ملاحظات تتراكم

ملاحظات تتراكم

15 0

الفصل الثالث والعشرون : ملاحظات تتراكم... وشكوك تتسلل

عادت الإجازة الصيفية لتُعيد الروتين اليومي في شقة الطابق الثاني إلى طبيعته القاسية بالنسبة لـليال. كانت أشعة الشمس الذهبية تتسلل عبر نافذة المطبخ الكبيرة كل صباح، لتجد ليال منهمكة في إعداد الإفطار. صوت الأواني الخفيف كان يملأ المطبخ، بينما كان باقي أفراد الأسرة ما زالوا غارقين في نوم عميق.

أصبح أشرف يستيقظ مبكرًا في بعض الأحيان، ويدخل إلى المطبخ ليُشاهد ليال وهي تُحضر الإفطار له. كانت ليال تتحرك بخفة وهدوء، تضع الخبز في الميكرويف، تُعد الشاي، وتُجهز الأطباق. في تلك اللحظات الصباحية الهادئة، كان أشرف يُراقبها بانتباه أكبر.

كانت سلوى وتاليا وأمير ما زالوا نائمين في غرفهم، مستمتعين بإجازة الجامعة والمدرسة. بينما ليال، الشابة التي تحمل على عاتقها مسؤولية البيت، تعمل بصمت.

بينما كان أشرف يرتشف شايه، بدأت عيناه تُقارنان بين ملامح أبنائه.

"تاليا شبه سلوى أوي،" فكر أشرف، وهو يتذكر ملامح ابنته ، التي تحمل الكثير من تفاصيل سلوى.

"وأمير خليط بينا أنا وسلوى... عيونه ليا، وباقي ملامحه منها."

ثم نظر إلى ليال الواقفة أمامه، بعينيها الزيتونيتين المميزتين وشعرها الناعم الكثيف.

"بس ليال... ليال مش شبه حد فينا."

كان أشرف قد تقبل هذا الأمر دائمًا كشيء طبيعي.

"عادي، العيال بتختلف،" كان يقول لنفسه. لكن هذه المساحة من الفكر بدأت تتغير.

"بس عينيها ... محدش في عيلتنا عنده اللون ده. وشعرها مختلف."

لم تكن هذه الملاحظات مجرد مقارنات شكلية. بل كانت تُشعل فتيل الشك الذي بدأ يتسلل إلى عقله. "معاملة سلوى ليها مش عادي." تذكر كيف كانت سلوى تُعاملها منذ صغرها، الإهمال، القسوة، عدم تذكرها بالاساس .

...............

بدأ أشرف يتذكر تفاصيل الماضي بشكل أوضح.

"أنا فاكر لما اتولدوا... ليال كانت تعبانة، وتاليا كمان كانت تعبانة. بس تاليا دخلت الحضانة... ليال فجأة قالوا بقت كويسة."

هذا التناقض المفاجئ في حالة ليال الصحية عند الولادة، والذي لم يُعطِ له اهتماما كافيا حينها، بدأ الآن يُشكل نقطة استفهام كبيرة في ذهنه.

"لا لا... أكيد ده بس تخاريف،" حاول أشرف أن يُهدئ من رساوسه، وأن يُقنع نفسه بأن ما يفكر فيه مستحيل.

"سلوى بتعامل ليال كده علشان هي الكبيرة... ولازم تشيل مسؤولية."

تنهد أشرف بعمق، وهو ينهض من مقعده.

"أنا هحاول أكلمها تاني... يمكن تخف عليها شوية... وتخلي تاليا تساعدها."

كانت هذه المرة، محاولة أشرف للتحدث مع سلوى لن تكون مجرد عتاب عابر. الشكوك بدأت تترسخ في أعماقه، وهذه المرة، قد لا يكون مجرد لغز يمكن تجاهله.

...................》》》《《《 ......................

عاد أشرف من عمله في ذلك اليوم، وعقله مشغول بـليال. دخل الشقة في الطابق الثاني ليجدها كالعادة منهمكة في أعمال المنزل. استقبلته سلوى بابتسامة مصطنعة، بينما تاليا وأمير كانا يلعبان في غرفتيهما.

"سلوى، عايزين نتكلم شوية في موضوع ليال،" قال أشرف وهو يجلس على الأريكة، ونبرته تحمل حزمًا غير معتاد.

جلست سلوى مقابلة له، وقد بدا عليها بعض التوتر.

"خير يا أشرف؟"

"ليال ، البيت كله على دماغها. لازم تاليا تساعدها،" قال أشرف مباشرة، عيناه تُثبتان على سلوى.

حاولت سلوى التملص كالعادة.

"بس ليال بتحب تساعدني، وبقيت أعتمد عليها في كل حاجة. وتاليا صغيرة، متعرفش تعمل حاجة."

"تتعلم!" قاطعها أشرف بحزم، وقد نفد صبره.

"وإيه حكاية أنها صغيرة دي؟ الفرق بينهم أقل من سنة يا سلوى! ما ليال كانت أصغر منها وبتساعدك ، من بكرة، كل واحدة عليها حاجة. وأهو يساعدوكي أنتِ كمان."

نظرت سلوى إليه بصدمة، لم تتوقع هذا الإصرار.

"حاضر يا أشرف... هقولها،" قالت بلهجة تُخفي الكثير من الغيظ.

.................

بعد أن انتهى النقاش، ودخل أشرف غرفته، توجهت سلوى فورًا إلى غرفة تاليا التي كانت مُبعثرة بملابسها وأغراضها.

"حبيبة مامي القمر،" قالت سلوى وهي تُجلس بجانب تاليا.

"من بكرة عايزاكي تساعدي ليال في البيت."

"إيه؟ لا طبعا! هو أنا خدامة زيها؟!" أجابت تاليا بحدة، وهي ترفع حاجبيها اعتراضًا.

"بصي يا روحي،" همست سلوى، وهي تقترب منها،

"قدام بابي، اعملي نفسك بتساعدي. وبعد ما ينزل للشغل، أو يدخل ينام، ارجعي اقعدي عادي وسيبيها تكمل كل حاجة... علشان بابي ميزعقش."

ترددت تاليا للحظة، لكنها كانت تُدرك أن سلوى لا تُقدم لها طلبًا، بل تضع خطة.

"علشان خاطر مامي حبيبتك،" أكملت سلوى، وعيناها تُبرقان بالمكر.

"ليكى عليا أجيبلك لبس جديد قبل ما الجامعة تبدأ... وأسيبك تخرجي مع أصحابك كمان... ها، إيه رأيك؟"

أضاء وجه تاليا بابتسامة واسعة. "تمام يا مامي... علشان خاطرك أنتِ بس!"

................

بدأ روتين جديد في المنزل في وجود أشرف. عندما كان يعود من عمله، كان يجد تاليا تُساعد في وضع الأطباق على السفرة، أو تُرتّب بعض الأغراض في الصالون. لكن بمجرد أن ينزل أشرف للعمل، أو يدخل غرفته لينام، كانت تاليا تترك كل شيء على عاتق ليال، التي أصبحت تتعرض لمزيد من الأوامر من تاليا أيضًا. لم تعد سلوى هي الوحيدة التي تُصدر التعليمات.

مر الوقت، وظل طعم الطعام في البيت كما هو لذيذ ومُتقن، لم يتغير. في أحد الأيام، وأثناء تناول العشاء، نظر أشرف إلى تاليا.

"تاليا، أنتي لسه متعلمتيش تعملي الأكل؟ الأكل بعمايل ليال متغيرش!" قال أشرف بنبرة لا تخلو من الاستغراب.

توترت سلوى قليلاً. "أصل ليال نفسها حلو يا أشرف... بس تاليا بتتعلم متقلقش. بكرة هخليها تعمل الأكل كله علشان تدوق عمايلها."

"تمام، لما نشوف،" قال أشرف، وعيناه تحملان شكًا واضحًا. لم تكن المسألة مقتصرة على الطعام فحسب، بل على ترتيب الملابس والبيت كله. ازداد الشك بداخل أشرف أن ليال هي من تقوم بكل شيء بالفعل.

............

لم تقتصر هذه الشكوك على المنزل. بدأت تظهر على أشرف في عمله. كان يبدو مهمومًا وشارداً. لاحظ أصدقاؤه المقربون حالته، وسألوه مرارًا وتكرارًا:

"مالك يا أشرف؟ بقالك فترة مش طبيعي."

.

في لحظة يأس، وحاجة لفهم ما يحدث، قرر أشرف أن يحكي. جلس معهم في مكتبه الهادئ بعد انتهاء الدوام، وحكى كل شيء. من معاملة سلوى القاسية لليال، إلى شكل ليال الذي لا يُشبه أحدًا في عائلته، إلى التناقضات التي لاحظها مؤخرًا.

"أنا مش فاهم، هي ليه بتعمل كده؟ ليه ليال بس اللي بتساعد وتاليا لا؟" قال أشرف، وهو يُمسد على رأسه.

نظر إليه أحد أصدقائه بجدية، وسأله مباشرة: "أنت شاكك أنها مش بنتك؟"

وقع السؤال كالصاعقة على أشرف. "لا، مش للدرجة دي بس..." قال أشرف بصدمة، ثم تردد.

تدخل صديق آخر، وقال بحزم: "بس إيه؟ مفيش واحدة بتعامل بنتها كده إلا لو كانت مرات أبوها!"

هذه الكلمات، مع كل الشكوك التي تجمعت في عقل أشرف، كانت كافية لإشعال شرارة الصدمة.

رد صديق ثالث، وكأنه يُقدم له الحل الأخير: "اعمل تحليل DNA وريح نفسك."

تُرك أشرف في صدمة عميقة. "هل ممكن تكون مش بنتي؟ بس إزاي؟ سلوى كانت حامل، وولدت، وجابت بنت قدامي!" عقله كان يُحلل ويُربط الأحداث، لكن المنطق كان يعانده.

...............

عاد أشرف إلى المنزل وعقله يدور في دوامة من التساؤلات. كانت سلوى تنتظره بابتسامة عريضة.

"اقعد بقى ودوق أكل تاليا!" قالت سلوى بفخر، مُقدمة له طبقًا من الطعام.

(كانت ليال هي من أعدت الطعام، لكن سلوى غيرت بعض التوابل والأشياء البسيطة لتُبدي اختلاف، وتُقنع أشرف بأن تاليا هي من طبخته).

أخذ أشرف لقمة، وعقله مشغول بكلمات أصدقائه. "آه حلو... تسلم إيدك،" قال أشرف بذهول.

لم تهتم سلوى بأن زوجها يبدو متضايق أو شارد. كانت مهتمة فقط بانطباعه عن الطعام.

في هذه اللحظة، رفعت ليال رأسها من طبقها، ونظرت إلى أشرف بقلق.

"أنت كويس يا بابا؟"

نظر أشرف إلى ليال بعمق. في هذه اللحظة، أدرك أن ليال هي الوحيدة التي اهتمت بحاله، بخلاف سلوى، وأمير، وتاليا، الذين كانوا نسخة طبق الأصل من أمهم في لامبالاتهم.

طبطب أشرف على يد ليال بحنان غير متوقع.

"كويس يا ليال... كويس يا حبيبتي." هذه اللمسة الصغيرة، كانت تحمل في طياتها بداية إدراك أشرف لحقيقة أكبر بكثير مما تخيل.

النهاية قربت .....

متنسوش التفاعل والكومنتات ❤️❤️❤️❤️

ورأيكم فيه طبعا 🤔

اه وفوت 🌟🌟🌟

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ليال

المؤلف Angel
2025/11/17 مكتملة
قائمة الفصول (32)
الفصل 1: بداية الاسرار
2025/11/17
الفصل 2: رضاعة
2025/11/17
الفصل 3: صدى الخلافات
2025/11/17
الفصل 4: صباح ثقيل
2025/11/17
الفصل 5: تاليا تصل ... وليال تهمل
2025/11/17
الفصل 6: تاليا تتألق...وليال تتلاشى
2025/11/17
الفصل 7: "ماما" اخرى
2025/11/19
الفصل 8: تاليا .... ليال
2025/11/19
الفصل 9: تباين
2025/11/19
الفصل 10: أين مكانى؟!
2025/11/19
الفصل 11: مواجهة جديدة
2025/11/19
الفصل 12: غرفة الاحلام
2025/11/19
الفصل 13: الفرح
2025/11/19
الفصل 14: تداعيات التهديد
2025/11/19
الفصل 15: مأساة ليال
2025/11/19
الفصل 16: عبء
2025/11/19
الفصل 17: صرخة
2025/11/19
الفصل 18: واقع ...مرير
2025/11/19
الفصل 19: وقاحة بلا حدود
2025/11/19
الفصل 20: عودة الضحة
2025/11/19
الفصل 21: نضوج مبكر
2025/11/19
الفصل 22: صراع الكليات
2025/11/19
الفصل 23: ملاحظات تتراكم
2025/11/19
الفصل 24: بحث عن الحقيقة
2025/11/19
الفصل 25: بداية الحرب
2025/11/23
الفصل 26: القنبلة تنفجر
2025/11/23
الفصل 27: كشف المستور
2025/11/23
الفصل 28: ثقل السر
2025/11/23
الفصل 29: حقد مستعر
2025/11/23
الفصل 30: الحقيقية المرة
2025/11/23
الفصل 31: بداية جديدة ١
2025/11/23
الفصل 32: بداية جديدة ٢
2025/11/23

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة