تاليا .... ليال

تاليا .... ليال

14 0

الفصل الثامن: تاليا: محور الكون... وليال: في الظل

مع اقتراب موسم المدارس، امتلأت شوارع القاهرة باللوحات الإعلانية للمدارس المختلفة، وبدأت الأمهات في رحلة البحث عن أفضل تعليم لأبنائهن. في الطابق الثالث، كانت علياء منهمكة في هذه المهمة. كانت حريصة على مستقبل عمر، الذي بلغ سن الالتحاق بالمدرسة.

في صباح أحد الأيام، توجهت علياء وعمر إلى مدرسة خاصة مرموقة في حي هادئ. كانت المدرسة تتميز بحديقة واسعة، وفصول دراسية مشرقة، وملاعب مجهزة. دخلت علياء مكتب المديرة، الذي كان يفوح منه عبير الكتب الجديدة والأوراق.

"صباح الخير يا فندم، أنا جاية أقدم لابني عمر،" قالت علياء بابتسامة هادئة.

"أهلاً وسهلاً يا مدام،" ردت المديرة بلباقة، وهي تُقلب في الأوراق. "ابنك في سن الروضة، صح؟"

"أيوه يا فندم،" أجابت علياء.

أنهت علياء إجراءات التقديم لعمر، وشعرت بالرضا لأنها اختارت له أفضل مكان ممكن، حيث سيحظى بالرعاية والتعليم الجيد.

............ ...............  》》》

في المقابل، في الطابق الثاني، كانت سلوى غارقة في عالم تاليا الخاص بها. لم يخطر ببالها أن ليال قد بلغت سن الالتحاق بالمدرسة. كانت تاليا هي محور اهتمامها الوحيد، وكل ما عداها كان يمر مرور الكرام.

في أحد الأيام، وبعد أن اكتشفت فريال أن ليال لم تُقدم للمدرسة، واجهت أشرف بجدية.

"يا أشرف، هو إزاي ليال لغاية دلوقتي ماقدمتش فى مدرسة؟ البنت كبرت وبقيت فى سن دخول! إزاي نسيتوا حاجة زي دي؟"

شعر أشرف بالصدمة والذنب، ووجهه احتقن بالغضب. لم يكن الأمر مجرد نسيان، بل كان إهمالًا واضحًا. دخل شقته وهو يغلي.

"إيه ده يا سلوى؟ إزاي ليال لغاية دلوقتي ماقدمتش  فى مدرسة ؟ البنت هتضيع عليها سنة كاملة بسبب إهمالك!" صاح أشرف بصوتٍ عالٍ، لم يعد قادرًا على كتمان غضبه.

نظرت سلوى إليه ببرود. "في إيه يا أشرف؟ إيه الصوت العالي ده؟ هو أنا أعمل إيه يعني؟ أنا كنت تعبانة بحملي، وكمان تاليا كانت في الحضانة ومحتاجة رعاية. مش كل حاجة أنا اللي أعملها!"

"مش كل حاجة؟ دي بنتك يا سلوى! بنتك اللي ضاعت عليها سنة من عمرها عشان سيادتك مشغولة بتاليا وبس! هو أنا اللي كان لازم أفتكر كل التفاصيل؟"

رد أشرف بغضب، وهو يشعر بالإحباط من لا مبالاتها. "معلش، أنا اللي غلطان إني وثقت فيكي. خلاص أنا اللي هقدم لها، حتى لو دخلت متأخر."

وهكذا، مرت سنة كاملة على ليال دون أن تلتحق بالمدرسة. عامٌ ضائع من عمرها التعليمي، بسبب إهمال أمها وانشغال والدها.

............ ...............  》》》

مع حلول العام الدراسي التالي، أصبحت تاليا في سن الالتحاق بالمدرسة. في هذه المرة، لم يكن أمام سلوى مفر من التفكير في تعليم تاليا. وعندما بدأت في إجراءات التقديم لتاليا، تدخلت فريال مرة أخرى.

"يا أشرف، ليال لازم تدخل معاها المدرسة السنة دي،" قالت فريال بجدية.

وافق أشرف على الفور، مصممًا على تدارك الخطأ.

وهكذا، في مشهد غريب، دخلت ليال وتاليا إلى نفس السنة الدراسية. ليال، التي كانت تكبر تاليا بعام كامل، وجدت نفسها تجلس في نفس الفصل الدراسي مع أختها الصغرى.

في أول يوم دراسي، في الفصل المزدحم بالأطفال الصغار، جلست ليال بجانب تاليا. كانت تاليا متحمسة، تتحدث مع الأطفال من حولها، وتُشير إلى الألعاب والألوان في الفصل. أما ليال، فكانت تجلس بصمتٍ، عيناها تراقبان المشهد، وكأنها غريبة عن هذا العالم الجديد. كانت تشعر بثقل السنوات الضائعة، وبأنها دائمًا متأخرة خطوة عن أختها الأصغر.

............ ...............  》》》

مرت الأيام، وتوالت الفصول الدراسية، وبدأت ملامح التباين بين ليال وتاليا تتضح جليًا داخل جدران المدرسة. في الفصل الدراسي المشرق، حيث المقاعد الخشبية مصطفة بانضباط أمام السبورة البيضاء، كانت ليال تُثبت يومًا بعد يوم أنها طالبة مجتهدة.

لم يكن هذا بفضل سلوى، بل بفضل رعاية خفية من بعيد. في شقة فريال وسليمان، كان معتز يلعب دور المعلم المخلص. كل مساء، كانت ليال تجلس بجانبه على طاولة الطعام بعد انتهائه من دراسته الجامعية، وكتابتها الملونة مفتوحة أمامهما.

"شاطرة يا ليال، شاطرة!" يقول معتز بصوتٍ حنون، وهو يُصحح لها كلمة أو يشرح لها فكرة بسيطة.

"شوفي دي، اسمها cat... كرري ورايا."

حتى عمر، ابن علياء، كان له دور في هذا التفوق. عندما كان ينزل لزيارة جدته، كان عمر يساعدها في حل واجباتها المدرسية بابتسامة طفولية، مُشجعًا إياها.

"برافو عليكي يا ليال! سهلة خالص أهي!" يقول عمر بحماس، بينما ليال تبتسم له ابتسامة خجولة تشعرها بقليل من الألفة. هذا الاهتمام الجماعي، القادم من قلب البيت الكبير، كان يُضيء طريق ليال التعليمي، ويجعلها تتفوق رغم كل الظروف.

على النقيض تمامًا، كانت سلوى تُكرس كل وقتها واهتمامها لـتاليا. في الصباح، كانت تاليا ترتدي أجمل الملابس، شعرها مصفف بعناية، وحقيبتها المدرسية الجديدة مُعبأة بأحدث الأدوات، و"اللانش بوكس"  مليئًا بالحلويات والأطعمة الفاخرة. كانت سلوى تُودعها أمام باب المدرسة بابتسامة عريضة، وكأن تاليا هي وحيدتها.

"خلي بالك من نفسك يا تاليا، وكلى سندوتشاتك كلها،" تقول سلوى وهي تُربت على كتفها.

أما ليال، فكانت غالبًا ما تصل إلى المدرسة بملابس عادية، وربما تكون مُبهدلة قليلًا إن لم تُرها فريال قبل خروجها وتُعيد ترتيبها. كانت حقيبتها بسيطة، و"اللانش بوكس" الخاص بها يحوي وجبات متواضعة. كان الفارق بينهما واضحًا للعيان، لا يحتاج إلى كثير من التفكيير.

"دول أخوات بجد؟" همست إحدى الأمهات لأخرى وهي تراقبهما في ساحة المدرسة، "دي شكلها بنت ناس ودي شكلها..." وتركت الجملة معلقة في الهواء، في إشارة واضحة للفرق الطبقي الظاهر عليهما.

............ ...............  》》》

داخل الفصل، بدأ هذا التباين يؤثر على علاقات الطفلتين مع زملائهما. كانت تاليا، بملابسها اللامعة، وشعرها المرتب، وألعابها الجديدة، مركز الانتباه. الأطفال كانوا ينجذبون إليها، يتسابقون للجلوس بجانبها واللعب معها في الفسحة. ضحكاتهم كانت تملأ أرجاء الفصل عندما تكون تاليا معهم.

على الجانب الآخر، بدأت ليال تشعر بالوحدة أكثر فأكثر. الأطفال، بفطرتهم التي تميل إلى المظهر، كانوا يبتعدون عنها. كانت ليال تُحاول أحيانًا أن تشاركهم اللعب، لكنها كانت تُقابل بنظرات باردة أو تجاهل صريح. لم تشعر ليال بالغيرة من تاليا بقدر شعورها بالانزواء، كأنها تتقبل مصيرها كظل لأختها، وكأنها تعلم أن هذا هو مكانها.

حتى تاليا نفسها، بدأت تُظهر هذا الابتعاد. في البداية، كانت تجلس بجانب ليال في الفصل، لكن مع مرور الوقت، ومع زيادة اهتمام زملائها بها، بدأت تاليا تُفضل الجلوس مع صديقاتها "الجديدات".

"تعالي يا تاليا، اقعدي جنبي هنا!" تقول لها إحدى الصغيرات، وتاليا تترك مقعدها بجانب ليال دون تردد، تاركة ليال وحيدة على المقعد، تنظر إلى ظهر أختها الصغيرة التي أصبحت جزءًا من عالم آخر.

كانت المدرسة، التي كان يُفترض أن تكون مكانًا للتعلم والنمو، تُصبح ساحة تُبرز فيها الفجوة العاطفية والاجتماعية بين الأختين، وتُرسخ صورة ليال كطفلة مهملة في نظر الجميع، دون أن يعلم أحد السر الدفين الذي يُحكم هذا التباين القاسي.

فوت بليز 🌟

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ليال

المؤلف Angel
2025/11/17 مكتملة
قائمة الفصول (32)
الفصل 1: بداية الاسرار
2025/11/17
الفصل 2: رضاعة
2025/11/17
الفصل 3: صدى الخلافات
2025/11/17
الفصل 4: صباح ثقيل
2025/11/17
الفصل 5: تاليا تصل ... وليال تهمل
2025/11/17
الفصل 6: تاليا تتألق...وليال تتلاشى
2025/11/17
الفصل 7: "ماما" اخرى
2025/11/19
الفصل 8: تاليا .... ليال
2025/11/19
الفصل 9: تباين
2025/11/19
الفصل 10: أين مكانى؟!
2025/11/19
الفصل 11: مواجهة جديدة
2025/11/19
الفصل 12: غرفة الاحلام
2025/11/19
الفصل 13: الفرح
2025/11/19
الفصل 14: تداعيات التهديد
2025/11/19
الفصل 15: مأساة ليال
2025/11/19
الفصل 16: عبء
2025/11/19
الفصل 17: صرخة
2025/11/19
الفصل 18: واقع ...مرير
2025/11/19
الفصل 19: وقاحة بلا حدود
2025/11/19
الفصل 20: عودة الضحة
2025/11/19
الفصل 21: نضوج مبكر
2025/11/19
الفصل 22: صراع الكليات
2025/11/19
الفصل 23: ملاحظات تتراكم
2025/11/19
الفصل 24: بحث عن الحقيقة
2025/11/19
الفصل 25: بداية الحرب
2025/11/23
الفصل 26: القنبلة تنفجر
2025/11/23
الفصل 27: كشف المستور
2025/11/23
الفصل 28: ثقل السر
2025/11/23
الفصل 29: حقد مستعر
2025/11/23
الفصل 30: الحقيقية المرة
2025/11/23
الفصل 31: بداية جديدة ١
2025/11/23
الفصل 32: بداية جديدة ٢
2025/11/23

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة