رهان

رهان

18 0

____________________________________________

يوم الاثنين، بداية الأسبوع، وبداية يوم جديد من نفس الرّوتين الّذي يكرهه الجميع.

كلّ ما كان يُسمع في تلك الممرّات هو أصوات خطوات الطّلّاب، وأحاديثهم العالية الّتي لا تنفذ إطلاقا.

بعد عطلة نهاية الأسبوع هذه، تخطّى غالبيّتهم موضوع إصابة إيلينور، وأصبح باستطاعة رايدر أن يسير هو الآخر بارتياح من دون أن يفكّر في ما إذا كان أحد ما سيظهر من العدم ويسأله عن صحّة هرائهم المتداول.

تماما كما يفعل الآن...إذ كان يمشي بخطوات ثابتة عبر الممرّ المزدحم، يدسّ يديه في جيوب بنطاله الرّياضيّ، ويشعر ببعض الأعين تتبع حركاته سرّا، لكنّها لم تكن شيئا يدعو للاكتراث حقّا.

فقط نظرات طبيعيّة لشخص يمرّ من بينهم دون أن يلقي التّحيّة على أحد.

واصل رايدر شقّ طريقه إلى الطّابق الّذي يتواجد به صفّه...وهو ممتنّ بداخله لأنّه سيبدأ يومه بحصّة عاديّة بدلا من محاضرة.

كلاهما مملّ، لكن بدرجات متفاوتة.

وقف أمام الباب المغلق للصّفّ، يعدّل من وضع حقيبة ظهره بينما يحدّق به...ولم تكن سوى ثانيتين حتّى رفع قدمه في الهواء وركل الباب بقوّة فاتحا إيّاه على مصرعيه.

القيام بهذا يحسّن من مزاجه بشكل كبير!

ألقى نظرة سريعة على الأرجاء بينما يدخل بهدوء وكأنّه ليس الشّخص الّذي كاد يكسر الباب الخشبيّ لتوّه، يتقدّم ناحية مقعده المعتاد.

لكنّه توقّف مكانه فجأة حالما لمح شيئا أصفر اللّون يلمع من بعيد.

أجل، شعر أحدهم كان يبرق تحت أشعّة الشّمس الّتي اقتحمت المكان من النّافذة، ورغم أنّه شيء قد يراه البعض جذّابا، إلّا أنّ ذلك المنظر لم يجعل سوى من ملامح رايدر تنكمش باشمئزاز.

ما الّذي يفعله طالب السّنة الأولى هذا هنا؟

كان هيوغو يجلس على أحد المقاعد الخلفيّة، يضع سمّاعات أذن ويعبث بهاتفه...إلّا أنّه قد رفع رأسه فجأة مزيلا السّمّاعات الّتي كانت تعزله عن العالم، حالما شعر بنظرات رايدر عليه.

ومباشرة، وقعت عيناه على هذا الأخير الّذي لفّ عينيه بضجر وتقدّم ناحية أبعد مقعد عن الآخر.

«هل تريد دفع ثمن الباب لهذه الدّرجة؟»

التقطت أذناه ذلك التّعليق السّاخر، ولم يكن له سوى أن ألقى بحقيبة ظهره على سطح طاولته، قبل أن يجيب بينما يجلس على المقعد متجنّبا النّظر له:

«بأيّ حقّ تتكلّم وأنت في صفّ غير صفّك؟»

«بحقّ أنّني في صفّ إحدى أصدقائي؟ لست مالك المكان أو ما شابه»

«جيّد، والآن أعفِني من صوتك المزعج»

ردّ رايدر بعدم اكتراث وهو يلقي برأسه على السّطح الخشبيّ يحاول قدر الإمكان تجاهل وجود هيوغو.

هو حتما لن يخرج فقط لأنّه هنا! إن كان على أحدهم المغادرة فهو ذلك المغفّل الأشقر.

ظلّ الأمر على تلك الحال لبضع لحظات، تجاهل كلّ منهما الآخر بشكل كلّيّ، إذ حاول رايدر النّوم، بينما واصل هيوغو العبث بهاتفه وهو يلقي بين الحين والآخر نظرات سريعة ناحية الباب وكأنّه يبحث عن شيء ما.

وحتّى هو كان رافضا لفكرة المغادرة.

هو؟ يخرج بسبب شخص كرايدر؟ هذا لن يحدث!

كان السّكون هو كلّ ما ساد تلك الغرفة، إلّا أنً صوت فتح الباب كسره فجأة، جاعلا من أعين هيوغو تزحف ناحيته بسرعة، يرى هويّة الشّخص الّذي ظهر من خلفه.

«إيلينور! كنت بانتظارك»

صرّح مبتسما وهو يلوّح لها من مكانه، يرى كيف كانت تقف مكانها بتفاجئ تطالعه للحظات.

لقد أخبرته بأنّها ستأتي اليوم، وها هي ذي حقّا.

وقد لاحظ لتوّه بأنّ رأسها كان ملفوفا بضمادة...ما هذا؟

انعقد حاجباه فجأة، يخفض يده ببطء حالما لمح عينيها تجولان في الأرجاء بسرعة، ليستقرّ بصرها على الجهة الأخرى من الغرفة جاعلة منه ينقل عينيه هو الآخر بفضول.

وسحقا، متى استيقظ هذا الكوالا؟

سقطت ملامحه وهو يرى رايدر رافعا رأسه من على طاولته، يوجّه نظره ناحية إيلينور الّتي حدّقت به بصدمة للحظة، قبل أن تعاود النّظر له، وتلوّح له بتوتّر بينما تتراجع إلى الخلف بهدوء.

وآخر ما قامت به كان أنّها تخطّت عتبة الباب مغلقة إيّاه خلفها.

لماذا تتصرّف بغرابة؟ هل شعرت بانعدام ارتياح بسبب تواجدها بمفردها في مكان به شابّان؟

امتدّت يده إلى خصلاته الشّقراء، يدفع بها إلى الخلف بينما يميل برأسه متمتما لنفسه بتساؤل:

«لماذا تلفّ رأسها هكذا؟»

حينما تحدّث معها عبر الهاتف يوم أمس، بدت وكأنّها بخير تماما.

بجدّيّة، إن لم تكن قد شفيت تماما، فلماذا تأتي للجامعة؟ الصّحّة تأتي أوّلا، وبعدها الدّراسة.

«بسببك»

رمش مرّتين حالما وصله ذلك الصّوت السّاخر الّذي صدر عن رايدر، يجعله يلقي عليه بنظرات جانبيّة يلمحه مريحا رأسه على المنضدة مجدّدا، قبل أن يعلّق بملل:

«هلّا تصمت؟ ذلك ليس بسببي»

أطلق الآخر ضحكة ساخرة وهو يحدّق بالجدار الفارغ بجانبه، ثمّ أردف بتهكّم:

«أتمنّى أن تنجح في إقناع نفسك أوّلا»

«سأفعل ذلك حينما تقرّ بأنّك تخفي إعجابك بها يا متغطرس»

كلّ ما سُمع تاليا كان صوت ضرب قويّ على سطح منضدة رايدر الّذي اعتدل في جلسته فجأة وألقى بنظرات حادّة بينما يصرخ:

«أنا؟ محال! أنت متوهّم يا باهت الشّعر!»

أصدرت الآخر ضحكة مستمتعة بينما يلفّ عينيه بضجر، متجاهلا نظرات رايدر له.

هل يحاول استفزازه بنعته هكذا أو ما شابه؟ مضحك جدّا.

«توقّف عن الكذب...بعد كلّ ما جرى، ونظراتك لها قبل قليل، لا يمكنك إقناع نفسك حتّى بذلك»

زفر صاحب الخصلات السّوداء محاولا التّحكّم في أعصابه، يعبث بأصابعه حتّى لا ينفعل في بداية الصّباح، ثمّ نبس وهو يحرّك رأسه بعدم تصديق:

«هل هذه طريقتك في ردّ ما قلته لك؟ لا يمكنك حتّى امتلاك كلماتك الخاصّة»

«هذا سينجح في استفزاز شخص آخر، وليس أنا، لذا وفّر ما لديك»

ردّ عليه هيوغو ضاحكا وهو يستقيم من مكانه، جاعلا من رايدر يتبع تحرّكاته ويجيبه بنفاذ صبر حالما لمحه وهو يقترب منه:

«لا أعلم لماذا أضيّع وقتي عليك...ابقَ مكانك ولا تقترب منّي»

كانت نبرته في نهاية كلامه تحذيريّة، يشير بسبّابته ناحية الأشقر الّذي تجاهل ذلك وتقدّم أكثر، ليقف أمامه مباشرة عاقدا ذراعيه عند صدره.

«في كلّ الأحوال، سأحصل على إيلينور، وستكون لي سواء راقك ذلك أم لا»

صرّح بثقة ملقيا بنظرات متفحّصة على رايدر الّذي أصدر قهقهة ساخرة وهو يستمع لكلماته تلك.

ليته يعلم فقط كيف تراه، فحينها لن يقف أمامه بنفس هذه الثّقة...لكنّه لن يقتنع بذلك حتّى لو أخبره الآن.

«بعد آخر ما حدث، أنا متيقّن جدّا من أنّها ستكون بأفضل حال معك»

واصل بتهكّم بينما يستمر في الضّحك مستمتعا بالوضع، ثمّ تكّ لسانه بسخرية في نهاية كلامه معبّرا عن استخفافه بالآخر الّذي سحب كرسيّا بسرعة وجلس مقابلا إيّاه.

«على الأقل ستكون بحال أفضل معي أكثر ممّا ستكون مع شخص مثلك»

«ومنذ متى كان ذلك خيارا؟ لم أقل قطّ أنّي أريدها»

علّق بلا مبالاة وهو يستقيم من مكانه على الفور، يحمل حقيبة ظهره ويسير متخطّيا الأشقر بنيّة المغادرة...إلّا أنّ صوت هذا الأخير استوقفه فجأة حالما ناداه قائلا:

«يا صاحب البنطال الرّياضيّ، انتظر لحظة»

ضغط رايدر على قبضته بإحكام محاولا كتم انزعاجه من ذلك اللّقب المبتذل، ثمّ ألقى عليه بنظرات حادّة من فوق كتفيه وردّ عليه:

«ما الّذي تريده الآن يا ابن رين؟ ابقَ بعيدا عنّي وحسب»

اعتلت تقطيبة خفيفة جبين هيوغو بسبب كلمات رايدر...الأمر مزعج لأنّه يذكّره بالعلاقة الّتي تربطهما ببعض، وهذا مقرف حقّا.

اكتفى بلفّ عينيه بضجر محاولا تحمّل ذلك، ثمّ واصل قائلا باختصار:

«سنقيم رهانا»

قطّب الآخر حاجبيه بعدم فهم، ثمّ تساءل مكرّرا الكلمة الأخيرة لهيوغو:

«رهان؟»

«أجل؛ بشأن إيلينور»

أكّد الأشقر ذلك، ما دفع رايدر للتّقدّم ناحيته بخطوات بطيئة، ليردف محذّرا:

«لا أريد سماع تفاهاتك الآن...رهان بشأنها؟ هل تعاطيت شيئا ما؟»

أيّ رهان يريد عقده معه هو تحديدا بشأن فتاة ما؟ هل فقد عقله؟ ولماذا قد يوافق عليه أيّا كان مضمونه؟

رفع الآخر طرف شفاهه باستنكار، ثمّ صرّح متحدّيا:

«أنا لا أصدّق كلامك، وأتوقّع أيّ حركة غادرة منك، ولهذا سأطرح اتّفاقا...إن رفضته فسأعتبر نفسي الفائز، ولن يكون لديك سبب تحوم حولها من أجله...أي أنّه لن يكون لديك الحقّ في التّعليق على قربي منها أو أيّ شيء آخر كذلك»

أطلق رايدر زفرة طويلة معبّرا عن ضجره، ولكنّه لم يكد يلتفت للمغادرة حتّى واصل الأشقر قائلا:

«هذا حتّى لا تزعجني بالأمر مستقبلا...لكن لنفرض أنّ كلينا واقع في حبّها...لذا لما لا ندعها هي تختار؟ بمعنى آخر؛ من يستطيع أن يجعلها تقع له أوّلا، سيحصل عليها، ولن يكون للآخر حقّ الاعتراض»

رفع سبّابته بتعالٍ و أشار بها ناحية رايدر مضيفا:

«أي أنّك ستنسى أمرها تماما إن أحبّتني أوّلا، ولن تحدّثني بشأنها مجدّدا سواء أكانت في خطر معي أو لا...ولمعلوماتك، أنا أراهن بحبّي لها على أنّها ستقع لي»

كلّ ما صدر عن صاحب الخصلات السّوداء، كان ضحكة مرتفعة تردّدت في أرجاء المكان الفارغ، ليدفع بشعره إلى الخلف ويمنح هيوغو نظرات احتقار.

لا مانع من العبث مع أحمق ما، أليس كذلك؟

«أنت واثق بشكل مفرط بالنّسبة لأشقر هزيل...ماذا لو أحبّتني أوّلا؟ هل ستستسلم؟»

تساءل وهو ينحني إلى الأسفل قليلا ليصل لمستوى الآخر الجالس، يرى كيف تغيّرت ملامح وجهه فجأة.

لا وجه للمقارنة بينهما، وهو الآن يمارس ألعابا طفوليّة فحسب رغم علمه بذلك.

«إن استطعت ذلك، نعم...و لكنّ هذا لن يحدث، لذا لا تحلم كثيرا»

أجاب بجفاء بينما يدفع بكرسيّه إلى الخلف أبعد قليلا، يرى رايدر يستقيم في وقفته مجدّدا ويرفع كتفيه بعدم اكتراث مردفا:

«لا يهمّ، لأنّني لن أتنافس معك على أحد...لست معجبا بها، فلماذا أفعل ذلك؟»

«متأكّد؟ ما ستقوله الآن هو آخر كلمة، ولن يمكنك التّراجع»

أصرّ هيوغو محاولا أخذ جواب واضح منه، ليتنهّد الآخر بخفّة ويلتفت مجدّدا متقدّما ناحية الباب.

«من الأفضل ألّا أجدك هنا حينما أعود»

ألقى بذلك دون أن يكلّف نفسه عناء النّظر له، يجعل من هيوغو يجعّد أنفه باشمئزاز وهو يتبعه بعينيه.

متغطرس حقّا...لكنّه يعلم أنّه إن ندم على الرفض فسيضايقه ولن يتراجع حتما...هذا طبع الأشخاص أمثاله.

لهذا تحديدا عليه الحصول على رفض قاطع منه بدلا من تهربّه هكذا، حتّى لا يستطيع تغيير رأيه لاحقا.

«سأعتبرها منافسة حاليّا حتّى تتجرّأ على الرّفض قطعا»

نطق بذلك بصوت مسموع، يرى رايدر يتوقّف مكانه للحظة، يلقي عليه نظرة من فوق كتفه مجيبا إيّاه بلا مبالاة:

«جميل، استمتع بالتّنافس مع نفسك»

وبذلك، خرج مباشرة من الصفّ دون التّفوّه بكلمة أخرى، يترك هيوغو هناك بمفرده من دون أن يحصل على إجابة واضحة.

لكنّ هذا لا يهمّه الآن، ففي كلّ الأحوال سيبدأ هو محاولته لاستمالتها...ولن يعرقله أحد.

.

.

༺༺༺༺༻༻༻༻

.

.

كانت الأصوات في الكافيتيريا تتعالى، والضّجيج يملأ المكان كالمعتاد..

ورغم أنّ ذلك الصّخب قد يكون مزعجا في غالبيّة الوقت، إلّا أنّ البعض كان يراه الشّيء الّذي يبثّ الحياة في هذا المكان، بينما البعض الآخر يكتفي بتجاهله والتّركيز مع غدائه فقط.

وقد كان ذلك تماما ما كانت تفعله صاحبة الأعين العسليّة تلك، الّتي اتّخذت مكانها عند إحدى الطّاولات في جانب القاعة، تتناول غداءها برويّة بينما تتبادل أطراف الحديث مع لوسيا الجالسة على المقعد المقابل لها.

«كيف تشعرين الآن؟»

تساءلت لوسيا بقلق، وهي تمدّ يدها وتضعها برفق على مكان الضّمادة الملتفّة حول رأس الأخرى الّتي أجابت بينما تمنحها ابتسامة مطمئنة:

«بحال أفضل، لا داعي للقلق حقّا»

«سعيدة بسماع هذا»

علّقت برضا بينما تسحب يدها بعيدا، قبل أن تفرقع أصابعها فجأة بإدراك وتردف مباشرة:

«بالمناسبة، لم أخبرك بأنّه قد تمّ فصل تلك الحقيرة لمدّة شهرين»

اتّسعت عينا إيلينور بتفاجئ حالما استوعبت ذلك، تتمتم بعدم تصديق:

«جدّيّا؟»

همهمت لوسيا بينما تحشر ملقعة الطعام في فمها، ثمّ أجابت بفم ممتلئ مبدية موقفها:

«لم أخبرك قبلا لأنّي لم أرد شغلك بها وأنتِ على تلك الحال...لو كان الأمر بيدي لما رفضت اقتراح المدير ولكنت اتّصلت بالشّرطة»

كلّ ما صدر عن الأخرى بعد ذلك كان سعالا قويّا وهي تضرب على صدرها بخفّة محاولة تخفيف الاختناق الّذي باغتها لشدّة الصّدمة.

«ماذا؟ هل اقترح المدير ذلك؟!»

صاحت بعدم تصديق، ولحسن الحظّ كان صخب المكان يمنع أيّ أحد من استراق السّمع لمحادثتهما...لتردّ لوسيا رافعة كتفيها بلا مبالاة:

«نوعا ما، فقد سأل ما إذا كنتِ تريدين تقديم بلاغ للشّرطة بتهمة الاعتداء، لكنّي رفضت لأجلك فقط...طلبتِ منّي ألّا أتهوّر»

رمشت إيلينور بهدوء تستوعب ذلك، قبل أن تعتلي وجهها ابتسامة راضية وهي تجيب بامتنان:

«أحسنتِ صنعا...لا يمكنني تصديق أنّك استمعتِ لي لمرّة»

«ولا أنا»

صمتت الاثنتان لبرهة، تسمحان لأنفسهما بتناول طعامهما بأريحيّة...لكنّ ذلك لم يدم سوى لدقائق معدودة قبل أن تميل لوسيا بجسدها إلى الأمام قليلا ناحية إيلينور، وتنطق فجأة من دون مقدّمات:

«ما آخر المستجدّات مع رايدر؟»

كادت إيلينور تختنق للمرّة الثّانية، وراحت تسعل بقوّة وهي تشعر بيد لوسيا الّتي وقفت من مكانها تضرب ظهرها بخفّة، قبل أن تصرخ بصدمة:

«ماذا؟! ما الّذي تتفوّهين به؟!»

واصلت السّعال بوتيرة أخفّ، إلى أن خفّ اختناقها، ترى كيف أنّ سيا رفعت يديها في الهواء بقلّة حيلة وأردفت موضّحة:

«أعني، ألم تتقابلا مجدّدا ولو عن طريق الصّدفة؟ توقّعته سيسأل عن حالك على الأقلّ بعد ما قام به»

رفعت الأخرى حاجبها باستغراب متعمّدة، تحاول بذلك ادّعاء الجهل.

لو أخبرت لوسيا بأنّها تعلم بأمر اتّصال رايدر بناتالي من هاتفها، فقطعا ستبدأ في ابتكار تخيّلات جديدة لتغيظها بها...وهي لا تملك القدرة على تحمّل ذلك الآن.

«ما قام به؟»

تساءلت وكأنّها لا تعلم مقصدها، ترى كيف سقط فكّ الأخرى بدهشة وهي تحرّك رأسها بعدم تصديق.

إيلينور لا تعلم ما جرى من حولها بينما هي غائبة عن الوعي؟ هذا لا يصدّق حقّا!

لن يكون بمقدورها الدّخول في صلب الموضوع بدون تمهيدات إذا...من الأفضل أن تبدأ في قصّ ما تعرفه بلا تسرّع.

«أوّلا، هل هاتفك معك؟»

استفسرت بفضول، ترى إيلينور تتحسّس جيوب سترتها القطنيّة، قبل أن تسحب هاتفها وترفعه أمام وجه الأخرى قائلة:

«أجل، لماذا؟»

حدّقت سيا بالهاتف لثانيتين، تعود ببصرها إلى وجه الجالسة بقربها ملقية ببعض ممّا لديها:

«لقد اتّصل رايدر بنات نات من هاتفك، وبما أنّه لديك الآن فلابدّ وأنّه قابلها ليعيده...ظننتها أخبرتكِ»

شعرت إيلينور ببرودة مفاجئة تلفح وجهها فجأة، تحسّ ببعض من الارتباك وهي تقلّب ما سمعته بذهنها.

لقد أخبرتها ناتالي قبلا، وهذا فقط يجعل شعورا بانعدام الرّاحة يعتريها، ويجعلها ترغب في العودة لتصبح غير مرئيّة له كما كانت.

لقد كان الوضع أفضل قبل أن يفضح أمرها..

«آه، هذا؟ لقد أخبرتني...لا داعي لنتحدّث عنه الآن»

أقرّت بتوتّر تحاول بذلك دفع سيا لتغيير الموضوع، لكن بدا بأنّ الأخرى لم تفهم الإشارة، أو ربّما تجاهلتها عمدا حينما أردفت بجدّيّة ملوّحة بيدها في الهواء:

«لم أخطّط للحديث عن ذلك، لديّ شيء آخر لم تعلمه ناتالي»

تجمّد جسد عسليّة الأعين عند تلك الكلمات، ولم تجد ما تتفوّه به لحظتها.

الصّبر رجاءً...لا يمكنها تحمّل موقف آخر مشابه..

«أنتِ على تواصل مع الأشقر صاحب شعر الموز، ألم يخبركِ بالأحاديث الّتي انتشرت في الأيّام القليلة السّابقة؟ الجميع حرفيّا كان يتحدّث عن الطّريقة الّتي هرع بها رايدر من العدم ناحيتك مناديا اسمك»

واصلت لوسيا تلقي بما في جعبتها، مستمتعة بالملامح المنصدمة الٌتي أبدتها الأخرى وهي تحدّق بها بعينين متّسعتين.

هل قالت أنّه نادى اسمها؟ مهلا...

تذكّرت للتّوّ...لقد سمعت صوتا ينادي "هارفي" قبل أن تفقد وعيها...إن كان ما تقوله صحيحا، فقد كان هو صاحب الصّوت؟ الأمر منطقيّ كونه من القلّة القليلة الّتي تناديها باسم عائلتها.

الرّحمة! لماذا حظّها لئيم معها هكذا؟

استطاعت إيلينور الإحساس بوجنتيها تحترقان، وبرودة غريبة تلفح جسدها بأكمله هذه المرّة، بينما واصلت لوسيا كلامها بريبة، تغضّ الطّرف عن الإحراج الظّاهر على صديقتها:

«كان قلقا بشدّة كأنّه على وشك خسارة صديق له أو ما شابه، حتّى أنّه كان من أرسل أحدهم للبحث عنّي حتّى أرافقك...كنت سأفعل على أيّة حال من دون أن يطلب لعلمك»

استحال إحراج إيلينور بعد آخر تصريح إلى نوع من الانزعاج...الوضع أصبح غير مريح بشكل جدّيّ الآن.

لقد تجنّبته هذا الصّباح بسبب ما سمعته من ناتالي -رغم أنّ وجوده مع هيوغو كان السّبب الأكبر لانسحابها من المكان-، والآن تسمع ما هو أكثر جدّيّة من ذلك؟

ما هو دافعه لفعل ذلك؟ لماذا يجذب الأنظار له بفعل كهذا رغم أنّه ليس ذلك النّوع من الأشخاص؟

من ناحية فنّيّة، تناقض أفعال الفتى السّيّء جذّاب، وكان ليجعلها ترغب في رسمه بأيّ ثمن...لكنّ عقلها الآن ليس في وضع الفنّان، لذا لا.

الأمر غير مريح البتّة..

«لا تقلقي بشأن ثرثرات الطّلّاب، فقد أصبح الموضوع قديما بعد مرور عطلة الأسبوع...لكن اقلقي بشأن نفسك إن أردتِ، لأنّك لن تقنعيني قطّ بأنّه غير مهتمّ لأمرك ولو قليلا»

انتشلها صوت لوسيا المريح من دوّامة تفكيرها، تجعلها ترفع عينيها نحوها لتجدها تطالعها بابتسامة جانبيّة ماكرة.

هزّت إيلينور رأسها بقلّة حيلة وقد فلتت منها ضحكات خافتة متقطّعة، قبل أن تستقرّ عسليّتاها على زرقاوتيّ الأخرى مجدّدا، تمسك بيديها وتنطق مترجّية إيّاها:

«لوسيا، أسدِي لي معروفا وانسي هذا الموضوع تحديدا، كلّ ما به يشعرني بالضّيق...رجاءً، لأجل صديقتك الصّدوقة»

رمشت لوسيا بسرعة تلقي نظرة على يديها، قبل أن تلف عينيها بضجر مصطنع، وتجيبها باستسلام مخفية ضحكتها وهي تسحب يديها ببطء وتعقدهما عند صدرها:

«حسنا، فقط لأنّي لا أريد لهذه الصّديقة الصّدوقة أن تشعر بعدم الارتياح معي»

كلّ ما صدر عن الأخرى كان قهقهة خافتة، ولكنّها انقطعت فجأة حالما لاحظت عينيّ لوسيا تنزاحان إلى الفراغ من خلفها.

ارتفع حاجبها باستغراب للحظة، تلفّ رأسها إلى الخلف رغبة في معرفة ما لفت انتباه صديقتها، لكنّها ما أن فعلت ذلك حتّى انتفض جسدها فزعا فور أن لمحت ظلّ شخص يقف خلفها.

رفعت أعينها ببطء ناحية وجهه، ليكون أوّل ما لفت انتباهها به هو شعره الأشقر، تلاه ملامح وجهه المسترخية بينما يطالعها مبتسما.

«سحقا، لقد أخفتني»

نبست معاتبة وهي تضع يدها على صدرها، تراه يزمّ شفتيه بأسف قائلا:

«آسف، لم أقصد»

لم تردّ الأخرى على ذلك، ما جعله يتقدّم قليلا ويسحب الكرسيّ الّذي بجانبها، يجلس عليه مباشرة...ولم تخفَ على أيّ منهما الضّحكة الخافتة الّتي صدرت عن لوسيا رغم محاولتها لإخفاء ذلك.

«ما الّذي جاء بك إلى هنا؟»

تساءلت إيلينور باستغراب وهي تلقي ببصرها على هيوغو الّذي تراجع بظهره إلى الخلف وأجاب قائلا:

«لقد غادرتِ مباشرة هذا الصّباح من دون أن تردّي تحيّتي حتّى، لذا لم يتسنَّ لي الاطمئنان عليكِ»

افترقت شفتا هذه الأخيرة بإدراك وهي تتذكّر الموقف..

صحيح، كانت تنوي الجلوس في القاعة، لكنّها غيّرت رأيها حالما وجدت الشّابين بداخلها.

تحديدا رايدر، فهيوغو صديق عاديّ...ليست بحاجة لأن يلاحظها أكثر ممّا فعل طيلة هذه المدّة، ويكفيها أنّها معه في نفس الصّفّ.

«هذا...كنت أحتاج البقاء لوحدي»

برّرت بينما تدعك رقبتها بيدها، ترى الآخر يومئ بخفّة وهو يتأرجح بالكرسيّ محدّقا بالسّقف:

«أرى ذلك...هل تشعرين بتحسّن؟»

«قليلا...لا أزال أشعر بالتّعب، وبعض من الألم، لكنّي أفضل حالا»

عدّل هيوغو من وضع الكرسيّ، ومال بجسده إلى الأمام قليلا نحو الطّاولة، مزيحا بصره ناحية إيلينور، ثمّ نطق بقلق جادّ:

«ليتك بقيتِ في المنزل لفترة أطول إذا»

«لم أشأ التّغيّب أكثر من هذا»

أجابت مبرّرة موقفها وهي ترفع كتفيها بقلّة حيلة، ليهمهم الآخر بتفهّم ويعلّق مبتسما بخفّة:

«لكن احرصي على الرّاحة في المنزل، ولا تجهدي نفسك هنا»

بادلته بابتسامة بسيطة من دون أن تردّ، ليلفت انتباههما فجأة صوت لوسيا الّتي انفجرت ضاحكة من دون أن تقدر على التّحكّم بنفسها هذه المرّة، جاعلة منهما يطالعانها بحاجب مرفوع، مستغربين من ضحكها.

«تذكّرت شيئا فحسب، تجاهلاني»

نبست وهي تحرّك يدها في الهواء، بينما تمسح بيدها الأخرى بقايا الدّموع العالقة على طرف عينها، تحاول التزام الهدوء.

هزّت إيلينور رأسها بقلّة حيلة...لوسيا تكذب، هي تعلم جيّدا ما يدور بذهنها الآن.

أصدرت تكّة بلسانها، ثمّ التفتت ناحية هيوغو مباشرة ونطقت بهدوء:

«شكرا على قلقك، لا يمكنني إجهاد نفسي حتّى لو أردت ذلك»

أزاح عينيه ببطء من على لوسيا، يبادل إيلينور بنظرات هادئة قبل أن يومئ بخفّة مجيبا:

«جيّد...سأغادر الآن»

استقام من مقعده مباشرة، يدفع الكرسيّ إلى الخلف قليلا، قبل أن يمدّ يده إلى حقيبة ظهره بسرعة ويخرج منها شيئا ما، يضعه على الطّاولة أمامها مباشرة.

«ما هذا؟»

تساءلت باستغراب وهي تطالعه بحاجبين مرفوعين، تنقل بصرها بينه وبين علبة العصير الموضوعة أمامها...ولم يكن له سوى أن ابتسم بإحراج وأجابها موضّحا:

«عصير برتقال، سيمنحك بعض الطّاقة»

رمشت بتفاجئ وهي تنقل عينيها بحذر ناحية لوسيا، وكما توقّعت، فقد كانت هذه الأخيرة تكاد تختنق بضحكاتها الّتي كانت تكتمها.

لن تلومها، هذا غير متوقّع قليلا..

«شكرا إذا..»

أجابت بحيرة وهي تعاود الالتفات له، ليمنحها إيماءة خافتة ويردف قائلا:

«سأغادر الآن، وداعا»

«أراك لاحقا»

وبذلك، التفت مباشرة يخطو إلى خارج الكافيتيريا، لتنفجر لوسيا ضحكا مجدّدا حالما اختفى عن مرمى بصرهما، تجعل إيلينور ترفع حاجبها متسائلة:

«ما بك؟»

«ألم تري كيف بدا؟ هو يحبّك حقّا»

أجابت بينما تمسح الدّموع الهاربة من مقلتيها، ترى الأخرى تلفّ عينيها بضجر قائلة:

«نحن أصدقاء، تحكّمي بمخيّلتك»

ها قد بدأنا مجدّدا...على هيوغو أن يدرك بأنّ أسوأ ما قد يفعله بحقّ كليهما هو أن يحدّثها أمام لوسيا.

«أجل أجل، أصدقاء...صدّقتك»

ردّت بتهكّم وهي تمنحها ابتسامة ماكرة، تجعل من الأخرى تشيح بوجهها للجانب متمتمة:

«حمقاء»

«اشربي عصيرك، ماذا تنتظرين؟»

وصلها فجأة صوت سيا المستمتع، لتزفر إيلينور بنفاذ صبر وتزيح بصرها ناحيتها، تجدها تسند مرفقها على سطح الطّاولة، وتريح ذقنها على كفّ يدها محدّقة بها.

راقبتها للحظة، ثمّ مدّت يدها ناحية علبة العصير، تمسك بها وتدفعها ناحية الأخرى، قبل أن تقف من مكانها مجيبة إيّاها:

«خذيه، فقدت شهيتي تماما»

حملت صينيّة طعامها النّصف فارغة، وسارت مبتعدة تسمع قهقهات لوسيا الّتي فعلت المثل حاملة علبة العصير كذلك، تتبعها مهرولة.

«انتظري، إلى أين تذهبين بدوني؟»

سألت بينما تلفّ ذراعها الحرّة حول عنقها، تمسك بها العصير أمام وجهها مضيفة:

«اشربي، كنت أمازحك فقط...أعلم أنّك لا ترينه أكثر من صديق، لكن لن أقول المثل عنه»

نبرتها في الجزء الأخير من جملتها كانت أكثر جدّيّة، وذلك فقط جعل إيلينور تتنهّد بقلّة حيلة وهي تأخذ العلبة.

«لا تقولي شيئا إذا»

سحبت لوسيا يدها بعيدا تحرّر عنق الأخرى، ثمّ مرّرت سبّابتها وإبهامها على شفتيها كإشارة لإغلاقهما معلّقة:

«عُلم، لن أقول شيئا»

رمشت عسليّة الأعين بهدوء وهي تطالع هيئتها، لتحرّك رأسها بقلّة حيلة وترسم على وجهها ابتسامة خافتة قائلة:

«لا يمكنني أن أنزعج منك حتّى»

«أعلم، ولهذا آخذ راحتي في الحديث»

ردّت بثقة تامّة وقد اتّسعت ابتسامتها، تجعل بذلك إيلينور تكتفي بالضّحك بخفّة من دون أن تعلّق، بينما تواصلان السير..

.

.

༺༺༺༺༻༻༻༻

.

.

عبر ذلك الحيّ الهادئ، سار رافاييل بخطوات ثابتة بينما يتفحّص الأرجاء بعينيه.

يبدو حيّا سكنيّا عاديّا تماما، يشابه حيّهم، لكنّه أكثر سكونا بكثير.

ولن يكذب، المكان يبدو جميلا، ولا وجود لأحد في الأرجاء...لعلّ السّاكنين في العمل أو ماكثون في منازلهم.

بحسب العنوان الّذي منحه له هيوغو، فمن المفترض أنّ أحد هذه الشّقق الكثيرة تخصّ رين..

ليته يظهر صدفة الآن حتّى لا يضطرّ للقدوم مجدّدا...سيكون من الغريب لسكّان الحيّ إن ظهر نفس الشّخص الغريب هنا مرّة أخرى.

توقّف رافاييل عن السّير فجأة حالما لمح من بعيد زوجين مع ابنهما يخرجون من السّيّارة...كان عمره خمس سنوات على الأكثر بحسب ما يبدو عليه.

شرد بهم للحظة، يرى كيف حمل الرّجل ابنه وأجلسه على كتفيه، ثمّ جذب يد زوجته وسار معها ناحية إحدى البنايات.

لم يجد نفسه سوى وهو يتبعهم بعينيه حتّى اختفوا عن مرمى بصره، ليأخذ نفسا عميقا ويطلقه مجدّدا بينما يرفع رأسه عاليا ويحدّق بالسّماء.

رؤية الأطفال مع أهلهم لا تفشل في بثّ شعور دافئ بداخله يذكّره بلحظات الماضي، رغم القلق الّذي يخالجه في الوقت ذاته من أن يتعرّض أحد هؤلاء الأطفال للخذلان يوما.

لقد تعرّض للهجران من والده، وهو حقّا لا يريد رؤية طفل آخر يقاسي من نفس الشّيء، لدرجة تجعله يشعر برغبة في أن بطلب من كلّ أب ألّا يخيّب آمال أبنائه به.

فتماما كذلك الطّفل الّذي رآه قبل لحظات، كان رين يحمله بنفس الطّريقة في كلّ مرّة يخرج معه، حتّى بعد ولادة رايدر...وكان يمسك بيد بيانكا في كلّ فرصة، كأنّها المرأة الوحيدة الّتي تراها عيناه.

لكنّه لم يكن رجلا يستحقّ الحبّ من الأساس، وبالفعل، كلّ ما حصل عليه هو الكره لعشرين سنة كاملة...كرهته بيانكا الّتي طالما أحبّته، وحتّى ابنه رايدر الّذي لم يره قطّ.

لم يخطر بباله أنّ كلّ ما عاشه طيلة أوّل ثمانية سنوات من حياته سيصبح ذكريات مزعجة، لكنّ الحياة لم تكن يوما متوقّعة.

انقطع حبل أفكاره فجأة فور أن سمع صوت باب أحد المباني يُفتح، لتنتقل عيناه مباشرة ناحية مصدر الصّوت، يلمح شخصين يخرجان منه.

رجل ذو شعر أسود خالطه الشّيب، ترافقه امرأة شقراء أصغر سنّا...وأكثر ما لفته بها كان تشابه درجة لون شعرها مع خاصّة هيوغو.

عادت عيناه ناحية الرّجل، يراه يرفع رأسه لتتضح له بعض من ملامحه...وقد كان هو نفسه.

رين..

رغم تقدّمه في السّنّ، إلّا أنّ السّنوات الطّويلة لم تنجح في طمس ملامحه القديمة.

طرق رافاييل الأرض بقدمه مرارا، يفكّر في الخطوة التّالية الّتي يجدر به القيام بها، قبل أن يأخذ نفسا عميقا ويخطو بهدوء إلى الأمام ناحية الزّوجين، يرى كيف انزاحت أعين كليهما ناحيته فور أن لاحظا وجوده.

لم ينبس بكلمة، ولم يصنع تواصلا بصريّا مع أيّ منهما، بل سار بقرب رين ينوي تجاوزه، لولا أنّه توقّف فجأة حالما سمع صوت الآخر يلقي عليه التّحيّة:

«صباح الخير»

لقد منحه فرصة مثاليّة، هذا جيّد جدّا..

التفت رافي خلفه، يرى كيف أنّ الآخرين قد تجاوزاه بمسافة قصيرة...ولم يتردّد في بدء تنفيذ ما جاء لأجله.

«رين؟»

نبس بنبرة متسائلة بينما يراقب ظهر الآخر الّذي توقّف مكانه فجأة، يلتفت ناحيته بسرعة ليتأكّد ممّا إذا كان المعنيّ.

تبادل نظرات سريعة مع زوجته حالما وجد رافاييل ينظر له، قبل أن ينطق مستفسرا:

«المعذرة، هل أعرفك؟»

ابتسم رافاييل بخفوت محاولا إخفاء الوخزة الّتي شعر بها في صدره، ثمّ أجابه بتهكّم وهو يقترب بضع خطوات ناحيته:

«لا أعلم، انظر لي جيّدا وأخبرني إن كنت تعرفني، سيّد ميرفي»

وقف أمامه مباشرة، يحدّق بأعينه البنّية ملاحظا الحيرة الّتي كانت بداخلهما...ألهذه الدّرجة لا يمكنه التّعرّف عليه؟

عشرون سنة وقت طويل، لكنّه ابنه...ألا يفترض بالآباء أن يمتلكوا إحساسا خاصّا أو ما شابه حينما يتواجد أولادهم قربهم حتّى ولو لم يروهم؟

واصل رافاييل التّحديق بأعين الآخر بوجه جادّ، لكنّه رمش مرّتين باستغراب حالما لمح أعين رين تتّسع بتفاجئ، يتراجع للخلف خطوتين وهو يشيح ببصره بعيدا.

الآن فقط هو يذكر...لقد رأى طيف هذا الشّابّ حينما رافق هيوغو إلى الجامعة، وقد كان مع الفتى الآخر.

ابن بيانكا؟ ما الّذي جاء به إلى هنا؟ وكيف وجد عنوانه؟ لا يعقل أنّه أتى خصّيصا لرؤيته أو ما شابه...وأمام كلوي كذلك؟

«متأكّد من أنّني لا أعرفك أيّها الشّابّ»

صرّح بنبرة دفاعيّة وهو يلقي نظرات خاطفة على كلوي الّتي كانت تراقب الوضع بحيرة غير عالمة بشيء من الّذي يجري، ليطلق رافي شهقة ساخرة ويردف بجدّيّة تامّة:

«لا مشكلة، يمكنني إنعاش ذاكرتك...رافاييل ميرفي، تعرف هذا الاسم كما أظنّ»

ألقى بقنبلته وهو يرى يد المرأة تمتدّ لتستقرّ على كتف الآخر بينما تطالعه بأعين مستفسرة، وكأنّها تتساءل بذلك عن أمر يدور بذهنها...أيعقل أنّها تعرف اسمه؟ الألقاب لا تؤخذ وحدها بعين الاعتبار دوما، فالتّشابهات تحدث بين أشخاص من عائلات مختلفة.

أمّا رين، فقط تجمّد جسده للحظة حالما شعر بيدها، يبادل رفاييل النّظرات لثوان قليلة قبل أن يحرّك رأسه مباشرة نافيا:

«أسماؤنا الأخير متشابهة، لكنّي لا أعرف أحدا بهذا الاسم»

«لم أتوقّع أن أراك صدفة في طريقي، وحينما فعلت، أنت تصرّ على إثبات كونك وغدا؟ ألم يلِن قلبك حتّى بعد عشرين سنة، أبي؟»

أبي؟ هل قال لتوّه أبي؟ وبعد أن نعته بالوغد؟

لا يعلم حتّى كيف خرجت تلك الكلمة من بين شفتيه...وكما يرى الآن، فحتّى هذا الرّجل أمامه لم يتوقّع ذلك.

والأكثر صدمة منهما كانت تلك الشّقراء الواقفة بقربه، فقد اتّسعت عيناها بدهشة وهي تمسح هيأته بعينيها، ولكنّها لم تكد تنبس بحرف حتّى نطق رين بانعدام راحة:

«لا داعي لتجذب الانتباه بأمور عشوائيّة كهذه، لننهِ الحديث في شقّتي»

رفع الآخر حاجبه بتفاجئ، ثمّ حرّك رأسه نافيا من دون أن يتردّد في قراره:

«لا أريد»

لم يعد له مكان في حياته منذ زمن، كيف يريده أن يدخل منزله الآن وكأنّ ذلك لا شيء؟ هو مستعدّ لطرق أبواب الجيران واحدا واحدا وإخبارهم بما يجري بدلا من إجراء حديث شخصيّ في شقّته.

زفر رين بانزعاج، ثمّ استدار ناحية زوجته يربّت على كتفيها بخفّة مخاطبا إيّاها:

«كلوي، اسبقيني إلى السّيّارة عزيزتي»

رغم تردّدها، إلّا أنّ الشّقراء انصاعت لطلبه والتفتت ببطء مغادرة المكان باتّجاه إحدى السّيّارات المركونة في جانب الحيّ، تاركة كلّا من الأب وابنه يقفان بمفردهما في منتصف ذلك المكان الخالي.

وقفا وجها لوجه يتبادلان النّظرات، ليكون رين هو أوّل من يلقي بما لديه ببرود:

«ما كان قبل عشرين عاما قد انتهى، لا تظنّ ظهورك أمامي سيغيّر شيئا. أنصحك أن تعود لأخيك وتتصرّف وكأنّك لم ترني قطّ. لقد تغيّرت الكثير من الأمور...كبرتما، بيانكا رحلت، ولي الآن عائلة لا أريد لأحد أن يهدّد تماسكها»

أشاح رافاييل بوجهه للجانب بسرعة، قبل أن يعيد توجيه بصره ناحية والده، يجيبه ممسكا بمقدّمة رأسه بعدم تصديق:

«انتهى؟ تلك لم تكن مرحلة لتنتهي، كانت حياة أنهيتها برغبتك...وما الّذي تعنيه بقولك "يهدّد"؟ أترى أمامك قنّاصا يحمل سلاحا؟ ما الّذي سيهدّد به اعترافك بابنيك تماسك أسرتك؟ وماذا عن أسرتنا الّتي دمّرت تماسكها بنفسك؟»

تكّ رين لسانه بنفاذ صبر وقد بدأ ينزعج من الوضع، ثمّ ردّ رافعا كتفيه بلا مبالاة:

«لا تقل لي إنّ شابّا بعمرك ما زال يبحث عن والده...تدبّرتما أموركما بمفردكما، لذا واصلا على هذه الحال...لا شأن ولا صلة لي بكما»

ارتجفت شفتا رافاييل وهو يحدّق به بذهول، قبل أن يخطو خطوة إضافيّة إلى الأمام وينطق بحدّة معاتبا:

«وماذا عن رايدر الّذي لم يرك أمامه قطّ؟ أيهون عليك أنّه كرهك من دون أن يعرف وجهك؟»

«وماذا عنه؟ الأمر أسهل عليه هكذا...فليكرهني، ما المشكلة؟ افعل أنتِ المثل واكره رؤيتي، سيكون ذلك أفضل»

أجاب بعدم اكتراث رافعا حاجبه، يبدي مدى تفاهة الموضوع لديه، يجعل من نظرات رافاييل تحتدّ بينما يزفر بقوّة ملقيا بكلماته:

«ليكن بعلمك شيء واحد إذا...مهما أنكرت، ومهما حاولت التّهرّب، فالحقيقة واحدة»

رفع سبّابته مشيرا بها ناحية رين، يتابع بحدّة أكبر:

«أنا ورايدر ابناك، من لحمك ودمك، ولعلمك هذا ليس شيئا أفتخر به»

تجمّدت ملامح المعنيّ لثوانٍ قليلة، ثمّ تكّ لسانه ويهزّ رأسه بيأس للحظات، قبل أن يثبّت أعينه على مثيلتها من خاصّة الآخر، ويردف بنفاذ صبر ملقيا بضع نظرات على ساعة يده:

«انتهيت؟ يمكنك العودة لمنزلك...أنا مستعجل، زوجتي تنتظرني»

وبتلك الكلمات، لم ينتظر ثانية أخرى واستدار بسرعة مغادرا المكان، يترك خلفه ذلك الشّابّ الّذي سقط فكّه بصدمة.

لم يتوقّع أن يستقبله بالأحضان، لكن أين اختفى ذلك الأب الحنون الّذي كان عليه في الماضي؟ لا يعقل أنّه فقد كلّ الحبّ الّذي كان يكنّه لهم بهذه البساطة...ألم يستطع إبعاده بلهجة أقل عدوانيّة على الأقلّ؟

لا يعلم لماذا تحديدا، لكنّ هذا قطعا يؤلم...من المؤلم كيف ردّه من دون أن يبدي ذرّة مشاعر، كأنّه بالفعل يعتبرهما مجرّد ماضٍ لا يجوز أن يكون في حاضره.

يقول النّاس عادة بأنّ الآباء يمنحون الحبّ، فبعض الأبناء يعيدونه، وبعضهم يلقون به بعيدا.

لكن الوضع اختلط هنا...فوالده ضرب لتوّه محاولته عرض الحائط.

ضغط رافاييل على قبضتيه بقوّة وهو يرى السّيّارة تغادر إلى أن اختفت تماما، ليطلق زفرة مطوّلة يحاول بها التّخفيف عن الضّيق الّذي يشعر به.

رفع خصلاته البنّيّة عن جبينه، ثم سار مباشرة يقصد سيّارته من دون أن يلقي نظرة خلفه.

فجأة، أصبح هذا المكان ضيّقا وخانقا، ولم يعد قادرا على تحمّل ثانية أخرى هنا.

سيكون من الأفضل ألّا يخبر رايدر بأنّه زار المكان اليوم..

.

.

༺༺༺༺༻༻༻༻

.

.

كانت سماء ذلك المساء ملبّدة بالغيوم الرّماديّة، وكأنّها تنتحب حزنا لتواسي شابّتين في طريقهما لاسترجاع ذكريات أصبح كلّ من فيها مجرّد ماضٍ.

بين القبور المصطفّة، خطت إيلينور بهدوء بجانب ناتالي الّتي أصرّت على الإمساك بها، خشية أن يصيبها ألم مفاجئ وهي لم تشفَ تماما بعد.

كانت أعينهما تمسح المكان من حولهما، جاعلة من شعور الرّهبة يسيطر عليهما.

لا شيء سوى رائحة الموت، والزّهور الذّابلة الملقاة قرب الشّواهد الحجريّة.

أحكمت ناتالي الإمساك بإيلينور الّتي ضغطت بقبضتها على باقة الورود البيضاء الّتي كانت بيدها، تحاول الحفاظ على توازنها.

قلبها يدقّ كطبل، لكن لا يمكنها السّماح لنفسها بالانهيار الآن.

لا، ليس بعد...لم تصل لوجهتها حتّى.

«هل ساءت حالتك؟ جسدك يرتجف»

وصلها فجأة ذلك الصّوت القلق بقربها، يجعلها ترفع عينيها ناحية شقيقتها الّتي كانت تطالعها بقلق بينما تواصل السّير، لتجيبها هي بينما تهزّ رأسها نفيا:

«أنا بخير...كنت أعلم بحالتي حينما قرّرت المجيء، لذا لا تقلقي ناتالي»

اكتفت الأخرى بهمهمة خفيفة، لتواصل الأختان طريقهما ببطء وكأنّهما تحاولان تأخير اللّحظة قدر الإمكان.

مهما قدمتا إلى هنا، لا يزال من المؤلم الوقوف عند قبورهم..

«إنّهم هنا»

نبست ناتالي فجأة وهي تشير إلى الشّواهد الثّلاثة الّتي كانت على مقربة منهما، ترى كيف توقّفت إيلينور مكانها للحظة، تحدّق بالمكان بشرود، قبل أن تحرّر نفسها من قبضة أختها وتخطو بثقل ناحية القبور.

تبعتها الأخرى بهدوء تمنحها بعض المساحة...لقد كانت تلحّ للقدوم، فبالتّأكيد ستريد الوقوف لوحدها قليلا.

هي تأتي لوحدها أحيانا بعد العمل، لذا فلتترك إيلينور تختلي بنفسها هذه المرّة.

توقّفت إيلينور حالما أصبحت أمام الشّواهد مباشرة، حيث يرقد كلّ من ناثانيل هارفي، ميراندا واين، وشقيقها هانتر..

ليتهم يعلمون كم اشتاقت لهم، وبشدّة..

ابتلعت بصعوبة تشعر بغصّة في حلقها، أخفتها خلف ابتسامة باهتة رسمتها على شفاهها بينما تنحني إلى الأسفل قليلا وتقسم باقة الورود بين ثلاثتهم.

نفضت يديها بخفّة، تنقل يمناها لتتحسّس الحجر البارد لكلّ شاهد على حدة.

«أبي..»

همست بخفوت وهي تمرّر يدها على اسمه المحفور، تسمح لنفسها بالعودة بذاكرتها في الزّمن إلى تلك الأيّام الجميلة الّتي قضتها معه.

كتلك المرّة الّتي حاولت خبز كعكة لأوّل مرّة، وجلس بقربها يراقبها متحجّجا بأنّه كان يريد منعها من تدمير المطبخ...لكنّ كلّ ما فعله كان أنّه شجّعها بشدّة، حتّى أنّه اقترح عليها فتح مخبزة خاصّة بها.

من الغريب كيف أنّ أبسط الذّكريات تعود بعد رحيل من فيها لتكون أغلاها..

وكأنّها وجدت لتكوّن سعادة مؤقّتة تستحيل لأسى أبديّ..

استطاعت إيلينور الشّعور بالدّموع تتجمّع عند مقلتيها، ولم تكلّف نفسها عناء كتمها، بل سمحت لها بالانهمار على طول وجنتيها بينما تقود يدها إلى شاهد والدتها..

إن كانت هناك أمّ لا تعدل في حبّها لأولادها، فهي ليست ميراندا حتما..

حتّى في آخر اللّيل وبينما الجميع نيام حتّى والدها وناتالي، كانت ميراندا تبقى لساعات متأخّرة تتنقّل بين غرفتها وغرفة أخيها، تحضر لهما وجبات خفيفة حتّى يستطيعا مواصلة الدّراسة لامتحانات الأسبوع الّذي يلي.

كانت تبذل قصارى جهدها آملة أن ترى أبناءها في القمّة دوما...

عضّت إيلينور على وجنتيها من الدّاخل بقوّة تحاول كبت شهقاتها، بينما تزحف يدها إلى شاهد القبر الثّالث.

قبر هانتر هارفي...الفتى الّذي كان يشعّ حيويّة حتّى في أقسى الظّروف.

كان كثير الثّرثرة في المدرسة الثّانويّة، ولطالما وقع في المشاكل بسبب ذلك، حتّى أنّها فور دخولها السّنة الأولى بها، كان الجميع يقارن بينها وبين شقيقها قائلين أنّها أهدأ بكثير منه.

وفي الجامعة، دوما ما كان يتخطّى المحاضرات حينما يشعر بالملل، ليذهب مع لوكاس إلى الصّالة الرّياضيّة، أو لأخذ جولة حول المدينة.

كان يحدّثهم أحيانا عن شابّ أصغر سنّا منه بقليل، أثار إعجابه بسبب جدّيّته في التّمرين، حتّى أنه هو ولوكاس أصبحا يقضيان أوقاتا أطول من المعتاد في الصّالة حتّى يشجّعاه أكثر...لكنّه انقطع عن الذّهاب فجأة، ولم يكن هانتر قد ذكر اسمه لهم قطّ.

كذلك، لا تزال تذكر تلك المرّة الّتي انتظرها بها عند مدخل الثّانويّة ليقلّها...حينها اقتربت منه وهي تشعر بأعين الجميع عليهما.

كلاهما أدركا أنّ البعض أخذ عنهما فكرة خاطئة، لكنّها لم تهتمّ...إلّا أنّه فاجأها حينما صرخ في المكان قائلا "إنّها أختي فحسب".

لم تستطع الذّهاب في اليوم الموالي لشدّة الإحراج، لكنّه قام بأكثر ممّا كان زملاؤها سيفعلون. فمهما تخفّت عنه كان يظهر أمامها ويذكّرها بما جرى.

سمحت إيلينور لدموعها بمواصلة الانهمار لحظتها، ولم تستطع هذه المرّة أن تكتم الشّهقات الّتي صدرت عنها بينما تنخفض بجسدها إلى الأسفل راكعة أمام القبور، وهي تحني رأسها.

شعرت بناتالي وهي تجثو بجانبها، وتضع يديها على كتفيها محاولة التّخفيف عنها.

الكلمات لن تنفع...ما الّذي يمكنها أن تقول مثلا؟ "لا بأس"؟ "سيكون كلّ شيء بخير"؟

هي أكثر من تعلم أنّ هذه محض كذبات، كيف تخفّف عنها بكلمات هي ذاتها ليست مقتنعة بها؟ رحلت عائلتهما، والأمور لن تكون بخير.

كلّ ما يمكنها فعله هو أن تمسك بها، لتعلم بأنّهما كأختين معا في هذا كلّه.

سحقا، لا يمكنها حتّى أن تظهر الضّعف بالبكاء الآن...هي الأخت الكبرى، وعليها التّحلّي بالصّلابة في هكذا موقف.

استمرّت ناتالي في الإمساك بأختها ملتزمة الصّمت، ترى كيف دفنت وجهها بين كفّيها واستمرّت في البكاء بحرقة.

سيول الدّموع استمرّت آبية أن تنقطع، والشّهقات المرتفعة واصلت التّردّد في أرجاء المكان الفارغ.

كانت بضع لحظات حتّى حرّرت نفسها من يديّ ناتالي، تبقي عينيها على الشّواهد الثّلاث بينما تستند على الأرضيّة محاولة الوقوف، ولم تتوقّف عن البكاء بعد.

وقفت على قدميها تترنّح قليلا، جاعلة من ناتالي تقف هي الأخرى بسرعة وتمدّ يديها بنيّة إمساكها، إلّا أنّ إيلينور هزّت رأسها نافية وكأنّها تطلب منها ألّا تلمسها الآن.

تنهّدت الأخرى بثقل وهي تومئ بتفهّم وتتراجع خطوة إلى الخلف، بينما دفعت الأخرى خصلات شعرها الّتي التصقت بوجهها بسبب الدّموع الّتي لم تستطع كبحها.

كانت تلك القطرات تغشي على عينيها تجعل من رؤيتها تصبح ضبابيّة أكثر شيئا فشيئا، حتّى أصبحت عاجزة عن قراءة الأسماء المنقوشة أمامها.

رفعت يدها المرتعشة ببطء رغبة في مسح دموعها، لكنّها ما كادت تفعل ذلك حتّى شعرت بالأرض تميل من تحتها تجعلها تفقد توازنها للحظة.

امتدّت يدها إلى مقدّمة رأسها تمسكها بإحكام محاولة السّيطرة على الدّوار المفاجئ الّذي أصابها، وقبل أن تستوعب ما يجري لها، وجدت نفسها تسقط جاثية على ركبتيها مجدّدا، يداها تلامس التّراب الرّطب أمام شاهد ميراندا.

شعرت بقواها تخور أكثر، ولم تقدر على التّحكّم بجسدها الّذي مال إلى الجانب يجعلها ترتطم بالأرضيّة الحجريّة.

«إيلينور!»

اخترق مسامعها صوت ناتالي الّتي نادتها بفزع وهي تخطو ناحيتها بسرعة، تجثو على ركبتيها وتمسك برأسها ترفعه قليلا وتسنده على فخذها.

كانت عيناها مغمضتين، تجاهد نفسها حتّى لا تستسلم للإرهاق، ولم تكن سوى ثوانٍ معدودة حتّى امتدّت يدها لوجهها، تمسح دموعها وتفتح عينيها ببطء شديد، لتتوضّح صورة أختها أمامها.

«ناتالي..»

همست بخفوت وهي تستلقي باستسلام، ترى كيف كانت ملامح المعنيّة تشي بقلقها وهي تجلس بجانبها غير عالمة بما يجدر بها فعله تحديدا.

«أنا بخير، لا تقلقي»

أضافت بخفوت محاولة طمأنة أختها، إلّا أنّ الأخرى هزّت رأسها نافية ونبست بينما تمسك بها محاولة مساعدتها على الوقوف.

«لستِ كذلك، أظنّ مجيئنا اليوم كان فكرة سيّئة»

تشبّثت إيلينور بها تحاول دفع نفسها للأعلى، لتقف على قدميها أخيرا بصعوبة، تستند على ناتالي قائلة:

«لم يكن كذلك...أنا سعيدة لأنّي أتيت اليوم، لقد اشتقت لهم»

أطلقت ناتالي تنهيدة مثقلة وهي تلفّ ذراع شقيقتها حول عنقها، تطبع قبلة على وجنتها مجيبة إيّاها:

«أنا لازلت معك دوما، أختي...أشتاق لهم كذلك، لكنّي لا أريد أن أراك في حال كهذه...لم تشفي تماما بعد»

ألقت نظرة أخيرة على القبور الثّلاثة، تبتلع ريقها بصعوبة محاولة كتم دموعها، قبل أن تتمتم:

«هيّا، سنعود للمنزل...لن تذهبي للجامعة غدا»

سارت بخطوات بطيئة مع إيلينور مبتعدة عن المكان، ليكون كلّ ما تبقّى خلفهما هو رهبة المقبرة ورائحة التّراب الرّطب.

.

.

༺༺༺༺༻༻༻༻

.

.

كانت أجواء تلك اللّيلة ساكنة بشكل غير اعتياديّ...لم يكن يُسمع في الحيّ سوى صوت اصطدام نسمات الهواء بأوراق الأشجار الّتي انعكس ظلّها بفعل أعمدة الإنارة على الأرصفة الحجريّة.

كان كلّ شيء يحمل السّكون، لكنّه لم يكن كافيا لتهدئة عقل ذلك الفتى الّذي جلس على أرضيّة الغرفة، مستندا بظهره على حافّة سريره، يحدّق في السّقف بشرود بينما يغوص في تفكيره مستغّلا وجوده لوحده في الشّقّة.

لقد تأخّر رافي في العودة اليوم، وقد كان توقيته مثاليّا...فلديه الكثير ليفكّر به من دون أن يزعجه أحد.

ذلك الأشقر لا يفشل في تعكير يومه قطّ..

رهان؟ هل هو جادّ؟

"من يجعلها تقع له أوّلا سيحصل عليها"

من قال له بأنّه يرغب في منافسته عليها أصلا؟ أيبدو له كشخص واقع في حبّها أو ما شابه؟

هراؤه هذا فقط يجعل تلك الفتاة تظهر في ذهنه أكثر، وهذا لا يروقه بتاتا...التّفكير بها يجعله يشعر بانعدام ارتياح شديد.

وكما يبدو، فذلك أصبح متبادلا بينهما...لقد تراجعت عن دخول القاعة هذا الصّباح حالما رأته، رغم أنّها اعتادت الدّخول من قبل دون أن تكترث لوجوده من عدمه.

من المحتمل أنّها سمعت بما جرى أثناء غيابها عن الوعي، ولعلّ ذلك منحها شعورا غريبا...تماما كما شعر هو حينها، ولحدّ اللّحظة.

لو عاد بالزّمن إلى لحظة نومه في القاعة ذلك اليوم، لقام بربط ساقيه بسلاسل معدنيّة حتّى لا يخرج ويرى الحادث...حينها لم يكن ليعاني من شعور غريب كلّما دخل الجامعة، وخصوصا كلّما وقعت عيناه عليها.

ذلك يذكّره بكلّ لحظة مرّت حينها..

لكن لا يهمّ..

إن أرادها الأشقر، ليتنافس مع نفسه عليها، فهو قطعا لن يفعل..

كيف ينافسه على فتاة لا يريدها ولا تريده، بينما هو يرغب في التّخلّص من الشّعور المقيت الّذي لا زال يزاوله عند تذكّرها من حين لآخر؟ هل يتوقّع منه أن يكون راغبا برؤيتها كلّ صباح ومساء بعد هذا كلّه؟

شعور يمسّ بداية حلقه ويمتدّ منه إلى بطنه...هل يتوقّع منه أن يرغب بالتّسبّب به لنفسه؟ ما دام يعلم سببه، فسيتجنّبه بكلّ تأكيد.

لا يذكر أنّه أحسّ بشيء مشابه من قبل، سوى في بعض من مراحل طفولته حينما كان فتى ضعيفا، وذلك كان شعور حقد واستياء من الذّات لعدم قدرته على مجابهة من يحتقره ويتجرّأ على أذيّته...لكنّه كان واضحا ولم يحتج للتّفكير حتّى يفسّره، وليس كهذا الّذي يحسّ به في آخر فترة.

كتلك الفترة حين كان طالب مدرسة ابتدائيّة في التّاسعة من عمره...لا زال يذكر كم عانى في تلك السّنة تحديدا بسبب ضعف بنيته وخوفه من الإقدام على خطوة.

يخنقه تذكّر كيف اعتاد الأطفال الآخرون على مضايقته والسّخرية منه، فقط لعدم امتلاكه والدين مثل بقيّتهم.

هل أصبح ذلك امتيازا يمنحك حقّ احتقار من لا يملكونه؟ وماذا لو كان يحبّ حياته من دونهما؟ ما شأن الجميع به؟

يتيم، وحيد، لا يستحقّ العيش...ما الّذي فعله ليستحقّ أن يُنعت بذلك؟ وكأنّ ذلك لم يكن كافيا، وصل الأمر بالبعض لإيذائه جسديّا.

أكثر فترة كان يكرهها في يومه هو نهاية الدّوام...الجميع يعودون حينها للمنزل مباشرة، لكنّه كان دوما مدعوّا لحصّة إضافيّة من السّخرية والضّرب من قِبل طلّاب سنته، والأكبر سنّا منه كذلك.

حينها كلّ ما منحه دافعا لمواصلة العيش كان وقوف رافاييل بجانبه...الهديّة الّتي منحه إيّاها خالق هذا الكون ليعوّضه بها عن خلوّ حياته من وجود والدين.

كان دوما منشغلا بإيجاد أعمال مختلفة، والدّراسة في آن واحد، لكنّه كان دوما يخصّص له وقتا في آخر اليوم حتّى يطبخ له ويخفّف عنه...لم يستطع الدّفاع عنه بنفسه، لكنّه منحه جرعة أمل بأنّ حاله ستختلف حينما يكبر.

وقد كان محقّا تماما..

الكثيرون يخشون العبث معه من دون سبب، ولا أحد يستطيع أن يتسبّب بظلمه الآن، أو أن يتجرّأ على لمسه من دون أن يرغمه على دفع ثمن ذلك...لذا فرغم تشابه آثار الشّعورين، إلّا أنّ هناك اختلافا بسيطا بينهما.

لا يمكن مقارنة شعور يصاحبه اختناق ورغبة في البكاء، مع آخر يصاحبه ألم في الرّأس جرّاء التّفكير المفرط...خصوصا وأنّ سبب كلّ منهما يختلف عن الآخر كاختلاف الثّلوج عن الرّمال.

لا داعي ليزعج نفسه بكلّ هذا الآن، ففي نهاية المطاف ذلك الأشقر المغفّل يريد إقناع نفسه بأنّه يمتلك فرصة لا غير بمحاولة منافسته له.

أخذ رايدر نفسا عميقا، وأطلقه مجدّدا مخفّفا ثِقل صدره، ثمّ حرّك رأسه بخفّة نافضا كلّ تلك الأفكار عن ذهنه.

التّفكير مرهق، هذا يكفي لليوم.

سحب هاتفه من جيب سروال نومه، ثمّ رفعه أمام وجهه يتفقّد الوقت...إنّها الثّامنة، وسيعود رافي قريبا من دون شكّ.

أعاد رايدر الهاتف لجيبه، واستقام من مكانه بهدوء، يمرّر بصره على المكان بسرعة، لتقع عيناه فجأة على كومة الأوراق البيضاء الّتي تركها رافاييل على مكتبه الصّغير الّذي في الجانب.

وجد نفسه يتقدّم ببطء ناحية المكتب، يحدّق بالأغراض المرتّبة على سطحه...لديه فكرة الآن، هل ينفّذها بما أنّ لا أحد هنا ليسخر منه؟

ثبت مكانه لثوانٍ معدودة يفكّر مليّا، قبل أن يسحب الكرسيّ الجلديّ ويجلس عليه، يأخذ إحدى الأوراق، وقلم رصاص من علبة الأقلام.

لا ضرر في المحاولة..

سحب الهاتف مجدّدا يبحث فيه عن شيء ما، ثمّ ثبّته أمام ناظريه بعدما وجد الصّورة الّتي يبحث عنها.

«لا يجب أن يكون رسم ذئب بتلك الصّعوبة...»

تمتم لنفسه بينما يعدّل من وضع الهاتف، قبل أن يحمل القلم ويبدأ في محاولة نقل الصّورة أمامه على الورقة.

لم يفكّر من قبل في اختبار ما إذا كان لديه مهارات في الرّسم، لذا فهذه فرصة لاكتشاف بعض المواهب الدّفينة.

بدأ برسم الخطوط الخارجيّة أوّلا، وهو حقّا لا ينكر أنّ ذلك كان صعبا قليلا...ثمّ راح يحاول نقل بقيّة التّفاصيل واحدة بواحدة.

كانت ربع ساعة كاملة وهو يرسم، حينما ألقى فجأة بالقلم على سطح المكتب وتراجع بكرسيّه إلى الخلف مطلقا زفرة متذمّرة.

«سحقا..»

الأمر أكثر تعقيدا ممّا كان يظنّ..

مرّر بصره بين عمله، والصّورة على الهاتف يقارن بينهما...وقد أخفق بشدّة حقّا.

ما يراه على الورقة أقرب لكلب معاق، ولا يشبه ذئاب الكرتونات حتّى.

لحسن الحظّ أنّ رافاييل ليس هنا، وإلّا لجعله موضوعه اليوميّ لأسبوع على الأرجح.

«الرّسم لا يناسبني، عليّ التّوقّف عن المحاولة»

تمتم بصوت منخفض بينما يمزّق الورقة، ويلقي بها في السّلّة الصّغيرة بجانب قدمه.

الرّسم ليس له، ولا يظنّ أنّه سيحرج نفسه بمحاولة حمل قلم مجدّدا على الإطلاق.

مدّ رايدر يده ناحية هاتفه بنيّة التقاطه، لكنّه توقّف فجأة حالما رنّ معلنا عن اتّصال أحدهم.

ليس وقت رافاييل الآن..

أمسك بالهاتف بسرعة، يلقي نظرة على اسم المتّصل...ولم يكن رافي.

"مدير المطعم"

ومضت تلك الكلمات أمامه، تجعل حاجبيه يرتفعان باستغراب للحظة، قبل أن يضغط على زرّ الإجابة ويرفع هاتفه لمستوى أذنه.

«أهلا رايدر»

وصله صوت مدير المطعم الّذي تكلّم بنبرة جادّة، ليجيبه هو مباشرة:

«ما الأمر؟»

«هناك نقص في الموظّفين، عليك القدوم الآن، هل هذا ممكن؟»

عقد رايدر حاجبيه متفاجئا من كلامه، ثمّ تساءل مباشرة:

«ألم تمنحني اليوم إجازة قائلا بأنّ عدد الموظّفين كان كافيا؟»

«في الواقع، لقد غاب اثنان منهم دون إنذار مسبق، واتّصلت ببعض من انتهوا من مناوباتهم لكنّهم كانوا منشغلين جميعا...الوضع طارئ»

ركل رايدر باطن وجنته بلسانه، يفكّر في كلام المدير...هذا مزعج بحقّ، وليس من السّهل الرّفض بما أنّه ليس يوم الإجازة الرّسميّ له.

«ليكن، ربع ساعة وتجدني هناك»

أجاب بهدوء معيدا رأسه إلى الخلف بإهمال، يسمع صوته القادم من الجهة الأخرى للسّمّاعة:

«حسنا، شكرا لك»

لم يعلّق على ذلك، واكتفى بقطع الاتّصال مباشرة، يدعك جبينه محاولا التّحكّم بأعصابه.

ذلك العجوز الهرم...عليه تحمّل مسؤوليّته بنفسه بدل أن يطلب منه القدوم فجأة في وقت كهذا..

تبّا له..

أطلق زفرة عميقة من صدره، ثمّ سار مغادرا الغرفة بينما يدسّ هاتفه في جيبه، يقصد مخرج الشّقّة، لينتعل حذاءه بسرعة ويخرج منها.

زيّ العمل في المطعم، لذا لا بأس بالذّهاب هكذا...ويمكنه تولّي أمر إخبار رافاييل لاحقا.

لكن ورغم كلّ ذلك، سحقا لذلك المسّن!

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فوضى وسكينة

المؤلف _aerithra_
2025/10/31 مستمرة
قائمة الفصول (26)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة