أريد تجاهله

أريد تجاهله

19 0

____________________________________________

«سأخرج الآن ناتالي»

صاحت إيلينور و هي تقف على عتبة الباب مخاطبة شقيقتها الكبرى الّتي سرعان ما وصل صوتها من المطبخ:

«فلتحظي بيوم جيّد! إن انتهى عملي مبكّرا فسآتي لاصطحابك عند انتهاء الدّوام»

«حسنا، أراك لاحقا»

نطقت بهذا قبل أن تخرج مباشرة و تغلق الباب خلفها. لتبدأ سيرها باتّجاه الجامعة...

الجوّ دافئ اليوم نوعا ما. لحسن الحظّ أنّها لم ترتدِ سترتها الصّوفيّة و إلّا لكانت الآن تصارع من أجل التّنفّس بحرّيّة.

السماء تبدو جميلة كذلك. لو لم تكن في طريقها للجامعة الآن لتوقّفت لأجل رسمها.

و بذكر الرّسم..

لقد راودتها فكرة للتّوّ..

هي لم تقم برسم شخص آخر منذ مدّة طويلة. فلماذا لا تطلب من لوسيا أن تسمح لها برسمها؟

ستكون تلك فكرة رائعة حقّا و ستحبّها سيا من دون شكّ.

و من ناحية أخرى ستأخذ إيلينور استراحة قصيرة من رسمها المستمرّ لرايدر.

و على ذكره، ها هي تلمحه الآن. يقف هناك على بعد بضعة أمتار منها يرتدي قميصا أبيض من دون أكمام و سروالا رياضيّا كعادته. بينما خصلاته السّوداء تتدلّى على جبينه.

جدّيّا، ما الّذي يحبّه في السّراويل الرّياضيّة ليرتديها على الدّوام؟

و بالمناسبة، ذلك مرآب، صحيح؟ ما الّذي يفعله هناك بتلك السّيّارة البيضاء بدلا من أن يكون هو الآخر في طريقه للجامعة؟

ثيابه لا توحي بأنّه ينوي الذّهاب في أيّ وقت قريب. هل سيتغيّب اليوم؟

كانت أعينها مثبّتة عليه بينما تواصل التّقدّم إلى الأمام. ظهره مقابل لها و لا يبدو أنّه سيلتفت سوى عندما تكون قد تخطّت ذلك الشّارع. ما يعني أنّه لن يراها.

هذا جيّد..

أعادت توجيه بصرها إلى الأمام و واصلت طريقها للجامعة دون أن تفكّر أكثر.

يبدو أنّها اليوم و أخيرا ستنتبه لحديث البروفيسور رغما عنها و لن تتشتّت برغبتها في الرّسم.

«يا أنتِ!»

استوقفها مناداة أحدهم لاسمها بصوت مرتفع. و لم تحتج للالتفات حتّى تعرف هويّة الشّخص، لكنّها رغم ذلك عضّت على شفتها السّفلى بتردّد قبل أن تستدير بجسدها كاملا صوبه.

لم تنبس بحرف، و اكتفت برسم ملامح هادئة و غير مبالية على وجهها بينما تراقبه يقترب منها بخطوات سريعة يعيد خصلاته الدّاكنة إلى الخلف.

«ما اسمك يا فتاة؟»

نطق بهدوء فور أن وقف أمامها ليظهر فارق الطّول بينهما، و الّذي لم يكن كبيرا حقّا.

ظهرت تقضيبة خفيفة على جبينها و ضيّقت أعينها بشكّ. هذا لم يكن متوقّعا على الإطلاق.

الكثير من الأفكار تراودها الآن، و الكثير من شعور القلق و انعدام الأمان.

تردّدت للحظة و لكنّها لم تجد مفرّا من الإجابة، لذا أمالت برأسها للجانب قليلا ببطء و نظرت له بلا مبالاة قائلة:

«إيلينور هارفي، من يسأل و لماذا؟»

لم يبد أنّ طريقة حديثها و نبرة صوتها البعيدة كلّيّا عن الودّيّة قد أزعجته، فقد استأنف كلامه مجدّدا متجاهلا سؤالها:

«أنتِ في نفس صفّي، صحيح؟ لا يمكنني حضور الحصص الصّباحيّة، لذا إذا ما سأل عنّي المدير أو البروفيسور قومي بمنحه هذه الورقة فقط»

أخفضت بصرها لتلمح يده ممدودة ناحيتها ممسكا بورقة مطويّة.

رفعت أعينها له بهدوء و أردفت متسائلة:

«المعذرة، لماذا قد أفعل هذا؟»

«لا أعلم. لما قد لا تفعلين؟»

أجاب بينما يرفع حاجبيه باستغراب، لتحني هي رأسها بخفّة و تتنهّد بينما تمدّ ذراعها و تأخذ الورقة منه قائلة:

«حسنا، أيّا يكن. آمل ألّا يكون فيها ما يورّطني في المشاكل»

«لا داعي لتضخيم الأمور، ليست سوى ورقة تبرّر سبب تغيّبي فحسب»

«لا يهمّ. أنا ذاهبة الآن، سأتأخّر عن الجامعة»

لم تنتظر منه جوابا و التفتت على الفور مغادرة المكان، تاركة إيّاه يقف هناك يتبعها بأعينه بنظرات هادئة.

فور اختفائها عن مرمى بصره، استدار هو الآخر و عاد إلى المرآب ليواصل عمله.

وقف أمام تلك السّيّارة يحدّق بها للحظات بذهن شارد، قبل أن يحرّك رأسه بخفّة ينفض الأفكار عن رأسه بينما يتقدّم ببطء من المقعد الموجود بجانب الجدار.

ألقى بثقله عليه و ظلّ يحدّق بالأرض سامحا لأفكاره بالاستحواذ على ذهنه.

صحيح أنّ لقاءه بتلك الفتاة لم يكن سوى محض صدفة، فهو كان سيمنح الورقة لأيّ طالب في نفس صفّه يراه يمرّ من هنا، لكنّه وجد جوابا لعديد من الأسئلة الّتي راودته أمس.

ليست هي صاحبة الرّسم بكلّ تأكيد..

ملامح وجهها، و نظراتها نحوه قبل قليل..

كلّها توحي بأنّها على الأرجح لم تره قبلا من الأساس أو أنّها نسيت وجهه.

لا اهتمام، لا استلطاف، و لا إعجاب، و لا شيء غير ذلك ممّا يجعله يصدّق بأنّ الورقة تعود لها هي.

الشّيء الوحيد الّذي يجعله يشعر بأنّ هناك شيئا ناقصا يجهله هو أنّها تصرّفت و كأنّها لم تره قطّ من قبل و لا تعرف عنه شيئا.

كان ليصدّق ذلك لو أنّه لم يمسك بها تحدّق ناحيته عشرات المرّات أثناء الدّرس، إضافة لإجابتها سؤال البروفيسور مكانه.

حسنا، هو ساعدها من قبل رغم أنّه لم يفعل ذلك لأجلها، بل لأنّه شعر بالملل من الانتظار و لم يستطع التّحكّم في نفسه. لكنّها ليست مجبرة على ردّ شيء بما أنّ لا علاقة تربطهما.

هل يحاول سؤالها مباشرة؟

هل يبحث خفية بين أغراضها عندما لا تكون منتبهة؟

مهلا، مهلا، مهلا...ما الّذي تفكّر به رايدر؟ هذا ليس أنت..

يبدو أنّ فضوله حظي نصيبا بالسّيطرة عليه هذه المرّة.

هو سيكتشف حقيقة ما إذا كانت هي صاحبة الرّسم أم لا...و لكن بطرقه الخاصّة.

.

.

༺༺༺༺༻༻༻༻

.

.

«اثبتي مكانك سيا، ستفسد الرّسمة»

نطقت إيلينور معاتبة لوسيا بينما تسمح لقلمها بالانسياب بحرّيّة تنسخ صورة لوسيا على الورق.

لقد مرّت عشرون دقيقة بالفعل، و لم تنتهِ سوى من رسم نصفها فقط.

«لكنّي أشعر بالتّعب من الجلوس كالصنم هنا»

تذمّرت لوسيا بينما تئنّ كالأطفال محاولة قدر الإمكان الثّبات مكانها حتّى لا تتلقّى عتابا آخر من إيلينور الّتي ضحكت بخفّة بينما لم تزح أعينها عن الورقة أمامها.

«لم يبقَ سوى القليل فقط»

«قلت هذا قبل عشر دقائق»

«كنت أحاول جعلك تصبرين فقط، و لكنّني الآن جادّة حقّا»

«سأصدّقك هذه المرّة»

أجابت لوسيا بينما تتنهّد بقلّة حيلة جاعلة من ابتسامة الأخرى تتّسع معبّرة عن استلطافها لها.

لقد وصلت الاثنتان قبل نصف ساعة لحديقة الجامعة. لم تكن لدى كليهما حصص طوال ساعتين لذا لم تتردّد إيلينور في طرح الفكرة الّتي راودتها هذا الصّباح. و لم تجد لوسيا مجالا للرّفض بكلّ تأكيد...

لكن و رغم تركيزها الشّديد في ما تفعله و تفاعلها بين الحين و الآخر مع تذمّرات لوسيا و تعليقاتها السّخيفة، إلّا أنّ ذهنها قد كان منشغلا جدّا و يعجّ بالأفكار المزعجة.

حسنا إذا. أصبحت متيقّنة تماما من أنّ رايدر ميرفي يعلم بوجودها و يعلم كذلك باسمها الكامل.

ليتها غيّرت طريقها حينما لمحته للوهلة الأولى.

و لكن لا..

كان عليها أن تفكّر بطريقة حمقاء و تواصل السّير معتقدة بأنّه لن يراها مطلقا.

أكثر ما لا تندم عليه هو أنّها حاولت التّصرّف ببرود قدر الإمكان و لم تترك له مجالا ليفكّر أصلا بأنّها تعرفه أو تهتمّ لأيّ شيء يخصّه.

و من نظراته تلك هي متأكّدة من أنّها نجحت بجدارة.

«إيلينور، ما الّذي تفكّرين به؟»

رفعت المعنيّة أعينها من على الدّفتر و نظرت للوسيا بتفاجئ بينما تشير لنفسها بسبّابتها قائلة:

«أنا؟ لست أفكّر بشيء، لماذا؟»

أمالت الأخرى رأسها للجانب قليلا و أجابت مشيرة ناحية يد إيلينور:

«يدك...لقد توقّفتِ عن الرّسم لبضع ثوانٍ من دون أن ترفعي بصرك لتنظري لي»

«كنت أدقّق في الرّسم لأتأكّد من أنّه لا توجد أخطاء»

هزّت الأخرى رأسها نافية و أصرّت على موقفها:

«لا، ليس كذلك. إن كنتِ تدقّقين لوضعتِ القلم بين أسنانك كعادتك. توقّفك كلّيّا عن الحركة يعني أنّ ذهنك منشغل بأمر ما»

رمشت لينو مرّتين تستوعب دقّة ملاحظة لوسيا و قدرتها على تذكّر عادتها الّتي هي بنفسها لم تكن توليها اهتماما، ثمّ أردفت بإعجاب متناسية مضمون كلام سيا:

«لم أكن أعلم بأنّك شديدة الملاحظة سيا، لا تبدين كشخص يهتمّ بالتّفاصيل»

رفعت لوسيا حاجبها بدهشة و كأنّها قد تلقّت اتّهاما باطلا للتّوّ ثمّ أردفت متذمّرة:

«أنا أحفظ تاريخ ميلادك، ما الّذي تريدينه أكثر من هذا؟»

«أخبريني به إذا»

«الثّالث من أغسطس»

«خطأ»

«ماذا؟ مستحيل»

هزّت إيلينور رأسها نافية ثمّ نبست بينما تشكّل رقم اثنين بيدها:

«الثّاني من أغسطس...الثّاني و ليس الثّالث»

«نفس الشّيء، فرق يوم واحد»

أجابت لوسيا بينما ترفع كتفيها بعدم اكتراث و كأنّه أمر عاديّ و لم تخطئ إطلاقا جاعلة من إيلينور تردف بسخرية:

«واصلي إيجاد الأعذار لنفسك»

لم تعقب الأخرى على كلامها، و بدلا من ذلك فرقعت أصابعها معبّرة عن تذكّرها لأمر ما. و سرعان ما صاحت قائلة:

«انجرفنا في الحديث حتّى نسيت تماما. ما الّذي كنتِ تفكّرين به إذا لدرجة توقّفت عن الحركة؟»

منحتها إيلينور ابتسامة متكلّفة ثمّ رفعت يدها تشير لها بالالتفات قليلا مغيّرة الموضوع:

«عودي لوضعيّتك سيا، ستفسدين الرّسمة»

.

.

༺༺༺༺༻༻༻༻

.

.

سارت إيلينور إلى داخل قاعة المحاضرات بهدوء محاولة عدم لفت الأنظار كونها متأخّرة بنصف ساعة.

أجل، استغرق رسم لوسيا أكثر ممّا كان متوقّعا و لم تستطع إيلينور أن تتوقّف فقط لأنّ موعد محاضرة الفلسفة قد حان، رسمها كان سيخرّب إن توقّفت.

الرّسمة الأولى كانت مثاليّة لدرجة ظلّت لوسيا تتوسّل حتّى ترسمها لينو بوضعيّة أخرى.

هي من كانت تشتكي من تعبها نسيت ذلك تماما حالما وقعت أعينها على صورتها على الورق.

وصلت إيلينور لمقعدها المعتاد و الّذي وجدته فارغا لحسن الحظّ و لا أحد يجلس قربه. أيّ شخص هذا يريد أن يجلس في المقاعد الأخيرة؟ إلّا إن كان يريد أن يحصل على رؤية جيّدة بحيث يستطيع أن يلمح كلّ شيء و كلّ شخص.

تماما مثلها.

بالمناسبة، إنّها الفترة المسائيّة. ألم يلتحق رايدر بالجامعة؟

لقد منحت الورقة بالفعل للمدير و أخبرته بأنّه من المفترض أن يحضر مساءً. سيوقعها في موقف محرج إن لم يأتِ.

جالت ببصرها حول المكان تمسحه جيّدا بأعينها العسليّة، إلى أن وقعت أعينها عليه أخيرا..

زفرت بارتياح و لم تلحظ بأنّها أطالت النّظر له قليلا سوى حينما التفت هو بشكل مباغت و كأنّه شعر بأعين أحدهم عليه.

و لسوء حظّها كانت أوّل من وقع بصره عليها جاعلا منها تزيح أعينها بسرعة و تثبّتها على سطح المنضدة أمامها.

لماذا كان عليها أن تكون أوّل من يراها؟ لقد وصلت للتّوّ!

«الآنسة في الأخير. بما أنّكِ وصلت متأخّرة أساسا أتمنّى أن تتناولي دفترا و قلما و تبدئي في تدوين الملاحظات بدلا من التّحديق في الطّاولة هكذا»

شدّ انتباهها صوت البروفيسور براين عندما صدح في أرجاء المكان، لترفع رأسها بهدوء و تجده يحدّق نحوها، و كذلك الجميع.

مرّرت بصرها بينهم بسرعة لتتوقّف عند أحدهم..

رايدر؟ هو لا ينظر لها الآن كالبقيّة. ألم يسمع معلّم الفلسفة؟ هل هو يرتدي سمّاعات أو شيئا من هذا القبيل؟

كانت تلك الأسئلة الّتي طرقت ذهنها قبل أن تعود إلى أرض الواقع و تستوعب ما يحدث..

وجّهت أعينها صوب البروفيسور الّذي كان يراقبها بهدوء شديد، ثمّ استقامت من مكانها و تحدّثت بصوت مسموع:

«سأفعل سيّدي. لقد شردت قبل قليل للحظة و أنا أعتذر عن ذلك»

من مكانها ذاك، استطاعت أن تلحظ ارتخاء ملامح المعلّم الّذي حرّك رأسه بخفّة و أردف بنبرة متفهّمة:

«لا بأس. كلامي هذا كان لمصلحتك لا غير»

أومأت هي برأسها متفهّمة ثمّ عادت لتجلس مكانها و تخرج أغراضها من حقيبة ظهرها بسرعة قبل أن تركّز جلّ انتباهها مع المحاضرة.

كانت لا تزال هناك ربع ساعة حتّى انتهاء الوقت حين ألقى البروفيسور بآخر كلماته:

«و هكذا تكون محاضرة اليوم قد انتهت. لا تزال هناك ربع ساعة و يمكنكم خلالها فعل ما يحلو لكم»

تعالت أصوات الطّلّاب يهتفون معبّرين عن إعجابهم بما سمعوه للتّوّ، و نهض أغلبهم من أماكانهم ليجتمعوا برفاقهم.

كانت إيلينور هي الوحيدة الّتي ظلّت تراقب الوضع بصمت، و صادف أنّ أحدهم لم يتحرّك من مكانه هو الآخر.

اتّسعت ابتسامتها حالما لمحته. ليس لأنّه كان يجلس مكانه فقط، بل لأنّ وضعيّة جلوسه كانت خالية من العيوب.

ليس هي فقط، بل أيّ رسّام مكانها كان ليشعر برغبة عارمة في نسخ هذا الفتى على الورق.

أمعنت النّظر به للحظات حتّى تتيقّن من أنّه لن يتحرّك قريبا. و لم تتردّد في استئناف عملها على الفور.

ثانية..

ثانيتان..

دقيقة..

دقيقتان..

و لم تلحظ أنّ تلك الرّبع ساعة قد مرّت بالفعل سوى حينما رنّ الجرس معلنا عن انتهاء وقت الحصّة المسائيّة الأولى لهم.

رفعت رأسها و أخذت تجول ببصرها حول المكان، ليكون جلّ ما تراه هو اندفاع الطّلّاب إلى خارج الغرفة.

موعد حصّتهم التّالية بعد نصف ساعة من الآن. يبدو أنّها هي الأخرى ستخرج لاستنشاق بعد الهواء النّقيّ.

لقد انتهت من الرّسم، إضافة لأنّ هذه القاعة تشعرها بالاختناق.

استقامت من مكانها بسرعة و حشرت أغراضها داخل حقيبة ظهرها.

أغلقت السّحّاب بإحكام ثمّ ألقت بها على المقعد قبل أن تلتفت للخروج.

لن تحتاج حقيبتها في كلّ الأحوال، لما تنهك نفسها بحملها إذا؟

فور خروجها، أصبحت القاعة خالية و لم يبقَ سوى شخص كان منشغلا بالتّحديق في السّقف بشرود.

اعتدل رايدر في جلسته و أخذ نظرة سريعة على المكان ليجد أنّه الوحيد المتبقّي في الدّاخل.

لا رغبة له في الخروج، لذا يبدو أنّه الوقت المناسب لتنفيذ ما خطر بباله توّا.

استقام من مقعده و سار بهدوء متخطّيا الصّفوف بينما يضع يديه في جيوب بنطاله الرّياضيّ.

وقف أمام تلك المنضدة حيث كانت حقيبة ظهر زرقاء اللّون ملقاة بإهمال على سطحها.

حدّق بها للحظات قبل أن يخرج من جيبه هاتفه، ليفتح تطبيق الكاميرا و ينحني بجذعه للأسفل محاولا تثبيت الهاتف بشكل مناسب باستعمال الحقيبة..

ثوان قليلة حتّى استقام في وقفته مجدّدا يتراجع خطوتين إلى الخلف يراقب شاشة الهاتف.

من هنا يمكنه تصوير مكان جلوسه. مثالي!

انحنى مجدّدا يضبط مؤقّت الكاميرا على عشر ثوان، ثمّ ضغط على زرّ التّصوير بخفّة قبل أن يعود لمقعده بسرعة و يتّخذ إحدى وضعيّات جلوسه المعتادة.

تحديدا، الوضعيّة الّتي كان عليها في الرّسمة الّتي وجدها.

فور انقضاء المدّة تمّ التقاط الصّورة تلقائيّا، و لم يتردّد رايدر في الاقتراب من مكان إيلينور مجدّدا ليلتقط هاتفه.

فتح الصّورة و ظلّ يحدّق بها للحظات و كأنّه يحاول التّدقيق في كلّ تفاصيلها مرغما ذهنه على تذكّر تفاصيل الرّسم كذلك.

زاوية الصّورة متطابقة مع زاوية الرّسمة. و وضعيّة الجلوس متماثلة كذلك، لذا لا يمكنه إيجاد مبرّر أو اعتبارها محض صدفة و حسب..

كلّ ما وجده الآن يشير إلى أنّ الورقة الّتي وجدها تعود لها. لكن لسبب ما هو لا يرى الأدلّة كافية.

شيء في داخله يخبره بأنّه لا يستطيع الجزم كلّيّا إلّا عندما يرى أحد رسوماتها بنفسه.

و بالمناسبة، لقد خطر بباله شيء للتّوّ..

ألا يترك الرّسّامون في العادة توقيعاتهم على أعمالهم؟ لماذا إذا تلك الرّسمة لا تحوي سوى نصف رسم له؟ هل السّبب أنّها لم تكتمل؟

ربّما ذلك. على كلّ حال، هذا لا يهمّ..فتلك أمور تخصّ الفنّانين و هو غير معنيّ بها.

كان رايدر على وشك الالتفات لأجل العودة لمكانه، إلّا أنّ أعينه وقعت صدفة على حقيبة إيلينور جاعلة منه يتجمّد للحظات.

الآن هو يدرك ما يراه..

هل تركت حقيبتها داخل القاعة؟ هذا ما يبدو عليه الأمر..

لا بدّ من أنّ الحظّ في صالحه إذا.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فوضى وسكينة

المؤلف _aerithra_
2025/10/31 مستمرة
قائمة الفصول (26)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة