الفصل الخامس عشر: صمت فريال... ومأساة ليال المتجددة
بعد مغادرة سلوى وتاليا، تركت فريال الصالون يعمّه صمت ثقيل. ظلت فريال واقفة للحظات، ملامح الصدمة والذهول ما زالت تُسيطر على وجهها. كانت كلمات سلوى تتردد في أذنيها كطنين مزعج:
"ولادك هيكرهوكي... كرم مش هيعرفك تاني... عمو سليمان... ممكن يطلقك فيها." شعرت بثقل العالم على صدرها، وكأنها سقطت فجأة في هاوية عميقة.
توجهت فريال إلى غرفة ليال الصغيرة، التي كانت الآن ملاذها. وجدت ليال تجلس على سريرها الجديد، تحتضن دبدوبًا صغيرًا، وعيناها تحدقان في الفراغ. لم تكن ليال قد سمعت الهمسات السامة، لكنها شعرت بتوتر الأجواء.
احتضنت فريال ليال بقوة، وكأنها تبحث عن عزاء في هذا الحضن البريء، أو تُحاول حمايتها من عالمٍ قاسٍ. لم تقل كلمة، لكن دموعها التي سقطت على شعر ليال الصغيرة كانت أبلغ من أي حديث.
..............
في الأيام التالية، خيم الصمت على العمارة. سلوى لم تنزل إلى شقة فريال إلا للضرورة القصوى، وتصرفاتها كانت تتسم بالبرود والتجاهل. أما ليال، فقد أصبحت تقضي معظم وقتها في شقة فريال، تلعب في غرفتها الجديدة أو تُشاهد التلفاز مع جدتها.
كانت فريال تُفكر مليًا في تهديد سلوى. هل تكشف السر وتُنهي هذا العبء الذي يُثقل كاهلها؟ لكن كلمات سلوى كانت بمثابة كوابيس تُطاردها. تخيلت وجوه أبنائها: أشرف مصدومًا، كرم غاضبًا ومُتخليًا عنها، معتز ونورا يُفكران في حماية أطفالهما منها. تخيلت سليمان يلومها، وربما يتخلى عنها. لم تستطع تحمل فكرة تدمير عائلتها بيديها. بدا لها أن الصمت، رغم مرارته، هو الخيار الوحيد للحفاظ على ما تبقى.
.................
في صباح اليوم التالي، وبعد أن نزل أشرف إلى عمله في هدوء، تغيرت ملامح سلوى تمامًا. عادت إلى وجهها المعتاد من البرود والقسوة. كانت ليال تجلس في غرفة المعيشة في شقة الطابق الثاني، تُحاول قراءة كتاب أطفال، بينما تاليا كانت ما زالت نائمة.
"ليال!" نادت سلوى بصوتٍ حاد، وكأنها تُصدر أمرًا عسكريًا.
"نعم يا ماما؟" أجابت ليال بصوتٍ خافت، وقد انقبض قلبها من نبرة أمها.
"روحي روقي أوضة تاليا، ولمي اللعب مكانها... ولو في غسيل عندي في أوضتي أو أوضة تاليا أو عندك، دخليه يتغسل." قالت سلوى ببرود، وهي تُشير بيدها إلى اتجاه الغرف.
"وبعد ما تخلصي، روقي الصالة."
نظرت ليال إلى سلوى بعينيها الواسعتين، وقد فهمت أن يومها سيكون مليئًا بالعمل الشاق. لم تجادل، فقد اعتادت على هذه الأوامر بعد مغادرة أشرف.
ثم اقتربت سلوى من ليال، خفضت صوتها بنبرة تهديد مخيفة.
"وعارفة يا ليال، لو اشتكيتي لحد، هعمل فيكِ إيه؟"
هزت ليال رأسها بلا، وعيناها تتسعان من الخوف.
"هقطع رقبتك!" قالت سلوى ببطء، وكأنها تُستمتع بكلماتها،
"خلصي اللي وراكِ بسرعة لو عايزة تنزلي لجدتك."
ارتجف جسد ليال الصغير. لم تتخيل سلوى أن والدتها قد تتحدث بهذه الطريقة. نهضت ليال ببطء، وذهبت لتنفيذ المهام الموكلة إليها، بينما سلوى عادت لتجلس على الأريكة، تُمسك بهاتفها، غير مبالية بجهد طفلة صغيرة أو بالخوف الذي زرعته في قلبها.
وهكذا، استمرت مأساة ليال في التجدد يوميًا، حتى مع وجود غرفتها الجديدة في شقة جدتها. كانت حياتها مقسمة بين دفء وحنان فريال، وقسوة وإهمال سلوى، وكأنها أسيرة لواقعٍ لا تملك منه خلاصًا، مُقيدة بتهديدات تُجمد دماءها في عروقها.
.................
مع اقتراب فصل الخريف، دقت أجراس المدارس معلنةً عن بداية عام دراسي جديد. عادت الحياة إلى طبيعتها الروتينية بعد صخب الصيف والأفراح. كان هذا يعني لـسلوى فرصة جديدة لتُبرز اهتمامها بـتاليا، وتُعمّق الفجوة بين ابنتيها.
في أحد أيام التسوق، توجهت سلوى، ومعها تاليا وليال، إلى أحد المتاجر الكبرى المتخصصة في المستلزمات المدرسية. كان المتجر يضج بالأطفال وأولياء الأمور، وتملأه أصوات الضحكات والمناقشات حول الألوان والأشكال. الأرفف كانت مُكدسة بالشنط الملونة، والأقلام البراقة، والدفاتر ذات الرسومات الجذابة.
"يلا يا تاليا، نقي الشنطة اللي تعجبك،" قالت سلوى بحب، وهي تُشير إلى قسم الحقائب، وابتسامة واسعة تعلو وجهها.
قفزت تاليا بفرح، وأخذت تتنقل بين الشنط المعروضة، تلمس هذه وتلك. اختارت شنطة وردية لامعة عليها رسومات أميرات.
"جميلة يا قلبي! ذوقك يجنن،" قالت سلوى بفخر وهي تحتضن تاليا، وكأنها فخورة باختيارها.
اقتربت ليال ببطء، وعيناها مثبتتان على شنطة تُشبه شنطة تاليا، بلون أزرق فاتح.
"أنا عايزة دي،" قالت ليال بصوتٍ خافت، وهي تُشير إلى الشنطة.
نظرت سلوى إلى ليال ببرود، وعيناها تتجمدان.
"مين قال لك إنك هتنقي أصلاً؟" قالتها بنبرة حادة تُشعر ليال بأنها ارتكبت خطأً كبيرًا. التقطت سلوى شنطة عادية، بلون باهت وتصميم قديم، من رف جانبي.
"دي كويسة عليكي،" قالت سلوى بغير مبالاة، ثم سحبت تاليا من يدها وتوجهت إلى المحاسب، تاركة ليال تتبعهم في صمت، وقلبها الصغير ينقبض من مرارة التمييز.
تكرر المشهد نفسه مع كل المستلزمات الأخرى. تاليا تختار وتتدلل، وسلوى تُلبّي كل طلباتها بسخاء. أما ليال، فكانت تُعطى الأقل، والأبسط، والأكثر عملية. مع مرور الوقت، توقفت ليال عن الطلب تمامًا. أصبحت تكتفي بالنظر فقط، عُرِفَت أن صوتها لا يهم، وأن رغباتها لا تُلبّى. حتى في المنزل، قلّ كلامها مع الجميع، وأصبحت تنعزل أكثر في عالمها الخاص، غالبًا في غرفتها الجديدة في شقة جدتها.
.................
ابتدأت الدراسة، ومعها عاد الروتين اليومي الذي كشف الفروق بين الأختين، ليس فقط في الشكل الخارجي، بل في أدق التفاصيل اليومية.
في صباح اليوم الدراسي الأول، وفي غرفة المعيشة بشقة الطابق الثاني، كانت سلوى منهمكة في تسريح شعر تاليا. كانت تُصففه بحب ولطف، وتُضيف إليه بعض اللمسات الأخيرة، بينما تاليا تجلس على كرسي مريح أمامها.
"يلا يا سلوى، خلصي وسرحي ليال كده هنتأخر،" قال أشرف وهو يدخل الغرفة، ينظر إلى الساعة بضيق.
تنهدت سلوى بملل، وتركت شعر تاليا لتلتفت إلى ليال التي كانت تنتظر بصبر. أمسكت سلوى شعر ليال ببعض العنف، وبدأت تُسرحه بقسوة، وكأنها تُعاقبها.
"آه!" قالت ليال بألم خفيف، بينما سلوى لم تعرها اهتمامًا.
"كتك نيلة، شعرك حلو زي أمك!" تمتمت سلوى في نفسها بغيظ، وهي تُحاول فك تشابكات شعر ليال الحريري الذي كان يتميز بنعومة فائقة.
بعد أن انتهت سلوى، أخذ أشرف ليال وتاليا إلى المدرسة. كانت تاليا تسير بجانب سلوى بثقة، بينما ليال كانت تتبعهم بصمت، تحمل شنطتها الباهتة، وتتأمل الفرق الذي أصبح جليًا في كل تفصيلة من تفاصيل حياتها.
رأيكم ..... وفوت 🌟
Angel