الفصل الحادي والعشرون : نضوج مبكر ...و حصاد السنين...
بعد ميلاد أمير، تغيرت حياة ليال أكثر فأكثر. لم تعد مهامها مقتصرة على أعمال المنزل الأساسية وواجبات تاليا. أصبحت الآن مسؤولة بشكل كبير عن رعاية أخويها الصغيرين. كانت سلوى تُلقي بـ أمير الرضيع في أحضان ليال فور بكائه، أو تكلفها بمراقبته هو وتاليا بينما تُشاهد التلفاز أو تتصفح هاتفها.
كانت ليال، وهي لم تتجاوز بعد مرحلة الطفولة، تحمل مسؤوليات أكبر بكثير من عمرها. كانت تُلاعب أمير الرضيع، تُغير له حفاضاته، وتُهدئه عندما يبكي، كل ذلك تحت إشراف سلوى الخالي من الدفء. ومع تاليا، كانت الأوامر تتوالى:
"هاتي لي الماية يا ليال،"
"اعملي لي سندويتش،"
"ركّبي لي اللعبة دي."
كانت ليال تُنفذ كل هذه الطلبات بصمتٍ مُعتاد، وقد اعتادت على أن تكون اليد التي تُخدم الجميع ولا تُخدم.
...............
بدأ أشرف يُلاحظ بشكل أكثر وضوحًا هذا النمط في المنزل. كانت ليال دائمًا منهمكة في العمل، بينما تاليا و سلوى لا يُكلفان نفسيهما عناء المساعدة.
في أحد الأيام، عاد أشرف من عمله ليجد ليال تُعد العشاء في المطبخ، بينما أمير يبكي في غرفته، وتاليا تُشاهد التلفاز بصوتٍ عالٍ في الصالون.
.
"إيه يا سلوى؟ ليال بتعمل كل ده لوحدها ليه؟" قال أشرف وهو ينظر إلى سلوى الجالسة على الأريكة.
نظرت سلوى إليه بملل.
"ما هي بتعرف يا أشرف... وبعدين أنا تعبانة من الحمل والولادة، لازم تساعدني."
"طب وتاليا؟ ليه مبتساعدش أختها؟" سأل أشرف، ونبرته تحمل بعض الضيق.
"تاليا لسه صغيرة يا أشرف، متقدرش تشيل المسؤولية دي. لما تكبر شوية،" أجابت سلوى بلامبالاة، وهي تُغير قناة التلفاز.
لم تُقنع إجابات سلوى أشرف تمامًا. تذكر ملاحظاته السابقة حول ترتيب المنزل، واختلاف سلوك ليال عندما كانت سلوى غائبة. بدأت بذرة الشك التي زرعتها ملاحظاته تنمو ببطء في عقله، لكنه لم يجد بعد إجابة واضحة. كان يُشعر بعبء ذنب خفي، ولكنه لا يعرف مصدره تحديدًا.
.................
في المساء، عندما تُتاح الفرصة، كانت ليال تُسرع بالنزول إلى شقة فريال في الطابق الأول. كان هذا المنزل هو متنفسها الوحيد من ضغوط "بيتها". كانت فريال وسليمان يلاحظان مدى نضوج ليال المبكر وقدرتها على تحمل المسؤولية. كانت تُساعد فريال في ترتيب المنزل، وتُشارك في إعداد الطعام، وكل ذلك دون أن يُطلب منها.
"البنت دي كبرت قبل أوانها يا سليمان،" قالت فريال لسليمان بحزن وهي تُراقب ليال وهي تُساعدها في المطبخ.
"بقيت زي العروسة الصغيرة."
"ربنا يكون في عونها يا فريال،" أجاب سليمان بأسف.
"سلوى مطلعة عينها."
استمرت حياة ليال في هذا النمط. طفلة صغيرة تُجبر على أن تُصبح كبيرة، تُحرم من طفولتها الطبيعية لصالح أشقاء مدللين وأمٍ لا تُبالي. كان منزل الجدة هو ملاذها الوحيد، لكنها كانت تُدرك أن عليها العودة كل مساء إلى واقعها القاسي، وأن الأعباء ستستمر في التزايد، مما يُشكل أساسًا لنضوج قسري ستدفع ثمنه ليال من سنوات عمرها البريئة.
...................》》》《《《 ......................
استمر الروتين اليومي لـليال بلا تغيير على مر السنين. كل صباح، تستيقظ مبكرًا لتُشرف على المنزل، تُعد الإفطار، وتُلبس أمير الصغير وتُساعد تاليا في الاستعداد للمدرسة. بعد عودة الجميع، تستمر في مهامها: الطبخ، التنظيف، وغسيل الملابس، كل ذلك بينما تاليا تلعب أو تُشاهد التلفاز، وأمير يُصدر الأوامر بصوته الطفولي المدلل.
لم يغب أشرف تمامًا عن المشهد، فكانت ملاحظاته الخفية تتزايد، لكنها لم تتحول أبدًا إلى مواجهة حاسمة مع سلوى. كان يُحاول أحيانًا أن يُخفف عن ليال، يُقدم لها كلمة طيبة أو يُساعدها في اى شيء ، لكن سرعان ما كان يتراجع أمام نظرات سلوى البالية أو حججها الواهية بأن ليال "تُساعد أمها" أو أن تاليا "صغيرة ولا تعرف".
.........
كانت ليال، رغم كل هذه الأعباء، طفلة ذكية ومجتهدة. استمر حقد سلوى في الازدياد مع كل نتيجة دراسية تُحققها ليال، فكانت دائمًا أعلى من نتائج تاليا. وصل الأمر إلى ذروته في عام الثانوية العامة. بعد شهور طويلة من المذاكرة الشاقة لليال، التي كانت تُقسم وقتها بين الدراسة والعمل الشاق في المنزل، ظهرت النتائج.
جاءت ليال بمجموعٍ كبير، يؤهلها للالتحاق بأرقى الكليات. أما تاليا، فكان مجموعها أقل بكثير. في شقة الطابق الثاني، وبينما سلوى تُقلب أوراق النتيجة بغضب، كانت تاليا تبكي بحرقة، ليس لحزنها على مجموعها، بل خوفًا من أن تدخل ليال كلية أفضل منها.
"ماما، ليال هتدخل كلية ..أحسن مني... أنا مش عايزة كدة!" قالت تاليا وهي تُدفن وجهها في أحضان سلوى.
اشتد الغضب في عيني سلوى. نظرت إلى ليال بنظرة كراهية تُقشعر لها الأبدان.
"اسمعي يا ليال،" قالت سلوى بصوتٍ خفيض لكنه يحمل تهديدًا واضحًا،
"هتدخلي كلية زي ما يجيب مجموع أختك... واللي يتكلم، واللي يسألك، تقولي عايزة أبقى معاها، اتعودت تكون معايا على طول. سامعة؟ انطقي!"
ارتعش جسد ليال. الكلمات كادت أن تخنقها.
"سامعة..." قالت ليال بصوتٍ متقطع ومخيف، عيناها مليئتان بالخوف والاستسلام. لم تستطع أن تُجادل، فتهديد سلوى القديم بقطع الرقبة كان ما زال يتردد في أذنيها، وكلماتها الآن تؤكد أنها لن تتوانى عن تدمير مستقبلها كما دمرت طفولتها.
على مدار هذه السنوات، كبرت العائلة وتغيرت مراحلها التعليمية:
* عمر، ابن علياء وكرم، والذي كان يسبق ليال بسنة، كان قد التحق بكلية الهندسة، مُحقق حلمه .
* سليم، أخو عمر الأصغر، كان حاليًا في الصف الأول الثانوي.
* يارا، ابنة علياء وكرم الصغيرة، كانت في الصف الأول الإعدادي.
* أما أبناء منة ومعتز: سيف كان في الصف الثاني الإعدادي، وفارس في الصف الأول الإعدادي.
* أمير، ابن سلوى وأشرف المدلل، كان في الصف السادس الابتدائي.
أما أولاد نورا (مريم وكريم)، فقد كانوا قد أنهوا دراستهم الجامعية منذ فترة كبيرة، وبدأوا حياتهم المهنية، بعيدًا عن تعقيدات هذا البيت العائلي الكبير.
ظل السر الدفين كامنًا، لا يعرفه سوى ثلاثة أشخاص: سلوى، وعايدة (أم سلوى)، وفريال . هذا السر كان يُعطي سلوى القوة لتتحكم في مصير ليال، ويُبقي فريال مُقيدة بالصمت، بينما ليال تُدفع نحو مستقبلٍ لم تختره، ضحية لحقد أعمى وسر لم يكن لها فيه ذنب.
معلش الفصل صغير 😊
رأيكم.....كومنتات كتير ❤️❤️❤️
ومتنسوش الفوت⭐️🌟
Angel