الفصل التاسع عشر : وقاحة بلا حدود
ازداد حقد سلوى على ليال يومًا بعد يوم، خاصًة بعد تفوقها الدراسي الذي لم تستطع هضمه. كانت سلوى تدرك أن مظهر ليال قد يلفت الانتباه، لذا كانت تحرص على تسريح شعرها قبل أن تنزل إلى منزل جدتها فريال، فقط لتجنب أي تعليقات تُشير إلى إهمالها.
في صباح أحد الأيام، كانت سلوى تسرح شعر ليال الطويل الذي كان يصل إلى منتصف ظهرها، يتميز بنعومة فائقة. كانت تمشيطه يزيد من غلها وحقدها. فجأة، وبدون مقدمات، أمسكت سلوى مقصًا صغيرًا كان بجانبها. ارتجفت يد ليال، لكنها لم تجرؤ على التحرك. بلمح البصر، مرت شفرات المقص القاسية على خصلات ليال الحريرية، وقصت جزءًا كبيرًا منه بلا رحمة، ليُصبح قصيرًا بالكاد يصل إلى كتفها.
تجمدت ليال في مكانها للحظة، ثم انفجرت في بكاء مرير. كانت تُحب شعرها الطويل، وكان هو الشيء الوحيد الذي يُشعرها ببعض الجمال.
"لو نطقتي بحرف واحد، هقطع رقبتك، مش شعرك بس!" قالت سلوى بنبرة باردة ومخيفة، وهي تُحدق في ليال بعينيها الحاقدتين. تجمدت الدموع في عيني ليال، وأصبح بكاؤها صامتًا، لا يصدر عنه سوى نحيب مكتوم.
..................
بعد فترة قصيرة، نزلت ليال إلى شقة فريال في الطابق الأول، لا تزال دموعها تُبلل خديها الصغيرين، وعيناها حمراوان من البكاء.
"إيه اللي عمل في شعرك كده يا حبيبتي؟" سألت فريال بصدمة، وهي ترى شعر ليال المبعثر والمقصقص بشكل غير متساوٍ.
لم تستطع ليال النطق بكلمة واحدة، فقط هزت رأسها بلا، وعيناها تُعبران عن خوف عميق.
شعرت فريال بالغضب يشتعل في قلبها. أمسكت بيد ليال، وصعدت بها إلى شقة سلوى في الطابق الثاني. دقت فريال الباب بقوة، وفتحت سلوى وهي تحملق فيهما ببرود.
"إيه اللي حصل لشعر ليال؟" قالت فريال بصوتٍ عالٍ، وهي تُشير إلى رأس ليال.
نظرت سلوى إلى ليال ببرود، ثم أجابت بلامبالاة:
"ليال لعبت بالمقص وبهدلت شعرها... يدوبك ظبطتهالها علشان يتساوى."
"وكده اتساوى؟" قالت فريال وهي لا تُصدق ما تسمعه من وقاحة.
ابتسمت سلوى ببرود، وعيناها تحملان نظرة تحدٍ، وكأنها تُذكر فريال بأنها تعلم أنها لا تستطيع فعل شيء.
"آه."
شحب وجه فريال. أدركت أنها أمام جدار صلب من الحقد والقسوة. لم تستطع قول كلمة أخرى، فتهديد سلوى بالسر كان ما زال يُسيطر عليها.
"ماشي يا سلوى،" قالت فريال بصوتٍ خافت، ثم سحبت ليال وعادت بها إلى شقتها.
...............
في شقتها، أمسكت فريال بليال، ولبست عباءتها بسرعة.
"هتروحي معايا مكان جميل أوي دلوقتي،" قالت فريال وهي تُحاول إخفاء غضبها عن الطفلة.
اصطحبت فريال ليال إلى أقرب صالون تجميل (كوافير) في الحي. كانت الأجواء في الصالون مختلفة تمامًا عن قسوة منزل سلوى. رائحة مستحضرات التجميل، وأصوات مجففات الشعر، وضحكات النساء.
جلست ليال على كرسي مرتفع، بينما قامت مصففة الشعر بإصلاح ما أفسدته سلوى. قصت شعر ليال بعناية فائقة، ومنحته قصة جديدة جميلة ومُتناسقة، مع قصة خفيفة على جبينها تُبرز عينيها الواسعتين. بدا شعر ليال أجمل من الأول، وكأن الجمال قد ولد من رحم الألم.
نظرت ليال في المرآة، وعيناها تلمعان بالفرحة، وقد نسيت للحظة قصاصات الشعر الملقاة على الأرض.
"إيه رأيك يا حبيبتي؟ حلو؟" سألت فريال بابتسامة دافئة.
ابتسمت ليال ابتسامة واسعة، قفزت من على الكرسي واحتضنت جدتها بقوة غير مسبوقة.
"أنا بحبك أوي يا تيتا!" قالت ليال بصوتٍ مليء بالحب والامتنان، وكأنها تُعبر عن كل مشاعرها التي كانت تُقيدها.
كانت هذه اللحظة، رغم بساطتها، بصيص أمل لليال، وتأكيدًا على أن هناك من يُحبها ويُساندها في عالمٍ قاسٍ.
.............
عاد شعور الأمان يغمر ليال بعد قضاء الوقت في منزل جدتها. قصّة شعرها الجديدة منحتها ثقة غريبة، ووجهها بدا أكثر إشراقًا. قضت بقية اليوم في شقة فريال، تلعب وتضحك مع دبدوبها الجديد الذي أهدته إياها جدتها، بينما فريال تُراقبها بسعادة حزينة، سعادة لرؤية حفيدتها تُزهر، وحزنًا على قسوة الحياة التي تُعانيها.
في المساء، عندما عاد أشرف من عمله، صعدت ليال معه إلى شقة الطابق الثاني. كانت سلوى تجلس في غرفة المعيشة، تُشاهد التلفاز. لم تكد ليال تدخل، حتى وقعت عين سلوى على شعرها الجديد. تجمدت ابتسامة سلوى المعتادة أمام أشرف، وتحولت عيناها إلى جمر.
"إيه اللي عملتيه في شعرك ده؟!" قالت سلوى بصوتٍ حاد، وهي تُحدق في ليال.
نظرت ليال إلى أشرف بخوف، ثم إلى سلوى. كانت تحاول أن تقول شيئًا، لكن الكلمات خانتها.
"إيه يا سلوى في إيه؟" قال أشرف مستغربًا من حدة سلوى.
"امك خدتها الكوافير وقصت شعرها!" قالت سلوى بنبرة غاضبة، وهي تُشير إلى فريال، فى الطابق الأول، وكأنها تُتهمها بارتكاب جريمة.
نظر أشرف إلى ليال، ثم إلى شعرها، ولاحظ القصة الجديدة التي بدت جميلة ومناسبة لها.
"وايه المشكلة؟ شكلها حلو أوي كده! أحلى من الأول كمان!" قال أشرف بإعجاب، مما زاد من غيظ سلوى.
التفتت سلوى إلى أشرف، وقالت بابتسامة مصطنعة تحمل الكثير من الخبث:
"آه، حلو... بس هى كانت بتلعب بالمقص وعملت فيه بلاوي وأنا يا دوبك لحقت أظبطهولها."
نظرت ليال إلى أمها بصدمة، كيف يمكن أن تكذب بهذه السهولة؟ لكنها التزمت الصمت، فكلمة "هقطع رقبتك" ما زالت تُدوّي في أذنيها.
"المهم إنها بقيت حلوة،" قال أشرف وهو يُقبل رأس ليال، غير مدرك لحقيقة ما حدث.
كانت تاليا تُراقب المشهد من بعيد. عندما رأت ليال بقصتها الجديدة، شعرت بالغيرة تتسلل إلى قلبها.
"ماما، أنا عايزة أقص شعري زي ليال!" قالت تاليا بتذمر.
نظرت سلوى إلى تاليا، ثم إلى ليال بحقد متزايد.
"لأ يا حبيبتي، شعرك طويل أحلى. دي شكلها كده مش عاجباني خالص، مش حلوة" قالت سلوى، وهي تُحاول التقليل من جمال ليال أمام تاليا.
هذا الموقف، وتفوق ليال في الدراسة، ثم قصتها الجديدة التي نالت إعجاب أشرف، كل ذلك زاد من حقد سلوى الدفين. أصبحت تُحاول بشتى الطرق التقليل من ليال أمام أشرف أو تاليا، وتُفكر في خطط جديدة لتضييق الخناق على الطفلة التي أصبحت ترى فيها نقمة في حياتها.
.................
بعد فترة قصيرة، جاء خبر جديد ألقى بظلاله على البيت، لكنه كان بمثابة متنفس لليال: مروة، أخت سلوى الصغرى، ستتزوج قريبًا! وبما أن التجهيزات تحتاج وقتًا وجهدًا، قررت سلوى أن تذهب للإقامة عند والدتها عايدة (أم سلوى) ومعها تاليا، لمساعدتها في تجهيزات العرس.
"مش هعرف آخد بالي من الاتنين،" قالت سلوى لأشرف ببرود عندما سألها عن ليال.
"الأحسن ليال تفضل هنا مع ماما فريال."
وافقت سلوى على مضض، وهو ما أثلج صدر ليال. هذا التغيير كان بمثابة هدية غير متوقعة.
أصبحت ليال تقضي أيامها في شقة جدتها فريال، تنعم بالدفء والأمان. كانت تقضي وقتًا أطول في اللعب بحرية، وشيئًا فشيئًا، بدأت ضحكتها تعود. عندما ينزل عمر وسليم (أبناء علياء وكرم) لزيارة جدتهم، كانت ليال تشاركهم اللعب والحديث. كانت الأجواء في شقة فريال مليئة بالضحكات البريئة، بعيدًا عن نظرات سلوى القاسية.
"أنا بحب ألعب هنا يا تيتا،" قالت ليال لفريال في أحد الأيام، وعيناها تلمعان بالفرحة، وهو ما كان يُشعر فريال بالراحة ويُخفف عنها جزءًا من القلق.
لم تكن ليال مسموحًا لها بالصعود إلى شقة علياء (الطابق الثالث) بقرار من سلوى. لكنها كانت سعيدة بالوقت الذي تقضيه مع منة ومعتز في الطابق الرابع، حيث كانا يُعاملانها بحب وحنان كبيرين، ويُحاولان تعويضها عن بعض ما تُفقده.
لاحظ أشرف هذا التغيير في روتين المنزل. كان يُلاحظ أن الشقة في الطابق الثاني تظل مرتبة ونظيفة تمامًا حتى في غياب سلوى وتاليا. وذات صباح، عندما نزل أشرف إلى عمله، أخذ ليال معه إلى شقة فريال، ثم عاد ليصحبها مرة أخرى في المساء لتنام في شقتهما. كان هذا الروتين الجديد يُثير تساؤلات خفية في ذهن أشرف، حول من كان يقوم بهذه الأعمال المنزلية عندما كانت سلوى موجودة، لكنه لم يُعطِ الأمر اهتمامًا كافيًا بعد.
Angel