رايدر ميرفي

رايدر ميرفي

16 0

____________________________________________

كان صمت ثقيل يغلف تلك الغرفة، كلّ ما يُسمع خلاله هو أصوات حديث صادرة من هاتف محمول كان أحدهم جالسا على مقعده يعلّق عينيه بشاشته وينصت جيّدا لكلّ كلمة تُقال..

«إذا آنسة سبارك، هل لديك ما تقولينه بشأن هذا؟»

نطق ذلك الرّجل المسنّ وهو يزيح عينيه من الهاتف الّذي كانت لوسيا تثبّته أمامه، ويثبّتهما على الفتاة الّتي كانت تقف خلف المكتب محنية رأسها بإحراج، ليواصل قائلا:

«ألديك ما تدافعين به عن نفسك بعدما شهد كلّ من في هذا المقطع بأنّك قد قمتِ بدفع الفتاة؟»

لاحظ الاثنين ارتعاش جسد المعنيّة الّتي ابتلعت ريقها بصعوبة تتحاشى النّظر لأيّ منهما، بينما ارتسمت على شفاه لوسيا ابتسامة جانبيّة وهي تدسّ هاتفها في جيبها...أفضل ما قامت به هو أنّها سجّلت مقطع فيديو للطّلّاب اللّذين شهدوا الحادث وهم يعترفون بأنّهم رأوا هذه الحمقاء تدفع إيلينور.

«لم أقصد فعل ذلك»

كان ذلك كلّ ما خرج من بين شفاهها وهي ترفع أعينها ببطء شديد وتلقي بها ناحية المدير الّذي تراجع بمقعده إلى الخلف قليلا يطالعها بهدوء...وما كان ينبس بكلمة حتّى نطقت لوسيا وهي تباغتها وتشدّ شعرها:

«لم تقصدي دفعها؟ أم لم تقصدي دفعها من فوق السّلالم؟ هل أنتِ غبيّة أم عمياء لكي لا تري ما يوجد خلفها؟»

هسهست الفتاة تيانا بألم وهي تحاول إبعاد يديّ لوسيا الملتفّتين حول خصلاتها، لكنّها لم تستطع فعل ذلك وارتفع صوتها المتألّم أكثر، يجعل من المدير يتحدّث مخاطبا لوسيا:

«آنسة ريد، توقّفي رجاءً ودعيني أقوم بعملي»

ألقت المعنيّة عليه نظرات جانبيّة قبل أن تحرّر شعر الأخرى من قبضتها وتتراجع بضع خطوات إلى الخلف تاركة إيّاها وهي تتحسّس موضع الألم في فروة رأسها، تسمع الجالس أمامها يتابع:

«آنسة سبارك، هذا اعتداء واضح، خصوصا وأنّه قد سمعكما الكثير وأنتما تتشاجران قبل لحظات قليلة من حدوثه»

اتّسعت عينا الأخرى ببطء تدرك المشكلة الّتي يريد هذان الاثنان إيقاعها فيها، لكنّها لم تجرؤ على النّطق بكلمة حيال ذلك...فلن يكون الأمر في صالحها حتما.

«آنسة ريد، بما أنّك صديقة مقرّبة من الآنسة هارفي، أتعلمين إن كانت تريد تقديم شكوى لمكتب الشّرطة بتهمة الاعتداء؟ إن كان كذلك فسأتّصل بهم حالا»

تابع بجدّيّة تامّة وهو ينقل بصره نحو لوسيا، يسمعان الشّهقة الفزعة الّتي صدرت عن تيانا الّتي وضعت يدها على فمها بصدمة.

لم يكترث الآخران لها، حيث ظلّ المدير ينظر لذات النّمش بانتظار إجابة منها، والّتي ما لبثت أن أجابته قائلة:

«في الواقع، لا..»

نبست بذلك تشعر بارتخاء جسد السّمراء المتصلّب، تعضّ باطن وجنتيها بندم لأنّها كانت مجبرة على رفض ذلك.

كانت إيلينور قلقة بشدّة من الّذي ستفعله، لذا فهي فقط لا تريد أن تذهب بالأمر بعيدا...لأجلها و حسب.

قد تريد إيلينور أن تتمّ معاقبة هذه المزعجة، ولكنّها ستغضب منها إن وصلت لحدّ إبلاغ الشّرطة، رغم أنّ شيئا بداخلها يريد فعل ذلك بشدّة.

«لو كان الأمر عائدا إليّ لقدّمت شكوى، لكنّ المصابة لا تريد ذلك...يكفي أن تعاقبها بنفسك سيّدي»

ألقت في نهاية كلامها بنظرة جانبيّة على الواقفة بقربها، تراها تطالعها بنظرات منصدمة، ثمّ أعادت النّظر ناحية المدير تراه يومئ بتفهّم قائلا:

«حسنا إذا، كما تريدين»

أزاح بصره ناحية تيانا، يطالعها بنظرات محايدة قبل أن يخاطبها بصرامة:

«تيانا سبارك، أنتِ ممنوعة من الالتحاق بهذه الجامعة لمدّة شهرين كاملين»

عاد بنظره إلى لوسيا يسألها بجدّيّة تامّة وهو يشبك كفّيه فوق سطح المكتب:

«أهذا كافٍ، آنسة ريد؟»

«أجل سيّدي، شكرا لك»

أومأ لها بهدوء ثم عاود النّظر لتيانا، يشير لها بيده ناحية مخرج المكتب قائلا بصرامة:

«يمكنك الذّهاب الآن لالتقاط أغراضك ومغادرة الجامعة...اخرجي بعد انقضاء وقت الغداء، ولا أريد رؤية وجهك هنا حتّى انقضاء مدّة الفصل»

انتفض جسد الأخرى بتوتّر، لكنّها لم تعقب على ذلك وفضّلت التزام الصّمت حينما استدارت بسرعة تتحاشى النّظر لكليهما، قبل أن تفتح باب المكتب وتخطو إلى الخارح مهرولة، تترك كلّا من المدير ولوسيا هناك يراقبانها إلى أن اختفت تماما، لتنطق هذه الأخيرة جاذبة أنظار المدير لها:

«شكرا حضرة المدير، سأغادر الآن»

ردّ بإيماءة بسيطة، لتتراجع هي إلى الخلف بهدوء قبل أن تلتفت وتخرج من المكتب مباشرة هي الأخرى تترك المدير هناك بمفرده.

على الأقلّ نجحت في فعل شيء لأجل صديقتها، رغم أنّها أرادت أكثر من مجرّد فصلها.

.

.

༺༺༺༺༻༻༻༻

.

.

في غرفتها، كانت إيلينور مستلقية على سريرها تتصفّح هاتفها محاولة القضاء على الملل الّذي راودها بسبب بقائها في المنزل.

لا تزال تشعر بالألم، لذا لم يكن بإمكانها الذّهاب إلى الجامعة اليوم..

لا مانع لها من البقاء في المنزل، إذ يمكنها الحصول على ملاحظات بعض من زملائها...لكنّ الأمر الّذي يزعجها هو أنّ ناتالي قد استيقظت من دون أن تذهب للشّركة، وبقيت هنا بدلا من ذلك بسببها هي..

حضّرت لها الأفطار، لكنّها لم تستطع تناوله بسبب شعورها بالإعياء في أوّل الصٌباح، وهاهي ذي الآن تستلقي على سريرها مستمرّة في سماع صوت الأواني المعدنيّة في الأسفل...ومن يعلم ما الّذي تطبخه ناتالي الآن؟

ليس عليها ترك عملها لأجلها...حتّى أنّها لم تأخذ إجازة حينما مرضت قائلة أنّ عليها عملا مهمّا.

هذا يمنحها شعورا سيّئا نوعا ما، وهو أسوأ من الألم الّذي تشعر به الآن...خصوصا في رأسها.

تنهّدت إيلينور بثقل وهي تغلق هاتفها وتنقل عينيها إلى السّقف الفارغ، تحدّق به بشرود.

حتّى الهاتف أصبح مملّا الآن..

وعلاوة على ذلك، لا يزال أمر لوسيا يشغل بالها..

لم تسمع منها شيئا منذ آخر اتّصال بينهما يوم أمس، وقد نامت بالفعل وهي قلقة بشدّة...لابدّ وأنّها قد قامت بأمر متهوّر، وليت شكوكها تخطئ هذه المرّة.

لا داعي للذّهاب بالأمر بعيدا...لكنّ لوسيا قد تفعل ذلك إن كان الأمر يستفزّها بشدّة، وهذا تماما ما يقلقها.

أعادها لأرض الواقع فجأة صوت اهتزاز الهاتف الّذي كانت لا تزال ممسكة به، يجعلها ترفعه لمستوى وجهها وتطالع الشّاشة للحظات قليلة تقرأ الاسم الّذي أضاءها.

"هيوغو"

هكذا فجأة؟ هذا قطعا ليس وقته..

هل تجيب؟ أم تتجاهل الاتّصال فحسب؟ هي لا تشعر بالرّاحة الآن لسبب ما.

حدّقت إيلينور بالشّاشة مطوّلا، تحاول حسم قرارها، قبل أن تطلق تنهيدة طويلة وتضغط بإبهامها على زرّ الإجابة.

«أهلا»

نطقت بهدوء فور أن شغّلت مكبّر الصّوت واضعة الهاتف جانبا، ليصلها ذلك الصّوت الذّكوريّ القلق من الجهة الأخرى للسّمّاعة:

«إيلينور، ما الّذي جرى؟ لقد سمعت قبل لحظات من بضع طلّاب!»

رمشت عسليّة الأعين للحظات تستوعب ذلك، قبل أن تردف قائلة بلامبالاة:

«لا شيء مهمّ، مجرّد حادث بسيط لا غير»

«حادث بسيط تسبّب في إصابة رأسك و دخولك المستشفى؟ نحن أصدقاء، أريد معرفة كيف حدث هذا»

نبس بتشكيك من دون أن يخفي قلقه، قبل أن يصمت لثانيتين يترقّب أيّ ردّ فعل منها، وما كادت تنطق بحرف حتّى أضاف بإصرار:

«سمعت اسمي في الأرجاء على ألسنة الكثيرين، ولا أملك فكرة عن كيف قد يحدث هذا، لكن هل للأمر علاقة بي ولو بنسبة ضئيلة؟»

استطاع سماع التّنهيدة الثّقيلة الّتي صدرت عن إيلينور، أتبعتها بإجابتها على تساؤله بقلّة حيلة:

«بما أنّك مصرّ...نوعا ما»

«نوعا ما؟»

كرّر بنبرة متفاجئة، يسمع همهمتها الٌتي وصلته كتأكيد على ذلك، تردف موضّحة أكثر:

«تقدّمت منّي فتاة يوم أمس وأرادت افتعال شجار معي، لأنّ صداقتي معك لم تعجبها كما يبدو...أظنّها معجبة بك»

لا داعي لتذكر له بأنّ الفتاة تعتقد بينهما مشاعر أكثر من الصّداقة، ذلك سيجعل الوضع محرجا لكليهما فحسب...لذا ستحتفظ به كسرّ لنفسها.

انقطع صوت هيوغو فجأة، ولوهلة اعتقدت إيلينور بأنّ الخطّ انقطع لولا أنّه تمتم مستفسرا بعد ثوانٍ معدودة بنبرة صوت محمّلة بالشّكّ:

«فتاة سمراء بشعر طويل مجعد؟ هل أنا مخطئ؟»

ارتفع حاجب الأخرى باستغراب وهي تستوعب الأوصاف الّتي أخبرها بها...نفس الفتاة الّتي دفعتها؛ هل يعرفها؟

«لا، أنت محقّ تماما»

أجابت مؤكّدة كلامه، تسمع الزّفرة الطّويلة الّتي صدرت عنه وهو يضرب بيده على سطح ما كما بدا لها.

«سحقا...حقيرة»

همس بذلك بصوت خافت وصل مسامع الأخرى الّتي تساءلت بريبة:

«هل تعرفها؟»

لم تستطع رؤية الطّريقة الّتي ابتلع بها ريقه بصعوبة، يشيح بوجهه للجانب وهو يحكم قبضته على الهاتف الّذي كان في مستوى أذنه قائلا بضيق:

«ليس حقّا، دائما ما تحوم حولي، وقد رفضتها قبل أيّام قليلة، حينما التقينا لكي ترسميني»

وصلته همهماتها الهادئة، قبل أن تردف وكأنّ الأمر لا يعنيها ولا يزعجها بتاتا:

«فهمت»

ساد الصّمت للحظة، وفضّل الاثنان خلالها التزام الصّمت والتّفكير لبضع لحظات في كلّ ما يجري حاليّا.

كانت بضع ثوانٍ أخرى من الصّمت، حتّى أطلق هيوغو تنهيدة مثقلة قبل أن يصل صوته إلى مسامع إيلينور حينما نبس فجأة بصوت خفيض محمّل بالذّنب:

«آسف إيلينور، أنا حقّا آسف...ما حدث كان بسببي»

اتّسعت حدقتا المعنيّة حالما سمعت ذلك، ولم تجد لنفسها بدّا من التنهّد بخفّة وإجابته بهدوء محاولة طمأنته:

«لا بأس، ليس بالأمر الكبير...يمكنك نسي‌ــ»

سرعان ما بترت جملتها تتوقّف عن الحديث فور سماعها لطرق على باب الغرفة، تلاه صوت ناتالي:

«لينو، أيمكنني الدّخول؟»

رمشت المعنيّة مرّتين، قبل أن تمدّ يدها بسرعة إلى الهاتف، تغلق المكبّر وتقرّبه من أذنها مباشرة مخاطبة هيوغو:

«عليّ قطع الاتّصال الآن، آسفة»

لم تنتظر إجابة منه وقطعت الخطّ مباشرة، تردّ بصوت مرتفع:

«ادخلي ناتالي، لا داعي للاستئذان»

سرعان ما فتح باب الغرفة ببطء، يليه ظهور ناتالي من خلفه، وقد كانت ترتدي ملابس منزليّة مريحة بلون أبيض، وتتقدّم ناحية سرير شقيقتها حاملة صينيّة طعام.

تبادلت الأختان ابتسامة دافئة قبل أن تجلس ناتالي على حافّة السّرير وتضع الصّينيّة فوق ساقيّ إيلينور المتواريتين أسفل الغطاء.

«أعددت بعضا من السّمك لغداء اليوم، أتمنّى أن يعجبك»

نطقت ناتالي وهي تمدّ يدها بسرعة تقرص أرنبة أنف الأخرى الّتي اتّسعت ابتسامتها وهي ترى الطّبق أمامها، مع بعض التّوت، وكوب من المياه المعدنيّة.

إن كان هناك شيء قد ينافس حبّها للأطعمة الحارّة، فسيكون السّمك من دون شكّ...السّمك بكلّ أنواعه.

«شكرا حقّا ناتالي!»

صاحت بسعادة وهي ترسل قبلة طائرة لشقيقتها الّتي ضحكت بخفّة قبل أن تمدّ يدها مجدّدا تمسح على رأسها بخفّة متسائلة بقلق:

«هل تشعرين بتحسّن؟ ألا يزال مكان الضّربة يؤلمك؟»

حدّقت إيلينور في عينيها مباشرة لبرهة، تتأمّل تلك النّظرات القلقة الّتي صدرت منها، قبل أن تحني رأسها بهدوء مبقية على التّواصل البصريّ بينهما، وتجيبها بصدق:

«لأكون صريحة، عظام جسدي كلّها تؤلمني، وليس رأسي فقط، ولكن بشكل أقلّ من الأمس...أنا أفضل حقّا»

حدّقت بها ناتالي لوهلة تمسح ملامحها بأعينها العسليّة، وذلك قبل أن تتنهّد بخفّة وتردف مغيّرة الموضوع:

«مع من كنتِ تتحدّثين بالمناسبة؟»

«اتّصل هيوغو ليسأل عنّي»

أجابت من دون تردّد وهي تلوّح بالهاتف في الهواء، تجعل ناتالي تميل برأسها للجانب قليلا معبّرة عن تفاجئها، لتردّ على الفور بتساؤل:

«هيوغو؟ ذلك الفتى الأشقر الّذي جنّت تلك البلهاء بسببه؟»

لقد أخبرتها إيلينور في طريقهما إلى المنزل بكلّ شيء تذكره بشأن ما جرى...ولكي تكون صريحة، لا تروقها صداقتها به إن كانت المشاكل ستلحقها بسببه.

لكن لا يمكنها قول ذلك لها، فأختها فتاة بالغة، ولها الحقّ في اتّخاذ القرارات وارتكاب الأخطاء.

«أجل...اعتذر مرارا وتكرارا على ذلك»

أجابتها ببساطة رافعة كتفيها بقلّة حيلة، ترى كيف رمشت ناتالي بهدوء تحدّق بوجهها، لتنطق محرّكة رأسها بتفهّم:

«لست ألومه لعلمك، الأمر ليس بيده»

«لم أعد أعلم شيئا حقّا»

أزاحت بصرها في نهاية كلامها بعيدا عن ناتالي، تعاود التّحديق بالسّقف الفارغ بشرود، غير مبالية بصينيّة الغداء الّتي ابتهجت بسببها قبل لحظات قليلة، تسمع ردّ أختها المطمئن:

«دعكِ من هذا الآن، و تناولي عشاءك حتّى تتحسّني بسرعة»

«سأفعل»

أجابت بإيجاز وهي تدفع جسدها مجبرة نفسها على الجلوس رغم الألم الّذي كانت تشعر به...حدّقت بطبق السّمك لبضع لحظات تسمح لنفسها بالغرق في تفكيرها، قبل أن ترفع عسليّتيها تطالع أختها متسائلة بتردّد:

«هل لي بطلب؟»

انعقد حاجبا ناتالي باستغراب من التّساؤل غير المتوقّع، لكنّها ورغم ذلك رسمت على شفاهها ابتسامة لطيفة، وأجابت ممازحة:

«اطلبي وسأنفّذ هذه المرّة...أنتِ محظوظة، فالفرصة لا تأتي دوما»

ضحكت إيلينور بخفّة تلقائيّا، ترى أختها تغمزها، ثمّ واصلت محاولة إخفاء تأثّرها:

«أريد زيارة قبورهم...أمّي، أبي، و هانتر كذلك»

.

.

༺༺༺༺༻༻༻༻

.

.

كانت ممرّات الجامعة مكتظّة بالطّلّاب الّذين كانوا يشقّون طريقهم إلى الكافيتيريا لأجل أن يتمكّنوا من تناول غدائهم قبل أن يحين موعد الحصّة التّالية.

وقد كان ذلك أمرا مزعجا جدّا لصاحب الخصلات الشّقراء الّذي راح يتنقّل بسرعة متخطّيا إيّاهم وملامح وجهه توحي بانزعاجه الشّديد.

عليه الوصول للكافيتيريا بسرعة، ولا يمكنه احتمال أيّ تأخير حتّى لا تضيع من بين يديه.

بحسب ما سمعه، فهي ستغادر الجامعة بعد الغداء مباشرة...لذا، لا وقت لديه.

«أسمعت يا رجل؟ يقولون بأنّ رايدر ميرفي شعر بالقلق بشأن فتاة!»

اخترق ذلك الصوت العشوائيّ مسامعه فجأة، يجعله يتجمّد مكانه تلقائيّا يبحث بعينيه من حوله عن مصدره بينما يسمع آخر يجيب:

«تلك الّتي وقعت من السّلالم أمس؟ سمعت ذلك...لا أحد استطاع تصديق أنّ شخصا مثل ميرفي قد اندفع فجأة من اللّامكان ناحيتها مباشرة»

ذلك الصّوت كان أقرب بقليل...يبدو أنّهما يسيران خلفه.

جيّد، سيمكنه سماع ما يدور بينهما بوضوح.

واصل السّير، لكن بخطوات أبطأ بقليل، يسمح لهما بتجاوزه قليلا بينما يسير هو خلفهما هذه المرّة يستمع لبقيّة حديثهما:

«أتظنّه معجبا بها؟»

«لست أدري، لكنّه التّفسير الوحيد لتصرّفه الغريب...ما رأيك لو نجرّب أن نسأله؟»

«هل جننت؟! لقد كان يتجنّب الجميع منذ بداية هذا الصّباح...وقد حاول البعض بالفعل سؤاله عن الّذي جرى لكنّه صدّهم وقام بطردهم مباشرة...لا يبدو بمزاج جيّد اليوم»

«ومتى كان مزاجه جيّدا؟»

«ليس نفس الشّيء، مزاجه أسوأ من المعتاد بكثير»

لحظتها فقط، توقّف هيوغو مكانه بدهشة للحظات، قبل أن يخطو أسرع إلى الأمام ليسحب أحد الشّابين من ذراعه ويقوده جانبا برفقته، يتبعهما الآخر تلقائيّا، والّذي لم تكن حيرته تقلّ عن خاصّة صديقه.

«ما الأمر يا فتى؟»

تساءل الشّابّ الأول بانزعاج وهو يسحب يده بعيدا، ويلقي نظرات سريعة على صديقه يجده يبادله بنظرات حيرة.

أعاد توجيه بصره ناحية الأشقر، يراه يحدّق به بجدّيّة تامّة قبل أن يلقي عليه بتساؤله:

«قلق؟ معجب؟ ما الّذي جرى أمس؟ لم أسمع أكثر من أنّ فتاة ما تأذّت»

تبادل الشّابّان نظرات الاستغراب من ذلك التّساؤل، وسرعان ما نطق المعنيّ يجيبه بعدم تصديق:

«أتعيش أسفل صخرة يا صاح؟ رايدر ميرفي هو حديث الجامعة الآن! ألم تسمع بأنّه هرع فجأة إلى الفتاة الّتي سقطت؟ لقد بدا قلقا بشدّة عليها لدرجة جعلت الجميع يتساءل عن مشاعره اتّجاهها»

«أرى ذلك»

أجاب بابتسامة مصطنعة محاولا إخفاء تضايقه، وقد استطاع الشّعور باشتداد فكّه حينما ضغط على أسنانه بقوّة.

هذا مزعج له بحقّ...تبّا! لماذا رايدر ذاك من بين كلّ النّاس؟ هل يتعمّد فعل هذا لإغاظته أو ما شابه؟

ارتخى فكّ هيوغو قليلا فجأة فور سماعه للشّهقة الخافتة الّتي فلتت من الفتى الآخر، لتنتقل أعين الآخرين ناحيته، يريانه يشير بسبّابته ناحية الأشقر بأعين متّسعة ويصيح بإدراك:

«مهلا! هل أنت هيوغو أندريس؟»

تبّا مرّة ثانية...لم يكن يتوقّع بأنّه قد يتعرّف عليه. وهذا لن يكون جيّدا حتما مع الأخبار الّتي لازالت تتناقل بشأنه منذ الأمس.

منحه هيوغو ابتسامة متكلّفة وهو يشير له بالصّمت، يراه يزيح عينيه ناحية صديقه يطالعه بعدم تصديق وكأنّه فاز بجائزة ما، ما جعل الأشقر يفعل المثل وينظر للشّابّ الآخر يجده يبادل رفيقه النّظرات.

هل هكذا يكون الحال حينما يجتمع أحمقان؟

«أخفض صوتك، لست من مشاهير هوليوود أو ما شابه حتّى تلفت الأنظار ناحيتنا هكذا»

علّق بنفاذ صبر وهو يلفّ عينيه بضجر، مبعثرا خصلات شعره من الخلف.

هو يعلم جيدا سبب استفساره ذاك، ولكن يستحيل أن يكون الوضع أسوأ من الأمس، صحيح؟

رغم الانزعاج الّذي خالجه بمجرّد التّفكير بالسّؤال القادم، إلّا أنّه حاول مسايرة الأمر قليلا وتهدئة نفسه حينما لمح هذا الأخير يفتح فمه للحديث مجدّدا:

«أنت الشّابّ الّذي يقولون بأنّ الشّجار أقيم لأجله إذا! هل هذا صحيح؟»

لقد توقّع هذا...بعد مكالمته مع إيلينور، اكتشف أنّه تمّ ربط اسمه رسميّا بهذا الحدث منذ مساء الأمس، ولا يبدو بأنّه سيتمكّن من تحرير نفسه منه قريبا.

«الّذي تقصده هو أنا، لكنّ الوضع لم يكن شجارا حرفيّا، فالمصابة هي صديقة لي، بينما الّتي دفعتها هي مجرّد فتاة رفضتها قبل فترة»

أجاب موضّحا سوء الفهم المتداول...فلن يعجب أمر كهذا إيلينور حتما حينما تعود للجامعة.

هي لا تملك مشاعر له، وانتشار أخبار كاذبة كهذه قد يجعلها تكرهه فحسب، خصوصا وأنّ ما حدث لها كان بسبب تقرّبه منها في المقام الأوّل.

هي تشاجرت مع فتاة أخرى بسببه؟ هو في وضع رائع لأنّها لم تخطّط لقتله بعد بسبب هذا!

سرعان ما أعاده لأرض الواقع صوت فرقعة الفتى الآخر لأصابعه جاذبا انتباهه وانتباه صديقه، يصرّح بثقة وكأنّه وصل إلى نتيجة عبقريّة:

«آه، أظنّني فهمت...إذا تلك الفتاة شعرت بالغيرة من صداقتكما لأنّك رفضتها، ولهذا قامت بدفعها؟»

رمش الأشقر بهدوء يحلّل ذلك الاستنتاج، قبل أن يومئ برأسه قبولا ويجيب قائلا:

«هذه أصحّ إجابة لحدّ الآن»

«وهل تملك مشاعر لصديقتك هذه؟»

أضاف بفضول يترقّب إجابة هيوغو، إلّا أنّ الامتعاض ظهر على وجه هذا الأخير وهو يستوعب ذلك السّؤال.

من أين أتى هذا؟

لماذا يصرّان على خلق جوّ من انعدام الرّاحة هنا؟ كان يفترض بهذين الأحمقين أن يجيبا سؤاله ويغادرا مباشرة...متى سمح لهما بطرح الأسئلة عليه حتّى يتمادى هذا المغفّل هكذا؟

لم يجد هيوغو نفسه إلّا وهو يلجأ لقرار الانسحاب، حيث منحه ابتسامة متكلّفة بينما يتراجع إلى الخلف برويّة مصرّحا بتهكّم:

«وداعا، أتمنّى ألّا أراكما مجدّدا»

لم ينتظر ثانية أخرى، والتفت على الفور يواصل طريقه إلى الكافيتيريا ركضا هذه المرّة.

قد خلا الممرّ أكثر ممّا كان عليه قبل قليل لحسن الحظّ، كما أنّه أضاع ما يكفي من الوقت برفقة الثّرثارين...قد تضيع منه تلك الفتاة إن تأخّر أكثر.

حالما وصل هيوغو للكافيتيريا، لم يتردّد أكثر ودفع الباب بقوّة يدلف إلى الدّاخل...ليجول ببصره حول المكان يمسحه كاملا بحثا عن ضالّته.

ليست شخصا يصعب العثور عليه، لذا يفترض به أن يجدها بسرعة.

وها هي ذي أخيرا..

زفر بارتياح يلمحها جالسة على أحد المقاعد برفقة اثنتين من صديقاتها في زاوية المكان، تتناول غداءها بحرج بينما كلّ الأعين عليها.

وحرفيّا، كان الجميع يلقون عليها نظراتهم ويتهامسون في ما بينهم...وقد بدت غير مرتاحة بشأن ذلك.

ربّما كان قرار فصلها مفيدا لها أكثر من كونه سيّئا...سينسى الطّلّاب ما فعلته بعد أسبوعين على أكثر تقدير، فما بالك بشهرين؟ قد ينسون وجودها بأكمله.

أخذ هيوغو نفسا عميقا محاولا كتم غضبه، ثمّ قاد قدميه يخطو إلى الأمام قاصدا منضدتها مباشرة، متجاهلا الأعين الّتي انتقلت له.

لقد نسي تماما بأنّه جزء من أحاديثهم كذلك...سحقا، لكن لا خيار آخر.

حينما أصبح أقرب من طاولتها، استطاع ملاحظة الطّريقة الّتي نظرت له صديقتاها بها، قبل أن تخزها إحداهما بإصبعها تهمس لها بشيء في أذنها.

لم يحتج أن يخمّن ما هو، ففي نفس اللّحظة انتقلت عينا السّمراء تيانا ناحيته، تتّسع بدهشة وهي تراه يقف أمامها ويحدّق بعينيها هي تحديدا.

«إلى الخارج، الآن»

نطق بنبرة جافّة محافظا على التّواصل البصريّ بينهما، يجعل من الأخرى ترفع حاجبها باستغراب وهي تشعر بأيدي صديقتيها توضع عليها.

«هيوغو؟ ما الّذي‌ــ»

حاولت السّؤال، لكنّه قاطعها حينما أضاف بصرامة:

«قلت إلى الخارج، لن أكرّر»

لم ينتظر أكثر، والتفت على الفور يوليها بظهره متقدّما إلى خارج هذا المكان...ولم تكن نظرات الجميع ناحيته تعني له شيئا في هذه اللّحظة.

فليختفوا جميعا وحسب!

توقّف عن السّير فجأة حالما تخطّى عتبة الباب، ليلتفت خلفه يرى تيانا الّتي تبعته تقف هناك وتحدّق به بحذر منتظرة أيّ حركة منه.

«لماذا فعلتِ ذلك؟»

كان ذلك كلّ ما خطر على باله ليلقي به في تلك اللّحظة...ورغم امتلاكه الإجابة مسبقا، إلّا أنّه أراد سماعها مجدّدا بطريقة أقلّ سطحيّة ممّا يتداوله الطّلّاب.

«ماذا؟»

فلتت منها تلك الكلمة من دون وعي وهي تطالعه مميلة رأسعا بعدم فهم، ليواصل هو بصوت أعلى، متجاهلا ذلك تماما:

«هل لأنّي رفضتك؟ هذا فقط؟ لأجل ذلك أقدمتِ على أذيّتها!»

بصرخته الأخيرة تلك، اتّسعت أعين الفتاة بصدمة تدرك فجأة ما يقصده..

هو يتكلّم عن حادث الأمس؟ هل أتى إليها لأجل معاتبتها على ما جرى لتلك الفتاة؟

«لم أقصد دفعها صدّقني!»

أجابته بنفس نبرته المرتفعة، تبرّر موقفها وتحاول الدّفاع عن نفسها...إلّا أنّ كل ما حصلت عليه كان نظرة استحقار من الآخر الّذي نبس رافعا طرف شفاهه باشمئزاز:

«لكنّك فعلتِ، وهذا لن يتغيّر»

رمشت مرّتين تستوعب ما تراه، قبل أن تضمّ ذراعيها لصدرها وتضيّق عينيها متسائلة بنبرة دفاعيّة قليلا:

«ولماذا تقول لي هذا؟ أذلك سبب مجيئك إليّ؟»

«وما الّذي كنتِ تتوقّعينه مثلا؟ أن أطلب منكِ شقّ جمجمتها في المرّة القادمة؟»

أطلق ضحكة ساخرة في نهاية كلامه، يلفّ عينيه بضجر وهو يلمح حاجبيّ تيانا يرتفعان بدهشة...ولم تكن سوى بضع ثوانٍ قبل أن تضرب بقدمها الأرض بسخط وتصيح قائلة:

«ما هذا؟! ألستما مجرّد أصدقاء كما قالت هي؟! لماذا تكترث لأمرها بهذا الشّكل وكأنّها طفلة وليست فتاة بالغة!»

أصدر تنهيدة خافتة، ثمّ انحنى بجذعه إلى الأسفل قليلا ليصل وجهه لمستوى خاصّتها، قبل أن يقرّب شفتيه من أذنها ويهمس بجفاء:

«تريدين أن تعرفي؟ حسنا، أنا معجب بها، وبشدّة...ما فعلته قد يؤثّر على صداقتي معها ونظرتها لي، لذا لي الحقّ في الغضب منك»

لم يستطع رؤية الطّريقة الّتي اتّسعت بها حدقتاها وكأنّها تلقّت خبرا صادما لتوّها -رغم أنّه كان كذلك بالنّسبة لها-، قبل أن تصرخ فيه بنفاذ صبر:

«فلتمت أنت وهي إذا! أخطأت حينما أُعجبت بك في المقام الأول!»

تراجع بضع خطوات إلى الخلف حالما شعر بيديها تدفعانه من بطنه بقوّة تزامنا من صراخها، يعاود الوقوف باستقامة بينما يدسّ يديه في جيوب بنطاله معلّقا بخيبة أمل مصطنعة:

«أنت حقيرة حقا، لم أرد تصديق الشائعات عنك لكنك أسوأ مما سمعته...هل كنتِ تريدين إيذائي أنا الآخر بدفعك لي؟»

لم يضيّع ثانية أخرى بعد إلقائه بذلك، والتفت على الفور يخطو مبتعدا عن المكان، تاركا إيّاها تقف مكانها وهي تكاد تنفجر من شدّة الغيظ.

هو يدرك أنّها قد تريد قتله الآن، لكنّه لا يكترث فحسب...هي لا تهمّه، ولن تهمّه يوما، عليها تقبّل ذلك مع الأسف.

لا رغبة له في تناول الغداء الآن حتّى...هو يسير، ولكنّه لا يملك فكرة عن أين سيذهب.         

    

.

.

༺༺༺༺༻༻༻༻

.

.

كان السّكون يملأ تلك القاعة الفارغة، يمنح كلّ ناظر إليها شعورا جميلا بالوحدة والخلوة، ويدعوه إلى الجلوس فيها والاستمتاع بلحظات هادئة بمفرده.

وفي داخلها، تحديدا في مقاعد الوسط، كان فتى بخصلات سوداء يجلس مسندا رأسه على سطح المنضدة الخشبيّ، يغمض عينيه ويحاول قدر الإمكان تلبية هذه الدّعوة بالاستمتاع بلحظات السّلام هذه.

عليه استغلال الفرصة بما أنّه بحال أفضل قليلا الآن..

الشّعور المقيت قد خفّ بعض الشّيء...ربّما لأنّه لم يصادف تلك العسليّة اليوم.

أفضل ما قامت به هو أنّها لم تأتِ للجامعة..

كان متجهّما حينما استيقظ اليوم بسبب الانقباض الّذي لازمه وهو يفكّر في أنّه قد يراها، لكنّ كلّ ذلك قد تلاشى حالما بدأت الحصّة من دون أن تظهر.

كلّ ما يزعجه الآن هو أمران..

حقيقة أنّ الشّعور الخانق لم يختفِ تماما، بل خفّ فقط، ما يعني احتماليّة عودته.

والأوغاد الّذين لاحقوه في كلّ مكان منذ الصّباح لكي ينفي أو يؤكّد لهم الشّائعات المتداولة، ولم يتخلّص منهم إلّا بصعوبة.

من يكترث للشّائعات أصلا؟ ربّما البعض يفعل، لكن ليس رايدر ميرفي حتما.

حتّى لو لم يتحدّثوا عن هذا، سيجدون شيئا آخر ويتحدّثون عنه...هكذا هم حثالة النّاس، وهو ليس شخصا يضيّع وقته في نقاشات مع أمثالهم من متحجّري العقول. إن لم يكن وقتهم ثمينا، فخاصّته كذلك بالنّسبة له.

الوقت الّذي يضيّعه معهم، بإمكانه استغلاله لتلقين وغد ما درسا بدلا من ذلك.

أطلق رايدر زفرة مثقلة وهو يمدّ يده فجأة إلى قميصه، يفكّ الأزرار العلويّة بضجر.

تبّا، لقد عاد شعور الاختناق..

شدّ بأصابعه على القماش بقوّة، يحكم إغماض عينيه أكثر، بيننا ترتسم تقطيبة خفيفة على جبينه...هذا مزعج، ومؤلم قليلا.

هذا مرض حتما...لابدّ وأنّ هارفي تلك نقلت له عدوى ما حينما اقترب منها.

أجل، هذا هو التّفسير الوحيد لما يجري له.

أخذ نفسا عميقا، يحاول به تنظيم ضربات قلبه الّتي تسارعت فجأة، قبل أن ترتخي أصابعه قليلا فور سماعه لصوت باب القاعة يُفتح...وقبل أن يستطيع استيعاب شيء، وصل مسامعه صوت مرتفع صدح في الأرجاء:

«ميرفي هنا؟»

وبذلك ارتفعت الهمسات، وتعدّدت أصوات الخطوات...لم تبدُ وكأنّها لشخص أو اثنين...بل لجيش كامل.

هل أصبح أحد المشاهير أو شيئا من هذا القبيل؟ يا للسّخافة!

«تبّا..»

همس رايدر بضيق وهو يحاول تجاهلهم وادّعاء النّوم...لكنّ محاولته فشلت في اللّحظة الّتي شعر فيها بيد تتموضع على كتفه، يتبعها صوت ذكوريّ:

«لا تقل بأنّك نائم يا رجل»

فتح عينيه ببطء، يشعر باليد لاتزال عليه، ليستقيم في جلسته فجأة من دون أن يحاول إخفاء الغضب في نظراته، مبعدا إيّاها عنه.

«لا تضع يدك عليّ هكذا مرّة أخرى»

نطق ببرود وهو يرمق الفتى بنظرات حادّة، قبل أن يقف من مكانه مباشرة ويواجهه بجسده مضيفا بجفاء:

«كنت هنا قبلك، وقبلكم جميعا...لذا غادروا الآن وحالا»

التفت في نهاية كلامه إلى الجانب يواجه الطّلّاب الآخرين هذه المرّة، ويرى كيف أنّ أحدهم رفع يديه في الهواء وأجاب محاولا تهدئة الوضع:

«اهدأ قليلا لا داعي لتكون عدائيّا هكذا...لدينا بضع أسئلة، ثمّ سنتركك لتواصل قيلولتك»

ضاقت عينا الآخر بريبة، يتقدّم بضع خطوات أقرب منه بينما يستمرّ في تفحّص هيئته بعينيه، قبل أن يعقب بنبرة تهديديّة:

«مهلا، أنا أذكرك...ألم أطردك صباحا؟ أبقِ على كرامتك ولا تجبرني على طردك مجدّدا»

منحه الفتى ابتسامة غير مبالية، ثمّ سحب هاتفه بسرعة من جيبه واستدار ناحية البقيّة يخاطبهم قائلا بحماس:

«هيّا يا رفاق، لنبدأ الأسئلة... وسأسجّل الأجوبة بهاتفي لأشاركها مع الجميع في وقت لاحق»

سرعان ما امتدّت بد رايدر إلى جبينه يدعكه بنفاذ صبر...ما هذا؟ نشرة أخبار؟ هو بالكاد يحتمل نفسه الآن، فما بالك بهؤلاء الحمقى.

لا يمكنه حتّى ضرب أحدهم الآن! ستزداد حينها الأمور سوءا وسيجزمون بأنّه انفعل حتّى يخفي "إعجابه" أو أيّا كانت السّخافة الّتي يعتقدونها.

لا يكترث بآراء النّاس عادة، لكنّ هذه هنا حالة خاصّة...اتّفاق الجميع على أمر واحد لن يصبح رأيا، بل سيفرضونه كحقيقة لا مفرّ منها.

«ميرفي، أصحيح أنّك قلقت يوم أمس على الفتاة الّتي سقطت وهرعت لتفقّدها؟ كان اسمها إيلينا...لا، إيلينور؟»

انتقلت أعين الجميع ناحية صاحب السّؤال، بما فيهم رايدر الّذي ألقى عليه بنظرات قاتلة، رغم أنّ الآخر تجاهلها.

ها قد بدأت مجدّدا جولة الأسئلة السّخيفة..

«ومن أنت لتسألني؟ صحفيّ؟ سارع في الالتفات وعد من حيث أتيت قبل أن أفقد أعصابي»

صرّح بنبرة حادّة وهو يضمّ ذراعيه لصدره مشيرا برأسه ناحية المخرج، ولكنّ الفتى لم يبدُ وكأنّه متهمّ بذلك، إذ ظلّ ثابتا مكانه في حين علّق شخص آخر قائلا بينما يتقدّم ويسند مرفقه على كتف صاحب الخصلات السّوداء، راسما على شفاهه ابتسامة خبيثة:

«هيّا رايدر، هي مجرّد كلمة...نعم، أو لا»

في هذه اللّحظة، زفر رايدر بانزعاج يقرّر التّوقف عن محاولة ضبط نفسه، ثمّ رفع يده يدفع بها مرفق الشّاب بعنف، جاعلا إيّاه يتمايل خطوة للخلف بذهول.

«ابتعد عنّي إن لم ترد أن تتأذّى...لن أعيد نفس الكلمات لكلّ فرد منكم»

رغم جدّيّة الكلمات الّتي ألقى بها رايدر، إلّا أنّه لم يبدُ له بأنّ الآخر شعر بذلك، إذ أنّ حاجبيه ارتفعا بدهشة، ليس من الجواب نفسه، بل من شيء آخر.

«أتسمعون؟ هو لا ينفي الشّائعات، إذا هذا صحيح!»

صاح بعدم تصديق وهو يلتفت للبقيّة يطالعهم بصدمة مشيرا بيده ناحية الآخر...لتنطق من بينهم فتاة هذه المرّة بصوت مرتفع:

«هل كان ذلك لأنّك معجب بها؟ لم يكن تصرّفا مألوفا لك»

حسنا، هذا قد فاق حدود صبره...ليظنّوا ما يريدونه الآن، فذلك لم يعد يهمّه.

أراد رايدر أن يكبح غضبه أكثر بعد، لكنّه لم يجد نفسه سوى وهو يلجأ للتّنفيس عنه بركل الطّاولة الّتي كانت بجانبه فجأة بقوّة، ويقلبها أرضا تحت صدمة الجميع، ليصيح بعدها في وجوههم بصوت ساخط:

«تبّا لكم! غادروا حالا! تعلّموا كيف تعيشون حياتكم البائسة بدلا من عيش حياة الآخرين! إيّاكم أن يجرؤ أحدكم على سؤالي مجدّدا، لأنّني سأحطّم وجهه سواء كان شابّا أم فتاة!»

وقف مكانه يراقبهم وصدره يعلو ويهبط من شدّة الانفعال، يلاحظ كيف تراجع العديد من الطّلّاب فورا، يتهامسون عنه فيما بينهم قبل أن يُخرسهم الصّوت السّاخر الّذي مزّق الأجواء المتوتّرة:

«فهمنا... والآن، أخبرنا إن كانت الشّائعات صحيحة»

تحوّلت أنظار الجميع فورا ناحية القائل، يرون شابّا أشقر يقف عند العتبة مستندا بجسده على إطار الباب بينما يضمّ ذراعيه لصدره، ويرسم على وجهه ابتسامة مستفزّة.

هيوغو أندريس..

ضاقت عينا رايدر وهو يراه يستقيم في وقفته ويخطو إلى الدّاخل ببطء، قبل أن يردّ عليه بتهكّم:

«بشرط أن تخبرنا إن كان صحيحا أنّ الحادث كان بسببك...لقد أثبتت بأنّ وجودك بحدّ ذاته مشكلة...لو لم تحم حول هارفي كشخص معجب أكثر من صديق، لما وصلت الأمور لهذا الحدّ»

رفع هيوغو حاجبه، ثمّ ردّ بنبرة ساخرة وهو يستند بظهره على إحدى الطّاولات:

«هل تلومني لأنّني أتصرّف كما أريد فحسب؟ ألأنّك غير قادر على القيام بأيّ خطوة تخطر لك أو ما شابه؟»

ضغط رايدر على أسنانه بغضب يلقي نظرات حادّة على الأشقر الّذي لم يلقِ بالا له.

لماذا يشعر وكأنّ وقع تلك الكلمات كان أثقل من اللّازم؟ لا يجب عليها أن تكون هكذا، وخصوصا حينما تأتي من شخص مبتذل مثله..

ألأنّه لا يزال يصارع ارتباكه ربّما؟ لكن ما العلاقة بين الأمرين؟ هو لا يفهم إطلاقا.

من دون تفكير، وجد نفسه يحمل أقرب كرسيّ منه ويلقي به مباشرة نحو هيوغو تحت أنظار الطّلّاب المنصدمين.

«فلترَ بنفسك إذا كيف أقوم بكلّ ما يخطر لي!»

صرخ بنبرة ساخطة غير مكترث لأيّ شيء من حوله...بما في ذلك الشّهقات الّتي صدرت عن الموجودين حالما انبطح هيوغو متفاديا الكرسيّ الّذي ارتطم بالجدار محدثا صوتا عاليا.

عاود الأشقر الوقوف باستقامة، يلقي نظرة سريعة على الكرسيّ قبل أن يعيد بصره ناحية رايدر الّذي كان يتحكّم بنفسه بصعوبة، ثمّ أردف ضاحكا بسخرية:

«مهاراتك في التّصويب ضعيفة»

وبذلك، قطعت كلماته تلك آخر خيط رفيع كان يربط بين رايدر والصّبر، ليصل إلى حدود قدرته على التّحمّل ويندفع من دون تردّد نحوه يهوي على فكّه بلكمة قويّة أعادته بضع خطوات إلى الخلف.

أشقر مثله يجرؤ على إهانة رايدر ميرفي؟ لا، هذا لن يمرّ بسلام..

«أرى أنّ مهاراتي جيّدة دمت أصبت فكّك بدقّة»

علّق بتهكّم بينما يراقب هيوغو وهو يبصق بضع قطرات دماء، قبل أن يمسح فمه بظهر كفّه ويزيح عينيه ناحية رايدر بعدم تصديق:

«تريد شجارا إذا؟ لك ذلك»

ارتفع طرف شفاه الآخر باشمئزاز وهو يطالعه، ليردّ بسخرية بينما يعيد خصلات شعره إلى الخلف:

«إيّاك فقط أن تبكي، فذلك سيضع اعتبارك في الحضيض أكثر ممّا هو عليه بالفعل»

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فوضى وسكينة

المؤلف _aerithra_
2025/10/31 مستمرة
قائمة الفصول (26)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة