صدى الخلافات

صدى الخلافات

18 0

الفصل الثالث: صدى الخلافات في بيت العائلة

في صباحٍ شتويٍ بارد، اخترق صوت شجارٍ حادٍ جدران المنزل العائلي الكبير، صاعدًا من الطابق الثاني حيث شقة أشرف وسلوى. كان هذا الصوت قد أصبح جزءًا مألوفًا من روتين الصباح بالنسبة لسليمان وفريال في الطابق الأول، ينبئ بيومٍ آخر مليء بالتوتر.

في شقة أشرف وسلوى، كانت الفوضى تعم المكان. الأطباق المتسخة تتراكم في حوض المطبخ، والملابس مبعثرة على الأريكة في الصالون، الذي كان يعج بأثاثٍ حديثٍ لم يجد من يرعاه. وقفت سلوى، ببطنها المنتفخ وملامحها المتعبة، تواجه أشرف الذي كان يرتدي قميصًا غير مكوي، وعلامات الغضب بادية على وجهه.

"يا سلوى، خلاص بقى! أنا قلت هتخلفي وتعقلي، بس اللي في طبع... استحالة يتغير!" صرخ أشرف بصوتٍ عالٍ يملؤه اليأس، ولوّح بيده في الهواء. "البيت ده زي الزفت لو أمك ما جتش تلمه! ولا البنت كمان مهتمة بيها! ليال دي بقالها يومين يا دوب بتاكل، وشكلها دبلان!" ثم أضاف بنبرةٍ أكثر مرارة، "ولا مهتمة بيا أنا كمان!"

حاولت سلوى أن تدافع عن نفسها بصوتٍ خافتٍ بالكاد يُسمع، وقد بدأت الدموع تتجمع في عينيها. "يا أشرف، ما أنا حامل وتعبانة، مش قادرة أعمل كل حاجة!"

"تعبانة إيه بس؟" قاطعها أشرف بحدة، وهو يمسك بقميصٍ آخر من على ظهر كرسي الطعام، يجده هو الآخر غير مكوي. "طب دلوقتي أروح شغلي إزاي؟ لا في هدوم مكوية ولا حتى نضيفة! أروح بالترنج يعني؟ ولا حتى بتحضري فطار زي البني آدمين! كل يوم أفطر في الشغل زي الغريب!" كانت كلماته أشبه بالسياط التي تلهب روح سلوى، التي شعرت بالعجز أمام غضب زوجها المستمر.

......

على صوت الصراخ الذي ارتفع من الطابق العلوي، تبادل سليمان وفريال النظرات في شقتهما الهادئة نسبيًا، حيث كانت فريال قد انتهت للتو من إعداد الفطور. كان سليمان يقرأ الجريدة، بينما تستمع فريال إلى تلاوة خافتة للقرآن من مذياع صغير. صوت الشجار كان كافيًا ليزعج هدوء الصباح المعتاد.

"هو إيه ده؟ هو كل يوم على الصبح؟" تمتم سليمان وهو يضع الجريدة جانبًا، وعلامات الضيق على وجهه.

تنهدت فريال بعمق، وقد بدت عليها علامات الإرهاق النفسي من تكرار هذا المشهد. "يا ربى، أنا زهقت. بقالهم سنين على الحال ده. ربنا يهديهم."

"لازم نطلع نشوف فيه إيه، ماينفعش كده،" قال سليمان وهو ينهض ببطء، وتتبعه فريال بوجعٍ في قلبها. كانت تعلم جيدًا أن المشكلة أعمق بكثير من مجرد إهمال البيت، فبين جدران شقة أشرف وسلوى، يكمن سرٌ كبير يضغط على سلوى، ويثقل على فريال، سرٌ يجعلها عاجزة عن التدخل بفاعلية، ويزيد من إحساسها بالذنب تجاه ليال الطفلة البريئة.

صعد سليمان وفريال السلم ببطء، ليجدا باب شقة أشرف وسلوى مفتوحًا قليلاً، وصوت الشجار لا يزال يتردد بقوة من الداخل. دخل سليمان أولًا، وعلى وجهه علامات الاستياء الواضحة. "إيه الصوت العالي ده على الصبح؟ ما يصحش كده يا أشرف، يا سلوى! الجيران هيقولوا إيه؟"

توقف أشرف عن الصراخ، لكن نظراته بقيت حادة. "يا بابا، مش عارف أعمل إيه. كل يوم نفس الموال! البيت مقلوب، والبنت مش لاقية اهتمام، وأنا رايح شغلي من غير فطار ولا هدوم نضيفة!"

تدخل سليمان في محاولة لتهدئة الأجواء وإيجاد حل سريع. "انزل خد قميص مكوي من عندي، وافطر معانا تحت يا ابني."

استجاب أشرف، الذي كان يرغب في إنهاء هذا الشجار، ونظر إلى والده بعلامات الامتنان. "حاضر يا بابا، حاضر." وأخذ ينزل السلالم خلف والده، تاركًا سلوى وحدها مع والدتها فريال.

تقدمت فريال بهدوء نحو سلوى، التي كانت تبكي بصمتٍ، وعيناها تتجنبان نظرات فريال. "يا سلوى يا بنتي، الحمل بيتعب، بس ده مش معناه إن الدنيا تقف. لازم تشوفي بيتك وزوجك، وكمان ليال... ليال محتاجة اهتمامك، البنت ضعفت خالص." قالتها فريال بنبرة حانية، ولكنها تحمل توبيخًا مبطنًا، فهي تعلم تمامًا السبب الحقيقي وراء إهمال سلوى للطفلة، ولا تستطيع البوح به.

نظرت سلوى إلى الأرض، متمتمة، "حاضر يا خالتي، هحاول."

تنهدت فريال بعمق، وتابعت بنبرة حاسمة، "متخلنيش أندم إني جوزتك ابني يا سلوى. حاولي تخلي بالك من بيتك. هاتي البنت، هاخدها أفطرها معايا تحت."

قبل أن تعترض سلوى، قامت فريال بسحب ليال بلطفٍ من ركنها، حيث كانت الطفلة تجلس بصمتٍ، تبدو عليها علامات الإرهاق والحزن في عينيها الصغيرتين.

شعرت فريال بوخزٍ في قلبها، فليال كانت ضحية هذا السر الكبير، وسلوى تبتعد عنها شيئًا فشيئًا مع حملها الجديد. كل ما تستطيع فريال فعله هو الصمت، والأمل في أن تخفي الأيام القادمة هذا السر بعمق أكبر، وأن لا تتأثر ليال أكثر مما هي عليه. نزلت فريال وهي تحمل ليال، التي التفتت بذراعيها الصغيرتين حول رقبة جدتها، وكأنها وجدت أخيرًا بعض الدفء والأمان.

بعد أن رحلت فريال وليال، جلست سلوى على أقرب كرسي، تشعر بثقلٍ لا يطاق. تنهدت بعمق، فقد شعرت بالراحة من مغادرة ليال، وفي نفس الوقت بالضيق من تدخل فريال. "يا رب، الحمل ده مبهدلني، ومش عايزة أعمل أي حاجة... بس هي كمان معاها حق." همست لنفسها، عيناها تحدقان في الفوضى من حولها.

........

في ذات الوقت، وفي الطابق الثالث، كانت الأجواء مختلفة تمامًا، وكأنها عالمٌ آخر يفصله عن صخب الشجار بضعة أمتار وسلالم قليلة. في شقة كرم وعلياء، كانت الشمس تتسلل عبر النافذة لتنير المطبخ الصغير النظيف الذي يفوح منه عبير القهوة. جلس كرم على طاولة الإفطار الخشبية يتناول فطوره بهدوء، بينما كانت علياء منهمكة في إعداد كوب القهوة الصباحي، وجهها المبتسم يعكس راحة البال. الصغير عمر، بملابسه الزاهية، كان يجلس في كرسيه المخصص للأطفال، يقهقه وهو يلعب ببقايا طعامه على الصينية أمامه.

على الرغم من الهدوء في شقتهما، لم يتمكن كرم من الهروب من أصوات الشجار القادمة من الأسفل. "يا ربي، هو كل يوم الصداع ده؟" تمتم كرم بضيق وهو يفرك صدغيه.

خرجت علياء من المطبخ وهي تحمل كوب القهوة البخاري، وقدمته لكرم بابتسامة. "معلش يا كرم، أكيد سلوى تعبانة من الحمل... أنا بفكر أخد ليال اهتم بيها مع عمر. البنت شكلها بيتغير خالص." قالت علياء بنبرة تحمل قلقًا حقيقيًا على ليال.

نظر كرم إلى علياء بجدية. "لا طبعًا! اهتمامك لابنك وبس. سلوى الواحد ما يدخلهاش في حاجة. دي لسانها متبري منها، وما بتكبرش لحد! بصراحة، أنا من الأول ما كنتش موافق على سلوى، لكن أمي ضغطت على أشرف عشان يتجوزها، بتقول بنت أختها وتربية إيديها وبتحبه." قال كرم ذلك بمرارة، متذكرًا كيف كان زواج أشرف وسلوى نتيجة إلحاح والدته التي كانت تحب ابنة أختها بشدة. ثم نهض كرم، واقترب من عمر وقبّله على رأسه بحنانٍ بالغ. "أنا ماشي يا حبيبتي، عايزة حاجة؟"

"سلامتك يا حبيبي،" أجابت علياء بهدوء، وهي تودعه عند الباب، وقلبها لم يزل مع ليال التي تسمع صراخ أبويها كل صباح.

.........

في الطابق الأول، في غرفة معتز التي كانت لا تزال تحتوي على بعض مقتنياته  الجامعية، استيقظ الشاب على صوت الشجار المتصاعد. فتح عينيه ببطء، وتأفف وهو يقلب جسده في السرير.

"يا ربي، هو كل يوم؟ دول مظبوطين ولا المنبه؟" قال معتز لنفسه بنبرة ساخرة، فقد اعتاد على هذه الأصوات الصباحية التي تحل محل المنبه في إيقاظه.

نهض من سريره، وتثاءب، ثم دخل الحمام ليجهز نفسه قبل أن يتناول فطوره مع والديه، ثم يتوجه إلى جامعته ليبدأ يومه بعيدًا عن هذه الأجواء المشحونة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ليال

المؤلف Angel
2025/11/17 مكتملة
قائمة الفصول (32)
الفصل 1: بداية الاسرار
2025/11/17
الفصل 2: رضاعة
2025/11/17
الفصل 3: صدى الخلافات
2025/11/17
الفصل 4: صباح ثقيل
2025/11/17
الفصل 5: تاليا تصل ... وليال تهمل
2025/11/17
الفصل 6: تاليا تتألق...وليال تتلاشى
2025/11/17
الفصل 7: "ماما" اخرى
2025/11/19
الفصل 8: تاليا .... ليال
2025/11/19
الفصل 9: تباين
2025/11/19
الفصل 10: أين مكانى؟!
2025/11/19
الفصل 11: مواجهة جديدة
2025/11/19
الفصل 12: غرفة الاحلام
2025/11/19
الفصل 13: الفرح
2025/11/19
الفصل 14: تداعيات التهديد
2025/11/19
الفصل 15: مأساة ليال
2025/11/19
الفصل 16: عبء
2025/11/19
الفصل 17: صرخة
2025/11/19
الفصل 18: واقع ...مرير
2025/11/19
الفصل 19: وقاحة بلا حدود
2025/11/19
الفصل 20: عودة الضحة
2025/11/19
الفصل 21: نضوج مبكر
2025/11/19
الفصل 22: صراع الكليات
2025/11/19
الفصل 23: ملاحظات تتراكم
2025/11/19
الفصل 24: بحث عن الحقيقة
2025/11/19
الفصل 25: بداية الحرب
2025/11/23
الفصل 26: القنبلة تنفجر
2025/11/23
الفصل 27: كشف المستور
2025/11/23
الفصل 28: ثقل السر
2025/11/23
الفصل 29: حقد مستعر
2025/11/23
الفصل 30: الحقيقية المرة
2025/11/23
الفصل 31: بداية جديدة ١
2025/11/23
الفصل 32: بداية جديدة ٢
2025/11/23

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة