بداية جديدة ١

بداية جديدة ١

14 0

ماذا بعد؟... عائلة تولد من جديد

بعد أن استقرت الأوضاع في المستشفى، وعادت ليال إلى أحضان عائلتها الحقيقية، بدأت حياة جديدة تتشكل في منزل كرم وعلياء. الندوب كانت عميقة، والجراح لم تندمل بالكامل بعد، لكن الحب والدفء العائلي كانا كفيلين ببدء عملية التعافي. سلوى كانت قد أودعت السجن، وبدأت الإجراءات القانونية تأخذ مجراها.

ليال... وحياة جديدة

عاشت ليال في غرفة يارا، وتشاركت معها الغرفة بعد وضع سرير اخر لها. كانت الأيام الأولى مليئة بالمشاعر ؛ الفرحة الغامرة بالانتماء، والشعور بالأسف على سنوات الضياع. لكن كرم وعلياء لم يدخرا جهدا في تعويضها. كان حضن علياء الدافئ لا يفارقها، وعين كرم المُحبة تُراقبها في كل لحظة، يُحاول محو كل أثر للقسوة من ذاكرتها.

عمر وسليم ويارا تقبلوا ليال كأختهم الكبرى بحماس كبير. كان الشبه بينها وبينهم قد أصبح واضحا للجميع الآن، و ليال تشعر بهذا الرابط العميق الذي لم تفهمه قط. الأجواء في المنزل كانت مليئة بالضحكات، والأحاديث التي كانت ليال تُحاول من خلالها تعويض سنوات الصمت.

...................》》》《《《 ......................

مع اقتراب شهر رمضان المبارك، بدأت الأجواء الاحتفالية تسيطر على المنزل. كانت هذه أول مرة تعيش فيها ليال سعادة حقيقية في هذه الأجواء. في الماضي، كان رمضان يمر عليها كباقي الشهور، لا زينة ولا فرحة، فقط المزيد من أعباء الطبخ والتنظيف تحت نظرات سلوى الساخطة.

في إحدى الليالي السابقة لرمضان، اجتمعت العائلة في صالون المنزل الواسع.  ورائحة الطعام الطازج تفوح في الهواء، بينما كرم وعمر وسليم يُعلقون زينة رمضان المبهجة: فوانيس ملونة تُعلق في كل زاوية، فروع إضاءة ذهبية تُزين النوافذ، ومفارش طاولات رمضانية مُطرزة تغطي اسطح الترابيزات. كانت يارا تُساعدهم بحماس، تُعطي أوامرها لأشقائها الكبار بوضع الزينة في أماكن معينة، بينما تضحك ليال بصوت عالٍ على صراخهم المصطنع.

"يلا يا ليال! علقي ده هنا!" قال عمر وهو يُناولها فانوس كبير على شكل هلال.

ابتسمت ليال ابتسامة حقيقية، وهي تُعلق الفانوس بعناية.

"حاضر يا عمر!"

في الخارج، كانت أصوات الصواريخ والألعاب النارية تُعلن عن قدوم الشهر الفضيل، ويطلقها الأطفال في الشوارع ابتهاجًا. كانت ليال تسمعها بقلب يرقص فرحًا، لأول مرة تشعر بهذا الشعور الطفولي الجميل، شعور الانتماء إلى عائلة تحتفل بها.

...................》》》《《《 ......................

جاء أول أيام رمضان، واستيقظت ليال على نشاط غير عادي في المطبخ. دخلت لتجد علياء تعد الفطور بحماس.

"صباح الخير يا ماما،" قالت ليال، وهي تُقبل علياء على خدها.

احتضنت علياء ليال بحنان، ووجهها يُضيء.

"صباح النور يا حبيبتي. يلا بينا، محتاجين نخلص كل ده قبل المغرب."

انخرطت ليال في مساعدة علياء، تقطع الخضراوات وتُعد العصائر، وتشكل "القطايف" ، وكانت كل حركة تقوم بها مليئة بالحب والشكر. لأول مرة، لم يكن الطبخ عبئًا، بل مشاركة مبهجة.

عند أذان المغرب، اجتمعت العائلة حول مائدة الطعام العامرة بكل أصناف الأكل الشهي. كانت رائحة المحشى و الملوخية و الفراخ المشوية تفوح بالمكان.واذان المغرب يسمع عبر مكبرات صوت الجوامع...   والأحاديث الودية لا تتوقف. نظر كرم إلى ليال التي كانت تبتسم بسعادة، ثم إلى علياء التي كانت عيناها تلمعان بالحب. لم تعد ليال الفتاة الحزينة، بل أصبحت ابنة مدللة تعيش أول رمضان حقيقي لها، في حضن عائلة سعيدة تُحبها.

............ ...............  》》》

في شقة الطابق الثاني، كانت الأجواء مختلفة تمامًا. لم تكن هناك أي زينة لرمضان، ولا فوانيس تعلق. كانت الشقة تبدو باردة ومُظلمة، تعكس الوحدة التي خيمت عليها بعد رحيل سلوى وليال. رائحة الطعام المطهو على عجل تملأ المكان، ولكنها لم تحمل أي دفء.

تاليا، التي أصبحت المسؤولة عن المنزل الآن، كانت قد طهت الطعام بنفسها. كانت تُقدم الأطباق بصمت على المائدة. لم تكن هناك ضحكات، ولا أحاديث ودية. كان الصمت الثقيل يملأ الأجواء.

"ماكنا نزلنا فطرنا مع تيتا وجدو يا تاليا،" قال أمير بصوتٍ مُعارض، وهو يُنظر إلى الأطباق أمامه بلا شهية.

"كان زمانا بنعلق الزينة وبنضرب صواريخ زي كل سنة."

نظرت تاليا إلى أمير بحزن. "خلاص يا أمير... مفيش حاجة زي الأول."

وأشرف ياكل بصمت وينظر لأولاده بالم .

كانت تاليا تفتقد ليال، وتفتقد حتى سلوى، رغم كل مشاكلها. لكنها كانت تعلم أن هذه هي العواقب. كانت الوحدة هي الثمن الذي تدفعه العائلة الصغيرة بعد كل الأكاذيب والأسرار التي دمرت بيتهم.

...................》》》《《《 ......................

بعد الإفطار، جلست العائلة كلها أمام التلفاز، تُتابع المسلسلات الرمضانية التي تُبث على الشاشات في هذا الشهر الفضيل. الضحكات كانت تُعلو البيت، وروح الألفة لم تفارق الأجواء.

"يلا يا إخواتي، قوموا جهزوا نفسكم!" قال عمر، وهو يُطفئ التلفاز.

"هعزمكوا على رز بلبن ،  ونتمشى شوية، ونجيب حاجات السحور بالمرة."

"فكرة حلوة يا حبيبي،" قالت علياء، وهي تبتسم.

"متنساش الزبادي ،."

"حاضر يا ماما"

"عمر، ممكن ناخد تاليا وأمير معانا؟" سألت ليال، وعيناها تتوسلان.

"أكيد!" أجاب عمر بحماس،

"خلاص أنا هنزل أقولهم، ممكن يا بابا" قالت ليال، وهي تقف على الفور.

"انزلي يا حبيبتي،" قال كرم،

"يارا، اطلعي أنتِ اندهي لأولاد عمك معتز يروحوا معاكم هما كمان."

"حاضر يا بابا،" أجابت يارا، وهي تُسرع إلى الخارج.

نزلت ليال ببطء إلى شقة عمها أشرف. توقفت أمام الباب، وأخذت نفس عميق قبل أن تضغط على الجرس. كان قلبها يضرب بسرعة، فهي تعرف جيدًا كيف أن تاليا تتجنبها منذ ما حدث، لكنها كانت تُصر على إصلاح العلاقة.

فتح أمير الباب، وفور رؤيته ليال، انطلق نحوها واحتضنها بقوة. "ليال! وحشتيني! ده أول رمضان من غيرك... وحشني أكلك!" همس أمير في أذنها، "تاليا أكلها مش حلو !"

ابتسمت ليال، وقلبها يرقص فرحًا بكلماته. "معلش يا حبيبي... بكرة الفطار تحت عند تيتا، كلنا هنكون موجودين وهتدوق أحلى أكل... يا عم ..."

سألت ليال واخذت تصحح نفسها، " بابا ....قصدى عمو أشرف هنا."

"أنا هنا يا ليال،" قال أشرف، الذي خرج من الداخل بعد أن سمع صوت الباب.

نظرت ليال إلى عينيه، وأدركت مدى حبهما لها.

"وحشتني يا بابا... يا عمو."

"قولي اللي أنتي عايزاه يا حبيبتي،" قال أشرف،

"أنا برضو هفضل بابا مش كده؟"

"طبعا يا بابا،" أجابت ليال،

"وحقيقي وحشتني. كل سنة وانت طيب ورمضان كريم"

"وانت طيبة يا حبيبتي،  والله أكرم " قالها أشرف باتسامة .

كان أشرف سعيدًا لرؤية ليال أمامه. أصبحت النسخة التي كان يتمنى أن يراها دائمًا: عيناها تلمع بالفرح، وابتسامتها تُضيء وجهها.

"ممكن بقى يا بابا آخد تاليا وأمير؟" سألت ليال،

"هنتجمع كلنا وننزل نتمشى أنا وإخواتي وولاد عمو معتز... ممكن يجوا معانا؟"

"طبعا! يا حبيبتى" أجاب أشرف على الفور.

"ادخل يا أمير قول لـ تاليا تجهز، وأنت كمان اجهز وروحوا مع أختكوا."

جرى أمير إلى الداخل بحماس ليُخبر أخته.

"عاملة إيه يا ليال؟" سأل أشرف.

"الحمد لله يا بابا."

"دايمًا يا رب... ابقى خلي بالك من تاليا وأمير... تاليا بقت منطوية جدًا بعد اللي حصل."

"هي اللي مش بتسمح لي يا بابا... دائمًا بتبعد عينيها لو شافتني،" قالت ليال بحزن، وقد لاحظت كيف أن تاليا تتجنب حتى النظر إليها.

"أنا عارف يا حبيبتي... هي بس محرجة من اللي حصل ومن اللي كانت بتعمله،" قال أشرف، وهو يضع يده على كتفها بحنان.

"حاولي يا ليال عشان خاطري... هي محتاجاكي."

"حاضر يا بابا، هحاول" وعدت ليال، .

بعد لحظات، خرج أمير وتاليا.

"احنا جهزنا!" قال أمير، وهو يبتسم.

كانت تاليا تنظر إلى الأرض، تتجنب التواصل البصري مع ليال. لكن ليال ابتسمت لها، وتوجهت إليها لتُمسك بيدها، مُعلنة بداية جديدة في ليلة رمضانية مباركة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ليال

المؤلف Angel
2025/11/17 مكتملة
قائمة الفصول (32)
الفصل 1: بداية الاسرار
2025/11/17
الفصل 2: رضاعة
2025/11/17
الفصل 3: صدى الخلافات
2025/11/17
الفصل 4: صباح ثقيل
2025/11/17
الفصل 5: تاليا تصل ... وليال تهمل
2025/11/17
الفصل 6: تاليا تتألق...وليال تتلاشى
2025/11/17
الفصل 7: "ماما" اخرى
2025/11/19
الفصل 8: تاليا .... ليال
2025/11/19
الفصل 9: تباين
2025/11/19
الفصل 10: أين مكانى؟!
2025/11/19
الفصل 11: مواجهة جديدة
2025/11/19
الفصل 12: غرفة الاحلام
2025/11/19
الفصل 13: الفرح
2025/11/19
الفصل 14: تداعيات التهديد
2025/11/19
الفصل 15: مأساة ليال
2025/11/19
الفصل 16: عبء
2025/11/19
الفصل 17: صرخة
2025/11/19
الفصل 18: واقع ...مرير
2025/11/19
الفصل 19: وقاحة بلا حدود
2025/11/19
الفصل 20: عودة الضحة
2025/11/19
الفصل 21: نضوج مبكر
2025/11/19
الفصل 22: صراع الكليات
2025/11/19
الفصل 23: ملاحظات تتراكم
2025/11/19
الفصل 24: بحث عن الحقيقة
2025/11/19
الفصل 25: بداية الحرب
2025/11/23
الفصل 26: القنبلة تنفجر
2025/11/23
الفصل 27: كشف المستور
2025/11/23
الفصل 28: ثقل السر
2025/11/23
الفصل 29: حقد مستعر
2025/11/23
الفصل 30: الحقيقية المرة
2025/11/23
الفصل 31: بداية جديدة ١
2025/11/23
الفصل 32: بداية جديدة ٢
2025/11/23

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة