الفصل الثانى عشر: غرفة الأحلام... وبداية جديدة
بدأت أعمال تجهيز غرفة ليال الجديدة في شقة فريال بالطابق الأول. كانت غرفة معتز القديمة، بعد أن نقل أغراضه إلى شقته الجديدة في الطابق الرابع، تتحول ببطء إلى ملاذ ليال الخاص. قام العمال بإزالة ورق الجدران القديم، وطلت الجدران بلون وردي فاتح اختارته ليال بنفسها من الكتالوج الذي أرتها إياه فريال. كانت رائحة الدهان الجديد تملأ أركان الشقة، ممزوجة برائحة الفرحة الخفيفة التي بدأت تتسلل إلى حياة ليال.
كانت ليال تقضي معظم وقتها في شقة جدتها خلال هذه الفترة. كانت تشارك بحماس في كل تفصيلة، تُشير إلى مكان وضع السرير، وتختار شكل المقبض الجديد للخزانة. عيناها الزيتيتان كانتا تتلألآن بالفرحة كلما رأت تقدمًا في غرفتها.
"تيتا، السرير ده حلو أوي!" قالت ليال وهي تُشير إلى سرير أبيض صغير ذو تصميم بسيط وعصري،
"ينفع يبقى هنا؟"
"طبعًا ينفع يا حبيبتي، ده مكانك وإنتِ اللي هتختاري كل حاجة فيه،" أجابتها فريال بابتسامة حنونة، وهي تراقب سعادة حفيدتها.
في الأيام التالية، وصل السرير الجديد والمكتب الصغير وكرسي الدراسة. قامت فريال بتعليق بعض الرفوف الملونة على الجدران، ووضعت عليها الألعاب القليلة التي تملكها ليال، بالإضافة إلى بعض الكتب الجديدة التي اشتراها لها معتز. كانت الغرفة بسيطة لكنها مليئة بالحب والاهتمام، وهو ما كانت ليال تفتقده.
.........
في أحد الأيام، جاءت علياء لزيارة فريال ومعها عمر وسليم. عندما رأت علياء غرفة ليال الجديدة، والتي كانت قد اكتملت تقريبًا، شعرت بمزيج من السعادة والحزن.
"الله يا ماما ! الأوضة بقت تحفة بجد! ليال هتفرح بيها أوي،" قالت علياء بإعجاب وهي تتأمل الألوان الهادئة والتفاصيل البسيطة التي أُضيفت للغرفة.
"الحمد لله يا حبيبتي، ليال كانت محتاجة مكان ليها لوحدها،" أجابت فريال، وابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيها.
دخلت ليال الغرفة، وهي تمسك بيد منة، التي كانت تزور الشقة أيضًا.
"شوفي يا منة، دي أوضتي!" قالت ليال بفخر واضح في صوتها، وهي تُشير إلى سريرها ومكتبها الجديدين.
"جميلة أوي يا ليال! ألف مبروك عليكي يا حبيبتي،" قالت منة بحماس، وهي تُربت على كتفها.
نظرت علياء إلى ليال وهي تمرح في غرفتها الجديدة، عيناها تلتقطان كل تفصيلة في سعادتها. شعرت بوخزٍ في قلبها، تذكرت أنها لم تستطع أن تفعل ذلك لابنتها. خنقتها العبرة، وشعرت برغبة قوية في احتضان ليال.
"ألف مبروك يا ليال،" قالت علياء بصوتٍ خفيض، وهي تبتسم ابتسامة باهتة، وتحاول كبح دموعها التي بدأت تتجمع في عينيها. لو كانت تعرف الحقيقة، لكانت هي من جهزت لها أجمل غرفة في العالم. كانت تلك الدموع الصامتة تعبيرًا عن حب أم حقيقي، وإن كان غير مُعلن.
............
على الرغم من امتلاكها لغرفة أحلامها في شقة جدتها، لم تتوقف ليال عن قضاء الليالي في شقة أشرف وسلوى أيضًا. كانت حياتها أصبحت مقسومة بين البيتين. تقضي نهارها غالبًا في شقة فريال، تلعب وتذاكر وتتلقى الرعاية، ثم تعود لتبيت في غرفتها المهملة في الطابق الثاني.
في المقابل، كانت سلوى وتاليا يعيشان في عالم منفصل تمامًا. لم تكلف سلوى نفسها عناء زيارة شقة فريال للاطلاع على غرفة ليال الجديدة. كانت تعتبر الأمر إهانة شخصية لها، ومحاولة لتقليل شأنها كأم.
في أحد الأيام، بينما كانت تاليا تستعرض فستانًا جديدًا اشترته لها سلوى، سألتها تاليا بفضول:
"ماما، هو ليال بتعمل إيه عند تيتا فريال كل ده؟ هي مش هتيجي تنام معانا تاني؟"
"مش عارفة يا تاليا، يمكن عايزة تقعد هناك. خليكي إنتِ في نفسك يا حبيبتى شوفى التوكة دى ، هتبقى أحلى بنت في المدرسة،" أجابت سلوى بلامبالاة واضحة، مُحاولة صرف انتباه تاليا عن ليال.
لم يعد وجود ليال أو عدمه يؤثر على سلوى. لقد وجدت لنفسها عالمًا موازيًا مع تاليا، يبتعد يومًا بعد يوم عن أي مسؤولية تجاه ليال.
..........
وهكذا، أصبحت غرفة ليال الجديدة في شقة فريال ليست مجرد مكان للنوم، بل رمزًا لبداية جديدة لها، ولمكان آمن بعيدًا عن الإهمال والقسوة، وحماية من عالم أمها سلوى البارد. ومع ذلك، كان عليها أن تعود دائمًا إلى عالمها القديم، تُجابه إهمال سلوى كل ليلة، وكأنها لا تزال معلقة بين عالمين، تنتظر اللحظة التي تستقر فيها حياتها.
...................》》》《《《 ......................
مع اقتراب موعد زفاف معتز ومنة، امتلأ البيت الكبير بحركة غير اعتيادية. رائحة المخبوزات الشهية كانت تفوح من شقة فريال، حيث كانت تستعد لوليمة العرس. النقاشات تدور حول ترتيبات القاعة، المدعوين، وآخر اللمسات على شقة العرسان في الطابق الرابع. الجميع كان غارقًا في تفاصيل هذا الحدث السعيد، باستثناء تفصيلٍ واحدٍ صغيرٍ ومهمٍ لـليال.
في الطابق الثاني، كانت سلوى منهمكة في تجهيزات تاليا. كل يوم، كانت تُحضر لها قطعة جديدة: حذاء لامع، إكسسوارات شعر براقة، وبالطبع، فستانٌ جديدٌ مبهرٌ لترتديه في الفرح.
"شوفي يا تاليا، الفستان ده هيخليكي أحلى واحدة في الفرح!" قالت سلوى بفخر وهي تُمسك بفستان حريري بلون أزرق سماوي مزين بالكريستال اللامع، بينما كانت تاليا تقفز فرحًا حولها في غرفة المعيشة الفسيحة.
"وإيه رأيك في الجزمة دي معاه؟ هتبقى زي الأميرة بالظبط." كانت سلوى لا تدخر جهدًا ولا مالًا في سبيل أن تكون تاليا مركز الانتباه.
أما ليال، فكانت تراقب من بعيد. كانت تسمع أحاديث الفرح، وترى استعدادات تاليا، لكن أحدًا لم يُكلّف نفسه عناء تذكرها. كانت فكرتها الوحيدة عن فستان الفرح هي ذلك الفستان البسيط الذي ارتدته في خطوبة معتز.
............
في زحام الأيام الأخيرة قبل الفرح، لم يخطر ببال أحد أن يشتري فستانًا جديدًا لـليال. كان أشرف يعتقد في قرارة نفسه أن سلوى ستتكفل بهذا الأمر كأم، رغم كل خلافاتهما. كان يرى تاليا بفساتينها الجديدة، فافترض أن ليال ستُعامل بالمثل.
"أكيد سلوى جابتلها مع تاليا،" فكر أشرف في نفسه وهو يرى تاليا تُجرب فستانها الجديد، وهو يُحاول أن يُبرر إهماله هو أيضًا.
حتى فريال، التي كانت قلبها ينزف على ليال وتُعوضها بالكثير من الحب والرعاية، لم يخطر ببالها فستان الفرح في خضم كل هذه الترتيبات. ربما اعتقدت أن أشرف أو سلوى قد قاما بذلك، أو انشغلت هي الأخرى بتفاصيل أخرى أهم في نظرها، كترتيبات العرس نفسه الذي كان على وشك أن يقام في قاعة كبيرة، وأعداد المدعوين التي تتطلب الكثير من التنظيم.
أما سلوى، فكما هي عادتها، لم تتذكر ليال من الأساس. كانت ليال بالنسبة لها مجرد عبء، وجودها يثير لديها شعورًا بالضيق لا تعرف سببه الحقيقي. كل ما كان يشغل بالها هو أن تاليا تظهر بأبهى صورة، وأن تكون هي، سلوى، في الواجهة كأم مثالية لابنتها المدللة.
في ليلة الحنة، بينما كانت الأضواء الخافتة تُزين شقة معتز، وكانت أصوات الأغاني الخفيفة تملأ الأجواء، جلست ليال في غرفتها الجديدة في الطابق الأول. فتحت دولابها الصغير، ووجدت فستانها البسيط الذي ارتدته في الخطوبة. تنهدت الصعداء، وأغلقت الدولاب بهدوء. لم تقل شيئًا، لكن قلبها الصغير شعر بوخزة ألم أخرى. كانت تفهم الآن أن الفستان الجديد ليس لها، وأن مكانها في هذا الاحتفال، وفي هذا العالم، كان دائمًا في الظل.
رأيكم وفوت 🌟....
Angel