الفصل السابع: "ماما" أخرى... وصدمة ليال
مرت الأشهر، وبدأت ليال تستجيب للعلاج ومجهودات عائلتها في الطابق الأول. لم تعد تلك الطفلة الصامتة، بل بدأت الكلمات تخرج منها ببطء، ثم ازدادت وضوحًا. كانت فريال تتابع تقدمها بفرحة غامرة.
في شقة فريال وسليمان، التي أصبحت الملجأ الدائم لليال، كانت الأجواء مفعمة بالحنان. في يوم مشمس، كانت فريال تُطعم ليال، بينما كان معتز جالسًا يقرأ في زاوية الغرفة.
"ماما!" قالت ليال بصوتها الطفولي الواضح وهي تشير إلى فريال.
ابتسمت فريال بسعادة غامرة، واحتضنتها. "يا روح ماما وقلب ماما."
ثم التفتت ليال إلى سليمان، الذي كان جالسًا على كرسيه المعتاد. "بابا!"
"يا عيون بابا وحبيبة بابا!" رد سليمان بحب.
حتى معتز، كانت ليال تناديه باسمه: "معتز!" وكانت تبتسم عندما يرد عليها. وحتى أشرف، والدها ، أصبحت تناديه باسمه: "أشرف!" في كل مرة يزور فيها والديه.
كانت هذه التطورات تملأ قلوب فريال وسليمان ومعتز بالفرح، لكنها لم تمر دون أن تلاحظها علياء التي كانت تزور حماتها باستمرار مع عمر.
في إحدى الزيارات، بينما كانت علياء تلعب مع عمر وليال في صالون فريال المليء بالدفء.
"ماما!" قالت ليال وهي تشير إلى علياء.
شعرت علياء بوخزٍ في قلبها، ثم ابتسامة ارتسمت على شفتيها دون وعي منها، احتضنت ليال بقوة. "يا روح ماما!"
التفتت ليال إلى كرم، الذي كان جالسًا يتحدث مع سليمان. "بابا!"
نظر كرم إلى ليال بذهول، ثم إلى علياء. كانت هذه المرة الأولى التي يسمع فيها ليال تنادي كرم "بابا" وعلياء "ماما". كان عمر ينادي علياء "ماما" وكرم "بابا" بشكل طبيعي. كانت فقط تقلد عمر .
............ ............... 》》》
كانت سلوى قد نزلت إلى شقة فريال للاطمئنان على ليال قبل أن تأخذها إلى الأعلى، مع العلم أن ليال قضت معظم وقتها هناك. لم تكن تهتم كثيرًا بما تقوله ليال، لكنها انتبهت عندما سمعت ليال تقول لكرم وعلياء "بابا" و"ماما".
"تعالي يا ليال، هغيرلك هدومك فوق،" قالت سلوى بنبرة حادة، ونظرة غاضبة في عينيها. أمسكت بيد ليال وسحبتها معها إلى الأعلى بسرعة، وسط دهشة الجميع.
في شقة الطابق الثاني، فور دخول سلوى، دفعت ليال بعيدًا عن الباب، وأغلقت الباب خلفهما بعنف. أمسكت بذراع ليال بقوة، ووجهها يحتقن بالغضب.
"اسمعي يا ليال! أوعي تقولي لحد ماما! سامعة؟" صرخت سلوى في وجه الطفلة التي ارتجفت من الخوف.
"أنا بس اللي ماما ! ومحدش تاني!"
في هذه اللحظة، دخلت عايدة التي كانت قد صعدت وراءهما فورًا عندما رأت غضب سلوى المفاجئ.
"إيه يا بنتي! سيبي البنت!" حاولت عايدة أن تهدئ سلوى وتمسك بذراعها.
لكن سلوى كانت في قمة غضبها، تجاهلت عايدة.
"وإياكي تقولي لـعلياء ماما! أو لـكرم بابا! فاهمة؟" قالت سلوى والشرر يتطاير من عينيها، وهي تهز ليال بعنف.
ليال، بوجهها الشاحب وعينيها المليئتين بالدموع، هزت رأسها الصغير بـ"نعم" بصمت، خائفة جدًا من أن تنطق بكلمة واحدة. كانت لا تفهم سبب هذا الغضب المفاجئ، كل ما عرفته هو أن نطق تلك الكلمات تسبب في ألم لم تشعر به من قبل.
............ ............... 》》》
تلقّت ليال صدمة قاسية من هذا الموقف. بالنسبة لطفلة صغيرة بدأت للتو في اكتشاف متعة التواصل، كان رد فعل سلوى العنيف بمثابة صدمة كهربائية. اختبأت ليال في ركن الغرفة، تراقب أمها سلوى بعينين يملؤهما الخوف والارتباك. لم تعد تجرؤ على نطق كلمة "ماما" أو "بابا" لأي أحد. عادت إلى صمتها المعهود، لكن هذه المرة، لم يكن صمتًا نتيجة نقص المعلومات، بل كان صمتًا نتيجة الخوف.
أصبحت ليال تتجنب النطق بالكلمات التي اكتسبتها بصعوبة. عندما كانت تنزل إلى شقة فريال، كانت ترد على الأسئلة بالإيماءات، أو بكلمات مقتضبة جدًا لا تحمل أي عاطفة. فريال وسليمان ومعتز لاحظوا هذا التغير المفاجئ، وشعروا بالقلق الشديد. لقد عادوا إلى نقطة البداية، أو ربما إلى ما هو أسوأ، فقد أصبحت ليال حبيسة خوفها.
أما علياء، فكانت تشعر بغصة في قلبها كلما رأت ليال صامتة مرة أخرى. كانت تحاول التحدث معها، تحتضنها، لكن ليال كانت تبدو وكأنها أغلقت على نفسها بابًا لا يُمكن فتحه. هذا الإحباط والخوف الذي عاد ليحيط بليال، زاد من شعور علياء بالعجز والرغبة في احتضان هذه الطفلة وحمايتها من عالم بدا قاسيًا عليها.
عاد أشرف إلى المنزل في المساء، ووجد ليال صامتة مرة أخرى، تجلس في ركنها المعتاد. لم يدرك أشرف عمق الصدمة التي تعرضت لها ابنته، فقط اعتقد أنها "عادت لحالتها الأولى"، وأن مجهودات دكتور التخاطب لم تُجدِ نفعًا على المدى الطويل. كانت سلوى تتظاهر باللامبالاة، وتُحاول أن تُخفي أثر غضبها، لكن عايدة كانت تعلم جيدًا ما حدث، وشعرت بالقلق على ابنتها وعلى السر الذي أصبح يُهدد حياتهما أكثر فأكثر.
............ ............... 》》》
مرت الشهور، وتغير الكثير، لكن صمت ليال العاطفي استمر، وإن كانت قد استعادت قدرتها على النطق بكلمات بسيطة عند الضرورة. أصبحت طفلة هادئة جدًا، تتجنب التعبير عن مشاعرها، وكأنها تعلم أن كلماتها قد تجلب لها الألم. هذا الجفاف العاطفي كان واضحًا لكل من حولها، باستثناء سلوى التي كانت غارقة في عالم تاليا.
كبرت تاليا، وأصبحت طفلة ذكية وثرثارة، تملأ المنزل بالضحكات والأحاديث. كانت سلوى تبالغ في تدليلها، وتلبي كل رغباتها، وتهتم بكل تفصيلة في حياتها. غرفتها كانت كغرفة الأميرة، مليئة بالألعاب والملابس الجديدة التي لا تتوقف عن التراكم.
في المقابل، أصبحت ليال، بعمرها الذي يزداد، تعيش في عزلة شبه تامة داخل منزلها. غرفتها الصغيرة كانت مهملة، وألعابها قليلة وباهتة. لم تعد سلوى تتحدث إليها إلا قليلًا، وغالبًا ما تكون توجيهات سريعة أو عتابًا.
............ ............... 》》》
كان أشرف يلاحظ هذا التباين الحاد في المعاملة بين ابنتيه. كان يحاول تعويض ليال أحيانًا، يجلب لها بعض الهدايا البسيطة، أو يتحدث إليها لدقائق قليلة قبل أن يغلبه الإرهاق ويعود إلى صمته. في بعض الأحيان، كان يشعر بالذنب عندما يرى ليال تجلس وحيدة بينما تاليا تتلقى كل الاهتمام.
"يا سلوى، ليال كبرت، ليه مبقتيش بتلعبي معاها زي تاليا؟" سأل أشرف سلوى ذات مرة بينما كانا يشاهدان تاليا تلعب بحماس.
تنهدت سلوى بضيق. "يا أشرف، أنا تعبت. تاليا لسه صغيرة ومحتاجة اهتمام، وليال كبرت وفهمت." كانت حججها تتغير، لكن النتيجة واحدة: إهمال ليال.
أصبحت شقة فريال وسليمان هي الملاذ الحقيقي لليال. كانت تقضي معظم وقتها هناك. فريال ومعتز وسليمان كانوا يغمرونها بالحب والرعاية، يحاولون قدر الإمكان تعويضها عن النقص العاطفي في منزلها.
كانت فريال تجلس مع ليال لساعات، تروي لها القصص، وتسرح شعرها، وتُحاول أن تُخرجها من صمتها بكلمات حانية. معتز، الذي تخرج من الجامعة واصبح يعمل الان ، كان الأقرب لليال. كان يلعب معها، ويُعلمها القراءة والكتابة، ويحاول أن يفهم ما يدور في عقلها الصغير من خلال عينيها الصامتتين. ليال كانت تشعر بالأمان والراحة معهم. كانت تنطق ببعض الكلمات، وتُجيب على أسئلتهم، لكنها لم تعد تُظهر ذلك التلقائية التي اكتسبتها قبل صدمة سلوى.
............ ............... 》》》
في الطابق الثالث، كانت علياء قد أنجبت طفلاً آخر، سليم، الذي أصبح يكمل عائلة كرم وعلياء السعيدة. رغم انشغالها بطفليها، لم تنسَ علياء أبدًا ليال. كانت دائمًا تُلاحظها عندما تنزل إلى شقة فريال، أو عندما تلتقي بها في الحديقة. كان عمر وسليم يلعبان بحرية، بينما ليال كانت تراقبهم من بعيد.
كانت علياء دائمًا ما تمد يدها لليال، تحتضنها، وتُطعمها الحلوى، وتُشعرها بوجودها. "تعالي يا ليال، العبي معانا!" كانت تقول لها بنبرة حانية، وكأنها تحاول تعويضها عن النقص الذي تراه في حياتها.
هذا الاهتمام الخفي من علياء كان أشبه بـخيط الأمل لليال، يُبقيها متصلة بعالم الحنان الذي فقدته في منزلها. كانت ليال تشعر بهذا الدفء، وتتجاوب مع علياء ببعض الابتسامات الخجولة، وكأنها تدرك أن هناك روحًا تشبهها تُحبها دون شروط.
تستمر الأيام في هذا البيت الكبير، حيث تتلاقى وتتضارب مصائر الشخصيات، وحيث يظل سر تبديل الأطفال كامنًا، يُلقي بظلاله على الجميع، بينما ليال تكبر في ظل هذا الإهمال، وتاليا تنعم بالاهتمام، وعلياء تُقدم حنانًا أموميًا خفيًا، منتظرة اللحظة التي قد تكشف فيها الأقدار عن الحقيقة.
فوت بليز 🌟
Angel