ثقل السر

ثقل السر

17 0

الفصل الثامن والعشرون: بداية جديدة... وثقل السر

بعد عاصفة علي ورحيل سلوى وعايدة، خيم هدوءٌ ثقيل على شقة فريال في الطابق الأول. لم يكن هدوءًا مريحًا، بل كان محملًا بوطأة السر الذي انكشف والقرارات الصعبة التي اتُخذت. أشرف، الذي جلس أخيرًا بعد كل هذا التوتر، كان وجهه شاحبًا، لكن عينيه كانتا تحملان تصميمًا جديدًا.

لم يمضِ وقت طويل حتى عادت ليال من شقة معتز ومنة. كانت تسير بخطوات مُترددة، القلق لا يزال يُسيطر عليها. دخلت الصالون لتجد أشرف وفريال وسليمان يجلسون بصمت. لاحظت التوتر في الأجواء، لكنها شعرت أيضًا بنوع من الأمان لم تعهده في السابق.

"تعالي يا حبيبتي،" قالت فريال بحنان، وهي تُشير إلى المقعد بجانبها.

"اقعدي، متخافيش من حاجة."

جلست ليال، وعيناها تتنقلان بين وجوههم.

"في إيه يا تيتا؟ إيه اللي حصل بالظبط؟" سألت ليال بصوتٍ خفيض، رغم أنها سمعت جزءًا من الشجار.

نظر أشرف إلى ليال، ورأى في عينيها مزيجًا من البراءة والخوف. تنهد بعمق.

"مفيش حاجة يا ليال،" قال أشرف، محاولًا أن يبدو مطمئنا

"مجرد خلافات عائلية بينا أنا وماما ، وعلشان كده قررنا ننفصل. وأنا عايزك تقعدي هنا معايا ومع تيتا فريال وجدو سليمان."

نظرت ليال إلى أشرف بصدمة ثم بارتياح. الانفصال يعني أنها لن تعود لـ سلوى.

"يعني مش هرجع فوق تاني؟" سألت ليال، وعيناها تلمعان بالأمل.

"لا يا ليال،" قال أشرف بحزم. "هتفضلي هنا. ده بيتك الجديد."

ابتسامة خافتة ارتسمت على وجه ليال. شعرت وكأن حملًا ثقيلًا قد أُزيل عن كتفيها. كانت هذه بداية جديدة، حتى لو كانت مُحاطة بالغموض.

..................

في الأيام التالية، بدأت ليال تتأقلم مع حياتها الجديدة في شقة جدتها. كانت الأجواء مختلفة تمامًا عن شقة سلوى. لا صراخ، لا إهانات، ولا أعمال منزلية لا تتوقف. كانت فريال تُعاملها بحنان شديد، وتُساعدها في دراستها. أشرف كان يقضي وقتًا أطول معها، يُحادثها ويُشجعها، يُحاول تعويض سنوات الغفلة.

كان الاتفاق الصامت بين سليمان وأشرف وفريال هو الحفاظ على السر. لم يُذكر أي شيء عن تحليل الـ DNA أو عن كرم وعلياء أمام ليال. كان الهدف هو حمايتها من صدمة معرفة الحقيقة كاملة، وتجنب تفكك العائلة الأوسع. لكن هذا القرار ألقى بعبء ثقيل على عاتقهم جميعًا، خاصة فريال وأشرف.

أما سلوى، فقد ظلت حبيسة شقتها في الطابق الثاني. علي وعايدة كانا يزورانها بانتظام للتأكد من أنها لا تُغادر المنزل. حياتها تحولت إلى سجن فعلي، لا تخرج منه إلا للضرورة القصوى، وتُحاول التكيف مع غياب ليال وعليها الآن أن تدير منزلها بنفسها، أو تعتمد على مساعدة تاليا وأمير المحدودة.

شعر أشرف ببعض الراحة لنجاحه في حماية ليال، لكن مرارة السر الذي يحمله، ومرارة السنوات التي عاشتها ليال في ظله، كانت لا تزال تُلازمه. كان يُدرك أن هذا ليس سوى بداية طريق طويل، طريق سيُحاول فيه تعويض ليال عن كل ما فاتها، بينما يُصارع هو مع ضميره ومع السر الثقيل الذي يُخفيه.

...................》》》《《《 ......................

مرت الأيام، وتحولت شقة فريال إلى ملاذ حقيقي لـليال. لم تعد تلك الفتاة الصامتة المنعزلة. أصبحت تختلط بالعائلة كثيرًا، تتحدث أكثر، وتضحك بصوتٍ عالٍ لم يعتاده أحد منها من قبل. وجدت في أحضان جدتها وجدها وأشرف الحب والدفء الذي حرمت منه لسنوات.

كانت ليال تقترب بشكل خاص من عمر، ابن عمها (الذي لا تعلم أنه توأمها). جمعتهما صداقة بريئة وسريعة، يتبادلان الأحاديث والضحكات أثناء الزيارات العائلية. كان فريال تُراقبهما من بعيد، ترى ليال وهي تتفاعل بحيوية مع عمر وإخوتها الآخرين من أبناء عمومتها، فكانت تشعر بالندم يعتصر قلبها. كانت تتمنى لو أن الحقيقة لم تُدفن كل هذه السنوات، وأن ليال عاشت حياتها الطبيعية مع عائلتها الحقيقية.

.................

في المقابل، لم تتغير نظرات أمير وتاليا عندما كانا ينزلان لزيارة جدهما. كانا ينظران إلى ليال بحقدٍ واضح. فـسلوى، التي لم ترَ نفسها مخطئة أبدًا، كانت لا تزال تُخبرهما أن ليال هي السبب الرئيسي في انفصالها عن أشرف. كانت تُغذي في نفوسهما الكراهية تجاه ليال، مُحملة إياها مسؤولية الوضع الجديد الذي يعيشونه. لم تعِ سلوى أن أنانيتها هي السبب في كل ما حدث، وأنها بكلماتها هذه تُشوه نفوس أطفالها.

حتى في الجامعة، كانت تاليا تتجنب ليال بشكل ملحوظ. ورغم ذلك، لم يؤثر هذا التجاهل على ليال كثيرًا. فقد أصبحت أكثر حيوية ونشاطًا، وأكثر إقبالًا على الحياة والدراسة، كأنها تُعوض ما فاتها.

...................

أما عند سلوى، فقد ظل الوضع كما هو عليه. بقيت حبيسة شقتها، التي أصبحت تشعر فيها بالوحدة والفوضى بشكل متزايد. لكن ما كان أكثر إيلامًا لها هو أن قلة الاهتمام التي كانت توجهها لليال، بدأت تطال أمير وتاليا أيضًا. لم تعد لديها طاقة أو رغبة في العناية بهم كما ينبغي، أو ربما لم تكن تُدرك أنها لم تكن تهتم بهم بالقدر الكافي في الأساس، معتمدة على ليال.

حتى عايدة، والدة سلوى، بدأت تزهق وتطفش من ابنتها وأحفادها. لم تعد تتحمل الشكاوى المستمرة والطلبات التي لا تنتهي. كان ردها المتكرر لسلوى:

"أنا كبرت يا سلوى، ومش حمل طلباتك أنتي وعيالك."

كانت هذه الكلمات تُزيد من عزلة سلوى ويأسها، وتُلقي عليها ثقل مسؤولية لم تعتدها أبدًا.

بينما كانت العائلة الكبيرة تجتمع غالبًا في شقة فريال، لتمتلئ بالضحكات والأحاديث، كان هناك غياب واضح لـسلوى، التي اختارت العزلة والعيش في مرارة ما فعلته، تاركة وراءها أثرًا عميقًا في حياة من حولها.

...................》》》《《《 ......................

مع مرور الأيام، أصبحت حياة ليال الجديدة في شقة جدتها فريال أكثر انفتاحًا وحيوية. لم تعد حبيسة المنزل، بل بدأت تستكشف دفء العائلة الأكبر، وخاصة عائلة عمها كرم وعلياء في الطابق الثالث. في السابق، كانت سلوى تمنع ليال تمامًا من الاقتراب منهم، مُبررة ذلك بأنها "مشغولين" أو "لا يُفترض أن تُزعجهم". لكن الآن، لم يعد هناك حواجز.

أصبحت ليال تصعد إلى شقة عمها كرم وعلياء بحرية، وكأنها وجدت فيها امتدادًا لبيتها الجديد الآمن. قضت ساعات طويلة مع أبناء عمومتها: عمر، سليم، ويارا. كانت تضحك معهم، وتتبادل الأحاديث، وتشعر بانسجام غريب معهم، وكأنها جزء لا يتجزأ منهم. كانت علياء تراقبها بعمق، تشعر بارتياح غريب لوجود ليال بجانبها، وقلبها يميل إليها بشكل فطري.

بينما كانت ليال تندمج أكثر فأكثر مع عائلة عمها، كان سليمان وأشرف ومعتز يراقبون بصمت من بعيد. كان الندم يملأ قلب فريال كلما رأت ليال تتقرب من عائلتها الحقيقية وهي لا تعلم شيئًا عن ذلك. كانت الجدّة تُلاحظ بعناية، وكأنها تُراجع ذكرياتها، بينما تُراقب التقارب الطبيعي الذي يحدث بين ليال وأشقائها الحقيقيين .

..................

وبدأوا جميعًا - أشرف، سليمان، معتز، وفريال - يُلاحظون شيئًا لم يكن واضحًا لهم في السابق، أو ربما كانوا يتجاهلونه عمدًا: ملامح مشتركة بدأت تظهر بوضوح بين ليال وعمر و سليم و يارا. كانت نفس منحنيات العينين، نفس الابتسامة الخفيفة، وحتى بعض حركات اليد كانت تتشابه.

"شايف يا أشرف؟" همست فريال لولدها ذات يوم، وهما يُراقبان ليال وهي تضحك مع عمر في الصالون.

"عمر وليال... كأنهم واحد."

أومأ أشرف برأسه بتألم.

"أنا شايف يا أمي... وشايف نفس الملامح مع سليم ويارا كمان."

زاد خوفهم من أن يلاحظ أحدٌ آخر هذه الملامح. في السابق، كانت ليال لا تظهر كثيرًا معهم، وكانت دائمًا محبوسة في شقة سلوى، مما قلل من فرص مقارنتها بأبناء كرم. لكن الآن، أصبحت تخرج معهم، وتقضي أوقاتًا طويلة معهم في النادي، أو أثناء الزيارات العائلية، مما زاد من احتمالية انكشاف الأمر.

سليمان، رغم قراره الحاسم بالحفاظ على السر، كان يُلاحظ القلق في عيني أولاده وزوجته. كان يعلم أن كل يوم يمر يزيد من صعوبة إخفاء الحقيقة التي بدأت تُظهر نفسها في ملامح ليال وعائلتها الحقيقية. الأسرار، مهما طال أمدها، دائمًا ما تجد طريقها إلى النور.

...............

أما في شقتها المعزولة في الطابق الثاني، كانت سلوى تُراقب كل هذا التقارب من بعيد. كل ضحكة تُسمع من شقة فريال، كل صعود لـليال إلى شقة علياء، كل لمحة لـليال وهي تخرج مع أبناء عمومتها، كانت تُشعل نيران الغيرة بداخلها.

كانت تُرى ليال الآن تعيش الحياة التي تمنتها لـتاليا، حياة مليئة بالحب والاهتمام، بينما سلوى نفسها أصبحت حبيسة جدرانها، بعيدة حتى عن أبنائها الذين بدأوا يُشعرونها بالملل والعبء.

لم تكن سلوى تدرك أن هذا التقارب الطبيعي، وتلك الملامح المتشابهة، كانت كلها خيوطًا تتجمع ببطء، خيوطًا تُهدد بكشف السر الأعظم، سر لن تستطيع أي حيلة منها إخفاءه بعد الآن. كانت الحقيقة تترنح على حافة الانفجار، وفي كل لحظة، كانت هناك عين تُلاحظ أكثر مما ينبغي.

يا ترى سلوى هتسكت 🫢🤫

كومنتات كتير وتفاعل ❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️

وفوت 🌟 🌟 🌟

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ليال

المؤلف Angel
2025/11/17 مكتملة
قائمة الفصول (32)
الفصل 1: بداية الاسرار
2025/11/17
الفصل 2: رضاعة
2025/11/17
الفصل 3: صدى الخلافات
2025/11/17
الفصل 4: صباح ثقيل
2025/11/17
الفصل 5: تاليا تصل ... وليال تهمل
2025/11/17
الفصل 6: تاليا تتألق...وليال تتلاشى
2025/11/17
الفصل 7: "ماما" اخرى
2025/11/19
الفصل 8: تاليا .... ليال
2025/11/19
الفصل 9: تباين
2025/11/19
الفصل 10: أين مكانى؟!
2025/11/19
الفصل 11: مواجهة جديدة
2025/11/19
الفصل 12: غرفة الاحلام
2025/11/19
الفصل 13: الفرح
2025/11/19
الفصل 14: تداعيات التهديد
2025/11/19
الفصل 15: مأساة ليال
2025/11/19
الفصل 16: عبء
2025/11/19
الفصل 17: صرخة
2025/11/19
الفصل 18: واقع ...مرير
2025/11/19
الفصل 19: وقاحة بلا حدود
2025/11/19
الفصل 20: عودة الضحة
2025/11/19
الفصل 21: نضوج مبكر
2025/11/19
الفصل 22: صراع الكليات
2025/11/19
الفصل 23: ملاحظات تتراكم
2025/11/19
الفصل 24: بحث عن الحقيقة
2025/11/19
الفصل 25: بداية الحرب
2025/11/23
الفصل 26: القنبلة تنفجر
2025/11/23
الفصل 27: كشف المستور
2025/11/23
الفصل 28: ثقل السر
2025/11/23
الفصل 29: حقد مستعر
2025/11/23
الفصل 30: الحقيقية المرة
2025/11/23
الفصل 31: بداية جديدة ١
2025/11/23
الفصل 32: بداية جديدة ٢
2025/11/23

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة