الفصل السادس عشر: حصاد الدراسة... وعبء الطفولة
مع مرور فترة من الدراسة، بدأت الفروق بين ليال وتاليا تتضح ليس فقط في المظهر الخارجي، بل في طبيعتهما ومهاراتهما. كانت ليال طفلة ذكية، تتمتع بقدرة استيعاب سريعة، وتُحب التعلم، لكنها كانت انطوائية، تُفضل الانعزال في عالمها الخاص. أما تاليا، فكانت تُحب اللعب أكثر من الدراسة، وتهتم بنفسها ومظهرها، لكنها كانت اجتماعية وتُجيد التعامل مع الآخرين.
ظهرت هذه الفروق بوضوح في نتائج نصف العام الدراسي. في يوم إعلان النتائج، امتلأت شقة سلوى في الطابق الثاني بالترقب. عندما وصلت النتائج، احتفلت سلوى بفرحة عارمة بنتيجة تاليا، التي كانت جيدة، وأثنت على ذكائها واجتهادها.
أما ليال، فقد حققت مجموعًا أعلى بكثير، مما أظهر تفوقها الدراسي الواضح. لكن سلوى لم تُظهر أي فرحة بنتيجتها. نظرت إليها ببرود، وكأن تفوقها كان أمرًا مزعجًا.
....................
على النقيض تمامًا، عندما وصلت النتائج إلى باقي أفراد العائلة، غمرتهم الفرحة بتفوق ليال. في شقة فريال بالطابق الأول، احتفلت الجدة فريال والجد سليمان بنتيجة ليال بفخر كبير.
"شاطرة يا حبيبتي يا ليال! ألف مبروك يا روحي!" قالت فريال وهي تحتضن ليال بقوة، بينما سليمان يُقبل رأسها بفخر.
حتى أشرف، رغم انشغالاته، أظهر سعادة واضحة بنتيجة ليال، وأثنى على اجتهادها.
لم تكتفِ العائلة بالفرحة الشفهية، بل أحضروا الهدايا للأختين. تاليا حصلت على دمية جديدة وملابس أنيقة، بينما ليال حصلت على مجموعة من القصص التعليمية وعلبة ألوان كبيرة، بالإضافة إلى بعض الملابس الجديدة التي اختارتها لها فريال.
لكن تفوق ليال لم يُسعد سلوى، بل زاد من حقدها عليها. كانت ترى في تفوق ليال تهديدًا لتاليا، و تذكيرًا بما لا تُحب أن تراه. أصبحت سلوى تُخرج غلّها في ليال، وتُشغلها أكثر في أعمال المنزل.
"تعالي يا ليال، هعلمك تشغلي المكنسة ،" قالت سلوى ببرود في أحد الأيام، وهي تُشير إلى المكنسة.
"وبعدين هعلمك تشغلي الغسالة."
لم تكتفِ بذلك، بل أحضرت كرسيًا صغيرًا ووضعته في المطبخ أمام الحوض.
"لما تخلصي الغسيل، هتقفي هنا تغسلي المواعين."
وعلمتها كيف تُعد الشاي في الكاتيل، وكيف تُرتب الأسرة في غرف النوم. كانت سلوى تُراقبها وهي تعمل، وكأنها تستمتع برؤية ليال تُجهد نفسها.
"لما تخلصي كل ده، تقدري تنزلي لجدتك،" كانت هذه الجملة هي الحافز الوحيد لليال لإنهاء مهامها بسرعة.
في المقابل، كانت تاليا تجلس في غرفة المعيشة، تلعب بألعابها الجديدة، أو تُشاهد التلفاز، لا تُكلف نفسها عناء المساعدة في أي شيء.
..................
وعندما عادت الدراسة بعد إجازة نصف العام، بدأ عبء جديد يقع على عاتق ليال.
في أحد الأيام، بينما كانت ليال تُنهي واجباتها المدرسية في غرفة المعيشة، اقتربت منها تاليا.
"اعملي الواجب بتاعي معاكِ،" قالت تاليا ببرود، وهي تُلقي بدفتر واجباتها على طاولة ليال.
نظرت ليال إلى تاليا بصمت، وقد فهمت أن حياتها أصبحت أكثر صعوبة، وأنها لم تعد مجرد طفلة تُعاني من الإهمال، بل أصبحت خادمة لأمها وأختها، وضحية لحقدٍ لا تعرف سببه.
.............
مع استمرار العام الدراسي، وتزايد الأعباء المنزلية والدراسية على كاهل ليال، بدأت آثار الإرهاق تظهر عليها بوضوح. كانت عيناها الصغيرتان تُصبحان ذابلتين، وهالات سوداء خفيفة بدأت تُرسم أسفلهما. حركتها أصبحت أبطأ، وابتسامتها النادرة أصبحت أكثر ندرة.
في شقة سلوى بالطابق الثاني، أصبحت ليال تستيقظ مبكرًا كل يوم، حتى قبل أن يستيقظ أشرف أو تاليا. كانت مهمتها الأولى هي ترتيب غرفة تاليا الفوضوية، ثم جمع الغسيل من الغرف وتجهيزه.
وبعد ذلك، كانت تُعد الشاي لـسلوى التي كانت تستيقظ متأخرة، وتُحضر لها الإفطار قبل أن تتوجه لإعداد نفسها للمدرسة. كانت تعمل بصمت، لا تشكو، فتهديد سلوى بـ"قطع الرقبة" كان ما زال يتردد في أذنيها، ويزيد من خوفها ويمنعها من الكلام.
في بعض الأيام، كانت ليال تُحاول المذاكرة في هدوء بعد أن تُنهي واجباتها، لكن صوت تاليا الآمرة بـ"اعملي الواجب بتاعي معاكِ!" كان يقطع عليها تركيزها.
كانت تجد نفسها تُنهي واجبات تاليا أولاً، ثم تُسرع لإنجاز واجباتها الخاصة قبل أن ينتهي اليوم، لتجد نفسها متعبة ومنهكة.
.............
في الطابق الأول، لاحظت فريال وسليمان التغير في حفيدتهما. عندما كانت ليال تنزل إلى شقتهما بعد انتهاء "مهامها" في شقة سلوى، كانت تبدو عليها علامات الإرهاق.
"مالك يا حبيبتي يا ليال؟ وشك مخطوف كده ليه؟" سألت فريال ليال في أحد الأيام، وهي تُمسك بوجهها الصغير بين يديها.
هزت ليال رأسها ببطء، وقالت بصوتٍ خافت:
"مفيش حاجة يا تيتا... بس كنت بذاكر كتير."
لم تُصدقها فريال تمامًا، لكنها لم تُرد الضغط عليها. تبادلت نظرة قلقة مع سليمان الذي كان يتابع المشهد من بعيد.
"البنت دي بيتعمل فيها حاجة فوق،" قال سليمان لفريال لاحقًا بهمس،
"مش طبيعي الإرهاق ده كله عليها وهي لسه طفلة. وسلوى دي مبيبانش عليها أي تعب."
تنهدت فريال بعمق، وقد شعرت بقلبها ينزف على حفيدتها. كانت تُدرك أن سلوى تُعذب ليال بشكلٍ ما، لكن تهديد سلوى الأخير بالسر كان يُقيد لسانها ويُشل قدرتها على التدخل المباشر. كانت تُحاول أن تُعوض ليال بالحب والحنان في شقتها، لكنها شعرت بأن ذلك لا يكفي.
...............
حتى منة، التي كانت تُركز على حياتها الجديدة مع معتز في الطابق الرابع، بدأت تلاحظ التغيير في ليال. عندما كانت تلتقي بها في الدرج أو عندما تزور فريال، كانت تُلاحظ شحوب ليال، ونظرات الخوف التي كانت تلمع في عينيها أحيانًا.
في أحد الأيام، رأت منة ليال تصعد الدرج ببطء شديد وهي تحمل حقيبتها وحقيبة تاليا المليئة بالكتب المدرسية الثقيلة، بينما تاليا كانت تُسرع صعودًا وتضحك.
"ليال! هاتى يا حبيبتى أساعدك في الشنط دي،" نادت منة، وأسرعت نحوها.
ابتسمت ليال بخجل، وشكرت منة. عندما لمست منة يد ليال، شعرت بكمية التعب في جسدها الصغير. أدركت منة أن هناك شيئًا غير طبيعي يحدث لليال في شقة سلوى.
كانت الأيام تمر، وليال تُعاني في صمت، تحت رحمة أم لا ترحم، بينما عيون الأجداد ومنة تُلاحظ، تُقلق، ولكنها ما زالت عاجزة عن التدخل بفاعلية في وجه السر الذي يُقيد الجميع.
رأيكم ..... وفوت ⭐️
Angel