صرخة

صرخة

18 0

الفصل السابع عشر: صرخة مدوية... وسجن جديد

مع مرور الأسابيع في الدراسة، بدأت ملاحظة غريبة تسترعي انتباه معلمة ليال وتاليا. كان هناك تشابهٌ كبيرٌ بين خط يد الأختين في الواجبات المدرسية، لدرجة يصعب التمييز بينهما أحيانًا. في أحد الأيام، وأثناء اصطحاب سلوى للبنتين من المدرسة، استوقفتها المعلمة على عتبة البوابة الرئيسية للمدرسة التي كانت تعج بالطلاب وأولياء الأمور.

"مدام سلوى، ممكن أتكلم مع حضرتك دقيقة؟" قالت المعلمة بلطف، وعيناها تُلقيان نظرة سريعة على ليال وتاليا.

"آه طبعًا يا ميس، خير؟" أجابت سلوى بابتسامة مصطنعة.

"أنا بس لاحظت إن خط ليال وتاليا متشابه جدًا في الواجبات، لدرجة إني أحيانًا بتلخبط بينهم. هما بيذاكروا سوا كتير؟" سألت المعلمة بنبرة بريئة، مُحاولة فهم السبب.

تغير وجه سلوى قليلًا، وقالت بابتسامة متوترة:

"آه طبعًا يا ميس، هما أخوات وبيحبوا يذاكروا سوا."

"تمام يا مدام، عن اذنك،" قالت المعلمة، وهي تشعر بأن هناك شيئًا ما غير طبيعي.

...........

عندما وصلت سلوى والبنتان إلى شقتهما في الطابق الثاني، لم تُضيّع سلوى وقتًا. ألقت حقائب المدرسة على الأرض بعنف، ونظرت إلى تاليا وليال بنظرة حادة.

"مين اللي بيعمل واجبات التانية؟" سألت سلوى بصوتٍ خفيض ولكن مليء بالتهديد.

نظرت تاليا إلى ليال بسرعة، ثم بدأت عيناها تمتلئان بالدموع المصطنعة.

"ليال يا ماما... ليال بتخليني أعمل واجباتها... بتقولي لو معملتيش هضربك!" قالت تاليا وهي تُشير بإصبعها إلى ليال، وبدأت تبكي بصوتٍ عالٍ، مُتقنةً دور الضحية.

"أنا؟ لا يا ماما أنا..." حاولت ليال أن تدافع عن نفسها، لكن كلماتها اختنقت في حلقها.

"إخرسي!" صرخت سلوى، وقد اشتعل الغضب في عينيها.

"بتكدبي كمان يا كدابة؟ وبتخلي أختك تعمل واجباتك؟"

لم تنتظر سلوى ردًا من ليال. رفعت يدها وصفعت ليال على وجهها بقوة. كانت الصفعة مدوية، وأعقبها صرخةٌ حادةٌ من ليال، صرخةٌ اخترقت جدران الشقة، واخترقت هدوء العمارة الهادئة. انكمشت ليال على نفسها، ووضعت يدها على خدها المحمر، وعيناها مليئتان بالرعب والألم. شعرت أن عالمها الصغير ينهار، وأن لا مكان آمن لها هنا.

كانت الصرخة قوية لدرجة أنها سمعها كل من في العمارة من النساء.

في الطابق الثالث، كانت علياء، التي كانت تُشرف على مذاكرة ابنها عمر ، تسمع الصرخة وتجمدت في مكانها. نظرت إلى ابنها سليم الذي كان يلعب، وشعرت بقلق مفاجئ. انقبض قلبها وهي تُدرك أن الصوت لم يكن مجرد صراخ طفل عادي.

في الطابق الرابع، كانت منة في شقتها الجديدة، تُرتّب أغراضها، عندما سمعت الصرخة المدوية. انقبض قلبها، وأسرعت إلى الباب لتستمع. لم تتردد لحظة، أسرعت بالنزول.

وفي الطابق الأول، كانت فريال تجلس في صالونها الهادئ تُشاهد التلفاز، عندما اخترقت الصرخة آذانها. انتفضت فريال من مكانها، وعرفت أن شيئًا فظيعًا قد حدث، فقد ميزت صوت صرخة ليال.

اجتمعت النساء الثلاث، فريال، علياء، ومنة، أمام باب شقة سلوى في الطابق الثاني. كانت وجوههن تحمل علامات القلق والصدمة. دقت فريال الباب بقوة، وفتحت سلوى الباب، ووجهها يحمل نظرة تحدٍ وغضب.

"إيه اللي بتعمليه في البنت ده؟" قالت فريال بصوتٍ مرتفع، وهي ترى ليال تقف خلف سلوى، ووجهها أحمر من الصفعة، وعيناها مليئتان بالدموع المترقرقة.

"بنتي وبربيها!" أجابت سلوى ببرود وتحدٍ، وعيناها لا ترمشان.

"وعقابًا ليها كمان، ملهاش نزول تحت لغاية الدراسة الترم ده ما يخلص!"

نظرت فريال وعلياء ومنة إلى بعضهن البعض بصدمة. لم يستطع أحد أن يتكلم. إذا كانت سلوى قد ردت على خالتها بهذا الشكل، فكيف سترد عليهن هن؟ الصمت خيم على المكان، بينما سلوى أغلقت الباب في وجوههن، تاركة ليال حبيسة مع قسوتها.

.............

في وقت لاحق من المساء، عندما عاد الأزواج من عملهم، حكت كل من علياء ومنة لزوجيها ما حدث.

في شقة علياء، حكت لـكرم ما سمعته ورأته، وكيف أن قلبها انقبض خوفًا على الطفلة. رد كرم كان واحدًا، مليئًا بالعجز والقلق:

"ملناش دعوة... إذا كانت ردت على أمي كده، هتسمعلنا إحنا؟" شعر كرم بالضيق والخذلان، لكنه لم يجد حلاً.

وفي شقة منة، حكت لـمعتز عن صرخة ليال وتجمع النساء، وكيف أن ملامح ليال كانت تحمل الرعب. كان رد معتز مشابهًا:

"أنا مش عارف أعمل إيه يا منة. سلوى دي بقت صعبة أوي. لو ردت على ماما كده، هتسمعلنا إحنا؟" تنهد معتز بيأس، وشعر بقلق بالغ على ابنة أخيه.

الجميع شعروا بالعجز أمام قسوة سلوى وتحديها، وبقي مصير ليال معلقًا بين عنف أمها وصمت عائلة تُقيدها الأسرار والخوف من المواجهة. أما ليال، فبعد هذه الصفعة وهذا العقاب، انزوت في غرفتها، وشعرت أن الخوف أصبح رفيقها الدائم.

...................》》》《《《 ......................

بعد الصرخة المدوية التي اخترقت أرجاء العمارة، وتصريحات سلوى المتحدية، تحولت شقة الطابق الثاني إلى ما يشبه السجن لـليال. كان الحظر الذي فرضته سلوى على نزول ليال إلى شقة جدتها فريال بمثابة إغلاق آخر لباب الأمل في حياة الطفلة. أصبحت ليال حبيسة أربعة جدران، لا تُغادر الشقة إلا للذهاب إلى المدرسة والعودة منها، تحت مراقبة سلوى الدائمة.

زادت الأعباء المنزلية على ليال بشكل ملحوظ. أصبحت تُنفذ كل المهام المطلوبة منها في صمت مطبق، خوفًا من رد فعل سلوى العنيف. كانت تُروّق غرفتي النوم، وتُغسل الأطباق، وتُشغل الغسالة، وتُعد الشاي لسلوى. كل ذلك كان يتم تحت أنظار تاليا التي كانت تُراقبها ببرود، وتُصدر لها الأوامر أحيانًا، خاصة بخصوص واجباتها المدرسية.

"خلصي واجباتي بسرعة، عايزة ألعب!" كانت تاليا تُلقي بدفترها على الأرض أمام ليال، وهي لا تزال تُعاني من آثار الصفعة الأخيرة. كانت ليال تُحاول التركيز في دروسها، لكن الإرهاق الدائم والخوف المستمر كانا يُلقيان بظلالهما على قدرتها على التحصيل.

.................

في الطابق الأول، كانت فريال تعيش حالة من القلق البالغ على ليال. لم تعد تسمع صوت ضحكاتها الخافتة، ولا خطواتها الصغيرة وهي تتجول في الشقة. كانت تُحاول الاتصال بسلوى للاطمئنان على ليال، لكن سلوى كانت ترد عليها ببرود شديد، أو لا ترد على الإطلاق.

"أنا مش مرتاحة أبدًا يا سليمان،" قالت فريال لزوجها سليمان وهي تُمسك بيديه.

"البنت حاسه إنها بتدبل. من الى سلوى بتعمله فيها؟"

تنهد سليمان بعمق.

"أنا كمان قلبي وجعني عليها. بس إحنا نعمل إيه؟ أنتِ شوفتي ردها علينا."

"أكيد في طريقة يا سليمان، مش هنسيب البنت كده،" قالت فريال بعزم، رغم أنها لم تكن تعرف ما هي هذه الطريقة. بدأت تُفكر في حلول أخرى، في زيارة المدرسة أو حتى التحدث مع أشرف مجددًا، لكن تهديد سلوى بالسر كان ما زال يطاردها كشبح.

.................

لم يكن قلق فريال وسليمان وحدهما. في الطابق الثالث، كانت علياء تُراقب بصمت من شرفتها، تُحاول لمحة ليال عندما تخرج للمدرسة. لاحظت شحوب وجهها، ونظراتها التي بدت وكأنها تحمل عبئًا كبيرًا.

"ليال دي شكلها تعبان أوي يا كرم،" قالت علياء لزوجها كرم في إحدى الليالي، وهي تُفكر في الطفلة.

"قلبي بيتقطع عليها."

"أنا عارف يا علياء،" أجاب كرم، وهو يشعر بالعجز.

"بس سلوى حطتنا في موقف صعب. أي تدخل مننا ممكن يعمل مشاكل أكبر."

وفي الطابق الرابع، كانت منة لا تستطيع نسيان صرخة ليال المدوية. كانت تُفكر فيها كثيرًا، وتُخبر معتز بقلقها المتزايد.

"معتز، أنا بجد قلقانة على ليال. البنت مش طبيعية،" قالت منة لزوجها، وهي تتأمل سقف الغرفة.

"مش معقول تكون كل الأيام دي محبوسة كدة. سلوى دي مجنونة."

"أنا معاكِ يا منة،" أجاب معتز، وهو يُشاركها القلق.

"بس ممكن نعملها ايه ، بتدخلنا سلوى ممكن تأذيها اكتر."

كانت العمارة كلها تُدرك، بطريقة أو بأخرى، أن شيئًا فظيعًا يحدث في شقة الطابق الثاني. كانت عيون العائلة تُراقب، وقلوبهم تُنزف على الطفلة البريئة، لكن حاجز الخوف والسر الذي تُجيد سلوى استغلاله كان يقف حائلاً دون أي تدخل فعال، تاركًا ليال تُعاني في صمت داخل سجنها الجديد.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ليال

المؤلف Angel
2025/11/17 مكتملة
قائمة الفصول (32)
الفصل 1: بداية الاسرار
2025/11/17
الفصل 2: رضاعة
2025/11/17
الفصل 3: صدى الخلافات
2025/11/17
الفصل 4: صباح ثقيل
2025/11/17
الفصل 5: تاليا تصل ... وليال تهمل
2025/11/17
الفصل 6: تاليا تتألق...وليال تتلاشى
2025/11/17
الفصل 7: "ماما" اخرى
2025/11/19
الفصل 8: تاليا .... ليال
2025/11/19
الفصل 9: تباين
2025/11/19
الفصل 10: أين مكانى؟!
2025/11/19
الفصل 11: مواجهة جديدة
2025/11/19
الفصل 12: غرفة الاحلام
2025/11/19
الفصل 13: الفرح
2025/11/19
الفصل 14: تداعيات التهديد
2025/11/19
الفصل 15: مأساة ليال
2025/11/19
الفصل 16: عبء
2025/11/19
الفصل 17: صرخة
2025/11/19
الفصل 18: واقع ...مرير
2025/11/19
الفصل 19: وقاحة بلا حدود
2025/11/19
الفصل 20: عودة الضحة
2025/11/19
الفصل 21: نضوج مبكر
2025/11/19
الفصل 22: صراع الكليات
2025/11/19
الفصل 23: ملاحظات تتراكم
2025/11/19
الفصل 24: بحث عن الحقيقة
2025/11/19
الفصل 25: بداية الحرب
2025/11/23
الفصل 26: القنبلة تنفجر
2025/11/23
الفصل 27: كشف المستور
2025/11/23
الفصل 28: ثقل السر
2025/11/23
الفصل 29: حقد مستعر
2025/11/23
الفصل 30: الحقيقية المرة
2025/11/23
الفصل 31: بداية جديدة ١
2025/11/23
الفصل 32: بداية جديدة ٢
2025/11/23

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة