تاليا تصل ... وليال تهمل

تاليا تصل ... وليال تهمل

16 0

الفصل الخامس: تاليا تصل ..... وليال تُهمل

في غرفة المستشفى، استيقظت سلوى من تأثير المخدر، جسدها منهك وعقلها يصارع لاستيعاب ما حدث. دخلت عليها فريال وعايدة بوجوه تحمل مزيجًا من القلق والارتياح.

"حمد لله على سلامتك يا بنتي،" قالت عايدة وهي تربت على يد سلوى.

"الله يسلمك يا ماما. البنت... البنت عاملة إيه؟" سألت سلوى بصوتٍ واهن، وكان الخوف من تكرار تجربة سابقة يسيطر عليها.

جلست فريال بجانب السرير. "الحمد لله، هي بخير يا سلوى، بس اتولدت بدري شوية، ووزنها قليل. هتقعد فترة في الحضانة لحد ما تقوى."

شعرت سلوى ببعض الارتياح، لكن خبر الحضانة ألقى بظلاله على فرحتها. "يعني كويسة بجد يا خالتي؟ مش زي..." بدأت سلوى كلماتها بتوتر، لكنها توقفت قبل أن تكمل جملتها، ونظرت إلى فريال وعايدة بنظرة مليئة بالمعاني الخفية، وكأنها تستعيد شبح الماضي الأليم.

"أيوه يا بنتي، كويسة وهتبقى زي الفل إن شاء الله. بس محتاجة رعاية واهتمام،" أجابت فريال بنبرة حازمة، وكأنها توجه رسالة غير مباشرة لسلوى بضرورة الاهتمام بالطفلة الجديدة، على عكس ما حدث مع سابقتها.

............》》》

بعد أيام قليلة، عندما بدأت سلوى تستعيد عافيتها، جاء وقت اختيار الاسم للمولودة الجديدة. كانت هذه المرة، سلوى مصممة على اختيار اسم مختلف، اسم يشعرها بالبداية الجديدة، بعيدًا عن أي ذكريات أو ارتباطات سابقة.

"أنا عايزة أسميها تاليا،" قالت سلوى بحماسٍ لأشرف الذي كان يزورها في الغرفة، وجهه يبدو أقل توترًا الآن.

"تاليا؟ اسم حلو يا حبيبتي،" أجاب أشرف بابتسامة باهتة، سعيدًا بأن سلوى بدت أكثر إيجابية، وربما هذا الاسم الجديد يحمل معاني أفضل.

وبالفعل، سُجّلت الطفلة باسم تاليا.

ومع مرور الأيام في المستشفى، وبعد أن تأكد الأطباء من أن تاليا بخير وستكون بصحة جيدة بعد خروجها من الحضانة، شعرت سلوى بفرحة غامرة لم تشعر بها مع ليال. كانت تاليا تمثل لها فرصة حقيقية لبداية جديدة، بعيدًا عن الخلافات مع أشرف وعن شبح السر الذي يطاردها، وكأنها تُعلي من شأن هذا المولود الجديد على حساب الماضي.

...............》》》

عادت سلوى إلى المنزل، وعادت معها ليال من شقة فريال. لكن عودة سلوى لم تحمل معها الاهتمام الذي كانت ليال بحاجة إليه. بالعكس، فمع انشغال سلوى بـتاليا، التي ما زالت في الحضانة وتتطلب زيارات يومية ومتابعة دقيقة، أصبحت ليال مهملة أكثر من ذي قبل.

كانت سلوى تقضي ساعات طويلة في المستشفى بجانب تاليا، وعندما تعود إلى المنزل، تكون منهكة جسديًا ونفسيًا. "معلش يا ماما، مش قادرة،" تقول لعايدة التي كانت لا تزال معها في الشقة، وهي تشير إلى ليال التي تجلس وحيدة في ركن الغرفة، تلعب بألعابها بصمتٍ، أو تحاول لفت الانتباه ببكاء خافت سرعان ما يتوقف. عيناها الصغيرتان كانتا تعكسان حزنًا عميقًا، وكأنها تستوعب بطفولتها البريئة أنها لم تعد مرغوبة كما كانت.

أصبحت ليال تقضي معظم وقتها إما مع عايدة، أو تنزل إلى شقة فريال التي كانت تستقبلها بحنان وتطعمها وتلاعبها. لاحظت فريال بقلبٍ يعتصره الألم كيف أن ليال تزداد نحافة، وكيف أن عينيها الصغيرتين تحملان نظرة حزينة وكأنها تبحث عن شيء مفقود. كانت سلوى تتحدث عن تاليا بحب وشغف، بينما بالكاد تلتفت إلى ليال.

"يا سلوى، ليال برضه محتاجة اهتمامك،" تقول فريال لسلوى في إحدى زياراتها، بينما كانت سلوى تتحدث عن آخر تطورات تاليا في الحضانة.

"يا خالتي، ما أنا تعبانة، ومتابعة تاليا دي لوحدها حكاية. وماما عايدة بتخلي بالها منها،" تجيب سلوى بلا مبالاة واضحة، وكأنها تبرر إهمالها بعبء رعاية المولودة الجديدة، وبلا أدنى شعور بالذنب تجاه ليال.

............》》》

في الطابق الثالث، كان المشهد مختلفًا تمامًا. في شقة كرم وعلياء، كانت الحياة تدور حول عمر، الذي كبر قليلاً وأصبح يخطو خطواته الأولى، يملأ المكان بضحكاته البريئة وحركاته النشيطة. كانت علياء تعتني به بحبٍ وشغف، حرصًا على كل تفاصيل يومه من طعام ونوم ولعب. كانت الشقة دائمًا مرتبة ونظيفة، تعكس هدوء واستقرار حياتهما.

سمعت علياء بخبر ولادة سلوى المبكرة، وشعرت بقلقٍ خفي على الطفلة المولودة، وعلى ليال أيضًا التي كانت تراها تتأثر بإهمال سلوى لها. كانت تلاحظ ليال كلما نزلت إلى شقة فريال أو رآها كرم.

"يا علياء، كفاية بقى! مالكيش دعوة بسلوى وبنتها،" يقول كرم أحيانًا عندما يرى علياء تفكر في ليال. "إحنا في حالنا، وهما في حالهم." هو لا يريد تعقيدات أو مشاكل مع شقيقه وزوجته.

لكن قلب علياء كان يرفض أن يقبل ذلك. كانت ترى في ليال شيئًا يجذبها، حنانًا فطريًا يتجه نحوها دون إرادة منها، شعورًا غريبًا بالارتباط.

وفي يومٍ من الأيام، بعد أن عادت سلوى إلى المنزل وتزايد إهمالها لليال، وجدت علياء نفسها لا تستطيع مقاومة رغبتها في رؤية ليال والاطمئنان عليها.

نزلت إلى شقة فريال، حيث كانت ليال تقضي معظم وقتها. عندما رأت ليال، كانت الطفلة تجلس على الأرض، تبدو أكثر شحوبًا وضعفًا من ذي قبل. اقتربت علياء منها، وحملتها، وبدأت تلاعبها وتطعمها قطعًا صغيرة من الفاكهة كانت قد أعدتها لعمر.

كانت فريال تراقب المشهد بصمتٍ، وعيناها تحملان نظرة حزينة. حنان علياء تجاه ليال كان يذكرها كل لحظة بالسر الذي يُثقل كاهلها.

"يا علياء، متتعبيش نفسك يا بنتي،" قالت فريال بهدوء، وهي تلاحظ كيف تهتم علياء بليال.

"أبداً يا ماما فريال، ليال زي عمر بالظبط، ما بحسش بفرق،" قالت علياء بعفوية، غير مدركة للمعنى العميق لكلماتها. "قلت لكرم ألف مرة، آخد ليال تعيش معانا هنا، بس هو رافض تمامًا."

تنهدت فريال بعمق، ونظرت إلى ليال في حضن علياء، ثم إلى عمر الذي كان يلعب بجوارهما. "ربنا يهدي النفوس يا بنتي. ليال... ليال أمها تهتم بيها." كانت هذه هي الإجابة الوحيدة التي تستطيع فريال أن تقدمها، وهي تعصر قلبها، وتتمنى لو أن السر لم يكن موجودًا لتعيش هذه الطفلة البريئة في حضن أمها الحقيقية التي تحبها من كل قلبها.

وهكذا، ازدادت الفجوة بين الأختين في المنزل، وزاد معها إحساس ليال بالوحدة والإهمال، بينما كانت الأيدي التي يمكن أن تحتضنها بحق ممنوعة من فعل ذلك بسبب سرٍ دفين يهدد استقرار العائلة بأكملها .

............》》》

بعد أسابيع من الانتظار والقلق، جاء اليوم الذي طالما تمنته سلوى: خروج تاليا من الحضانة.

كانت المستشفى مكانًا كئيبًا بالنسبة لها، ورؤية طفلتها الصغيرة بين الأجهزة كانت تُثقل روحها. اليوم، ستعود تاليا إلى المنزل، إلى دفء العائلة، وهذا بحد ذاته كان كافيًا ليمحو كل أثر للتعب من وجه سلوى وعايدة .

في صباح يوم الخروج، كانت الفرحة تملأ شقة أشرف وسلوى في الطابق الثاني. عايدة كانت قد وصلت مبكرًا، تُرتب وتُعيد ترتيب غرفة النوم التي ستستقبل الأم وطفلتها. كانت الغرفة نفسها قد شهدت تحولًا ملحوظًا؛ ففي ركنٍ منها، وُضع سرير أبيض صغير مزين بالدانتيل، جاهز لاستقبال تاليا. على الجانب الآخر، كانت الألوان الزاهية لملابس الأطفال الجديدة تتدلى من علاقات صغيرة، بينما تبعثرت الألعاب الناعمة حول السرير، في انتظار أن تلامسها أيادي صغيرة.

"يا بنتي، إيه الجمال ده؟ شكلها هتبقى زي الأميرات!" قالت عايدة بسعادة، وهي تُعلق فستانًا ورديًا صغيرًا.

ابتسمت سلوى، وجهها يشع فرحًا لم يُرَ عليها منذ زمن. "يا ماما، دي تاليا،  اميرتى الحلوة ... لازم كل حاجتها تكون أحلى حاجة !"

..............》》》

مع قدوم تاليا، كان لا بد من إجراء بعض التعديلات في المنزل. أصبحت غرفة النوم الرئيسية مخصصة للأم والطفلة الجديدة. هذا يعني أن مكان ليال، الذي كان مجاورًا لسرير والديها، يجب أن يتغير.

"يا سلوى، ليال مش هتنام معانا خلاص؟" سأل أشرف بحيرة وهو يرى عايدة تلملم ألعاب ليال وملابسها المتواضعة من زاوية الغرفة.

"لأ يا أشرف، تاليا هتبقى محتاجة مكان جنبنا. ليال كبرت، وعندها غرفة الأطفال بتاعتها هناك،" أجابت سلوى ببرود، وهي تشير إلى الغرفة البعيدة نسبيًا في نهاية الممر.

غرفة الأطفال تلك كانت أكثر برودة وأقل إضاءة، تُستخدم عادة لتخزين بعض الأغراض الزائدة، ولم تكن مهيأة بشكل كامل لطفلة صغيرة. ومع ذلك، نُقلت أغراض ليال القليلة إليها، ووُضع سريرها الصغير في ركنها، وكأنه نفي صامت.

ليال نفسها، بعينيها الواسعتين اللتين تعكسان الكثير من الحيرة والحزن، كانت تراقب المشهد دون أن تنطق بكلمة، تشعر بحدسها الطفولي بأن شيئًا ما يتغير في حياتها، وأن مكانها في هذا المنزل أصبح أبعد وأقل دفئًا.

بعد أيام قليلة من عودة تاليا، كانت سلوى متحمسة جدًا للاحتفال بمولودتها الجديدة بطريقة تليق بها.

"ماما، لازم نعمل سبوع لتاليا! حفلة كبيرة، ونجيب كل قرايبنا وحبايبنا!" قالت سلوى لعايدة بحماسٍ زائد.

"أيوه يا حبيبتي، ده أحسن حاجة. لازم نفرح ببنتك،" وافقتها عايدة، وهي ترى في ذلك فرصة لترسيخ مكانة تاليا في العائلة.

بدأت الاستعدادات لـ سبوع تاليا. دُعيت العائلة بأكملها: سليمان وفريال، كرم وعلياء وعمر، ومعتز،  ونورا اخت اشرف وزوجها واولادها بالإضافة إلى الأصدقاء والجيران. كانت سلوى وعايدة تختاران الزينة، الحلويات، والاغانى، كل شيء كان يجب أن يكون مثاليًا لهذه المناسبة. الفرحة كانت طاغية في شقة سلوى، وكأنها تُغطي على أي شعور بالذنب تجاه ليال التي أصبحت مجرد ظل في هذا المنزل، شاهدة صامتة على احتفال لم تشارك فيه، وعلى ميلاد طفلة أخذت منها ما تبقى لها من اهتمام الأمومة.

في زاوية من الغرفة، كانت ليال تجلس، ترتدي فستانًا عاديًا، تراقب الكبار وهم يستعدون للحفل. عيناها تابعت ملابس تاليا الجديدة، وألعابها اللينة، وشعرت بوخزٍ في قلبها الصغير. هذا الاحتفال لم يكن لها، وهذا الحب لم يُوجه إليها. كانت تاليا قد بدأت حياة جديدة مليئة بالحب والاهتمام، بينما ليال كانت تتراجع أكثر فأكثر إلى زوايا الإهمال.

متنسوش الفوت ✨️

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ليال

المؤلف Angel
2025/11/17 مكتملة
قائمة الفصول (32)
الفصل 1: بداية الاسرار
2025/11/17
الفصل 2: رضاعة
2025/11/17
الفصل 3: صدى الخلافات
2025/11/17
الفصل 4: صباح ثقيل
2025/11/17
الفصل 5: تاليا تصل ... وليال تهمل
2025/11/17
الفصل 6: تاليا تتألق...وليال تتلاشى
2025/11/17
الفصل 7: "ماما" اخرى
2025/11/19
الفصل 8: تاليا .... ليال
2025/11/19
الفصل 9: تباين
2025/11/19
الفصل 10: أين مكانى؟!
2025/11/19
الفصل 11: مواجهة جديدة
2025/11/19
الفصل 12: غرفة الاحلام
2025/11/19
الفصل 13: الفرح
2025/11/19
الفصل 14: تداعيات التهديد
2025/11/19
الفصل 15: مأساة ليال
2025/11/19
الفصل 16: عبء
2025/11/19
الفصل 17: صرخة
2025/11/19
الفصل 18: واقع ...مرير
2025/11/19
الفصل 19: وقاحة بلا حدود
2025/11/19
الفصل 20: عودة الضحة
2025/11/19
الفصل 21: نضوج مبكر
2025/11/19
الفصل 22: صراع الكليات
2025/11/19
الفصل 23: ملاحظات تتراكم
2025/11/19
الفصل 24: بحث عن الحقيقة
2025/11/19
الفصل 25: بداية الحرب
2025/11/23
الفصل 26: القنبلة تنفجر
2025/11/23
الفصل 27: كشف المستور
2025/11/23
الفصل 28: ثقل السر
2025/11/23
الفصل 29: حقد مستعر
2025/11/23
الفصل 30: الحقيقية المرة
2025/11/23
الفصل 31: بداية جديدة ١
2025/11/23
الفصل 32: بداية جديدة ٢
2025/11/23

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة