الفصل الثالث عشر: الفرح... ومرآة الفروق
في ليلة زفاف معتز ومنة، امتلأت قاعة الفندق الفخمة بالأنوار المتلألئة، والموسيقى الهادئة، وعبق الزهور. كانت الموائد مزينة بأناقة، والمدعوون يتوافدون بملابسهم الأنيقة، يتبادلون الابتسامات والتهاني. كان الجو العام مفعمًا بالبهجة والاحتفال، لكنه كان أيضًا مرآة تعكس الفروق الدقيقة والعميقة بين أفراد العائلة.
ارتدت تاليا فستانها الأزرق السماوي البراق، الذي اختارته لها سلوى بعناية فائقة. شعرها كان منسدلاً على كتفيها بتموجات خفيفة، ووجها الطفولي يزهو بابتسامة عريضة. كانت سلوى تُرافقها بفخر، تُمسك بيدها وتُقدمها للمهنئين، تُبرز جمال ابنتها في كل فرصة. كانتا تتلقيان الإطراءات والتعليقات الإيجابية، وكأن تاليا هي أميرة هذا الحفل.
في المقابل، كانت ليال ترتدي فستانها البسيط، الذي ارتدته في الخطوبة. كان نظيفًا ومرتبًا، لكنه بدا باهتًا بجانب فستان تاليا. شعرها كان مصففًا بعناية، لكنه لم يحظ بنفس الاهتمام الذي حظي به شعر تاليا. كانت ليال تتحرك بهدوء في القاعة، تتبع فريال وسليمان كظلها.
.................
لم يغب هذا التباين عن أعين البعض. أشرف، وهو يرى تاليا تتألق وليال تبدو باهتة بجانبها، انقبض قلبه. تذكر كيف افترض أن سلوى ستشتري لليال فستانًا جديدًا. شعر بالندم على غفلته، وعلى فشله في توفير الأقلية من الاهتمام لابنته. ألقى نظرة سريعة على سلوى، التي كانت غارقة في عالم تاليا، وأدرك أنها لم تكن لتفكر في ليال أبدًا.
سليمان كذلك، لاحظ الفارق بوضوح. تنهد بصمت وهو يرى ليال تلتصق بفريال، بينما تاليا تتهادى بين المدعوين. تبادل نظرة حزينة مع فريال، التي كانت عيناها تُعبران عن نفس الألم.
حتى نورا، عمة ليال، التي كانت تجلس مع زوجها محمود وأولادها مريم وكريم، لم تستطع إخفاء ملاحظتها للفرق. همست لمريم:
"شوفي يا مريم، تاليا زي العروسة وليال لسه بنفس الفستان بتاع الخطوبة." هزت مريم كتفيها بلامبالاة طفولية، بينما كريم كان منهمكًا في لعبته.
علياء، التي كانت تُراقب المشهد بصمت من بعيد برفقة كرم وأولادها عمر وسليم، شعرت بنفس الألم الذي انتاب فريال. كانت عينيها تراقبان ليال، وتُقارنان بين بساطتها وبساطة ملابسها، وبين بهاء تاليا. تذكرت دموعها الصامتة وهي تُجهز لليال غرفتها في شقة فريال.
"ربنا يكون في عونك يا بنتي،" همست علياء لنفسها، وهي تشعر بعجزٍ عن فعل المزيد. كان كرم يلاحظ صمت علياء ونظراتها المتجهة نحو ليال، ولكنه لم يُعلق، فالحقيقة كانت تُلقي بظلالها على الجميع.
.....................
في زحام المدعوين، اقتربت منة من ليال وفريال. كانت منة ترتدي فستان زفافها الأبيض، الذي أبرز جمالها الهادئ. عندما رأت ليال، انحنت واحتضنتها بحنان، غير مبالية بفستانها الجديد.
"يا حبيبة قلبي يا ليال! ألف مبروك يا قمر!" قالت منة وهي تُقبل ليال على وجنتها.
"إيه رأيك تيجي تقعدي معانا على كوشة العروسين شوية؟"
نظرت ليال إلى منة بعينيها الواسعتين المليئتين بالدهشة والسعادة.
"أجي معاكي؟"
"طبعًا يا روحي، إنتِ أغلى ضيفة عندي،" أجابت منة بابتسامة، وهي تُمسك بيد ليال.
جاءت هذه الدعوة كهدية لليال. في تلك اللحظة، شعرت ليال بأنها ليست مجرد ضيفة عادية، بل إنها جزء من هذا اليوم الخاص. صعدت ليال إلى كوشة العروسين بجانب منة ومعتز، وعلى وجهها ابتسامة نادرة، وكأنها وجدت مكانها أخيرًا.
.......................
على الطرف الآخر من القاعة، كانت سلوى وعايدة ومروى يتبادلن نظرات الغضب والاستياء. منظر ليال وهي تجلس بجانب العروسين، بينما تاليا كانت ما زالت تُحاول جذب الانتباه في وسط المدعوين، أثار غيظهن.
"شوف! شوف البجاحة! عاملة نفسها طيبة اوى؟!" همست سلوى لعايدة، وعيناها تشتعلان غضبًا.
"معلش يا سلوى، هي منة كده بتحاول تبين نفسها،" أجابت عايدة بنبرة مليئة بالحقد،
"بس مش هتطول حاجة."
أما مروى، فكانت تتجنب النظر إلى كوشة العروسين تمامًا. كانت تشعر بالمرارة من تجاهل معتز لها، ورؤية منة تتألق كعروس زادت من ألمها. فضلت أن تختبئ وسط الحضور، تُراقب المشهد من بعيد، بينما قلبها يشتعل بالغيرة.
وهكذا، انتهى حفل الزفاف، تاركًا ليال بذكرى سعيدة لوقوفها بجانب منة ومعتز، ولكنه ترك أيضًا إحساسًا عميقًا بالفروقات التي تزداد وضوحًا بين أفراد العائلة، وبقوة السر الذي ما زال يُلقي بظلاله على حياة ليال.
بعد انتهاء الفرح وعودة الجميع إلى منازلهم، ظلت سلوى تتمتم بكلمات الغضب، تُعرب عن استيائها من "تعدي" فريال ومنة على سلطتها كأم، ومن الاهتمام الذي حظيت به ليال.
..............
بعد انتهاء حفل زفاف معتز ومنة الصاخب، وعودة الهدوء التدريجي إلى العمارة، صعد أشرف وسلوى إلى شقتهما في الطابق الثاني بعد أن وصّلا العروسين إلى شقتهما الجديدة في الطابق الرابع. كانت الأضواء الخافتة تملأ صالة الشقة، والجو العام يحمل بقايا التعب من يوم طويل. تاليا، التي كانت تغالب النوم، تمسكت بيد سلوى، بينما ليال كانت تتبعهم بصمت، عيناها متعبتان.
دخل أشرف إلى غرفة المعيشة، وخلع سترته ببطء، وعيناه تراقبان ليال ثم تاليا. لم يستطع كبت الغضب الذي تملكه طوال الحفل.
"إيه يا هانم، الفستان اللي ملبساه لبنتك ده؟" قال أشرف بصوتٍ حاول فيه كبت انفعاله، لكن حدته كانت واضحة.
نظرت سلوى إلى تاليا، التي كانت ما زالت بملابس الفرح، وبدا عليها الدهشة من سؤال أشرف. "مالها تاليا؟ ما هي زي القمر أهو!" قالت سلوى بنبرة دفاعية، وهي تُربت على شعر تاليا.
تنهد أشرف بمرارة، وشعر بيأس يتسلل إليه.
"أنتِ مش شايفة غير تاليا؟ وبالنسبة لـليال مثلاً؟" قال وهو يُشير بيده نحو ليال التي كانت تقف بعيدًا، ملامح الخوف بدأت ترتسم على وجهها.
نظرت سلوى إلى ليال بملل واضح، وكأنها تُجيب على سؤال غير ذي أهمية.
"آه، مالها ليال؟"
"مش ملاحظة الفرق؟" تابع أشرف، صوته يعلو قليلًا.
"مالها يعني؟ ما هي كويسة أهو!" أجابت سلوى بلامبالاة تقطع القلوب.
"آه كويسة فعلاً... يعني مش مثلاً نسيتي تجيبيلها فستان زي تاليا؟ أو تسرحيها؟ أو تهتمي بيها أصلاً؟" انفجر أشرف، ولم يعد يستطع كبت غضبه. كانت كلماته تحمل كل الإحباط الذي تجمّع بداخله على مر السنوات.
تراجعت سلوى قليلاً، وقالت بنبرة خافتة، "معلش، انشغلت شوية."
"انشغلتي تقومِ تنسي بنتك؟" قال أشرف بصوتٍ حاسم هذه المرة، وقد تقدم خطوة نحوها.
"أنتِ الكلام معاكِ خلاص مبقاش يجيب نتيجة. بصي، علشان دي آخر مرة هاتكلم... ولو كلامي ما اتنفذش... هيبقى آخر ما بينا!" كانت كلماته أشبه بالتهديد الصريح، مما جعل سلوى تنتفض.
"ليال تتعامل زي تاليا... يجيلها زي تاليا... لو عايزة فلوس زيادة قولي... بس بنتي متنقصهاش حاجة... سامعة؟!"
هزت سلوى رأسها ببطء، ملامح الصدمة والذهول تعلو وجهها من حسم أشرف غير المعتاد. تركها أشرف وغادرها غاضبًا، ودخل غرفته وأغلق الباب بقوة.
نظرت سلوى إلى ليال بكره وحقد، وكأن ليال هي السبب في هذا الشجار.
انكمشت ليال خوفًا من نظرات سلوى القاسية، وشعرت أن الغرفة الصغيرة أصبحت خانقة. أخذت سلوى تاليا، ودخلت بها غرفة النوم الرئيسية، بينما ليال، وقد امتلأت عيناها بالدموع، دخلت غرفتها القديمة المليئة بالكركبة، وأغلقت الباب على نفسها
رأيكم ..... ومتنسوس الفوت 🌟
Angel