واقع ...مرير

واقع ...مرير

17 0

الفصل الثامن عشر : بشرى سارة... وواقع مرير

في صباحٍ مشرقٍ، عمت الفرحة أرجاء العمارة الكبيرة. كانت البشارة المنتظرة قد وصلت: منة حامل! الخبر انتشر كالنار في الهشيم، ملأ الطوابق الأربعة بالبهجة والتبريكات.

في شقة الطابق الأول، احتضنت فريال منة بحنان، ودموع الفرح تترقرق في عينيها.

"ألف مبروك يا حبيبة قلبي يا منة! ربنا يتمملك على خير وتقومى بالسلامة يارب!"

رد سليمان بفرحة غامرة، وهو يُربت على كتف معتز بفخر.

"مبروك يا معتز، ربنا يرزقكم الذرية الصالحة."

لم تكن هذه الفرحة مجرد مناسبة عائلية عادية، بل كانت دعوة ضمنية لجميع أفراد العائلة للاجتماع والاحتفال، حتى لو كانت هناك توترات خفية.

...............

لم تكن سلوى لتغفل عن هذه المناسبة، خاصة وأنها تعني صعودها إلى شقة منة في الطابق الرابع، وهو ما لم يحدث منذ فترة طويلة بسبب العلاقة المتوترة.

شعرت سلوى بغيظ خفي، لكنها أدركت أن غيابها سيكون ملحوظًا.

"يلا يا تاليا، يلا يا ليال، هنطلع نبارك لمنة،" قالت سلوى بصوتٍ جاف، وهي تُرتّب ملابس تاليا بعناية فائقة، بينما ليال كانت تقف بصمت على جانب.

وصلت سلوى والبنتان إلى شقة منة. كانت الشقة تضج بالضيوف من العائلة والأقارب المقربون. الكل كان يُبارك ويهنئ.

عندما رأت ليال، هرع الجميع نحوها بلهفة واضحة.

احتضنتها فريال بقوة، وكأنها تُعوضها عن أيام الحرمان.

"وحشتيني يا حبيبة تيتا، كنت فين كل ده؟" همست فريال في أذن ليال، وهي تُمسد على شعرها.

احتضنتها علياء بحنان، وربتت على رأسها. "حمد لله على السلامة يا ليال، مختفية فين؟"

حتى محمود، زوج نورا، الذي لم يكن يُركز كثيرًا في تفاصيل العائلة، انحنى لليال وقال بابتسامة:

"ازيك يا شاطرة، بقالك كتير مش بنشوفك."

وقف أشرف بجانب سلوى، وابتسامة عريضة تعلو وجهه وهو يرى تفاعل الجميع مع ليال. لاحظ اللهفة المبالغ فيها، وقال مازحًا:

"إيه يا جماعة؟ هي كانت مسافرة ولا إيه؟"

نظرت سلوى إلى أشرف بنظرة جامدة، ثم أجابت ببرود يُخفي الكثير:

"لا يا حبيبي، أصلها مشغولة بالمدرسة ومابقتش بتنزل لخالتي كتير." حاولت أن تُظهره كأمر طبيعي، لكن نبرتها كانت خالية من أي دفء.

وسط هذا الاحتفال، لاحظ الجميع صمت ليال. كانت تُقابل الاحتضان بنظرة خالية من التعابير، وكلامها كان شبه منعدم. لم تعد تضحك بصوت عالٍ، ولا حتى تلعب مع الأطفال الآخرين الموجودين في الشقة. كانت تجلس بهدوء، وكأنها قطعة أثاث، تراقب المشهد بعينيها الواسعتين اللتين تحملان حزنًا عميقًا.

"مالها ليال؟ شكلها مش طبيعي خالص،" همست نورا لزوجها محمود، وهي تُشير إلى ليال التي كانت تجلس وحيدة في زاوية.

"الله أعلم يا نورا، يمكن تعبانة،" أجاب محمود بأسف.

بعد أن بارك الجميع لـمنة ومعتز بالخبر السعيد، ودعو لهم بالتمام على خير، بدأت العائلة بالعودة إلى شققها. سلوى سحبت تاليا وليال معها، عائدة إلى الطابق الثاني، تاركة خلفها صمتًا مُطْبقًا في قلب ليال، ودفعة جديدة من القلق في قلوب من يُحبونها.

أشرف، الذي لم يكن يعلم بالتهديدات ولا بالعنف الذي تُمارسه سلوى على ليال في غيابه، لم يُدرك أن هذا الصمت العميق لم يكن مجرد انشغال بالمدرسة، بل كان نتيجة خوف وعذاب يُنهش روح طفلته الصغيرة.

انتهت زيارة التهنئة بـحمل منة، وعادت العمارة إلى روتينها اليومي، لكن بالنسبة لـليال، لم يتغير شيء جوهري. استمر الوضع على حاله: سلوى تُظهر اهتمامًا بليال فقط أمام أشرف أو أي فرد من أفراد العائلة. ابتسامة مصطنعة، كلمة حانية عابرة، لمسة سريعة على الشعر. لكن ما إن يُغلق الباب عليهما في شقة الطابق الثاني، حتى تعود سلوى إلى قسوتها المعهودة، مُركزة اهتمامها الكامل على تاليا المدللة.

كانت حياة ليال مقسمة بوضوح. ففي وجود أشرف، تُحاول سلوى جاهدة إظهار ليال كطفلة طبيعية ومحبوبة.

"تعالي يا ليال يا حبيبتي، كُلي عملتلك الاكل الى بتحبيه ،" تقول سلوى بصوتٍ مُتصنع الحنان بينما يراقب أشرف من بعيد. لكن بمجرد أن يغادر أشرف للعمل، تتحول ملامح سلوى إلى البرود، وتبدأ سلسلة الأوامر والمهام الشاقة لليال.

استمر هذا الحال حتى نهاية الفصل الدراسي الأول، وانتهت معه فترة العقاب التي فرضتها سلوى على ليال، والتي منعتها فيها من النزول إلى شقة جدتها. كانت ليال تتوق إلى الدفء والحنان الذي تجده في شقة فريال، ولكن هذا التوق كان دائمًا مرهونًا بإنجاز قائمة المهام الطويلة التي تُوكلها إليها سلوى.

مع إعلان نتائج نهاية الفصل الدراسي، تجدد الحقد في قلب سلوى. كانت نتيجة ليال أعلى بكثير من نتيجة تاليا. لم تحتمل سلوى هذا التفوق الواضح لليال.

"إزاي دي جابت مجموع أعلى من تاليا؟" تمتمت سلوى بغيظ وهي تقارن بين الشهادتين في شقة الطابق الثاني، بينما تاليا كانت تُطالعها بفضول.

"مع إنها قاعدة بتخدمنا ليل نهار!" كان هذا التفوق بمثابة طعنة لغرورها، وتذكير بأن ليال ليست مجرد عبء، بل قد تكون منافسًا. زاد هذا من غلها وحقدها، وأصبحت تُكلف ليال بالمزيد من الأعمال المنزلية، وكأنها تُعاقبها على تفوقها.

بعد انتهاء مهامها المنزلية الشاقة في شقة سلوى، أصبح مسموحًا لليال بالنزول إلى شقة فريال في الطابق الأول. كانت هذه الساعات القليلة هي متنفس ليال الوحيد.

كانت ليال تُنزل شنطتها الصغيرة التي تحتوي على بعض ملابسها الجديدة وألعابها القليلة التي أهدتها إياها فريال.

"تعالي يا حبيبتي يا ليال، وحشتيني أوي،" قالت فريال وهي تحتضن ليال بقوة عند الباب المفتوح، بينما سليمان يُربت على رأسها بحنان.

في شقة الجدة، كان سلوك ليال يعكس واقعها الأليم. حديثها أصبح أقل بكثير من السابق، حتى مع فريال التي تُحبها. كانت تلعب قليلاً وبصمت مع ألعابها الجديدة في غرفتها، ثم تقوم بترتيب الغرفة بدقة وتلقائية بعد انتهائها من اللعب، وكأنها تُلخص سنوات من التدريب القاسي على النظام والترتيب. لم تعد طفلة تُفسد الألعاب وتتركها مبعثرة.

وعندما كان أشرف يعود من عمله في المساء، كانت ليال تصعد معه إلى شقة الطابق الثاني، تاركة وراءها الدفء المؤقت لتواجه قسوة سلوى من جديد. لم يكن أشرف يُدرك حجم المعاناة التي تُعانيها ابنته في غيابه.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ليال

المؤلف Angel
2025/11/17 مكتملة
قائمة الفصول (32)
الفصل 1: بداية الاسرار
2025/11/17
الفصل 2: رضاعة
2025/11/17
الفصل 3: صدى الخلافات
2025/11/17
الفصل 4: صباح ثقيل
2025/11/17
الفصل 5: تاليا تصل ... وليال تهمل
2025/11/17
الفصل 6: تاليا تتألق...وليال تتلاشى
2025/11/17
الفصل 7: "ماما" اخرى
2025/11/19
الفصل 8: تاليا .... ليال
2025/11/19
الفصل 9: تباين
2025/11/19
الفصل 10: أين مكانى؟!
2025/11/19
الفصل 11: مواجهة جديدة
2025/11/19
الفصل 12: غرفة الاحلام
2025/11/19
الفصل 13: الفرح
2025/11/19
الفصل 14: تداعيات التهديد
2025/11/19
الفصل 15: مأساة ليال
2025/11/19
الفصل 16: عبء
2025/11/19
الفصل 17: صرخة
2025/11/19
الفصل 18: واقع ...مرير
2025/11/19
الفصل 19: وقاحة بلا حدود
2025/11/19
الفصل 20: عودة الضحة
2025/11/19
الفصل 21: نضوج مبكر
2025/11/19
الفصل 22: صراع الكليات
2025/11/19
الفصل 23: ملاحظات تتراكم
2025/11/19
الفصل 24: بحث عن الحقيقة
2025/11/19
الفصل 25: بداية الحرب
2025/11/23
الفصل 26: القنبلة تنفجر
2025/11/23
الفصل 27: كشف المستور
2025/11/23
الفصل 28: ثقل السر
2025/11/23
الفصل 29: حقد مستعر
2025/11/23
الفصل 30: الحقيقية المرة
2025/11/23
الفصل 31: بداية جديدة ١
2025/11/23
الفصل 32: بداية جديدة ٢
2025/11/23

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة