الفصل العاشر: ليال تبحث عن مكانها...
في الطابق الرابع من العمارة، حيث كانت شقة معتز تستعد لاستقبال حياته الجديدة، كانت الأجواء مفعمة بالنشاط والأمل. جدران الشقة الجديدة، التي كانت حتى وقت قريب مجرد أسمنت باهت، بدأت تكتسي بألوان زاهية، وأصوات المطارق والدهانات تملأ المكان. منة، خطيبة معتز، كانت متواجدة باستمرار، تختار الأثاث، وتُشرف على أعمال التشطيبات بنفسها.
بسبب قربها من الطوابق السفلية، أصبحت منة تقضي وقتًا طويلًا في بيت العائلة، وخاصة في شقة فريال، حيث كانت تجد الهدوء والترحيب. وهناك، توطدت علاقتها بـليال. كانت ليال تشعر بالراحة مع منة، التي عاملتها بلطف واهتمام لم تعهدهما في منزلها. غالبًا ما كانت منة تأخذ ليال معها إلى شقة معتز، تطلب رأيها في اختيار الألوان، أو ترتيب الأثاث، وكأنها طفلة كبيرة تُشاركها همومها.
في أحد الأيام، بينما كانت منة تُشرف على تجهيز غرفة الأطفال في شقتها، والتي كانت فسيحة ومُطلة على حديقة صغيرة خلف المبنى، استدعت ليال لتُريها بعض عينات ورق الجدران. كانت الغرفة تُشبه لوحة فنية قيد الإنجاز، ألوانها هادئة ومبهجة في آن واحد، ومُصممة لتكون ملاذًا للأطفال المستقبليين.
"إيه رأيك يا ليال؟ اللون ده أحلى ولا ده؟" سألت منة ليال وهي تُقارن بين عينتين من ورق الجدران عليها رسومات نجوم صغيرة وطيور و ورود ملونة.
توقفت ليال أمام الجدران، وتأملت الألوان باهتمام. لم تعتد أن يُطلب رأيها في مثل هذه الأمور. عيناها الصغيرتان بدأتا تقارنان بين هذه الغرفة المليئة بالأمل، وبين غرفتها هي في الطابق الثاني.
بينما كانت ليال تُشارك منة في اختيار تفاصيل غرفة الأطفال المستقبلية، بدأت المقارنات تتسلل إلى عقلها البريء، لتُسبب لها ألمًا خفيًا. تذكرت غرفتها هي في الطابق الثاني، غرفة "الكركبة" كما كانت تسميها سلوى. كانت غرفتها صغيرة، مظلمة، مليئة بالصناديق والأغراض القديمة، لا تحتوي على ألعاب كثيرة، وتلك القليلة كانت في الغالب من بقايا ألعاب تاليا القديمة.
"ليه منة بتختار حاجات باهتمام لولادها اللي لسه مجوش؟" تساءلت ليال في سرها، وهي تنظر إلى الألوان المشرقة والأثاث الذي بدأت معالمه تظهر في غرفة معتز.
ثم خطر ببالها غرفة تاليا في الطابق الثاني. كانت غرفة تاليا جميلة، مُزينة، مليئة باللعب الحديثة والملابس الجديدة التي لا تنتهي. حتى غرفة عمر وسليم في الطابق الثالث كانت مُرتبة ومنظمة وجميلة.
"ليه أوضتي وحشة وكلها كراكيب؟" تمتمت ليال بصوتٍ كاد أن يكون غير مسموع، وقد شعرت بقلبها ينقبض.
"حتى أوضة تاليا حلوة... حتى كمان أوضة سليم وعمر حلوة. ليه أنا بس؟ حتى لعبي باخد لعب تاليا القديمة."
فجأة، تدفقت المشاعر المتراكمة داخلها. شعور بالظلم، بالغضب، وبالوحدة. لم تستطع ليال كبتها أكثر من ذلك. انفجرت في البكاء فجأة، وبدأت الدموع تنهمر على وجهها الصغير. ركضت من شقة معتز دون أن تنطق بكلمة، تاركة منة في حيرة ودهشة.
نزلت ليال السلالم مسرعة، تجري بدموعها حتى وصلت إلى شقة فريال في الطابق الأول. ألقت بنفسها في حضن جدتها، التي كانت تجلس في الصالون الهادئ.
"يا تيتا !" صاحت ليال بين شهقاتها، وهي تشد على ملابس فريال. "أنا عايزة أوضة حلوة زي أوضة تاليا! ليه أوضتي مش حلوة؟ ليه كلها كراكيب؟"
نظرت فريال إلى حفيدتها الصغير، وشعرت بقلبها ينفطر ألمًا. كانت هذه هي المرة الأولى التي تُعبر فيها ليال عن مشاعرها بهذا الوضوح. "حتى أوضة الأطفال عند معتز حلوة... ليه أوضتي أنا بس اللي وحشة؟" أكملت ليال، وهي ترفع عينيها المليئتين بالدموع، وكأنها تسأل عن سر هذا التمييز القاسي.
احتضنت فريال ليال بقوة، وضمتها إلى صدرها، وعيناها امتلأت بالدموع. كانت تعلم أن صرخة ليال هذه هي صرخة طفلة تبحث عن مكانها، عن قيمتها، وعن الحب الذي تُحرم منه في منزلها الحقيقي.
............ ............... 》》》
في شقة فريال بالطابق الأول، كانت دموع ليال تُقطّع قلب جدتها. احتضنتها فريال بقوة، وربتت على شعرها، تُحاول تهدئتها. رائحة البخور الهادئة في الصالون لم تُخفف من ألم فريال وهي ترى حفيدتها بهذا القدر من الانكسار.
"إيه يا حبيبة قلبي؟ ليه الدموع دي كلها؟" قالت فريال بصوتٍ حنون، وعيناها مليئتان بالشفقة.
رفعت ليال رأسها عن صدر فريال، وعيناها الزيتونيتان ما زالتا تلمعان بالدموع. "عايزة أوضة حلوة زي أوضة تاليا... ليه أوضتي مش حلوة؟" كررت سؤالها، وكأنها تبحث عن إجابة لم تجدها قط.
نظرت فريال إلى وجه ليال البريء المتعب، وشعرت أن الوقت قد حان لتقديم بعض الطمأنينة الحقيقية. "خلاص يا روحي، خلاص يا ليال. أنا هعملك هنا أوضة ليكي لوحدك،" قالت فريال بحنان، وهي تُمسح دموعها الصغيرة.
اتسعت عينا ليال بذهول وفرحة. "بجد يا جدتي؟" قالت بصوتٍ خافت، كأنها لا تُصدق ما تسمعه.
"آه بجد يا حبيبتي،" أجابت فريال بتأثر، "وهتنقي كل اللي تحبيه فيها. اللون اللي عايزاه، السرير اللي يعجبك، وكل حاجة تتمنيها."
قفزت ليال من حضن فريال بفرحة، وبدأت تخطو خطوات صغيرة في الصالون وكأنها تحلم.
"هنقي حاجتي؟"
"آه يا حبيبتي، هتنقي كل اللي أنتِ عايزاه... وتيجي تقعدي فيها طول اليوم، ولو عايزة تنامي فيها كمان... البيت هيفضى علينا أنا وجدك، معتز خلاص هيتجوز وهيمشي،" قالت فريال وهي تُحاول أن تُخفي حزنها على فراق ابنها ببعض المزاح، لكن نبرتها كانت تحمل أملًا جديدًا لليال.
"عايزاها حلوة زي اللي عند معتز!" قالت ليال بحماس طفولي، وقد بدأت ملامح السعادة ترتسم على وجهها.
"وأحلى كمان يا حبيبة قلبي، أحلى كمان،" ردت فريال، وهي تُمسك بيد ليال بحنان.
جلست فريال في صمت بعد أن ذهبت ليال لتلعب، وغرقت في أفكارها. "يا ريتني أقدر أتكلم يا حبيبتي،" همست لنفسها، عيناها تحدقان في الفراغ. "لو كنت أعرف إن سلوى ممكن تهتم كنت قلت لها تعملك أوضتك... بس مفيش فايدة فيها. قلب الأم ده صعب يتغير." شعرت بثقل السر الذي تحمله، وبمدى تأثيره على هذه الطفلة البريئة.
............ ............... 》》》
في شقة معتز بالطابق الرابع، كانت منة ما زالت تشعر بالحيرة مما حدث مع ليال. عندما عاد معتز، سألته بقلق.
"إيه اللي حصل لليال يا معتز؟ البنت كانت كويسة وفجأة انفجرت في العياط وجريت. في حاجة حصلت؟" قالت منة وهي تجلس بجانبه على الأريكة، تعابير وجهها تعكس اهتمامًا حقيقيًا.
تنهد معتز، وشعر بأسى شديد على حال ليال.
"ليال دي قصة حزينة يا منة. البنت دي مظلومة جدًا."
"ليه؟" سألت منة بفضول.
"أمها، سلوى، من ساعة ما ولدت تاليا، وهي مهملاها جدًا. كل اهتمامها لتاليا، وليال عايشة في الظل. مفيش حد بيهتم بيها هناك، غير ماما وبابا وأنا. لدرجة إنها كبرت ومكنتش بتتكلم خالص، إلا لما اشرف خدها لدكتور تخاطب، وإحنا قعدنا نتكلم معاها." قال معتز، وقد ظهر عليه الضيق وهو يتحدث عن إهمال سلوى.
نظرت منة إلى معتز بجدية، وعقدت حاجبيها.
"أنا كمان لاحظت فرق التعامل بين الطفلتين، ده واضح أوي في البيت. تاليا كل حاجة جديدة، وليال... لا حول ولا قوة إلا بالله."
"يلا، ربنا يهديها،" قال معتز بيأس،
"يا ريت تبقي تهتمي بيها إنتِ كمان يا منة. هي محتاجة أي اهتمام."
"من غير ما تقول يا معتز،" أجابت منة بحنان، وقد شعرت بقلبها يميل أكثر لهذه الطفلة المسكينة.
"ليال بنت طيبة أوي، وهبقى أهتم بيها أكتر من الأول كمان."
استمرت منة في التفكير في ليال، وشعرت بمسؤولية جديدة تجاه هذه الطفلة التي بدت وكأنها تبحث عن يد حانية تُمسك بها في هذا العالم الصاخب.
كيف ستتغير حياة ليال بعد هذا الوعد من فريال وهذا الاهتمام الجديد من منة؟ وهل سيؤدي هذا إلى مواجهات جديدة مع سلوى؟
رأيكم.... وفوت 🌟
Angel