الفصل العشرون: الضحكة تعود... والكلمات تنساب
كانت الأيام التي تلت ذهاب سلوى وتاليا إلى منزل عايدة بمثابة نسمة هواء عليلة في حياة ليال.
تحولت شقة فريال في الطابق الأول إلى ملاذ حقيقي لها، حيث وجدت فيها الدفء، الحنان، والأمان الذي افتقدته طويلًا. أصبحت ليال تقضي يومها بحرية أكبر، لا تُقيدها نظرات سلوى القاسية أو أوامرها المتواصلة.
في الصباح، كانت ليال تستيقظ على رائحة الإفطار اللذيذ الذي تُعده فريال. تجلس على مائدة الطعام المريحة، وتأكل ببطء وهدوء، دون خوف من نظرات اللوم أو التوبيخ. بعد الإفطار، كانت تذهب إلى غرفتها المخصصة في شقة الجدة. الغرفة التي كانت شاهدة على الكثير من دموعها، أصبحت الآن مسرحًا لضحكاتها الخافتة وألعابها البريئة. كانت ترتب ألعابها بنفسها، لكن هذه المرة برغبة داخلية، لا خوفًا من عقاب.
.................
شيئًا فشيئًا، بدأت حواجز الصمت التي بنتها سلوى حول ليال تتكسر. عادت ضحكات ليال الخافتة تُسمع في أرجاء شقة فريال. وعندما ينزل عمر وسليم، أبناء علياء وكرم، لزيارة جدتهم، كانت ليال تُشاركهم اللعب بحماس. كانت أصواتهم تملأ الصالون الفسيح الذي تتدفق فيه أشعة الشمس من الشرفة الكبيرة. كانوا يلعبون بألعابهم، يتبادلون القصص، وتنساب الكلمات من ليال بسهولة أكبر.
"عمر، شوف، عملت البيت ده إزاي!" تقول ليال وهي تُشير إلى بناء صغير من المكعبات، بينما عمر يُثني عليها بحماس، وسليم يُضحكهم بحركاته العفوية.
لم تقتصر حرية ليال على شقة فريال. كانت تُحب صعود الدرج إلى شقة منة ومعتز في الطابق الرابع. كانت منة تستقبلها بابتسامة دافئة، وتُقدم لها الحلوى، وتجلس معها وتستمع إليها باهتمام.
"إزيك يا ليلو عاملة إيه؟" تقول منة وهي تُحتضن ليال.
"كويسة يا طنط منة،" تجيب ليال بابتسامة، وتشعر بالراحة وهي تتحدث مع منة التي تُعاملها بلطف بالغ.
كان معتز بدوره يُولي ليال اهتمامًا خاصًا، يسألها عن دراستها ويُقدم لها المساعدة في واجباتها. كانت هذه التفاعلات تُعزز ثقة ليال بنفسها وتُشجعها على التعبير عن ذاتها.
أما أشرف، فقد بدأ يُلاحظ التغيير في روتين حياته وفي حالة ليال. كانت الشقة في الطابق الثاني تظل مرتبة ونظيفة تمامًا حتى في غياب سلوى . هذا الأمر أثار تساؤلات خفية في ذهنه.
"هو البيت بيفضل متروق كده إزاي؟" تمتم أشرف لنفسه في أحد الأيام وهو يغادر الشقة صباحًا، ثم نظر إلى ليال التي كانت تنتظره بهدوء بجانب الباب.
كان يأخذ ليال معه وهو نازل إلى الطابق الأول لتذهب إلى فريال، وعند عودته من العمل في المساء، يصحبها لتنام في شقتهما. لاحظ أن ليال أصبحت أكثر بهجة وانفتاحًا في هذه الفترة. ضحكتها التي كانت شبه غائبة أصبحت تُسمع أحيانًا، وعيناها تلمعان ببريق لم يره منذ فترة طويلة.
"بابا، أنا حبيت القصة دي أوي، مكن نقرأها تانى" قالت ليال ذات يوم وهي تُمسك بكتاب قصة أطفال، تُظهره لأشرف بحماس غير معتاد. ابتسم أشرف، وشعر ببعض الراحة لرؤية ابنته تستعيد جزءًا من طفولتها.
لم يكن أشرف يعلم الحقيقة الكاملة وراء هذا التحول، ولا السر الذي كان يُقيد سلوى ويُلقي بظلاله على ليال. لكن الملاحظات المتكررة لترتيب المنزل في غياب زوجته، وسعادة ليال الظاهرة في فترة غياب سلوى، بدأت تزرع بذور الشك والتساؤل في عقله، حول الكيفية التي كانت تُدار بها الأمور في المنزل عندما كانت سلوى موجودة.
...................》》》《《《 ......................
في منزل عايدة، كانت الأجواء صاخبة ومزدحمة بتحضيرات زفاف مروة. كانت سلوى غارقة في التفاصيل، تُساعد والدتها في كل كبيرة وصغيرة، وتُشرف على تجهيز تاليا التي كانت ستشارك العروسة في بعض فقرات الحفل.
لم تُفكر سلوى لحظة في شراء فستان فرح لـليال. جلبت لتاليا فستانًا أبيض صغيرًا مُطرزًا، يُشبه فستان العروس، بينما لم تُحضر لليال سوى فستان عادي من ملابسها اليومية. لكن فريال، التي كانت تُراقب المشهد بصمت من بعيد، لم تستطع أن ترى حفيدتها تُحرم من بهجة المناسبة.
في أحد أيام التسوق، اصطحبت فريال ليال إلى محل ملابس أنيق في أحد المراكز التجارية المزدحمة. اختارت لها فستانًا أزرق فاتحًا جميلًا، بسيطًا لكنه أنيق، ومناسبًا لعمرها، وإن لم يكن فستان فرح براق.
"ده هيبقى عليكي أحلى يا حبيبتي،" قالت فريال وهي تُمسد على شعر ليال، التي ابتسمت بخجل وسعادة.
جاء يوم الزفاف. قاعة الفرح كانت مزينة بالورود والأضواء، وتملأها أصوات الموسيقى والضحكات. حضرت العائلة بأكملها، فلقد كان زفاف ابنة خالتهم. تاليا كانت تقف بفخر أمام العروسة، مرتدية فستانها الأبيض الصغير، تشبه العروسة في بهائها، وتُشاركها بعض الرقصات الخفيفة وسط تصفيق الحضور. كانت سلوى تُراقبها بفخر، وتُقدمها للضيوف.
أما ليال، فكانت تجلس بهدوء بجانب جدتها فريال على إحدى الطاولات في زاوية القاعة. فستانها الأزرق الأنيق كان يبدو جميلًا عليها، لكن عينيها كانت تراقبان المشهد ببعض الحزن والصمت. حتى سلوى، عندما كانت تُسلم على الأقارب والضيوف، كانت تُصافح الكل بحرارة، لكنها لم تُلقِ بالًا لليال، وكأنها غير موجودة. كانت ليال تُفضل البقاء بجانب فريال، تشعر ببعض الأمان في حضورها.
بعد انتهاء الفرح، عادت سلوى والبنات إلى المنزل. ومع عودتهن، عاد روتين حياة ليال إلى ما كان عليه قبل فترة غياب سلوى المؤقتة. عادت الأوامر، وعادت المهام المنزلية التي لا تنتهي.
...................》》》《《《 ......................
مضت السنون، وكبرت ليال قليلاً، وتزايدت الأعباء على عاتقها. لم تعد مجرد منظفة أو مُساعدة، بل أصبحت ربة منزل صغيرة. علمتها سلوى كيف تطبخ الأطباق البسيطة، وكيف تُشغل البوتاجاز بحذر، تُحضر الوجبات لأختها وأمها. أصبحت ليال مسؤولة عن جزء كبير من إدارة المنزل، بينما كانت تاليا تُقضي وقتها في اللعب أو تصفح هاتفها الذكي الذي لا يُفارق يدها. سلوى نفسها كانت تُشاهد التلفاز أو تتصفح هاتفها، لا تُبالي بما يحدث في المطبخ أو في باقي أرجاء الشقة.
ذات يوم، لاحظ أشرف ليال وهي منهمكة في أعمال المطبخ، بينما تاليا تلعب بهاتفها بجانبها.
"إيه يا سلوى؟ طول الوقت ليال هي اللي بتعمل كل حاجة في البيت،" قال أشرف مستنكرًا.
نظرت سلوى إليه ببرود، وقالت بلامبالاة: "إيه يا أشرف؟ بتساعد أمها، فيها إيه؟"
"طب تاليا مش بتساعد ليه؟" سأل أشرف، وعيناه تُثبتان على سلوى.
"تاليا ما بتعرفش تعمل كل ده زي ليال... بس حاضر، هخليها تساعدها،" أجابت سلوى بضيق، وهي تُحاول إنهاء النقاش، لكنها لم تكن تنوي تنفيذ وعدها.
...................》》》《《《 ......................
خلال هذه السنوات التي مرت، شهدت العائلة توسعًا. منة كانت قد أنجبت ولدين جميلين، سمتهما سيف وفارس، فأضافا بهجة جديدة إلى الطابق الرابع. علياء بدورها، أنجبت طفلة صغيرة، أسمتها يارا، مما زاد من دفء شقتها في الطابق الثالث.
أما سلوى، فقد أنجبت ولدًا جديدًا. أطلقت عليه اسم أمير، وكان بالفعل "أميرها الصغير". نال نفس الدلع الزائد والاهتمام المطلق الذي كانت تُوليه لـتاليا. قامت بتجهيز غرفة له في الشقة، تُضاهي في فخامتها غرف الأمراء الصغار، وكأنها لم تُعاني قط سوى من إنجاب ليال. زادت الأعباء على ليال، التي أصبحت الآن مسؤولة عن شقيقها الصغير أمير وايضا تاليا، بالإضافة إلى مهام المنزل التي لا تنتهي، في ظل غياب أي اهتمام أو تقدير من سلوى.
رأيكم......وفوت ⭐️
و متنسوش كومنتات كتير ❤️ ❤️ ❤️ ❤️ ❤️
Angel