما...ليس في مزاج لمجاراة سخافاته.

أحمق..

انفرجت شفتا رايدر فجأة و ارتفع حاجبه يرمش باستغراب حالما لمح الأشقر و هو يلتفت خلفه فجأة، و كأنّ أحدا ما ناداه أو ماشابه...تبعه رؤيته لفتاة سمراء ذات شعر مجعّد تقترب منه.

هل كان ينتظرها هي؟ اعتقده قال بأنّه يحب تلك العسليّة، أم أنّه شخص...

لم يكد ينهي فكرته، حتّى جذب انتباهه تراجع هيوغو إلى الخلف و هو يهزّ رأسه نافيا، قبل أن يلفّ رأسه إلى الخلف بسرعة، و يبتعد عن الفتاة الّتي بدت غاضبة من هذه المسافة.

لماذا هو يراقبه من الأساس؟

تبعه بعينيه، يرى فتاة ما تظهر و تقترب ناحيته بدورها.

هارفي؟ هل كان ينتظر هارفي؟

راقبها و هي تشير له ناحية أحد المقاعد في الجانب، حيث تقدّمت بسرعة و جلست عليه، ليجلس الآخر على العشب أمامها.

حملت حقيبة ظهرها تلك، و فتحتها تخرج منها بضع أغراض، و أوّل ما لفت انتباهه كان دفترا أزرق.

لحظة، هل سترسمه؟ هذا محال..

سرعان ما وجد نفسه يستقيم في وقفته بسرعة و يضيّق عينيه محاولا الرّؤية بشكل أوضح، و قد كانت تشرع في بدء رسمه بالفعل، و تشير له مرارا و تكرارا بتعديل وضعيّته.

مضحك، لم تعلّق هي على وضعيّة جلوسه حينما قامت برسمه...الاختلاف واضح جدّا.

هو أفضل منه بكثير في هذا..

لو لم يكن أفضل، لما كان الشّخص الّذي يجذب انتباهها لترسمه.

و على ذكر ذلك، حان الوقت لينصدم بمفرده من الّذي سمعه منها..

أكثر من سنتين و هي ترسمه سرّا من دون أن يلحظ ذلك؟ هذا يعني أنّهما كانا في السّنة الأولى...و هو لا يذكر حتّى أنّه قد صادفها وجها لوجه من قبل.

هذا غريب، و أيّ أحد آخر كان ليراه هوسا غير طبيعيّ و تصرّفا غير سويّ من فتاة...لكنّه يصدّق كلّ ما قالته عن أنّها ليست مهتمّة به كشخص...و أنّها ترى هالته مثيرة للاهتمام و حسب.

رغم أنّ هذا غير اعتياديّ إطلاقا، لأنّه ربّما لم يقابل رسّاما من قبل؟

لكن، من النّاحية الإيجابيّة، هناك من يحبّ تصرّفاته لدرجة رسمه عشرات المرّات و في أماكن و لحظات لا يذكرها هو حتّى...لقد عاش ليشهد شخصا لا يراه مجرّد مسبّب مشاكل، أو شخص منفعل و مبالغ في ردود أفعاله.

هذا لم يكن يزعجه بتاتا على أيّة حال..

ألقى نظرة سريعة على المكان من خلفه يتأكّد ممّا إذا كان هناك أحد يراقبه، ثم أعاد بصره ناحية الجالسة في الأسفل، يراها تحدّق به..

أجل، لقد رأته، و هي تنظر له الآن..

رمش للحظة يستوعب، قبل أن يبادلها النّظرات من مكانه من دون أن يقطع التّواصل البصريّ.

أجل، لتعلم أنّه رآها...هو لا يهتمّ.

سرعان ما لمحها تزيح بأعينها بعيدا عنه بسرعة، ليلفّ هو عينيه بملل و يلتفت مباشرة ينخفض بجسده إلى الأرض..

الوضع مثير للسّخرية حقّا..

اتّخذ مكانه في الأرض يمدّد ساقيه و يستند بظهره على السّور الّذي كان يخفيه تماما، ثمّ رفع رأسه للأعلى يحدّق بالسّماء بشرود.

لا، لن يشكّل الأشقر لوحة أجمل منه..لأنّه ليس هو.

ظلّ على حاله لدقائق طويلة، يراقب الغيوم و هي تتحرّك...المنظر أجمل ليلا، لكنّ هذا مقبول كذلك.

لا يعلم حتّى كم من الوقت مرّ، و يخشى أن يقف مجدّدا فتلمحه تلك المتطفّلة و تعتقده قد خجل من رؤيتها له.

النّاس يحبّون أخذ الأفكار الخاطئة عن غيرهم، و اتّهامهم بأشياء نسجها خيالهم و أقنعوا أنفسهم و غيرهم بها، رغم أنّها قد لا تمتّ في غالب الأحيان بصلة لما يحصل في الواقع.

و هي لن تكون استثناءً كذلك.

تنهّد بخفّة على تلك الفكرة، ثمّ مدّ يده لجيب بنطاله الرّماديّ يسحب منه هاتفه من أجل تفقّد الوقت.

و للمفاجأة، لقد مرّت ساعتان بالفعل و بضع دقائق منذ أن جلس هنا...سحقا، كيف لم يشعر بالوقت؟ لا يعقل أنّه شرد في منظر السّماء لهذه الدّرجة..

هزّ رايدر رأسه بقلّة حيلة، و وجد نفسه يستند بيده على الأرض و يدفع نفسه للوقوف مباشرة.

نفض الغبار عن ثيابه بسرعة، و أوّل ما خطر بباله لحظتها كان ما إذا كانت تلك الفتاة قد انتهت من ذلك الرّسم السّخيف.

لكم باطن وجنته بلسانه يحارب تردّده، ثمّ قرّر الالتفات خلفه و إلقاء نظرة عليهما.

مال بجسده للأمام قليلا يستند على السّور الّذي كان يصل لمستوى صدره، ثمّ ألقى ببصره على المكان الّذي كان فيه الاثنان قبل لحظات.

و قد كان كلاهما واقفين، هل انتهت بهذه السّرعة؟

راقب الوضع حينما مزّقت إيلينور الورقة من الدّفتر و مدّتها لهيوغو، و يكاد يجزم بأنّ وجهه قد شقّ من شدّة الابتسام.

أخرق ساذج..

شعر فجأة باهتزاز هاتفه داخل جيبه، و ما كان له سوى أن زفر بانزعاج و هو يمدّ يده يأخذ الهاتف بسرعة، و قد كان زوج سمّاعات أذنه ملتصقا به.

كيف خرجت من العلبة؟ لهذا السّبب يفضّل سمّاعات الرّأس أكثر..

ألقى رايدر نظؤة سريعة على شاشة الهاتف، يرى بأنّ الاتّصال قد قُطِع، و قد كان آريس.

ليس وقته إطلاقا، إن كان يتّصل من أجل الدّردشة و حسب، فمن الأفضل أن يبحث عن شخص آخر.

تجاهل ذلك، و سارع لأخذ السّمّاعات الملتصقة، إلّا أنّه و قبل أن يتسنّى له لمسها حتّى، كانت قد وقعت منه بالفعل مصطدمة بسطح السّور، لتقع منه إلى الأسفل تجعله يتبعها بأعينه.

تبّا لكلّ هذا..

«سمّاعات غبيّة..»

تمتم منزعجا و هو يستدير متّجها ناحية مخرج السّطح، يسارع بالنّزول إلى الأسفل من أجل التقاطها.

في النّاحية الأخرى، كانت إيلينور تقف وسط الحديقة الخلفيّة أمام هيوغو الّذي كان يحدّق بالورقة بأعين متّسعة، غير مصدّق لما يراه.

«هذا رائع بحقّ!»

نبس بدهشة و هو يجول بعينيه في تفاصيل الرّسم يتأمّل كلّ جزء منه.

عملها مبهر حقّا...إيلينور مبهرة حقّا.

«لا أعلم كيف يمكنني شكرك على هذا»

أضاف و هو يرفع عينيه لوجهها، يراها تقهقه بخفّة بينما تحرّك يدها في الهواء قائلة:

«لا داعي للشّكر، يكفي أنّها أعجبتك»

«ما رأيك أن أدعوك لتناول شيء ما في وقت لاحق، كشكر لائق على تعبك»

رمشت للحظة تستوعب، ثمّ وجدت نفسها تضع يدها خلف رأسها مجيبة إيّاه بحرج:

«آسفة، لكنّني لست معتادة على الخروج مع أشخاص غير لوسيا و أختي ناتالي»

«فهمت...أراك في الأرجاء إذا، و شكرا مجدّدا على الرّسم»

ألقى بذلك متفهّما موقفها، بينما يتراجع إلى الخلف ملوّحا بيده في الهواء يجعلها تفعل المثل قبل أن يلتفت يغادر مباشرة.

هيوغو يبدو كطفل أحيانا، ليس بطريقة مهينة...فقط تصرّفاته لطيفة أحيانا، إن استثنت لقاءاته المتكرّرة مع رايدر.

ابتسمت بخفّة على تلك الفكرة، لتلتفت خلفها بسرعة تسارع لجمع أغراضها من أجل مغادرة المكان.

لن تكذب، لقد استمتعت برسم هيوغو...كانت تجربة جديدة بالنّسبة لها.

نادرا ما تتسنّى لها فرصة رسم النّاس، فأغلبهم يتحرّكون عشرات المرّات في الدّقيقة الواحدة، و هذا شيء يستفزّ أيّ رسّام.

«ظننتك قلتِ بأنّي الوحيد الّذي جذبت هالته انتباهك..أم أنّ تلك كانت كذبة؟»

شعرت برعشة تسري في جسدها، و وجدت نفسها تستدير ببطء خلفها تطالع الواقف هناك بدهشة.

من أين أتى هذا؟ ألم يكن يراقب من الأعلى قبل قليل؟

استدارت أمامها مجدّدا تنهي جمع أغراضها بسرعة و إغلاق حقيبة ظهرها الّتي ألقت بها فوق كتفها، ثمّ عادت لتواجه رايدر الّذي راقبها بصمت.

حاولت تجنّب النّظر لعينيه مباشرة، و لكنّ تحديقه بخاصّتها مطوّلا صعّبت عليها ذلك.

تراجعت للخلف خطوة بحذر، ثمّ تساءلت بتوتّر:

«ليست كذلك، لماذا؟»

سحب رايدر يديه من جيوب بنطاله بخفّة و رفع كتفيه للأعلى قليلا ممثّلا الجهل:

«لا أعلم، ربّما لأنّك ترسمين أشقرا تافها لا يشبهني في أيّ شيء؟»

«هو من طلب منّي ذلك»

أجابت و هي ترمش بصدمة متصنّمة مكانها.

«أيّا يكن»

التفت مباشرة يبتعد عنها و يتقدّم ناحية جدار المبنى يلتقط شيئا من على الأرض و يضعه في جيبه.

ما خطبه؟ هل أتى إلى هنا لأجل قول ذلك فقط؟ هل لأنّه اعتقدها كذبت في أجوبتها له؟

غريب أطوار بحقّ..

«قبل أن تتساءلي، لم آتي لأجلك...أوقعت شيئا من السّطح في الأعلى»

ألقى بذلك بينما يمرّ من جانبها ينوي ترك المكان، ليضيف بصوت خفيض وصل مسامعها:

«ليتك ترين الفنّ الحقيقيّ على مضمار السّباق»

تشكّلت عقدة بين حاجبيها تطالعه باستغراب تراه يخطو مبتعدا، لتستوقفه فجأة حينما أجابت بهدوء شديد:

«لا شكرا، لا أحبّ تلك الأماكن»

توقّفت قدما رايدر عن الحركة بعد تلك الكلمات، و وجد نفسه يلتفت مباشرة يواجهها بجسده رافعا أحد حاجبيه، ليكرّر على مسامعها كلمتها الأخيرة:

«تلك الأماكن؟ تقصدين حيث تقام السّباقات؟»

«غير القانونيّة؟ أجل...لا أحبّ أيّ مكان ينتشر فيه الطّائشون»

أجابت و هي تشعر بقشعريرة تسري في كافّة أنحاء جسدها بمجرّد تفكيرها في تلك الأجواء.

سباقات السيّارات خطرة و لن يغيّر أحد نظرتها لها...هي أسهل طريقة يقتل بها الشّخص نفسه، و لسبب ما تذكّرها دوما بالحادث الّذي فقدت فيه ثلاثا من أقرب النّاس إليها.

لذا، فأيّا كان من يتلاعب بحياته بهذه الطّريقة، فهو طائش و متهوّر و عديم مسؤوليّة.

«هل هذه إهانة؟ إن كانت كذلك فتذكّري بأنّي من ضمن هؤلاء الطّائشين يا فتاة»

صرّح الآخر بنبرة محذّرة و قد احتدّت ملامحه قليلا.

كم يكره أن ينعته أحد بصفات ما رغبة في التّقليل منه..

رمشت إيلينور مرّتين تراقب تغيّره المفاجئ، قبل أن تحرّك يديها في الهواء نافية و تردف موضّحة:

«ليست كذلك، هي مجرّد صفة...كأن أقول عن شخص أنّه هادئ، أو خجول...و أنتم طائشون و متهوّرون»

«بما أنّها ليست إهانة، فسآخذها كإطراء إذا»

أجاب مرخيا ملامحه، راسما على شفاهه ابتسامة جانبيّة يرى الواقفة أمامه تلفّ عينيها بضجر قبل أن تتمتم:

«أيّا يكن»

سرعان ما رأته يستدير مباشرة يوليها بظهره، قبل أن يخطو مبتعدا عنها من دون أن ينبس بحرف حتّى.

أهو سليم تماما من النّاحية العقليّة؟ لأنّها بدأت تشكّ بذلك فعليّا.

«يا أنت، إلى أين؟»

توقّفت خطوات رايدر فجأة، و وقف للحظات يستوعب قبل أن يهزّ رأسه بقلّة حيلة و يلقي عليها نظرات من فوق كتفيه مجيبا بسخرية:

«إلى مكان لا شأن لك به؟»

«أوتعلم؟ واصل طريقك...لا أعلم لماذا لا زلت أحدّثك حتّى»

«و لا أنا»

و بذلك واصل طريقه من دون أن ينظر خلفه، و استمرّت إيلينور بمراقبته باستغراب إلى أن اختفى تماما عن مرمى بصرها.

لا تظنّ أنّها قد قابلت لحدّ الآن بشريّا أغرب من رايدر ميرفي.

لقد كشف عن الكثير من الجوانب الّتي لم تلحظها قبلا خلال فترة مراقبتها له.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فوضى وسكينة

المؤلف _aerithra_
2025/10/31 مستمرة
قائمة الفصول (26)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة