الفصل الرابع والعشرون: البحث عن الحقيقة... وخطوات نحو الكشف
لم يستطع أشرف أن ينام تلك الليلة. كلمات أصدقائه، وملاحظاته المتراكمة، وصدمة الشك الذي تسلل إلى عقله، كلها كانت تُطارد عقله بلا توقف.
"اعمل تحليل DNA وريح نفسك." كانت هذه الجملة تتردد في ذهنه كصدى. كيف يمكنه أن يفعل ذلك؟ كيف يمكنه أن يشك في ابنته؟ لكن في المقابل، كيف يمكنه أن يتجاهل كل هذه التناقضات؟
في الصباح الباكر، وقبل أن تستيقظ سلوى أو ليال أو تاليا أو أمير، نهض أشرف من سريره. كان وجهه شاحبًا وعيناه حمراوين من قلة النوم. ارتدى ملابسه بهدوء، ثم خرج من الشقة. لم يذهب إلى عمله مباشرة. توجه إلى أحد المعامل الطبية الكبرى التي يعرفها، والتي تُجري تحاليل الـ DNA.
دخل أشرف المعمل، وقلبه يخفق بعنف. تحدث مع أحد الأطباء المسؤولين، وشرح له الأمر بشكل عام، دون ذكر تفاصيل شخصية.
"أنا محتاج أعمل تحليل DNA لبنتين،" قال أشرف بصوتٍ خفيض،
"بس عايز الموضوع يكون سري جدًا."
أكد له الطبيب على سرية الإجراءات، وشرح له الخطوات المطلوبة.
"هنحتاج خصلة شعر ، من كل واحدة" قال الطبيب،
"واتأكد إن الشعرة تحتوي على بصيلتها."
عاد أشرف إلى المنزل، وعقله ما زال في دوامة. كان يُدرك أن عليه الحصول على خصلات شعر من ليال وتاليا دون أن يشعر أحد، والأمر هذه المرة سيكون أصعب من مجرد مسحة على الرأس.
.................
في الأيام التالية، أصبح أشرف يُراقب ليال وتاليا عن كثب، يبحث عن الفرصة المناسبة. كان الأمر صعبًا، فكلاهما كانتا يقظتين نسبيًا.
ذات مساء، وبعد أن نامت ليال نومًا عميقًا بعد يوم طويل من الدراسة وأعمال المنزل، دخل أشرف غرفتها بهدوء. كانت الغرفة الصغيرة مُرتبة، وضوء خافت يتسلل من النافذة. اقترب من سريرها، وبقلبٍ يرتجف، مد يده بحذر شديد، وسحب بضع شعرات من رأسها برفق، مُتأكدًا من أنها تحتوي على البصيلات. وضع الخصلات في الكيس المخصص لها، ثم خرج من الغرفة بنفس الهدوء.
في اليوم التالي، انتظر أشرف حتى نامت تاليا بعمق. دخل غرفتها التي كانت أكثر فوضى من غرفة ليال، وبنفس الحذر، أخذ بضع شعرات من رأسها. وضعها في كيس آخر، ثم أخفى الكيسين بعناية في خزانته.
في الصباح التالي، وقبل أن يذهب إلى عمله، مر على المعمل وسلم العينات. طلب من الطبيب أن يُسرع في النتائج، مؤكدًا على أهمية الأمر.
"النتائج هتكون جاهزة خلال أسبوع يا فندم،" قال الطبيب.
مر الأسبوع على أشرف كأنه دهر. كان يُحاول أن يُبدو طبيعيًا أمام سلوى والأولاد، لكن عقله كان مشغولًا تمامًا بالنتائج المنتظرة. كان يُراقب ليال بنظرات مُختلفة، مزيج من الشك والأمل والخوف. هل ستُثبت هذه النتائج ما بدأ يشك فيه؟ هل ستكشف سرًا سيُغير حياته وحياة عائلته إلى الأبد؟
...................》》》《《《 ......................
مر الأسبوع على أشرف وكأنه دهر. كل صباح كان يستيقظ بقلبٍ مُرتجف، وكل مساء كان ينام على قلقٍ لا ينتهي. كانت حياته أشبه بانتظار حكم، حكم سيُغير كل ما يعرفه عن عائلته. وفي اليوم المحدد لاستلام النتائج، شعر أشرف ببرودة تسري في أوصاله وهو يتجه إلى المعمل.
دخل أشرف إلى مكتب الطبيب. كانت الأجواء هادئة، لكن أشرف شعر بضجيج هائل في رأسه. وضع الطبيب أمامه مظروفين مختومين.
"يا فندم، النتائج جاهزة،" قال الطبيب بنبرة مهنية.
ارتجفت يد أشرف وهو يمدها ليتناول المظروفين. فتح الأول الذي يحمل اسم تاليا. قرأ النتائج بسرعة، وتأكد ما كان يُرجحه:
"نسبة التطابق : 99.9%." تنهد أشرف تنهيدة عميقة، ثم فتح المظروف الثاني الذي يحمل اسم ليال.
قرأ أشرف النتائج، وكلمات الطبيب " لا تحمل نسبة تطابق كافية لتكون ابنتة البيولوجية المباشرة" دوت في أذنيه كصاعقة.
"نسبة التطابق : 25%."
شعر أشرف وكأن الأرض انشقت من تحت قدميه. تدلت يده، وسقط المظروف على الأرض. كانت عيناه تُحدقان في الأوراق، لا تُصدق ما تراه. ليال... ليست ابنته! لكن الـ 25%... ماذا تعني؟
"دكتور... يعني إيه 25%؟" سأل أشرف بصوتٍ بالكاد مسموع، وعيناه لا تُفارقان الورقة.
"النسبة دي يا فندم بتدل على إن فيه صلة قرابة من الدرجة الثانية،" أجاب الطبيب بهدوء، محاولًا تبسيط الأمر.
"ممكن تكون بنت أخ، أو بنت أخت، أو حتى بنت عم أو بنت خال. يعني فيه جدود مشتركين، لكن مش أب وأم مباشرين."
صدمة أخرى ضربت أشرف. ابنته ليست ابنته، بل ابنة أخيه أو أخته؟! الأسئلة بدأت تنهال عليه كالسيل الجارف. من هي ليال إذن؟ ولماذا هي في بيته؟ وكيف حدث هذا؟ كل الغموض الذي أحاط بمعاملة سلوى لليال، شكلها المختلف، عينيها الزيتونيتين، شعرها الناعم، صمتها الدائم، كل شيء بدأ يجد تفسيرًا مرعبًا. تذكر كلمات أصدقائه "مفيش واحدة بتعامل بنتها كده إلا لو كانت مرات أبوها". الآن فهم معنى هذه الكلمات بشكل مؤلم.
عاد أشرف إلى منزله، لكنه لم يكن الرجل الذي غادره صباحًا. كان وجهه شاحبًا، عيناه فارغتين، وكأن روحًا قد غادرته. دخل الشقة، ولم يُلقِ تحية على سلوى التي كانت تجلس في الصالون تُشاهد التلفاز.
"إيه يا أشرف؟ شكلك تعبان،" قالت سلوى بلامبالاة.
لم يُجبها. دخل غرفته وأغلق الباب خلفه بقوة. رمى بجسده على السرير، ودفن وجهه في الوسادة، محاولًا استيعاب الصدمة. انهارت كل قناعاته، وانهار معه يقينه بحياته الأسرية.
كان أشرف في غرفته، يُفكر بعمق. تُردد في عقله كلمات الطبيب: "ممكن تكون بنت أخ، أو بنت أخت." وفجأة، توقفت كلمة "بنت أخ" في ذهنه. تذكر شيئًا مهمًا، شيئًا حدث في نفس اليوم الذي وُلدت فيه ليال.
يوم ولادة ليال... كانت علياء مرات أخوه كرم بتولد في نفس المستشفى!
وجابت توأم... ولد وبنت.
ومضت هذه الفكرة كالبرق في عقله. هل يمكن؟ هل يُعقل أن تكون ليال هي تلك الطفلة الأخرى؟ ابنته هو؟ لا. ابن أخيه... ابنته... أم هناك خيانة أكبر؟
هذه الفكرة، التي بدت مجنونة، بدأت تُفسر الكثير من الغموض. معاملة سلوى، إهمالها، غيرة تاليا، كل شيء.
كانت ليال في غرفتها تُذاكر. سمعت صوت الباب يغلق بقوة، لكنها لم تُعطِ الأمر اهتمامًا كبيرًا، فقد اعتادت على تقلبات مزاج سلوى وأشرف. لم تكن تُدرك أن الحقيقة التي طالما كانت مدفونة قد بدأت تتكشف، وأن حياتها على وشك أن تتغير جذريًا.
لم يستطع أشرف أن يُواجه سلوى في تلك اللحظة. كانت الصدمة أكبر من أن تُحتمل. كان بحاجة إلى وقتٍ لاستيعاب هذا الزلزال الذي ضرب أساس حياته. كان عليه أن يُفكر، أن يُخطط، كيف سيتعامل مع هذه الحقيقة المرعبة، وكيف سيُعوض ليال عن سنوات الظلم التي عاشتها تحت سقف بيته، دون أن تكون ابنته.
.................
لم يذق أشرف طعم النوم طوال الليل. كان عقله ساحة معركة، تُصارع فيها الصدمة مع الإحساس بالذنب والغضب.
"هقول لإخويا إيه؟" فكر أشرف بمرارة وهو يتقلب في فراشه.
"هقوله معلش هرجعلك بنتك بعد 18 سنة، أصل مراتي بدلت العيال وعذبتها، والبيت كله شاهد على ده؟" كان السؤال يخنقه. لكن وسط هذه الفوضى العارمة، اتخذ أشرف قرارًا حاسمًا لا رجعة فيه: يجب أن يحمي ليال. سواء كانت ابنته أم لا، سواء كانت ابنة أخيه، لن يسمح لـسلوى بتعذيبها ثانية. يجب أن يبعدها عن سلوى فورا ..
كومنتات كتير ❤️❤️❤️❤️
وفوت 🌟 🌟 🌟
Angel